اذهب إلى المحتوى
محاورات المصريين

الشورى والديموقراطية.... وجهان لعملة واحدة


disappointed

Recommended Posts

لعلّنا نلاحظ كثرة اللغط حول الشورى والديموقراطية كما لو أنهما تتعارضان، أو كما لو أن الواحدة منهما تلغي الأخرى.... ولكن الأمر ليس كذلك أبداً.....فالشورى و الديموقراطيّة وجهان لعملة واحدة

دعونى أولا أوضـّح قيمة الشورى فى الإسلام والتى بلغ من إهتمام الإسلام بها أن كانت هناك سورة كاملة بإسمها فى القرآن الكريم (سورة الشورى):

فالشورى قيمة إسلاميّة إنسانية يجب علينا أن نؤمن بها, وما لا يلتفت إليه الكثيرين هو أن إيماننا بالشورى يجب أن يكون على قدم المساواة بإيماننا بوجوب الصلاة من الناحية الشعائرية، وإيماننا بوجوب الإنفاق كقيمة أخلاقية من الناحية المعاشية..... والدليل على ما أقوله يأتى من واقع مرجعيّتنا الإسلاميّة الرئيسيّة , إذ يقول الله عز وجل فى كتابه الحكيم - فى الآية 38 من سورة الشورى- :

"والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون"

ولنتأمّل هذه القيم الثلاث :

الصلاة

الشورى

الإنفاق

هذه القيم الثلاث جمعها الله فى الآية المذكورة أعلاه ليشدّد على أهمّيتها لنا كمسلمين

هذه القيم الثلاث كانت موجودة ومحل إيمان في مجتمعنا الإسلامى فى القرن السابع، ويجب أن تظل موجودة و محل إيمان فى مجتمعنا الإسلامى فى القرن الحادى و العشرين

طيّب.....هذه القيم ...... أليس لها جانب تقنى ( أى آليّة تنفيذ)؟؟!!

نعم..... بالتأكيد

فالجانب التقني (آليّة التنفيذ) فى الصلاة مثلا يتمثّل فى الطهارة والوضوء والنيّة والتوجه إلى القبلة والقراءة والركوع والسجود والتشهّد و عدد الركعات

وبما أن الصلاة من أركان الإيمان، وبما أنها من الشعائر و العبادات , و بما أن الجانب التقني (أى آليّة و طريقة تنفيذها) شيئ هام جداً فيها ( لأنه يحدد انتساب القائم بها إلى الإسلام ) فقد وصلتنا كما علَّمنا إيّاها الرسول عليه الصلاة و السلام، وما زالت كما هي، و ستظل كما هى , ويجب أن تظل كما هى......لأن التغيير و التبديل والإبداع فيها بدعة لايجوز ولا يجب قبولها على الإطلاق

ومن هنا فإن الجانب التقنى (آليّة و طريقة التنفيذ) فى الصلاة يحمل صفة الثبات

ولكن ماذا عن الشورى التى هي ليست من الشعائر أو العبادات (كقيمة.... و كجانب تقنى أو آليّة أو طريقة تنفيذها)؟؟؟

الشورى - كما قلت سابقا- قيمة إسلاميّة إنسانية يجب الإيمان بها - ولكنها ليست أحد شعائر العبادات- , وهى ضرورية لممارسة ولاية الأمر (خاصة فيما يتعلق بالحكم والسياسة والاقتصاد والتشريع المدنى).... أما الحُكم فيجب أن يكون له علاقة بالقضاء فقط -فى مفهومنا الإسلامى- (لذا فرئيس الدولة عند العرب هو أمير....ورئيس كل فئة هو أميرها......والإمرة والإمارة مشتقتان لغويّا من الأمر)

ولهذا....

جاء قوله تعالى "وأمرهم شورى بينهم"

و لهذا أيضا جاء فى سورة آل عمران قوله تعالى "وشاورهم في الأمر"

أما الأحكام القضائية - بالمصطلح المعاصر- فهى تلك التي أشار إليها الله عز وجل فى سورة النساء بقوله "فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم"

طيّب....

ما معنى هذه الآية؟؟؟

معناها أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يفرض - بذاته- على الناس الاحتكام إليه، ولم ينصّب نفسه قاضياً يحكم بين الناس بالقوة , بل كان الله عز وجل هو الذى أخبر الناس أن إيمانهم لا يُقبل إلاّ لو حكّموا الرسول الكريم فيما يشجر بينهم , وبذلك نصّب الله عز وجل سيّدنا محمّد قاضيا يحكم بين الناس بموجب التعاليم التى أرسله الله بها وبقوّة التشريع الإلهى

إذن.... أوليس معنى ذلك أنه يفتح بابا يطل منه تساؤل حول الجانب التقني في الشورى و آليّة و طريقة تنفيذها؟؟؟

إن الإجابة على هذا التساؤل ضرورية كي نفهم معنى الديموقراطية ونتبين عدم تناقضها مع الشورى

مممممم.... :huh:

طيّب.... علشان نجاوب على هذا التساؤل دعونى أضرب هذا المثال البسيط :

في العصور السحيقة و قبل إستئناس البشر للحيوانات و قبل تذليل الأنعام كانت وسيلة الانتقال من مكان إلى آخر عند الإنسان هي الأقدام (موتو - رجل )

ثم...

بتذليل الأنعام و إستئناس الحيوان أضاف الإنسان وسيلة أخرى لانتقاله

ثم....

بعد اكتشاف العجلة أضاف الإنسان وسيلة تنقل جديدة mf(

ثم....

بعد اكتشاف المحرك البخاري جاء القطار ، وتلته السيارة و الــــ ;)

ثم كانت الطائرة

إذن....فقد كان لكل مرحلة من هذا المراحل وسائل التنقل المختلفة , وكل منها تؤدّى الغرض المتناسب و المتناسق و المتلائم مع كل مرحلة , وكل وسيلة تنقل لها أنواع و أشكال خاصة بها....فالسير على الأقدام فيه الهوينا والهرولة والركض، والأنعام فيها الحصان والحمار والبغل والثور والجمل (اللى دايما الحكومة حاجزاه رمز لمرشح الحزب الوطنى :o )، والعربة فيها ذات العجلتين و ذات الثلاث وذات الأربعة، والقطار فيه البخاري والكهربائي ( ومؤخرا الإنفجارى فى اليابان....لو عند د/صابر معلومات عنه ياريت يفيدنا بيها فى موضوع فى باب الثقافة و العلم)، و يمكننا ان نقول مثل ذلك في السيارة والطائرة

كل هذه الأشكال من الوسائط والوسائل هي لغرض واحد بعينه وهو النقل والانتقال، وللإنسان أن يختار منها ما يناسب الظرف والحال ( فالانتقال من غرفة إلى أخرى تناسبه الأقدام -مش معقول يعنى الواحد يطلع من أوضة النوم بــ"فيسبا" علشان يروح يشرب ميّه من الثلاّجه rs: - ...... والانتقال فى الأرياف من غيط أبو سويلم لأبو إسماعيل يناسبه الحصان أو البغل أو الحمار - مش حيركب فيرارى طبعا-...... أما السيارة ففى المدينة أو من مدينة إلى أخرى ، والطائرة من قارة إلى أخرى..... و طبعا لا شيء يمنع في الوقت ذاته من استعمال الطائرة بين المدن، أوالسيارة فى الأرياف - بس بيجو 7 راكب مش فيرارى -... ولكن من غير المعقول أن يتم التنقل بالطائرة فى المنزل أو بين القارّات بـــ"فيسبا" :P )

طيب.... خلّونا بقى نأخذ الشورى كقيمة إنسانية.... حنلاقى إن الجانب التقنى منها خضع للتطور, بحيث أفرزت معطيات و خصائص العصر حقولاً وإمكانيات و أدوات و آليّات معاصرة لم تكن متوفرة فى السابق

لقد آمن النبي بالشورى كقيمة , وطلب منّا أن نؤمن بها أيضا إستجابة منّا لما بلّغه لنا عن الله عز و جل فى سورة الشورى، وطبّق الرسول الكريم الشورى بحسب الشكل التقني السائد في عصره والذي يلخصه الله عز و جل بقوله "وشاورهم في الأمر" .....وهو الجانب التقني الذي مارسه النبي صلى الله عليه وسلم تاريخياً -على أرض الواقع- وضمن الشكل السائد الممكن في ذلك الوقت..... أي أن :

"وأمرهم شورى بينهم" هى القيمة....... بينما "وشاورهم في الأمر" هى الجانب التقني (أى آليّة و طريقة التنفيذ) لهذه القيمة (و هو الشيئ الذي يخضع للتطور التاريخي للمجتمعات)

لقد كانت الجوانب التقنية والإمكانيات و الوسائل و الآليّات و الأدوات الموجودة تتمثل في مشاورة رؤساء القبائل والوجهاء وكبار القادة( فمفهوم صندوق الاقتراع وانتخاب أمير المدينة أو رئيس الدولة والاستفتاء لم يكن متاحاً أصلاً لأنه لم يدخل في دائرة وعي الناس آنذاك) ....وما فعله النبي صلى الله عليه و سلم هو أنه مارس "وشاورهم في الأمر" ضمن مستوى وعي الناس في ذلك الوقت و من خلال تركيبة مجتمعيّة بشريّة ذات خصائص معيّنة ( من ناحية قلّة التعداد و صغر حجم المجتمع و محدوديّة وسائل الإتصال...إلخ إلخ إلخ).... فإذا أراد رئيس دولة الآن مشاورة الناس في أمر ما فإنه سيلجأ إلى الاستفتاء(وما عملية الاستفتاءات إلا مشاورة الناس في اتخاذ قرار هام .... كإقرار الدستور أو تعديله أو إقرار قوانين نظاميّة محوريّة..إلخ إلخ)

وبهذا فإن المنطق يقول أن الجانب التقني والأدوات و الآليّات لتنفيذ عملية الشورى هذه قد تطوّرعلى أيدي الإنسانية حتى وصل إلى مفهوم الدولة المدنية الديموقراطية.... أي أن الديموقراطية هي آخر تقنية و أحدث آليّة وصلت إليها الإنسانية لممارسة الشورى (ولكنها ليست الأخيرة أوالأحسن بالضرورة - بالمفهوم النسبي وليس بالمفهوم المطلق-.... أي أنها -حتى الآن -هي الأنسب من بين التقنيات و الآليّات و الأدوات التي توصلت إليها الإنسانية لممارسة الشورى..... ومن هنا نرى معنى الخلط في وضع الشورى كمقابل للديموقراطية أو العكس بينما الحقيقة هى أن الشورى قيمة معيّنة بينما الديموقراطية ليست سوى شكل تقني أو آليّة أو أداة لتنفيذ الشورى في الواقع المعاش حسب معطيات و خصائص و سمات هذا الواقع

مممممم...

حييجى واحد طبعا ويقول إن الدولة المدنية الديموقراطية تعني أنها ضد الدين، أو أنها لا دينية

و هنا أقول له أن هذا غير صحيح.... والقائل بهذا يخلط بين الدولة المدنية أو العلمانية وبين الاستبداد..... فالاستبداد ظاهرة قد توجد في دولة علمانية كتركيا والاتحاد السوفيتي السابق....وقد توجد ظاهرة الإستبداد في دولة إسلامية ترفع شعار (لا إله إلا الله محمد رسول الله) كأفغانستان .... وهذا يعني أن الاستبداد -كظاهرة- قابل لأن يمارسه العلمانيون تحت شعار العلمانية والتقدمية وقابل لأن يُمَارَس في الوقت ذاته تحت شعار حاكمية الله وحكم الشرع...... ومن هنا فنحن نرى أن الطرفين يتبعان

لظاهرة واحدة وهي الاستبداد

فالمستبد فى الحالة الأولى يقتل الناس ويعتقلهم ويصادر حرياتهم تحت شعار العلم والتقدمية والثورية و...."أعداء الشعب أعداء الثورة"

و المستبد فى الحالة الثانية يعتقل الناس ويقتلهم ويصادر حرياتهم تحت شعار الردّة والزندقة والكفر و الخروج من الملّة والإلحاد والحرابة

ولهذا لا يجب أن نستغرب هذا العداء المستحكم بين هذين المستبدّين رغم أنهما يشربان من نبع واحد وهو نبع الاستبداد، ورغم أن كلاهما يريد السلطة لنفسه ليستبد بها من خلال ما يطرحه من شعارات

حييجى واحد ثانى يقول أن لو تمكّنت هذه التقنية أو الآليّة الديموقراطية من توفير مكتسبات مثل إقرار مبدأ حرية الرأي والرأي الآخر، وحرية الكلمة, وحرية الصحافة ,وحرية المعارضة, ومبدأ المحاسبة والمساءلة, وإعادة النظر في مفهوم الحصانة, ومبدأ تداول السلطة, والانتخابات الدورية , ومبدأ فصل السلطات وتحديد صلاحيات كل منها....إلخ إلخ....إلاّ أنه سيكون لهذه الآليّة أو التقنيّة الديموقراطيّة فى تنفيذ مبدأ الشورى عيب خطير يتمثل فى تجاوز الفرز الطائفي والمذهبي والمِلّي في مناصب الدولة ووظائفها بحيث قد تمكّن الكفائة فردا غير مسلم من تقلّد منصب كبير فى الدولة

وهنا أقول له :

طيب و فيها إيه يعنى؟؟؟

وهل ستكون هذه هى المرّة الأولى التى تحدث فى دولة إسلاميّة؟؟

أولم يتقلّد غير مسلمين أعلى المناصب - حتّى منصب الوزير- فى ظل الخلافة الإسلاميّة - كما حدث فى مصر أكثر من مرّة-؟؟

ألم يرد فى القرآن الكريم مبدئا تجلّى فى قوله تعالى فى الآية 26 من سورة القصص :

"قالت يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين"

طبعا حيسمع كلامى ده فحيقول لى : آآآآآآه... آدى اللى إحنا بنقول عليه.... حنخش بقى فى قصّة " المواطنة" و " الدولة المدنيّة" والبدع إيّاها دى... و حندخل بقى قصّة إن المكتسبات اللى ممكن تحققها الديموقراطيّة محتاجة دولة مدنية قائمة على مبدأ المواطنة و متجاوزة للمذهبية والطائفية والكلام الخطير ده

حأقول له : يا سيّدى الفاضل..... " المواطنة" و " الدولة المدنيّة" ليست بدعة ولكنّها الصورة الحديثة المعاصرة لما أقرّه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى يثرب عندما أبرم معاهدة "موادعة اليهود" التى يكفى أن ننظر إلى بنودها لنجد كيف شخّص رسولنا الكريم أسس المجتمع المدنى القائم على المواطنة قبل أن ينتبه العالم لهذه الأسس بقرون

حأقول له إن كون الدولة مدنيّة لايعني بالتبعيّة و بالضرورة أنها لابد أن تكون دولة مع الإلحاد و ضد الدين أو مع الدين ضد الإلحاد، ولا يعني أنها دولة لابد و أنها بدون مثل عليا أوبدون قيم أخلاقية تحكمها....فالدولة المدنية دولة تمثل مواطنيها بكل عقائدهم وثقافاتهم و "إثنيّاتهم"( وهى تلك التي تظهر في مؤسسات الدولة).... ومن هنا فالخوف يجب ألاّ يكون من الديموقراطية(كتقنية و آليّة معاصرة للشورى) بل يجب أن يكون الخوف من الاستبداد.... فقد يكون المستبد ملحداً وقد يكون متدينا

حييجى واحد و يزعّق و يقول : يا عم إنت أنا خايف على المثل العليا الإسلامية

حأقول له يا عمّنا لامحل هنا للخوف..... فالمثل العليا الإسلامية مثل إنسانية مثاليّة يتولى المجتمع بأكمله مهمّة الحفاظ عليها،و لكن ذلك يحتاج إلى حرية الرأي والتعبير ليستطيع المجتمع كشف ومعاقبة من يخالفها حين تصبح الكلمة أكثر حسما من السيف و أقوى تأثيرا من البارود (عمرك شفت حد كشف فساد أو عاقب منحرف وهو خائف من قول الحق؟؟؟)

الديموقراطية لاتعني أبداً كما يتوهم البعض استبدال ثقافتنا بثقافة أخرى، فإذا قام نظام ديموقراطي سليم في مصر مثلاً، فإن ذلك لايعني أن شعب مصر أصبح ذا ثقافة أمريكية أو فرنسية أو إنجليزية، بل ستبقى مصر إسلاميّة عربية و ذات ثقافة و تراث و هويّة عربية إسلامية عريقة.....و الاستبداد وحده هو الذي يمكن أن يفرض ثقافة بديلة جديدة، أما الديموقراطية فلا :)

طيب خذ يا أخى مثال تونس و مثال تركيا و مثال أفغانستان.....ففي تونس وتركيا قامت الأنظمة الحاكمة بفرض السفور بالقوة (استبداد يعنى) وفي أفغانستان تم فرض النقاب - والحجاب من الإسلام بينما النقاب شيئ آخر - بالقوة (استبداد برضه يعنى).....يبقى إذن مافيش فرق بقى بينهما، فكلاهما يشرب من نبع واحد وهو نبع الاستبداد(ولا تغرنك الشعارات البراقة عند الأول باسم التقدمية والتحضر، ولا عند الثاني باسم الشرع الإسلامي)

حيرجع واحد و يقول لى : إنت عايزنا يعنى نبقى زى الناس اللى برلمانتها الديموقراطيّة أقرت اللواط وأجازته قانونياً؟؟؟؟ والاّ الثانيين اللى أقرّوا حبوب منع الحمل في مدارس البنات و الإجهاض فى كل وقت ولأى سبب لنشر الإباحيّة؟؟؟... إنت إتجننت يا جدع إنت؟؟؟؟ art:)

حأقول له بالراحه علينا يا عمّنا..... إيه علاقة اللى بتقوله ده بالديموقراطية؟؟ وهل العيب في الديموقراطية ذاتها؟؟؟

ياسيّدى... العيب في الناس أنفسهم..... والعيب فى القيم الليبراليّة التى تمثّل الديموقراطية تقنيّة و آليّة تنفيذها....إنما إحنا الديموقراطية حتكون تقنية و آليّة تنفيذ قيمنا الإسلاميّة

الناس اللى بتتكلم عليهم و بتستشهد بحالتهم دول ناس فكرة الليبرالية تحولت عندهم إلى صنم، وتجاوزوا حدود الله، وجعلوا حقل الحرام خاضعاً للاجتهاد الإنساني

( سبق لى أن قلت فى أكثر من موضوع سابق لى أن المثل العليا والمحرّمات لاتخضع للتصويت ولا للرأي والرأي الآخر.... وأنه لا يجوز أن نجعل من هذا سبباً لمحاربة الديموقراطية و إعتمادها كوسيلة و تقنية و آلية لممارسة الشورى، وأن الديموقراطية هى المرآة التى ستعكس ثقافاتنا وأخلاقياتنا و مبادئنا و مفاهيمنا الإسلاميّة

طيب أنا راضى ذمّتكم :

لو حاول أحد ما أو جماعة ما طرح مسألة اللواط أو السحاق أو أى نوع من أنواع الشذوذ الجنسى وتجويزها في مجلس برلماني ببلد عربي إسلامي فكم ستكون نسبة المعارضة؟؟؟؟؟

أبصم بالعشرة أنها حتما ستتجاوز 90% , لأن الثقافة العربية الإسلامية - بما فيها المثل العليا والمحرمات أصبحت بعد أربعة عشر قرناً جزءاً من وعي الناس وضميرهم و مكوّنا أساسيّا - إن لم يكن وحيدا- لمفاهيمهم...... ومن هنا فإن أي نظام ديموقراطي يقوم في أي بلد عربي إسلامي سيزيد هذه الثقافة رسوخاً، ولاخوف عليها من لوطيين أو ملحدين...بل على العكس... ستكون الديموقراطيّة هى الدرع الواقى للأغلبية ضد هذه القلّة المنحرفة

يـــا جــــمـــــاعــــة .....

الشورى موجودة في الأسرة بدون صناديق اقتراع، و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجود في الأسرة دون حاجة لصحف أومسيرات إحتجاجية سلمية.... ولا تستقيم أمور الأسرة إلا بوجود سلطة ومعارضة

أما في المجتمع.....

المجتمع الكبير ذو الصبغة المدنيّة المعاصرة....

ذو الأعداد البشريّة المليونيّة.....

ذو المصالح و الوضعيّات المعقدة المتشابكة....

فإن تقنية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثلا تكون في تعدد الأحزاب..... فحزب المعارضة هو أفضل تقنية أو آلية معاصرة لممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع ككل.... وبما أن أكثر الناس خرقاً للمثل العليا وإساءة لإستعمال السلطة والكسب منها وللرشوة والمحسوبية والفساد هو من بيده القرارات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، أي أنه هو السلطة الحاكمة نفسها، أو حزب الأكثرية في البرلمان، لذا وجب أن يكون هناك معارضة ( تلبد له فى الدره ;) )

ولكشف وفضح اختراقات أفراد السلطة الحاكمة للمثل العليا (الكود الأخلاقي)والكشف عن الأخطاء في السياسات العامة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقضائية والتشريعية لابد من معارضة متحفزة لإنحرافات النخب الحاكمة..... وبدون هذا يبقى شعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فى عصرنا الحالى شعاراً مفرغاً من مضمونه، نتغنى به على شاشات التلفاز وخطب الجمعة أو نحتمى به ونحن نسير فى الأسواق بالخرزانة لدفع الناس إلى الصلاة ..... فالأمر بالمعروف و النهى عن المنكر فى حياتنا المعاصرة يجب ألاّ يكون فى محاسبة الناس على علاقتهم بربّهم (على الصلاة والصوم مثلا) , بل يجب أن يحاسبهم الأمر بالمعروف و النهى عن المنكرعلى مدى التزامهم في إتقان العمل والمواصفات في الإنتاج "وأوفوا الكيل والميزان ", وعلى مدى العدل في القضاء "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل" وعلى مدى إعطاء الناس حقوقهم " ولا تبخسوا الناس أشياءهم"وعلى مدى الالتزام بالوفاء بالعهود وعلى رأسها عهد الله، وعلى مدى التزامهم الصدق في شهاداتهم، وعلى مدى تطبيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص

وبما أن التشريع والاقتصاد والسياسة تقوم على مبدأ تقنين الحلال فسينشأ بشكل أكيد مصالح متنازعة و متباينة(بل و يمكن أن توجد بين أفراد وجماعات مؤمنة بالمثل العليا وتمارس شعائر الإيمان إذ أن هذه المصالح المتنازعة-التي هي مخ السياسة ومحورها- لايوجد مجتمع إنساني بدونها.... فهي تلك التي ظهرت على سطح الأحداث في إجتماع السقيفة بين المهاجرين و الأنصار بعد وفاة الرسول الكريم -وهذه ظواهر بشريّة طبيعية صحية لاعيب فيها أبداً... وإذا لم نفهمها على هذا النحو فسنكون كمن يخدع نفسه)

ومن هنا تظهر حاجة النظام الحاكم ليس إلى معارضة تكشف عن الاختراقات والأخطاء وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وحسب، بل إلى معارضة تحفظ التوازن في المصالح المتنازعة

(وهو ماتحققه تقنية و آلية الديموقراطية فى تنفيذ الشورى)

وفى النهاية أشدّد على أن الديموقراطيّة ليست مقابل أو بديل أو منافس للشورى , وليس العكس صحيحا أيضا....فالحقيقة هى أن الشورى قيمة إسلاميّة يتوجّب علينا الإلتزام بها , بينما الديموقراطية ليست سوى شكل تقني أو آليّة أو أداة لتنفيذ الشورى في الواقع المعاش حسب معطيات و خصائص و سمات هذا الواقع

تم تعديل بواسطة disappointed

<span style='font-family: Traditional Arabic'><span style='font-size:15pt;line-height:100%'><strong class='bbc'>إن أخشى ما أخشاه هو :<br /><br />أن تصبح الخيانة يوما ما.....مجرّد.....وجهة نظر</strong></span></span><br /><br /><br /><br /><img src='http://www.egyptiantalks.org/images_temp/moir.gif'alt='صورة' class='bbc_img' />

رابط هذا التعليق
شارك

يكفى ان تطبيق الديمقراطيه بصوره صحيحه سيعطى الفرصه لمن يجد فى نفسه كفاءه للحكم ان يتقدم للترشيح .. ولن تقصر الامر على جماعه او هيئة تتبادل الحكم فيما بينها ..

الديمقراطيه لن تعطى لاى فرد او جماعه قداسه تضعها فوق المساءله .. لن تجعلنا نسمع جمل من قبيل "لا داعى للاختلاف مع راى العلماء فى هذه المساله او تلك درءا للفتنه" .. فى الحاله التى يتفق فيها راى هذا العالم مع ما تراه السلطه .. بينما لو خرج هذا العالم عليها كان لزاما على الجميع ان يهاجموه و يختلفوا معه .. الديمقراطيه لن تسمح للعلماء بالتحالف مع السلطه تبادلا للمصالح على حساب الشعب

الديمقراطيه لن تجعل حاكما يطبق على انفاسنا الى ان يتوفاه الله متوهما انه وحيد عصره و اوانه وهبة الله الى الشعب ليحكم الى ما لا نهايه .. فان كان حقا مجيدا ما الذى يمنع ان يتواجد غيره من المجيدين الذين قد يفوقوه فى المهاره لو اعطوا الفرصه

بس ..

هى فين الديمقراطيه

"أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونٌَ"

صدق الله العظيم

-----------------------------------

قال الصمت:

الحقائق الأكيده لا تحتاج إلى البلاغه

الحصان العائد بعد مصرع فارسه

يقول لنا كل شئ

دون أن يقول أى شئ

tiptoe.gif

مريد البرغوثى

رابط هذا التعليق
شارك

الموضوع ليس بجديد و أظن انه نوقش مراراً و تكراراً هنا فى المحاورات و أظن ان عنوان الموضوع يخل به خللاً جسيماً "الشورى والديموقراطية.... وجهان لعملة واحدة " فهذا تقرير ليس فى موضعه بالمرة فلعل اخونا محبط يغير العنوان.

وإن كنت ترى أن بعض أثار الديموقراطية الايجابية تتفق مع مقاصدنا فلعلك تتطالب بتفعيل الاصل و لا تنادى بالصورة التى يشوبها الكثير مما لا يتفق مع الاسلام و قد عددت انت بعضه و فندته على نحو افتراضى غير متحقق بطبيعة الحال.

بعض الثوابت عند من ينفى اية علاقة للديموقراطية بالشورى كالاتى :

  • إن الديموقراطية ليست ما يفصله كل واحد على مقاسه، أو يفصله غيره، الديموقراطية منهج كامل لصيانة البناء الاجتماعي، إما أن تقبله، وإما أن ترفضه وتبحث عن منهج آخر يولد لك مصطلحات أخرى أصيلة تناسب عقيدتك ودينك وتاريخك وإنسانيتك.
  • وإذا جاز أن نقبل المصطلح مع إجراء بعض التعديل عليه ليناسب بيئتنا، فما قولك في مصطلح "الثيوقراطية"، وهو "الحكم الإلهي"، فقط سنستبعد منه احتكار رجال الدين للحكم باسم وصاية السماء - على ما عرفه التاريخ الكنسي الأوربي - ويبقى لنا أنها تعني جعل حكم الله هو المهيمن على البشر والمحدد لشريعة المجتمع، هل نستطيع أن نقول - حينئذ - إن جوهر الثيوقرطية "حكم الله" هو الإسلام؟!.
    إنه بالقدر الذي تقول به: إن الديموقراطية من الإسلام، يصح القول: إن الثيوقراطية من الإسلام!!!.
  • ومن الأدلة عند هذا الفريق من الإسلاميين، على أن الديموقرطية مبدأ مستورد، ولا صلة له بالإسلام: أنها تقوم على تحكيم الأكثرية، واعتبارها صاحب الحق في تنصيب الحكام، وفي تسيير الأمور، وفي ترجيح أحد الأمور المختلف فيها، فالتصويت في الديموقراطية هو الحكم والمرجح، فأي رأي ظفر بالأغلبية المطلقة، أو المقيدة في بعض الأحيان، فهو الرأي النافذ، وربما كان خطأ أو باطلاً.
    هذا مع أن الإسلام لا يعتد بهذه الوسيلة ولا يرجح الرأي على غيره، لموافقة الأكثرية عليه، بل ينظر إليه في ذاته: أهو صواب أم خطأ؟ فإن كان صواباً نفذ، وإن لم يكن معه إلا صوت واحد، أو لم يكن معه أحد، وإن كان خطأ رفض، وإن كان معه (99) من الـ (100)!!.
    بل إن نصوص القرآن تدل على أن الأكثرية دائماً في صف الباطل، وفي جانب الطاغوت، كما في مثل قوله تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} [الأنعام:116] {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف:103] وتكرر في القرآن مثل هذه الفواصل القرآنية: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الأعراف:187]).
  • "مفروض أننا نتحدث عن الديموقراطية في مجتمع مسلم أكثره ممن يعلمون.. ولسنا نتحدث عن مجتمع الجاحدين أو الضالين عن سبيل الله".
    هذا فساد موضوعي ظاهر، فالديموقراطية لا تعنى بهوية الإنسان وإيمانه وكفره ونوعية القيم التي يحملها، فالكل سواء، عالم الدين والبغي والمسلم والنصراني، أما إذا قلت: بأن حق الممارسة الديموقراطية في المجتمع المسملم موقوف على المسلم المتدين، ولا يدخل فيها غير المتدين، أو الشاذ جنسياً أو النصراني أو اليهودي أو الملحد، فأنت بذلك تتحدث عن نظام آخر، ومنهج آخر سمه ما شئت، إلا أنه - على وجه القطع - ليس الديموقراطية.
  • و نعود إلى أصل الخلل في تصور الديموقراطية وجوهرها، ففي الديموقراطية الشعب هو المرجح وهو الحاكم وهو المشرع وهو الثابت الوحيد، فإذا قلت: بأن هناك أموراً لا تخضع للتصويت أو لا تدخل مجال التصويت، فأنت بذلك غير ديموقراطي قطعاً، وإذا قلت: بأن هناك ثوابت فكرية أو دينية أو خلقية أو اقتصادية أو سياسية لا تقبل التغيير فأنت بذلك غير ديموقراطي ( فلا مجال للتصويت في قطعيات الشرع)، قول غير ديموقراطي، لأن تقريرك أن هناك شرعاً يحكم فوق إرادة البشر، فهذا طعن في صلب الديموقراطية وجوهرها.
  • الديموقراطية والعلمانية وجهان لعملة أوربية واحدة، ومن قال لك غير ذلك فقد كذبك، وكلاهما مرفوض إسلامياً، ولكن ليس معنى رفضهما أننا - بالحتم - نرفض بعض النتاجات التي تولدت عنها والتي تتشابه مع بعض القيم الإسلامية، فحق الأمة في اختيار الحاكم وحق عزله إذا انحرف أو محاسبته إذا أخطأ، وحرية الرأي، وحق الاختلاف، وحفظ كرامة الإنسان وآدميته، وحق تداول السلطة، واحترام حقوق الأقليات، ونحو ذلك، كل هذه أركان أصيلة في منهج الإسلام في الحكم بنص كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكنها أركان تقوم على أسس تصورية وعقيدية، وتحكمها ضوابط وأطر منهجية، تختلف تماماً، عن الأسس والضوابط التي تمثلها "الديموقراطية" كمنهجية لسياسة المجتمع البشري.

اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التامة من شر ما أنت آخذ بناصيته اللهم أنت تكشف المغرم والماثم، اللهم لا يهزم جندك، ولا يخلف وعدك، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، سبحانك وبحمدك.

0_bigone.gif

رابط هذا التعليق
شارك

وأنا الآخر .... لا أرى .... أن الديموقراطية والشورى وجهان لعملة واحدة

فما يعرف بالشورى أو مجلس العقد و الحل ، كانت وسيلة إدارة أو سياسة المجتمعات في العصور القديمة والتي فرضتها طبيعة هذه المجتمعات ، حتى المجتمعات الأوربية في ذلك الزمان .

منها ....

تكون هذا المجتمع من قبائل ، لكل منها شيخ له الكلمة الأخيرة فيها

وقلة الموضوعات المشتركة

كالخلافات بين القبائل أو الأشخاص أو المجاعات أو الحروب أو الخلافة أو إقامة الحدود ،

دون ذلك لم تكن توجد موضوعات مشتركة تناقش .

أما الآن فقد تطورت المجتمعات فانفرط عقد القبائل والعائلات

وتشابكت العلاقات بشكل ليس له مثيل ، في الإنتاج والاستهلاك والحياة اليومية والقضاء والحرب والسلم

وتشابكت المصالح العامة والخاصة

وزاد حجم المجتمعات من عدة آلاف إلى عدة ... بل عشرات .... بل مئات الملايين .

وكذلك تطورت ثقافة الناس وطرق تفكيرهم بتطور معرفتهم عن الكون

وتطورت وسائل الإنتاج ووسائل الاتصال وغيرها من الوسائل .

وهذا ما أنتج تلقائيا ميكانيزمات جديدة لإدارة وسياسة هذه المجتمعات .

فالعملية لا ترتبط بأيديولوجيات أو عقائد ..... بقدر ما ترتبط باحتياجات ضرورية يحكمها واقع التطور .

فما يصح لمجتمع من الأطفال .....لا يصلح لمجتمع من الشباب ...... أو آخر من الكهول ...........

وكذلك الفصل بين

السياسة ( والاقتصاد )

و العلم

و الفن ( كل مجالات الإبداع )

و الدين

تمت نتيجة لتطور المجتمعات ..... وفي نفس الوقت فأنها تدفع المجتمعات للتطور

فلبساطة المجتمعات القديمة كانت كل هذه المجالات ...... مختلطة في واحد

وكلما تطور المجتمع....... انفصلت عن بعضها شيئا فشيئا ...... إلى أن يتم الانفصال الكامل .

ويظل التعاون لهدف اجتماعي واحد .....

فالانفصال هذا هو سنة التطور

في الكائنات الحية ، فالخلية البدائية تقوم بكل الوظائف

أما الإنسان فهو مكون من أعضاء مختلفة الكينونة والوظيفة والهدف .... وفي تعاونها حياة له ....

وكذلك النظم الاقتصادية ....... من دكان إلى ..... شركة متعددة الجنسيات .... تنفصل كثير من الوظائف .

إذا لم نستوعب ذلك في القرآن الكريم

فما يخص العقيدة و العبادات والأخلاق...... لا خلاف عليه

ولكن ما يخص السياسة والاقتصاد والعلم والفن يعاد النظر في المعنى المجرد لها

على قاعدة المعارف ( المجربة ) التي حصلها الإنسان مخلوق الله وبإرادته .

علوم السياسة والاقتصاد وعلوم الاجتماع وعلم النفس وعلم النفس الاجتماعي وعلوم المعرفة والمناهج ......إلخ إلخ

فالإنسان مخلوق في غاية التعقيد ، وبالتالي المجتمع أكثر تعقيدا

بخصوص الثيوقراطية

أو حكم الله .....

هل سيطبق نفسه بنفسه ؟

أم بواسطة رجال الدين أكثر العارفين به ؟

ومن هم الذين سيحددون صلاحية الرأي ؟

ومن هم الذين سيتولون تحديد درجة إيمان الشخص......... وما هي الوسائل ؟

...............ثم ونصل لاحتكار السلطة ولأقسى أنواع الاستبداد......... باسم الله .

قد يكون سبب تركيز القرآن على أن الأكثرية في صف الباطل

هو بداية الدعوة نفسها ....... والتي دائما لا تكون مقبولة من الأكثرية .

ولكن في الديموقراطيات ....عندما تنضج المجتمعات ..... يتعلم الناس ،.. كأي شخص يتخذ قرار خطأ ويتعلم منه .

<span style='color: #800080'><span style='font-size: 36px;'><span style='font-family: Arial'>

عقول لا ذقون
</span></span></span>
رابط هذا التعليق
شارك

عزيزى د/ صابر

أتمنّى منك أن تعيد قراءة هذا المقطع ( وخذ وقتك فيه) :

خلّونا بقى نأخذ الشورى كقيمة إنسانية.... حنلاقى إن الجانب التقنى منها خضع للتطور, بحيث أفرزت معطيات و خصائص العصر حقولاً وإمكانيات و أدوات و آليّات معاصرة لم تكن متوفرة فى السابق

لقد آمن النبي بالشورى كقيمة , وطلب منّا أن نؤمن بها أيضا إستجابة منّا لما بلّغه لنا عن الله عز و جل فى سورة الشورى، وطبّق الرسول الكريم الشورى بحسب الشكل التقني السائد في عصره والذي يلخصه الله عز و جل بقوله "وشاورهم في الأمر" .....وهو الجانب التقني الذي مارسه النبي صلى الله عليه وسلم تاريخياً -على أرض الواقع- وضمن الشكل السائد الممكن في ذلك الوقت..... أي أن :

"وأمرهم شورى بينهم" هى القيمة....... بينما "وشاورهم في الأمر" هى الجانب التقني (أى آليّة و طريقة التنفيذ) لهذه القيمة (و هو الشيئ الذي يخضع للتطور التاريخي للمجتمعات)

لقد كانت الجوانب التقنية والإمكانيات و الوسائل و الآليّات و الأدوات الموجودة تتمثل في مشاورة رؤساء القبائل والوجهاء وكبار القادة( فمفهوم صندوق الاقتراع وانتخاب أمير المدينة أو رئيس الدولة والاستفتاء لم يكن متاحاً أصلاً لأنه لم يدخل في دائرة وعي الناس آنذاك) ....وما فعله النبي صلى الله عليه و سلم هو أنه مارس "وشاورهم في الأمر" ضمن مستوى وعي الناس في ذلك الوقت و من خلال تركيبة مجتمعيّة بشريّة ذات خصائص معيّنة ( من ناحية قلّة التعداد و صغر حجم المجتمع و محدوديّة وسائل الإتصال...إلخ إلخ إلخ).... فإذا أراد رئيس دولة الآن مشاورة الناس في أمر ما فإنه سيلجأ إلى الاستفتاء(وما عملية الاستفتاءات إلا مشاورة الناس في اتخاذ قرار هام .... كإقرار الدستور أو تعديله أو إقرار قوانين نظاميّة محوريّة..إلخ إلخ)

وبهذا فإن المنطق يقول أن الجانب التقني والأدوات و الآليّات لتنفيذ عملية الشورى هذه قد تطوّرعلى أيدي الإنسانية حتى وصل إلى مفهوم الدولة المدنية الديموقراطية.... أي أن الديموقراطية هي آخر تقنية و أحدث آليّة وصلت إليها الإنسانية لممارسة الشورى (ولكنها ليست الأخيرة أوالأحسن بالضرورة - بالمفهوم النسبي وليس بالمفهوم المطلق-.... أي أنها -حتى الآن -هي الأنسب من بين التقنيات و الآليّات و الأدوات التي توصلت إليها الإنسانية لممارسة الشورى..... ومن هنا نرى معنى الخلط في وضع الشورى كمقابل للديموقراطية أو العكس بينما الحقيقة هى أن الشورى قيمة معيّنة بينما الديموقراطية ليست سوى شكل تقني أو آليّة أو أداة لتنفيذ الشورى في الواقع المعاش حسب معطيات و خصائص و سمات هذا الواقع

مع الشكر

و عزيزى طه.....

أتفهّم تماما منظورك

<span style='font-family: Traditional Arabic'><span style='font-size:15pt;line-height:100%'><strong class='bbc'>إن أخشى ما أخشاه هو :<br /><br />أن تصبح الخيانة يوما ما.....مجرّد.....وجهة نظر</strong></span></span><br /><br /><br /><br /><img src='http://www.egyptiantalks.org/images_temp/moir.gif'alt='صورة' class='bbc_img' />

رابط هذا التعليق
شارك

عموما...

كما قلت.....فإن من يريد مقارنة الشورى بالديموقراطيّة هو كمن يريد مقارنة قِيَم ما بآليّات تنفيذها....أى أنه لايقارن قِيَم بقِيَم بديلة أو آليّات بآليّات بديلة

وأعتقد أنه لفهم علاقة الشورى بالديموقراطيّة فإن علينا أن ننظر للموضوع برمّته على أنّه كالنسيج المتعدّد الخامات , فنسيج هذا الموضوع تتداخل فيه العقيدة و الشريعة مع التدفق التاريخى و الإجتماعى للأحداث و المعطيات خلال مسيرة العالم الإسلامى

ولهذا إسمحوا لى بعرض المنظور التاريخى و الإجتماعى للمراحل التى مرّت بها قِيَم و آليّات الشورى

أعود للأصل مرّة أخرى....... ماهى الشورى؟؟

الشورى هي ممارسة حرّية التداول والرأى من قبل مجموعة من الناس ضمن مرجعية عقائديّة ومعرفية وأخلاقية و عُرفِيّة

وأول أسس الشورى حرية التعبير عن الرأي وحرّية تداول الرأى داخل إطار المجتمع.....أى بوجود الرأي والرأي الآخر.... وبوجود التكافؤ في إتاحة فرص حرية التعبير بين الآراء المختلفة

لكن هناك بنية اجتماعية واقتصادية وسياسية يعيش فى إطارها المجتمع و يتم التعبير عن الرأي من خلالها (لا من خارجها) .... ولهذا فإن الشيئ المنطقى هو أن تأخذ الشورى أشكالاً تاريخية متعاقبة تخضع للتطور والتدفق التاريخي (طبقاً لبنية المجتمع التاريخية وأرضيته المعرفية والإجتماعية و الإقتصادية و السياسية التي تمارس فيها هذه الشورى - وكلها عوامل لايمكن نعتها بالثبات إذ ستظل تتغيّر كلّما ظل التاريخ يتحرّك - فالتاريخ لن يعرف الثبات إلاّ عند قيام الساعة-)

وإذا أخذنا هذه البنية بعين الاعتبارفسنفهم مبدأ الشورى، و سندرك كيف يُمَارَس فعلاً من خلال البنية التاريخية( لا من خارجها) , وسنصل إلى الشورى التي نريدها ونطمح إليها - بل والقابلة للتطبيق فعليّاً - في عصرنا الحديث، و سنستطيع ممارسة الشورى فعليّاً من خلال بنية اليوم وتاريخية هذا العصر

دعونا ننظر للمجتمع الجاهلى القـُرَشى إبّان البعثة المحمّدية:

لقد كان مجتمعاً مؤلّفاً من قبائل، و كل قبيلة لها رأس وشيوخ ومجلس يتم التشاور فيه

ولم يكن العامل الحاسم فى تحديد رؤوس القبائل وشيوخها سوى الموقع المالي، أو عدد أفراد العائلة، أو عدد الفرسان (أي أن القوة الاقتصادية و البشريّة و العسكرية - بالترجمة المعاصرة-هي التي تحدد ثقل و وهاء القبيلة وملأها).... ولهذا.... كان خطاب الأنبياء والرسل موجّهاً على الدوام إلى هؤلاء من أقوامهم، وكان هؤلاء هم الذين يتصدون لدعوة الأنبياء والرسل (و يتضح هذا في التنزيل الحكيم بقوله عز و جل فى أكثر من موقع عند الحديث عمّن يكذبون الرُسُل : "قال الملأ"

هذا النظام تمركز و تموضع فى قريش في دار الندوة، حيث كانت قريش تتألف من عشرة بطون، يرأسها أبرز العائلات في كل بطن (بني هاشم، بني مخزوم، بني أمة....إلخ إلخ)، ويمثل كل بطن رئيس في دار الندوة، و تتوزع الاختصاصات بينهم، ويتشاورون في تسيير أمورهم الاقتصادية والسياسية

وكان هذا المجلس هو الشكل الشوري الجاهلى لمجتمع قَبَلي يمارس التجارة بالأساس و يتعيّش فى الغالب الأعم منها..... فإذا أُبرِم أمر ما في دار الندوة فلا داعي لأن يوافق كل أفراد القبيلة عليه( أي لا داعي للتصويت)

أمّا الحرية فكانت تعني في ذلك الوقت مايضاد العبودية....فكان هناك أحرار (لهم رأى فى تسيير أمور المجتمع) وعبيد (ليس لهم رأى ).... وكان ثمة نوع آخر من الناس (المواطنين) الذين ليسوا عبيداً ولكنهم يعيشون في جوار و حماية أحد البطون (و أصطلح على تسميتهم بالموالي).... وهؤلاء الموالى أيضاً ليس لهم أي رأي في تسيير أمور المجتمع (أي أن الشورى كانت تمارس عند العرب في الجاهلية من خلال بنية المجتمع وتركيبته الثقافية و البشرية والعُرفية ولم تكن تُمَارَس من خارج هذه البنية أو بمعزل عن معطياتها و مفرداتها ، وكانت هذه البنية تقبل بهذا النوع من الشورى.......إلى أن.......جاء......الإسلام

فعندما أتى الإسلام كان المطلب الأساسي و الأوّلى لسيّد الخلق هو حرية العقيدة ( "خَلُّوا بيني وبين الناس" ).... وكان أكثر ما طالب به الرسول الكريم هو أن من شاء أن يؤمن بالدين الجديد فليكن له ذلك ومن شاء أن يبقى على شركه وكفره فليكن له ذلك(أي أن سياسة الدعوة الإسلامية قامت بالأساس على "لا إكراه في الدين" وعلى "يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون"

ولكن...... ما الذى حدث؟؟؟!!!

الذى حدث هو أن" الملأ" من قريش وقفوا علناً واتخذوا موقفاً صريحاً ضد حرية الاختيار عند الناس و لم يكتفوا بكبت و معاداة هذه الحرّية بل تعدّوا و إعتدوا بالفعل عليها

و هنا.....دعونا نقف أمام زمن النزول في الآيتين اللتين ورد فيهما ذكر "الشورى" في التنزيل الحكيم..... فالأولى مكية وهي الآية 38 من سورة الشورى "والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون" والثانية مدنية وهي الآية 159 من سورة آل عمران "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين"

ومع أن المرحلة المكّية لم تكن مرحلة بناء دولة، إلا أن الله سبحانه وتعالى وضع فيها الشورى.... وأين وضعها؟؟؟؟ وضعها بعد "الاستجابة لرب العالمين" و بين فرضين تعبديين (الصلاة و الإنفاق).... فالإيمان هو الإيمان بالله الواحد خالق السموات والأرض، والإسلام هو الاستجابة لرب العالمين، ووضع في الإيمان والإسلام فى تلك المرحلة المبكرة من الدعوة ثلاثة شروط تميّز المؤمنين بأنهم هم من:

1- أقاموا الصلاة

2- أمرهم شورى بينهم

3- مما رزقهم الله ينفقون

ومن هنا نرى أن الشورى كانت منذ البداية جزء أساسي من الإيمان والاستجابة لرب العالمين( مع الصلاة والانفاق)... فهي في تلك الآية قد تم تشخيصها وتعيينها كمبدأ عام في بنية الإيمان والإسلام ( قبل أي ممارسة أخرى على المستوى السياسي أوالاقتصادي) فكانت الشورى فى تلك المرحلة بمثابة صرخة إحتجاج فى وجه القمع و الكبت لحرّية هؤلاء المؤمنين فى إعتناق الإسلام فى ذلك المجتمع القـُرَشى الذى أنكر عليهم حرّيتهم هذه ( والترجمة المعاصرة لمفهوم الشورى هذا فى تلك المرحلة الباكرة من الدعوة هو أنها كانت "نضالا سلميّا إحتجاجيّاً")...ومن هنا جاء الإسلام ليفهم الناس أن أية حركة ثوريّة تكافح من أجل حرية العقيدة وحرية الرأي إنما تكافح من أجل الشورى، وأن الذي يمنع الشورى ولا يؤمن بها كمانع الصلاة والزكاة تماماً ( هذا لترسيخ الشورى من الناحية العقائدية البحتة قبل أية ممارسة أخرى -فالمسلم يجب ألاّ يقبل بديلاً عن الشورى من حيث المبدأ لأنها تدخل في أساس عقيدته -)

أما الشورى في الآية الثانية فقد كانت ممارسة تاريخية.... أي أن الله سبحانه و تعالى أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يشاور الناس في أمور لا تتعلق بالوحي وبالأحكام الإلهية النافذة و الغير قابلة للنقاش ، فجاء الخطاب موجهاً إلى المصطفى بصفته " النبى" وليس بصفته " الرسول"..... أى بصفته في علاقته المباشرة مع الناس المعاصرين له.... وطبق النبي صلّى الله عليه وسلّم هذا الأمر من خلال بنية المجتمع الذي عاشه (فى إطاره و معطياته التاريخية و الإجتماعية و الإقتصادية و السياسية)... علماً بأنه لم يستعمل التصويت وعد الأصوات في كل أمر، بل كان يشاور طبقاً لما تمليه الحالة التي هو بصددها..... وفى السيرة أمثلة لعل أوضحها إستعماله للمشورة فى أمر أسرى بدر ...وجاءت المشورة ضد إعدام الأسرى، فأخذ بهذا الرأي (رغم أنه لم يكن ميّالاً إليه...وهو ما أثبت الوحى لاحقا أنه لم يكن من الواجب إتّباعه)... وربّما أخذ به بسبب المرحلة الحرجة التي كان الإسلام يمر بها في ذلك الوقت، ولكن أخذه بهذا الرأى أثبت ما أعنيه بقولى أن الشورى فى تلك الآية الثانية كانت قد أتت فى سياق مخاطبة الوحى له من مقام النبوّة ..... وهو ما جعل الآية التى وردت بعد ذلك بخصوص تلك المشورة تخاطب المصطفى فى الآية 67 من سورة الأنفال من مقام النبوّة أيضاً :" ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض "

كان هذا مدخل تاريخى أوّلى.... وكنت أود أن أضمّن فى نفس هذه المداخلة باقى طرحى من خلال إستكمال السياق التاريخى و المجتمعى فى أواخر عصر الرسول ثم فى فترة الخلافة الراشدة ثم الأموية ثم العباسية وصولا لعصرنا الحالى حتّى أوضّح منظورى ( والذى يبنى له هذا المدخل التاريخى المنشور أعلاه , والذى سيبيّن فى النهاية كيف كانت مسيرة الشورى و تطوّرها وكيف ضيّعناها بأيدينا و كيف نستميت الآن فى رفض إسترجاعها بدعوى أن الصورة المعاصرة المطروحة لإسترجاعها ليست من الإسلام فى شيئ)..... ولكننى نظرا لضيق الوقت و ظروف العمل فسأضطر إلى الخروج الآن من المنتدى و متابعة طرحى للموضوع فى أقرب فرصة

وللحديث بقية

تم تعديل بواسطة disappointed

<span style='font-family: Traditional Arabic'><span style='font-size:15pt;line-height:100%'><strong class='bbc'>إن أخشى ما أخشاه هو :<br /><br />أن تصبح الخيانة يوما ما.....مجرّد.....وجهة نظر</strong></span></span><br /><br /><br /><br /><img src='http://www.egyptiantalks.org/images_temp/moir.gif'alt='صورة' class='bbc_img' />

رابط هذا التعليق
شارك

ولم يكن العامل الحاسم فى تحديد رؤوس القبائل وشيوخها سوى الموقع المالي، أو عدد أفراد العائلة، أو عدد الفرسان (أي أن القوة الاقتصادية و البشريّة و العسكرية - بالترجمة المعاصرة-هي التي تحدد  ثقل و وهاء القبيلة وملأها).... ولهذا.... كان خطاب الأنبياء والرسل موجّهاً على الدوام إلى هؤلاء من أقوامهم، وكان هؤلاء هم الذين يتصدون لدعوة الأنبياء والرسل (و يتضح هذا في التنزيل الحكيم بقوله عز و جل فى أكثر من موقع عند الحديث عمّن يكذبون الرُسُل : "قال الملأ"

أمّا الحرية فكانت تعني في ذلك الوقت  مايضاد العبودية....فكان هناك أحرار (لهم رأى فى تسيير أمور المجتمع) وعبيد (ليس لهم رأى ).... وكان ثمة نوع آخر من الناس (المواطنين) الذين ليسوا عبيداً  ولكنهم يعيشون في جوار و حماية أحد البطون (و أصطلح على تسميتهم بالموالي).... وهؤلاء الموالى أيضاً ليس لهم أي رأي في تسيير أمور المجتمع (أي أن الشورى كانت تمارس عند العرب في الجاهلية من خلال بنية المجتمع وتركيبته الثقافية و البشرية والعُرفية ولم تكن تُمَارَس من خارج هذه البنية أو بمعزل عن معطياتها و مفرداتها ، وكانت هذه البنية تقبل بهذا النوع من الشورى.......إلى أن.......جاء......الإسلام

فلقد جاء الإسلام بمعطيات و معايير جديدة للشورى

لقد رفض الإسلام المعايير و المقاييس و المعطيات و المفردات المجتمعية الجاهلية التى كانت تحدد من له الحق فى إبداء الرأى و من ليس لديه الحق فى ذلك إرتكازا على معايير الحسب و النسب و المال و القوة و الوجاهة الإجتماعية

لقد جاء الإسلام ليحطّم صنم تمايز بشر على بشر

جاء الإسلام بمفرداته و معاييره و مقاييسه الشوريّة التى تجسّد عظمة و إنسانيّة و عدالة دين الله الحق

وبعد أن كانت الشورى و حق إبداء الرأى حكرا على شريحة معيّنة من المجتمع , أصبحت هناك مبادئ و مقاييس و معايير جديدة لها بعد أن أتى الإسلام بـما يفيد أنه لا فضل لبشر على بشر إلاّ بالتقوى , وأن الجميع كأسنان المشط , و أن الله لا ينظر إلى اللون أو الجسم أو الوجاهة ....إلى آخر ذلك من هذه المبادئ الإسلاميّة

و رغم أن العبوديّة و الإسترقاق كانتا نمطاً إجتماعيا سائداً - ليس فقط فى الجزيرة العربية بل على مستوى العالم- , فقد جاء الإسلام ليحث الناس على إعتاق العبيد ويدعو للحرّية , فربط الكثير من أحكام التكفير عن إقتراف المعاصى وعدم الإلتزام بتكليفات معيّنة بإعتاق العبيد و فك الرقاب

وبهذا...... أصبح للشورى بعداً و إطاراً جديدا فى الإسلام

و لأن الله عز وجل كرّم الإنسان فقد أنعم عليه بالحرّية فى تقرير مصيره (فكيف بالحرّية فى إبداء الرأى)

فالله سبحانه و تعالى لم يعط الحق لأحد من عباده أياً كان بأن يتكلم نيابة عن الناس، أو أن يفرض عليهم أن يتبنوا موقفاً معيناً(بدعوى أو بأخرى......حتى ولا الرسل أنفسهم ) حفاظاً منه عز وجل على حرية الإنسان في تحديد مصيره و إبداء رأيه، وصوناً منه سبحانه و تعالى لحرّية التعبير عن الآراء والمواقف، وتنزيهاً منه سبحانه وتعالى لرسله أن يكونوا - حاشا لله- ديكتاتوريين قامعين يطمسون هويات الخلق وشخصياتهم و إختياراتهم التى لن يُحاسب فى النهاية عليها أحد سواهم...... فورد هذا في صريح قوله تعالى:

"قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ"

الأنعام 104

"ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظاً وما أنت عليهم بوكيل"

الأنعام 107

"من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً"

النساء 80

"بقيَّتُ الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ"

هود 86

"فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ "

الشورى 48

"والذين اتخذوا ممن دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل"

الشورى 6

"وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل"

الأنعام 66

"قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل"

يونس 108

"إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل"

الزمر 41

"ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلاً"

الإسراء 54

"أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه"

الفرقان 43

"فذكّر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر * إلا من تولى وكفر * فيعذبه الله العذاب الأكبر"

الغاشية 21-24

ورغم ما أنعم الله به على المسلمين من فيض رحمته و دينه الداعى إلى الحرّية و الكافل لإبداء الرأى و الهادى للبشريّة إلى معايير العدالة الإسلاميّة فى تكافؤ فرص إبداء الرأى..... ورغم ما شدد عليه الإسلام من وجوب إلتزامنا بمبدأ الشورى.... ورغم كل هذه العوامل الإسلاميّة المتضافرة التى لا يُعقل إلاّ أن تؤدّى إلى بيئة سياسيّة مثلى على الصعيد المجتمعى

رغم كل ذلك..... فقد أضعنا هذه المبادئ.... و لم تستقم بيئة مجتمعنا الإسلامى السياسيّة ( خاصة فى مجال الحُكم الذى تمثل فى الإمارة و الأمير و الخلافة و الخليفة....إلخ إلخ ).... وإذا بمنحنى الشورى يأخذ هذا الطريق من بعد عصر الرسول الكريم و الخلفاء الراشدين :

وشاورهم في الأمر (عصر الرسول صلى الله عليه و سلم)........> وُلِّيتُ عليكم ولست بخيركم (عصر الخلفاء الراشدين)...........> هذا قضاء الله وقدره (عصر الأمويين)...........>نحن خلفاء الله في الأرض (عصر العباسيين)

ولا يخفى عليكم بالطبع مغزى إختيارى للون الأخضر و اللون الأحمر لأعبّر عن الفارق بين حال الشورى فى عصر الرسول الكريم و الخلفاء الراشدين و ما تلاه من عصور

أمّا لماذا حدث ذلك؟؟؟

وكيف حدث ذلك؟؟؟

فكلّها تساؤلات لو توصلنا للإجابات عليها لأدركنا ما هى الشورى حقّا (كقيمة) ولأدركنا قصور تطبيقها بعد عصر الخلفاء الراشدين (كآليّة تنفيذ) ولتأكّدنا أن الديموقراطيّة ليست سوى آليّة تنفيذ معاصرة تحمل حلولا تنفيذيّة يمكنها أن تجعلنا نمارس الشورى عمليّا و نتجنّب المنحنى الذى مرّت به بعد عصر الخلفاء الراشدين , وهو المنحنى الذى أفرغها من مضمونها و شلّ آليّاتها وعطّل تطبيقها

وللحديث بقيّة

تم تعديل بواسطة disappointed

<span style='font-family: Traditional Arabic'><span style='font-size:15pt;line-height:100%'><strong class='bbc'>إن أخشى ما أخشاه هو :<br /><br />أن تصبح الخيانة يوما ما.....مجرّد.....وجهة نظر</strong></span></span><br /><br /><br /><br /><img src='http://www.egyptiantalks.org/images_temp/moir.gif'alt='صورة' class='bbc_img' />

رابط هذا التعليق
شارك

أمّا لماذا حدث ذلك؟؟؟

وكيف حدث ذلك؟؟؟

فكلّها تساؤلات لو توصلنا للإجابات عليها لأدركنا ما هى الشورى حقّا (كقيمة) ولأدركنا قصور تطبيقها بعد عصر الخلفاء الراشدين (كآليّة تنفيذ) ولتأكّدنا أن الديموقراطيّة ليست سوى آليّة تنفيذ معاصرة تحمل حلولا تنفيذيّة يمكنها أن تجعلنا نمارس الشورى عمليّا و نتجنّب المنحنى الذى مرّت به بعد عصر الخلفاء الراشدين , وهو المنحنى الذى أفرغها من مضمونها و شلّ آليّاتها وعطّل تطبيقها

فقد رأينا أن مشكلة الإمارة والأمير والخلافة والخليفة( التي اعتبرها أبرز المؤرخين الإسلاميين إحدى النقاط الخطيرة و المؤثرة في العقل العربي السياسي) قد نشأت منذ اللحظة التي توفي فيها النبي صلى الله عليه وسلّم - بل وقبل أن يدفن- لتبقى دون حل حتى يومنا هذا( بفروعها الثلاثة) و هى :

كيف ينتخب الأمير ويُختار؟

وما هي صلاحياته؟

وما هي مدة حكمه؟

ورغم أن عصر الخلفاء الراشدين قدم حلاً بنيوياً تاريخياً للفرع الأول من هذه المشكلة (كيف ينتخب الأمير و يُختار) إلاّ أن ذلك انتهى بانتهاء عصر الراشدين، وعادت المشكلة لتبقى حتى يومنا هذا

و أتعجّب لماذا لا نتسائل عن سبب ترك النبي صلى الله عليه و سلم هذه القضية مفتوحة دون تحديد( رغم أنها تتعلق ببنية الدولة العربية الإسلامية منذ أن نشأت)

والجواب على مايبدو هو :

لأنه صلى الله عليه و سلم نبي و رسول ومؤسس دولة، وهو أسمى من أن يكون فى يوم من الأيام مجرّد رئيس دولة

فالفرق كبير بين مؤسس الدولة ورئيسها (لاحظوا أن وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم أتت بعد انتهاء الوحي بأشهر، وربّما كانت الحكمة الإلهيّة فى ذلك أنه لو كان الرسول الكريم قد بقي بعد إنتهاء الوحىبمدة طويلة , و بعد إتمامه ديننا لنا - كما أعلن ذلك للمسلمين فى حجّة الوداع - لإنتقل وضعه من نبي ورسول إلى رئيس دولة وهو الوضع الذى لا يتناسب مع المقام السامى للرسول عليه الصلاة و السلام)

لقد كانت للمصطفى عليه الصلاة و السلام مهام أوكلها له الله عز وجل فأدّاها في حياته على وجهها الأكمل وعلى أتم ما يكون الأداء...... و هي:

1- تأدية الأمانة (القرآن)

2- تبليغ الرسالة .... حيث شرح العبادات وطبّقها ( ولنلاحظ هنا أن العبادات لا علاقة لها ببنية الدولة أو المجتمع) , وتصرف في غير العبادات ضمن حدود الله ليضرب لنا مثلا على حدود الله حتى نلتزم بها ( ولنلاحظ أنه فعل ذلك طبقاً للبنية الاجتماعية العربية السائدة في حينه..... فاتجه صعوداً - على سبيل المثال- فى تحريم الخمر من الكراهية حتّى التحريم , و إتجه صعودا في نكاح المحارم - كما وردت في سورة النساء بحدها الأدنى- ثم زاد فيها صعودا فقال "لا تجمعوا بين البنت وعمتها")

3- تأسيس الدولة ( في ممارسة سياسية ترتبط ببنية المجتمع العربي آنذاك لتحويله من مجموعة قبائل إلى شعب -أي إلى سلطة مركزية-.... وكانت هذه الممارسة جديدة على العرب آنذاك، ولهذا كان تصرف النبي صلى الله عليه وسلم دقيقاً- بل في غاية الدقة- لأن البنية السياسية وأساليب الحكم تتبع التطور التاريخي)

إلا أن الحياة التي عاشها النبي الكريم، بجميع ما فيها من أعمال، وبكل ما فيها من حركة يومية( طفلاً وفتى وشاباً ورجلاً وكهلاً.... تاجراً ونبياً وهادياً.... ورسولاً ومحارباً ومهاجراً.... عازباً ومتزوجاً) تتمثل في وجوه ثلاثة، حددها بكل وضوح قوله تعالى فى الآية 40 من سورة الأحزاب:

"ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين، وكان الله بكل شيء عليماً"

فالآية تقول إن ثمة ثلاثة مقامات للمصطفى عليه الصلاة و السلام ... وهى :

1- محمد الرجل (الإنسان)

2- محمد الرسول

3- محمد النبي الخاتم

أما أعماله وأقواله صلى الله عليه و سلم من مقام الرجل (أى الإنسان) فيعبّر عنها ذلك الموقف الذى حدث بعد وصوله إلى يثرب عندما أبدى رأيه فى تلقيح النخيل بالطريقة التى كان أهل يثرب يتبعونها و كيف أنه يرى أن ذلك لن يجدى نفعاً ,فقام اليثربيون بإتباع رأيه , ثم عادوا إليه عندما جاء المحصول أشح من المعتاد فقال لهم ما معناه أنهم أدرى بشئون دنياهم (أى أنه أبدى رأيه لهم من مقام محمّد الرجل - أى الإنسان-)

وأمّا المقام الثانى( وهو مقام محمد الرسول صلى الله عليه وسلم ) فأننا لا يصح إسلامنا إلاّ عندما نقف أمامه بالطاعة الواجبة بشقيها المتصل والمنفصل ( أي طاعته في حياته، و..... طاعته فى حياته وبعد مماته).... ويتمثل ذلك في الحدود والعبادات

وأما أعماله وأقواله صلى الله عليه وسلم من مقام النبي فطاعتها ملزمة على صعيدها القِيَمى بغض النظر عن آليّات ووسائل التنفيذ , والدليل على ذلك أنه صلى الله عليه و سلّم قد ترك ذلك دون تأطير وتحديد سوى أن يكون ذلك وفقاً للعمود الفقري لنبوته المتمثل بالتوحيد.... فكل شيء متغير إلا الله... وكل شيء نسبي إلا الله... وكل شيء هالك إلا وجه الله.... ولهذا فلو أنه صلى الله عليه وسلم كان قد حدد شكل الدولة البنيوي لخالف بذلك - حاشا للّه-أسس هذه النبوّة بنفسه ( وهو ما لايمكننا تصوّره أو قبوله كمسلمين مؤمنين بعصمة رسول الله)

ولهذا.... وبما أن قانون "كل شيء هالك إلا وجهه" هو القانون الأساسي للوجود، وبما أن "وأمرهم شورى بينهم"من أساسيات العقيدة الإسلامية، فقد أسس المصطفى عليه الصلاة و السلام ممارسة الشورى على أسس بنيوية طبقاً لظروف العصر ومعطياته،و ضمن قانون (كل شيء هالك إلا وجهه)، واقتصر في تأكيده ممارسة الشورى التي تصلح لكل البنى التاريخية...فترك ما يتعلّق بآليّات ممارستها مفتوحا (كما يتجلّى فى عدم تحديده للصحابة آليّة معيّنة يتّبعونها من بعده تاركا الباب مفتوحا لهم ليختاروا الآليّة المناسبة لإختيار من يخلف الرسول الكريم شريطة أن يكون ذلك فى إطار الشورى كقيمة يتوجب الإلتزام بها)

و لكن المسلمين -بكل مرارة وأسف- فعلوا ما لم يفعله صلى الله عليه و سلّم ,وحددوا ما لم يحدده، وأطّروا ما لم يؤطّره...... فقد :

1- دمجوا الطاعة المنفصلة مع الطاعة المتصلة فاعتبروها واحدة

2- لم يفرّقوا أو يميّزوا بين المقامات الثلاثة لمحمد صلى الله عليه وسلّم التي نصت عليها الآية 40 من سورة الأحزاب

3- جعلوا من الأنماط الإدارية والاقتصادية السائدة في صدر الإسلام فى القرن السابع الميلادي أنماطاً ثابتة لا يجوز الخروج عنها إلى أن تقوم الساعة واعتبروا ما قاله الصحابة (رضوان الله عليهم أجمعين) في القرن الأول الهجري أطراً مطلقة يجب أن يلتزم بها الفقه ولا يحيد عنها عيناً إلى أن تقوم الساعة

4- وضع بعضهم النبي صلى الله عليه و سلم في مرتبة المطلق الباقي من حيث الوجود باستعمالهم مصطلح "الحضرة النبوية"

كما وضعوا الأولياء في المرتبة نفسها، فهم يعملون أحياءً ويعملون أمواتاً( لصلتهم المباشرة بالله )

وكانت الشورى واحدة مما تم تأطيره وتجميده وتحديده

ورغم أن حفنة من الأخبار المتناثرة في التواريخ الإسلامية ترسم لنا أكثر من إشارة استفهام تقتضي وقوفنا عندها بالتحليل والتدبر على أخبار العصر الراشدي إلاّ أن الشكل العام لانتخاب الأمير أو الخليفة وصلاحياته ومدة حكمه كان ما زال شورياً

ثم جاء العصر الأموي ومن بعده العباسي ليطيح بكل ذلك بما فيه الشكل الراشدي

وتحولت الإمارة إلى وراثة، وإلى قضاء مقدورمن الله لا سبيل إلى ردّه، فولدت مع هذا التحول المسوغات التبريرية وعلى رأسها "جواز إمارة المفضول بوجود الأفضل"

وتحول الحق المحدد الصريح إلى حق يراد به الباطل، وولد معه علم التلاعب بالألفاظ وتسمية الأشياء بغير أسمائها، وسادت شعرة معاوية العلاقات الاقتصادية والسياسية، فولد معها بالارجاء(كمحاولة للهرب من مسؤولية اتخاذ موقف وتعليق ذلك كله على حتمية القضاء والقدر في جبرية متطرفة مطلقة)

وكان لا بد في ضوء ذلك من البدء بالقول بالنسخ في آيات التنزيل لصرف الناس عن الوجه الحقيقي للإسلام والممارسة الأساسية له، وتم استبعاد عشرات الآيات من حيز التطبيق بدعوى أنها منسوخة وبدعوى أنها مرحلية تخص العصر النبوي في بداية الدعوة , فولدت مع ذلك كله مسوغات العنف ومبررات الظلم وأعذار الطغيان عن طريق ليِّ بعض الأحاديث النبوية حيناً وبوضع ما يقتضيه الحال أحياناً أخرى (فلننظر إلى الحرب الدعائيّة المتمثلة فى شلاّل الأحاديث الموضوعة التى أطلقها الأمويين و العلويين و العبّاسيين لنفضيل كل فريق لنفسه و لتحقيق مآرب سياسيّة دون أن يتورّعوا عن التقوّل على رسول الله بما لم يقله و دون الخوف من تبوّء مقعدهم فى النار)

إن كل ما روي من أحاديث نبوية صحيحة تتعلق بأنماط الحكم ينتسب إلى اللحظة التاريخية التي قيل فيها الحديث.... أما إذا كانت تتعلق بأنماط مستقبلية للحكم من مثل "الأئمة من قريش" فهي أحاديث ملويّة و موضوعة و مرفوضة( لأنها تطبيقاً تخالف النبوة كعقيدة وتخالف الرسالة كسلوك، وافتراض صحتها يؤدي إلى افتراض أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان -حاشا لله- يهدم أسس رسالته ونبوته بنفسه )

ونحن نرى أن كل ما حدث وقيل بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم وحتى يومنا هذا حول أنماط الحكم وطاعة أولي الأمر إنما هو اجتهاد انساني بحت( قيل وفُعِلَ ضمن ظروف تاريخية موضوعية، وهو قابل للتطوير، أي يجب أن يتطور بشكل مؤكد لا لبس فيه، ولا يجوز أن يأخذ صفة شرعية مهما كانت)

وإذا قلنا إن الشورى من أساسيات العقيدة الإسلامية، فإن علينا أن نعرف كيف نحولها إلى فعل ( أي كيف نفعّل هذا الإيمان بالقلب عن طريق الأفعال والجوارح)

و لنفعل ذلك فإن علينا أولاً أن نؤمن فعلاً بأن هذا المبدأ (الشورى) هو من أساسيات العقيدة الإسلامية..... وفي هذه النقطة يكمن التغير الكبير المطلوب من المسلمين أن يغيروه بأنفسهم... فبدون الإيمان بأن الشورى هي النمط القِيّمى المعرفى المتحضر الذي يبتعد بالإنسان عن المملكة الحيوانية فلا أمل في أية دعوة أو إصلاح , و علينا أن نؤمن بذلك ونحن في أشد حالات ضعفنا، حتى ونحن مضطهدين لا نملك شيئاً، فالمؤمن المضطهد الضعيف يصلي ويؤمن بالشورى، والمؤمن القوي يصلي ويؤمن بالشورى

علينا أن نؤمن بأن الشورى ليست ترفاً فكرياً مرحلياً في حياة المؤمن، وإنما نمط في الحياة يتخذه لنفسه، ويكافح من أجل تحقيقه لنفسه ولغيره، ولو كان هذا الغير يخالفه بالرأي

وفي هذه الحالة.....فلا يجب أن يهمنا تعيين من أخطأ ومن أصاب إبّان وفاة الرسول الكريم من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين..... فالذي يجب أن يهمنا هو أن ندرك أن تصرفات الصحابة تصرفات إنسانية اجتهادية بحتة غير مقدسة، وأن الصحابة بشر مثلنا، تصرفوا حسب درجات وعيهم وفهمهم ومصالحهم، وأن الانقسامات التي حصلت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هى إنقسامات تحدث في أية مجموعة بشرية أخذت على عاتقها بناء دولة، وان قوانين التاريخ ونشوء الدول وجدل الإنسان سَرَت عليهم كما سرت على غيرهم تماماً, وأنه لا أحد منهم فوق البشر

ولهذا، فنحن حين ننظر إلى سلوك الصحابة وما فعلوه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم( وخاصة من الناحية السياسية - بالترجمة المعاصرة للأحداث-) فنحن لا نضع العدل الالهي تحت التساؤل، بل نضع القرار الإنساني والسلوك الإنساني تحت التساؤل..... وعندما نتكلم عن الصحابة فنحن نتكلم عن أناس مؤمنين بالله ورسوله، يعيشون الجدل الإنساني، وتنطبق عليهم كل صفات الانسان في كل مجتمع، فيهم الفظ والدمث، والصريح والكتوم، الزاهد والطامع، الماكر والساذج، والمقبل على الدنيا والمعرض عنها، والشديد القاسي واللين المساير

والرسول صلى الله عليه و سلم كان واعياً تماماً لهذه النقطة، وأنه يتعامل مع ناس، وأن الناس ليسوا متجانسين، فالشجاع في الجاهلية، بقي شجاعاً في الإسلام (خالد بن الوليد)، و المبالغ فى مسالمته يظل كذلك في الإسلام (حسان بن ثابت)، والشديد الاحتمال (بلال بن رباح) صبر على التعذيب وردّ عليه بـ"أحد أحد" ولم يذكر رسوله بسوء، أما الضعيف الاحتمال (عمار بن ياسر) فلم يستطع الصمود واضطر تحت التعذيب ذاته تقريباً إلى التراجع بالقول عمّا فى قلبه ,ومع ذلك كله لم يقل الرسول لعمار لماذا لم تصنع كما صنع بلال؟ ولم يأمر حسان بن ثابت بأن يتصدى للقتال كما أمر خالد بن الوليد، ولم يقل ما يدل على أن نموذج المؤمن عنده يتمثل في بلال وخالد, بل رأيناه يقول : "الناس معادن ,خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا"

والصحابة كانوا من الناس، والناس معادن

إن مشكلتنا هي في أننا عندما نتكلم عن الصحابة، نتكلم عن مجتمع أحادي الجانب، كما لو كانوا فوق البشر، وعندما نقيّم ما حصل بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم انطلاقاً من هذه القاعدة فإننا نقع في مأزق نسعى للخروج منه فندخل في تبريرات شتى لا جدوى منها، لكننا إذا نظرنا إليهم كمجتمع ثنائي الجانب (جدل الانسان) لوُضِعَت الأمور في نصابها، ولم تعد ثمة حاجة للتبريرات، ولم يبق ما نخجل منه.... فالتاريخ هو التاريخ، وقوانين تشكل الدول والمجتمعات هي هي في كل مكان، وللفرد دوره في ذلك عند العرب وعند غيرهم، وحب السلطة والمال هو هو عند العرب وعند غيرهم

ولهذا....فإن ما حصل بعد وفاة الرسول عليه الصلاة و السلام ليس من صنع الرسول ولا علاقة له به، فلقد لعب جدل الإنسان وبنية المجتمع الجديدة وكفاءة المتاح له صنع القرار دوره في صنع الأحداث

والصحابة لم يختلفوا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم حول أركان الإسلام..... لم يختلفوا على الصلاة وكيفية أدائها وأركانها، ولم يختلفوا على الشهادتين، ولا على الحج، ولا على الزكاة ....بل كان خلافاً سياسياً إدارياً بحتاً حول السلطة

(حيث لم يختلفوا على وجوب تطبيق مبدأ الشورى ولكنّهم إختلفوا تحت مظلّة تطبيق مبدأ الشورى التى تفرز بطبيعتها ذلك الإختلاف - وإلاّ لما كان هناك معنى للشورى من الأساس لو لم يكن هناك إختلاف فى الرؤى-)

فبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كان ثمة قوتان رئيسيتان في المجتمع الجديد( المهاجرون والأنصار).... و تصب قوة المهاجرين في المحصلة عند قريش (في وضع قبلي) , والأنصار عند الأوس والخزرج (في وضع قبلي آخر).... وكان ثمة صراع سياسي سلمي على رئاسة الدولة في سقيفة بني ساعدة حسمه عمر بن الخطاب وقتها بمبايعة أبي بكر الصديق.... وهو مايؤكّد وضعيّة حديث "الأئمة من قريش" لأن تلك القاعدة لم تكن مطروحة ولا واردة يومئذ( وإلا لما جرؤ الأنصار على اقتراح أميرين للرئاسة أحدهما من المهاجرين والآخر من الأنصار، ولتم حصر الإمامة والإمارة بقريش إلى أن تقوم الساعة)

وعلى هذا الشكل تمت ممارسة أول نوع من الشورى بين رؤساء المهاجرين والأنصار( عدا بني عبد مناف).... هذه الشورى التي لم يجر فيها تصويت المهاجرين كلهم والأنصار كلهم، بل تمت ضمن الإطار القبلي والعلاقات القبلية السائدة آنئذٍ

ومن ناحية أخرى كانت الروم والفرس ومصر والحبشة هي الدول المجاورة للعرب والتى كانت تمثل عالمهم المعاصر، ولهذا فإن مدة حكم الخليفة لم تكن أصلاً لتخطر في بالهم(تبعا للعرف السائد فى ذلك العصر)

ومن ناحية ثالثة كانت صلاحيات القياصرة والأكاسرة مطلقة وغير محدودة، فلم يخطر في بالهم تحديد صلاحيات الخليفة، واعتبروا أن أحكام الشرع وعلى رأسها الشورى هي التي تحدد صلاحيات الحاكم( أي أن الشرع كان بديلاً عن المجالس التشريعية فبقيت الصلاحيات مفتوحة للسياق التاريخي)

ولكن نقطة التحوّل الأولى فيما يخص آليّات الشورى كانت عند وفاة عمر بن الخطاب رضى الله عنه

و.....

للحديث بقيّة

تم تعديل بواسطة disappointed

<span style='font-family: Traditional Arabic'><span style='font-size:15pt;line-height:100%'><strong class='bbc'>إن أخشى ما أخشاه هو :<br /><br />أن تصبح الخيانة يوما ما.....مجرّد.....وجهة نظر</strong></span></span><br /><br /><br /><br /><img src='http://www.egyptiantalks.org/images_temp/moir.gif'alt='صورة' class='bbc_img' />

رابط هذا التعليق
شارك

ولكن نقطة التحوّل الأولى فيما يخص آليّات الشورى كانت عند وفاة عمر بن الخطاب رضى الله عنه

ودعونا نقف عند وفاة سيّدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وما حدث بعد ذلك

فنحن أمام الفتوحات في البلاد ...وسقوط فارس ومصر بشكل كامل..... وسقوط الامبراطورية البيزنطية جزئياً..... وتدفق الأموال بشكل هائل على المدينة المنورة

وكان مبدأ التوزيع الذي اعتمده سيّدنا عمر رضى الله عنه في بداية عهده (وسار عليه في بداية الفتوحات عندما لم تكن المبالغ على هذا المستوى من الضخامة) هو القرابة من الرسول صلّى الله عليه وسلّم و أسبقيّة الدخول فى الإسلام.... ولكن عندما أصبحت المبالغ كبيرة، حدثت فجوة أخذت فى التعاظم فيما يخص المدخول وتوزيعه (مما جعل سيّدنا عمر رضى الله عنه يقول في أواخر عهده "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء ووزعتها على الفقراء" )

وبعد وفاة سيّدنا عمر رضى الله عنه كان هناك غنى فاحش.... وتفاوت كبير في الثروات.... ودولة مترامية الأطراف( كل هذا خلال عشر سنوات فقط من عمر التاريخ، وهي فترة قصيرة جداً كان لها أكبر الأثر في انتقال العرب فجأة إلى دولة مركزية في شبه جزيرتهم بعد أن كانوا قبائل متفرقة، ثم في انتقالهم مرة أخرى مع نهاية عهد سيّدنا عمر رضى الله عنه إلى دولة مترامية الأطراف هزمت أقوى دولتين في العالم، فرأوا أنفسهم أمام عدّة عناصر لعبت دوراً محوريّا في أحداث ما بعد وفاة سيّدنا عمر رضى الله عنه )..... وكانت هذه العناصر هى :

1- الدخل الكبير للدولة( ولايمكننا هنا أن ننفى وجود شيئ من الإرتجال فى أسس وسُبُل توزيع الثروات - وهذا شيئ طبيعى و منطقى و ليس عيباً... إذ أنه نبع من قلة الخبرة بهكذا وضعيّات-)

2- الدولة المترامية الأطراف( مع عدم وجود الخبرة الإدارية الكافية عند العرب لإدارة دولة من هذا النوع)

3- دخول شعوب وثقافات جديدة في الدولة

ولهذا كان من المنطقى أن يكون لهذه العناصر دورها في إيجاد حلول شورية(لكنها كان يشوبها أيضاً شيئ من الارتجالية في ذلك الوقت.....فبعد أن طُعِنَ سيّدنا عمر رضى الله عنه وقبل وفاته أوصى بإختيار خليفته من ستة أشخاص، وتم فعلاً الانتقاء منهم، لكن الغنيمة والقبلية لعبت دورها الأساسي في المدينة المنورة - بعد أن زال الخوف على الإسلام وأصبح الإسلام هو الحاكم الفعلى لهذه الدولة ممّا طمئن الجميع على مصير الدين الحق الذى تقع مسئولية الحفاظ عليه على عاتقهم-)

ومن منظور القبلية والمال هذا نجد أن:

1- عَيّنَ سيّدنا عثمان رضى الله عنه أقاربه من الأمويين كولاة و حاباهم

2- إعتبر سيّدنا عثمان رضى الله عنه نفسه المتصرف بأموال الدولة وكان الآمر الناهى فيها (و ربّما كان لقناعة سيّدنا عثمان رضى الله عنه و قناعة الجميع بنزاهته ,و تأكّدهم من أنه كان ينفق أحيانا على بيت المال ,و تذكّرهم كيف أنفق فى حياة الرسول دون حساب لرفع راية الإسلام و تجهيز سرايا كاملة من حر ماله ,و إدراكهم لأن بعض أقارب سيّدنا عثمان رضى الله عنه هم الذين كانوا يسيئون التصرّف من وراء ظهره....أقول ربّما كلن لكل هذا أثراً فى تأخير إنفجار الموقف لعدّة أعوام - إذ يعلم الجميع كم كان سيّدنا على كرّم الله وجهه مثلاً يذكر سيّدنا عثمان رضى الله عنه بالخير و يعدّد حسناته فى مجالسه بيثرب-)

3- ركز الولاة الأمويون سلطتهم في الأمصار، وتركزت الثروات بأيديهم وبأيدي قواد الجيوش( حيث لا نجد في عهد سيّدنا عثمان رضى الله عنه أحداً من بني هاشم ولا من آل النبي صلّى الله عليه و سلّم في منصب ولاية أو قيادة عسكرية.... وبالتالي كانوا هم الطرف الأضعف..... بل ونرى مثلاً عمّار بن ياسر يستقيل من بيت مال الكوفة عندما رفض والي الكوفة الأموي أن يعيد إلى بيت المال مبلغاً كان قد اقترضه منه، ولم يقم الخليفة عثمان بن عفان بأي إجراء ضد الوالي بعد أن اشتكاه عمار إليه)

و مما لاشك فيه أن هذا الوضع القَبَلِي المالي أدّى إلى انقسام قَبَلِي مالي بين الصحابة( ولو ترجمنا الوضع باللغة السياسية المعاصرة لتقريب الوضع لأذهاننا ليس إلاّ- مع الفارق بالطبع- لكان لنا أن نقول أنه قد نشأ ما يشبه النخبة الحاكمة و المعارضة - بالمفهوم السياسي المعاصر-)... فقادة الجيوش والولاة وأغنياء قريش مع سيّدنا عثمان رضى الله عنه (نخبة حاكمة)، والباقي من كبار الصحابة في طرف مقابل (المعارضة) يرأسه سيّدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه بسبب قرابته من الرسول صلّى الله عليه و سلّم وبسبب زهد سيّدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه في المال..... فحدث ما يمكننا أن نسمّيه - باللغة السياسيّة المعاصرة - حرب أهليّة حقيقية رغم أن سيّدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه لم يكن راغباً بها أو داعياً إليها، وأدّت إلى مقتل سيّدنا عثمان رضى الله عنه ، وإلى مبايعة سيّدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه

وكانت معركة سيّدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه خاسرة من بدايتها......فقد إستعمل الأمويون وقواد الجيوش الأموال أيام سيّدنا عثمان رضى الله عنه ، فبنوا قواعدهم الخاصة بين الناس(مستثمرين الوضع القبلي العربي، والعلاقات القبلية القديمة أحسن استثمار لصالحهم) لذا كان الجناح الأموى منتصراً من الناحية المالية منذ خلافة سيّدنا عثمان رضى الله عنه ، وتم حسم هذا الانتصار عسكرياً بعد مقتله

وعلى رأس الجناح الأموى سيّدنا معاوية رضى الله عنه ، وعلى رأس الجناح الآخر سيّدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه, فتم بانتصار الجناح الأموى ترسيخ نظام حكم القوة دون شورى، وجعله وراثة بالقهر..... وانكفأ الجناح العلوى (وما بقي من الصحابة معه) على نفسه، وأغلق عليه بابه، و..... باللغة السياسيّة المعاصرة ربّما أمكننا القول أنه إعتزل العمل السياسي

وهنا.....

دخلت الشورى فى منعرج مفصلى جديد

فقد خرجت قوة إسلامية جديدة، ليس لها أي علاقة لا بالصحابة ولا بالجيل النبوي، وهي حركة الخوارج التى رفضت الأطر السياسية المفروضة، ونادت بإطار جديد في الحكم، وأن بإمكان أي انسان أن يكون إماماً للمسلمين شريطة موافقة المسلمين عليه (وكان هذا مقبولاً من الناحية العقائدية، إذ ليس في الإسلام ما يمنعه، لكنه مرفوض من الناحية التطبيقية من النخبة الحاكمة التى إستأثرت بالحكم و تجاهلت مبدأ الشورى وقِيَمها)

ولكن الخوارج أنفسهم لم يعرفوا كيف يحولون المناداة بمبدأ الشورى إلى فعل، فلجأوا إلى العنف والاغتيالات وتكفير معارضيهم( ليس من السلطة فحسب بل ومن عامّة الناس أيضاً)

لقد كان خروج الخوارج ليس علىالسلطة فقط، وإنما كان على كل الأطر القبيلية والعشائرية والمالية السائدة آنذاك، أي أنهم أرادوا حكم الشورى .. ولكنّهم أرادوه في فراغ، وليس في أرض الواقع....أرادوا إعلاء قِيَم الشورى ولكنّهم عدِموا آليّات تنفيذها و إقرارها (وهو ما يوضح ما قلته بوجوب أن نفرّق بين الشورى كقيمة و بين الديموقراطية كآلية تنفيذ و إقرار لها)

و لقد كان الخوارج مقاتلين شرسين، ومناظرين تعساء، ولهذا لم يكن من الممكن أن يكتب لهم النجاح......و لكن حركة الخوارج (كظاهرة) تدلنا على احتجاج جيل إسلامى جديد فى ذلك الوقت على أطر سائدة مرفوضة

ومنذ ذلك الحين وحتى يومنا هذ.... ومع ترسيخ أول دولة عربية إسلامية بالقضاء على تلك الحرب الأهلية، ومع تنظيم الدواوين والشرطة والجيش، تم ترسيخ الأمور التالية في الفكر العربي السياسي على أنها مسَلّمَات، ومن طبائع الأشياء وعلى أنّها الصيغة الإسلامية الثابتة في الحكم:

1- الحاكم يحكم مدى الحياة:

ونرى هذه الأطروحة حتى اليوم غير مستهجنة لدى غالبية العرب والمسلمين( إذ كان حكامهم على الدوام يحكمون مدى الحياة )

2- من يملك القوة يملك الحكم:

فالقوة العسكرية هي التي تحدد الحاكم، وترسم بقاءه واستمراريته، وبالتالي فالحاكم هو آمر الصرف المالك للقوة المالية,وهو رأس الجيش المالك للقوة العسكرية

3- الحاكم غير محدود الصلاحيات

4- الحكم وراثي

أما كيف تم توليف هذه الطروحات من الناحية العقائدية والناحية الشرعية مع العقيدة والشريعة الإسلامية فقد تم على النحو التالي:

من الناحية العقائدية:

بدأ العهد الأموي ترسيخ مفهوم أن ما حدث هو قضاء الله وقدره، وأن الله منذ الأزل قدّر على الناس أن يحكم بنو أمية، وأنّه قد سَبَقَ في علم الله منذ الأزل أن يحدث ما حدث وأن يدكّ الحجاج الكعبة بالمنجنيق.......... فقاد ذلك إلى ظهور جدل الإنسان بظهور رأي آخر (وهو القَدَرِيّة) على يد مستنيرين من أمثال عمرو المقصوص وغيلان الدمشقي

ثم رأينا كيف بدأت تلك الحركة بالكلام عن القضاء والقدر( لا من فراغ وإنما من أرض الواقع المعاش)..... ورأينا كيف تطوّرت الحركة بظهور المعتزلة الذين عُرِفوا بأنهم أصحاب فكر حر( أي أن ظاهرة المعتزلة والقول بخلق القرآن لم تنشأ من فراغ، ولم تكن ترفاً فكرياً، ولم تظهر على مسرح الأحداث فجأة و إنما كانت نتاج تطوّر الأحداث)

ولكن حركة المعتزلة أخطأت خطئأً قاتلاً في محاولة استعمال السلطة في فرض فكرهم

أما من الناحية التشريعية:

فقد تم استعمال السلطة عند الفقهاء من أمثال الأوزاعي والتابعين( حين أعطت الدولة القضاء للفقهاء)

ولم تتدخل الدولة فى القضاء، فكان القضاء مستقلاً نسبياً للسبب التالي:

أنه بعد أن ترسخت الدولة الأموية على الأسس والأطر التي قامت عليها خرجت مشروعية الحاكم من دائرة الفقه نهائياً، ولم تعد تدخل في المواضيع الفقهية(أي أن مدة الحكم وكيفية انتخاب الحاكم وصلاحياته لم تكن أبداً من اختصاص الفقه واعتبرت من المسلمات)..... وبذلك أصبحت الدولة لا تخاف الفقهاء بل أصبحت تستعملهم

ولهذا......

فنحن نرى الفقهاء الأربعة في ظل الخلفاء يفقهون ويجتهدون دون التعرض لمشروعية الحاكم، وبما أن أمور مشروعية الحكم تتعلق بالدستور لا بالقانون( أي أن الفقه يتدخل في تنظيم الحياة اليومية للناس من عبادات ومعاملات فقط) فهي ناحية لم يتعرض لها الحكام حتى يومنا هذا لأنها لا تؤثر على سلطتهم

وبعد ضعف الدولة العربية الإسلامية وضعف الحكام، إعتبر الفقهاء مشروعية الحاكم كائناً من كان ليس من إختصاصهم، و أصبحوا تابعين له..... ففي قوة الدولة كان الفقهاء أقوياء، وفي ضعفها كانوا ضعفاء، وعند تشرذمها تشرذموا هم أيضاً( حتى أن الشيخ و الفقيه الجليل أحمد بن تيمية- وهو من فقهاء عصور ضعف الدولة - قال :"الطاعة لذي الشوكة"..... وهذا ليس له ترجمة باللغة المعاصرة سوى أن من إستطاع أن يبسط نفوذه بالقوة والغلبة على بقعة من الأرض فله الطاعة، أي أن الطاعة للعسكر والمال)

ولكن ماذا عن مشكلة "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"؟؟!!

هذه أيضاً حلّوها (الحكام و الفقهاء) بأن حصروها في العبادات والأحكام الشرعية كالإرث والطلاق والزواج ( أي قانون الأحوال الشخصية باللغة المعاصرة)..... فإذا ما طلب الحاكم من الناس ترك الصلاة أو الصوم أو الحج أو الإرث فلا طاعة له عليهم( وهذا ما حدث فعلاً، حيث لم يطلب الحكام من أحد طاعتهم في معصية من هذا النوع البتة... وهو شيئ منطقى و طبيعى وليس مدعاة إفتخار من الأساس إذ أن هذا هو المفروض)... فتم فصل أحد أركان الدين الإسلامي (وهو الشورى) عن بنية الدولة منذ ذلك الوقت

أما بالنسبة للمعارضة الإسلامية فقد ظلت حيّة تعمل في الخفاء والسر، وظلت ملاحقتها قائمة( وخاصة آل البيت).... فبعد أن تم التقوّل على الرسول الكريم بالحديث الّذى نُسِبَ إليه زورا وبهتانا"الأئمة من قريش" كان المنافس القرشي الوحيد لبني أمية هم آل البيت (وخاصة آل هاشم ...الّذين هم الطالبيون والعباسيون).... حيث تم تحييد كل بطون قريش على يد الأمويين ما عدا آل هاشم.... فظلوا يلاحقونهم على أنهم المنافسين لهم والمؤهّلين للبيعة عوضاً عنهم

وظل آل البيت يعملون في السر، بعد فشل أكثر من محاولة للقضاء على الحكم الأموي من قبل سيّدنا الحسين

وقد إعتمد الأمويون على العنصر العربي وفضلوه، وأعطوه امتيازات في الحكم والجيش والمال، وكانت العناصر غير العربية تعتبر في الدرجة الثانية( حتى أنه ثبت تاريخيّاً أنهم كانوا يدفعون الجزية أحياناً ولو أسلموا !!!) .....فى حين إكتسب آل البيت (كقاعدة للمعارضة) الدعم الكبير من المسلمين غير العرب، وقادوا الثورة العباسية الكبرى ضد الأمويين، فكان القادة عرباً من آل هاشم (العباسيون) والكتلة الأساسية من غير العرب (أبو مسلم الخراساني)

وهنا ظهر التشيّع كفلسفة متماسكة، وكفقه متكامل في الأثني عشرية والاسماعيلية لإعطاء الولاء لآل البيت (المفهوم الأزلي، وأن الأئمة هم المعصومون، وأن الدين يؤخذ منهم....إلخ إلخ)

والواقع أنه منذ تولي الأمويين السلطة فقد بدأ الشرخ بين السلطة في بني أمية وبين المعارضة في آل البيت، واكتمل وتأطّر بإستلام العباسيين السلطة واحتكارهم لها , وهكذا....انتهى الوضع الإسلامى بالكتلتين الرئيسيتين :السنة والشيعة

ولقد بدأ هذا الشرخ بين السلطة الحاكمة و آل البيت بمعارك سياسية بحتة وانتهى بتأطير عقائدي فقهي فلسفي..... وكانت المعركة أيام الأمويين على نطاق السياسة فقط، وامتدت أيام العباسيين لتشمل بقية النواحي المعرفية

إن هذه الفترة التاريخية، منذ وفاة سيّدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه و حتى العصر العباسي هي التي تسيطر على تفكيرنا المعرفي والسياسي والفقهي...... وإذا عرفنا أسباب نشوء الخلافات فيها، وعرفنا أنها كلها ضمن سياق تاريخي( لا ضمن قرار أزلى من الله لا يحِلّ لنا مناقشته و يتوجب علينا الإمتثال له دون جدال)، و لو أدركنا أنها تتبع جدلية الإنسان والمجتمع....حينئذ فقط سنستطيع تجاوزها دون أن نبخس أحداً حقه، ودون أن نلعن تاريخنا , و دون أن نهاجم رموزنا ,ودون أن نجعله تاريخاً شاذاً عن حركة التاريخ الانساني.......أي أن علينا تجاوز الأزمة باتجاهين:

1- تبني نظم معرفية جديدة:

فقد تم تأطير الإسلام ضمن نظم معرفية في القرن الثاني الهجري، ونحن الآن نمتلك نظماً معرفية أحدث من السابق، فما علينا إلا أن نعيد تقييم نظمنا المعرفية ضمن منظور القرن الـ21 وضمن النظم المعرفية المعاصرة السائدة فى عصرنا الحالى (إنطلاقاً من اعتقادنا و إيماننا بأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وأن علينا تطوير فهمنا له وللسنة بشكل نستطيع معه تجاوز عقدنا السابقة ونقاط التحجر، وبذلك نتجاوز الخلافات المذهبية والفقهية والطائفية، ونتطلع إلى الأمام كمشاركين في صنع الحضارة الانسانية اليوم وغداً و بعد غد( وليس كما كنا بالأمس فقط.... فالنظر إلى الوراء لا يثمر غير القطيعة والعداء بين أبناء الدين الواحد في الوطن الواحد)

2- تقديم نظرية وممارسة في الشورى وفي الحكم تعتمد على معطيات القرن الــ21 والبنى الاجتماعية والاقتصادية السائدة فيه:

أي .....

مدخل منهجى يعتمد على آليّات معاصرة يتم أسلمتها و تسخيرها و تطويعها لخدمة هدف تطبيق و ممارسة الشورى فى الإطار المعاصر الذى يمكّننا من ممارستها عمليّا وعلى أرض الواقع

أي ........

القول والفعل في الدولة وبنائها، وفى بنية الدولة العربية الإسلامية المعاصرة، وفى أسسها , و فى كيف يمكن تحقيقها فعليّا

و بنظرة سريعة على الديموقراطية من منطلق كونها آليّة تنفيذ شوريّة معاصرة , فإننا سندرك أنها هى الفرصة المعاصرة الواقعية المتاحة لنا لإقرار مبدأ الشورى وفتح صفحة جديدة فى تاريخنا الإسلامى و العربى (على أن تكون صفحة نحاول من خلالها تجنّب و تفادى أخطاء صفحات - بل كتب- فى تاريخنا القريب و البعيد على مستوى نظم الحكم و آليّات تداول السلطة و إبداء الرأى)

تم تعديل بواسطة disappointed

<span style='font-family: Traditional Arabic'><span style='font-size:15pt;line-height:100%'><strong class='bbc'>إن أخشى ما أخشاه هو :<br /><br />أن تصبح الخيانة يوما ما.....مجرّد.....وجهة نظر</strong></span></span><br /><br /><br /><br /><img src='http://www.egyptiantalks.org/images_temp/moir.gif'alt='صورة' class='bbc_img' />

رابط هذا التعليق
شارك

إدعاءات كثيرة بلا دليل

يا أخى انظر عمن تتكلم ..

أنتكلم عن عمر و عثمان و على رضى الله عنهم ارضاهم بمنطقنا السقيم ؟!!

و إنى لأطالبك بالدليل على ما تفوهت به من كتب معتد بها أو اقوال موثوقة لعلماء ثقات أما عقلك و اجتهاداك فاحتفظ بها لنفسك.

لا أدرى هل ترغب حقاً فى إقرار الشورى أم أنك تلعب و تلغو بما ينعكس سلباً على صورتك عندى على الاقل و اعلم ان حسن النية لا يبرر التمادى فى الخطأ .

أنت تكلمت عن أليات لتحقيق قيم و أنت هنا فاقد لأية ألية تؤهلك لتفنيد أفعال صحابة رسول الله عليه الصلاة و السلام فألزم حدك عند الكلام عنهم و لا تتجاوز فى التأويل و إخضاع أولئك النجوم الزاهرة لتحليلاتك الركيكة.

"لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء ووزعتها على الفقراء"
لكنها كان يشوبها أيضاً شيئ من الارتجالية في ذلك الوقت.....
وتم فعلاً الانتقاء منهم، لكن الغنيمة والقبلية لعبت دورها الأساسي في المدينة المنورة
عَيّنَ سيّدنا عثمان رضى الله عنه أقاربه من الأمويين كولاة و حاباهم
إعتبر سيّدنا عثمان رضى الله عنه نفسه المتصرف بأموال الدولة وكان الآمر الناهى فيها
سيّدنا على كرّم الله وجهه
ركز الولاة الأمويون سلطتهم في الأمصار، وتركزت الثروات بأيديهم وبأيدي قواد الجيوش( حيث لا نجد في عهد سيّدنا عثمان رضى الله عنه أحداً من بني هاشم ولا من آل النبي صلّى الله عليه و سلّم في منصب ولاية أو قيادة عسكرية.... وبالتالي كانوا هم الطرف الأضعف..... بل ونرى مثلاً عمّار بن ياسر يستقيل من بيت مال الكوفة عندما رفض والي الكوفة الأموي أن يعيد إلى بيت المال مبلغاً كان قد اقترضه منه، ولم يقم الخليفة عثمان بن عفان بأي إجراء ضد الوالي بعد أن اشتكاه عمار إليه
مما لاشك فيه أن هذا الوضع القَبَلِي المالي أدّى إلى انقسام قَبَلِي مالي بين الصحابة

فقادة الجيوش والولاة وأغنياء قريش مع سيّدنا عثمان رضى الله عنه (نخبة حاكمة)، والباقي من كبار الصحابة في طرف مقابل (المعارضة) يرأسه سيّدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه بسبب قرابته من الرسول صلّى الله عليه و سلّم وبسبب زهد سيّدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه في المال..... فحدث ما يمكننا أن نسمّيه - باللغة السياسيّة المعاصرة - حرب أهليّة حقيقية رغم أن سيّدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه لم يكن راغباً بها أو داعياً إليها، وأدّت إلى مقتل سيّدنا عثمان رضى الله عنه ، وإلى مبايعة سيّدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه
وكانت معركة سيّدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه خاسرة من بدايتها......فقد إستعمل الأمويون وقواد الجيوش الأموال أيام سيّدنا عثمان رضى الله عنه ، فبنوا قواعدهم الخاصة بين الناس(مستثمرين الوضع القبلي العربي، والعلاقات القبلية القديمة أحسن استثمار لصالحهم) لذا كان الجناح الأموى منتصراً من الناحية المالية منذ خلافة سيّدنا عثمان رضى الله عنه ، وتم حسم هذا الانتصار عسكرياً بعد مقتله
وعلى رأس الجناح الأموى سيّدنا معاوية رضى الله عنه ، وعلى رأس الجناح الآخر سيّدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه, فتم بانتصار الجناح الأموى ترسيخ نظام حكم القوة دون شورى، وجعله وراثة بالقهر..... وانكفأ الجناح العلوى (وما بقي من الصحابة معه) على نفسه، وأغلق عليه بابه، و..... باللغة السياسيّة المعاصرة ربّما أمكننا القول أنه إعتزل العمل السياسي

و هذة طامة أخرى

قد كان خروج الخوارج ليس علىالسلطة فقط، وإنما كان على كل الأطر القبيلية والعشائرية والمالية السائدة آنذاك، أي أنهم أرادوا حكم الشورى .. ولكنّهم أرادوه في فراغ، وليس في أرض الواقع....أرادوا إعلاء قِيَم الشورى ولكنّهم عدِموا آليّات تنفيذها و إقرارها (وهو ما يوضح ما قلته بوجوب أن نفرّق بين الشورى كقيمة و بين الديموقراطية كآلية تنفيذ و إقرار لها)

و لقد كان الخوارج مقاتلين شرسين، ومناظرين تعساء، ولهذا لم يكن من الممكن أن يكتب لهم النجاح......و لكن حركة الخوارج (كظاهرة) تدلنا على احتجاج جيل إسلامى جديد فى ذلك الوقت على أطر سائدة مرفوضة

منتهى التهريج -إن جاز الوصف-

اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التامة من شر ما أنت آخذ بناصيته اللهم أنت تكشف المغرم والماثم، اللهم لا يهزم جندك، ولا يخلف وعدك، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، سبحانك وبحمدك.

0_bigone.gif

رابط هذا التعليق
شارك

أما تنظيرك للديموقراطية كتطبيق عصرى للشورى فأنت حر فيما تعتقد و لكن أن يتحول ذلك لواقع فهيهات

هيهات أن تلبس الباطل ثوب الحق و تحيطه بأوهام لا سند عليها و تنظر له على أنه الحق .

هيهات أن تلبس الديموقراطية ثوب الشورى

قد رد عليك ديموقراطى فى بداية الموضع ولكنك تجاهلت رده الهادم لكل ما تبنيه. ناهيك عن النقاط التى نقلتها فى بداية الموضوع لعل و عسى أن تجد عندك نوع من الفهم .

إن كنت حريص على قيمة الشورى كما تزعم فاستعمل عقلك و اجتهادك فى ابتكار صور تطبيقية جديدة تتوافق مع عصرك و لا تنقل من الغرب و لا تتجمد عند صور ناقصة لا تتفق فى اساسها مع الاسلام.

اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التامة من شر ما أنت آخذ بناصيته اللهم أنت تكشف المغرم والماثم، اللهم لا يهزم جندك، ولا يخلف وعدك، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، سبحانك وبحمدك.

0_bigone.gif

رابط هذا التعليق
شارك

د/صابر

قمت بتفويض إدارة المنتدى رسميّا بالرد على مخاشنتك لى نيابة عنّى بعد قيام الإدارة بتمحيص كامل ما كتبته (خاصة الأجزاء التى قمت سيادتك بإقتباسها- والمبتورة و المنتزعة من سياقها-) , فإن وجدت الإدارة في أى مما كتبته أو فى الأجزاء التى إقتبستها سيادتك من كلامى ما يُعد خروجا على النص أو تعدّى لأى خطوط حمراء فهذا شيئ , أمّا فى حالة ما لم يثبت ذلك (وهو ما أنا على قناعة شخصية به) فهذا شيئ آخر سأنتظر معه رد فعل الإدارة تجاه مخاشنتك التى أراها غير مبرّرة وغير مقبولة

تم تعديل بواسطة disappointed

<span style='font-family: Traditional Arabic'><span style='font-size:15pt;line-height:100%'><strong class='bbc'>إن أخشى ما أخشاه هو :<br /><br />أن تصبح الخيانة يوما ما.....مجرّد.....وجهة نظر</strong></span></span><br /><br /><br /><br /><img src='http://www.egyptiantalks.org/images_temp/moir.gif'alt='صورة' class='bbc_img' />

رابط هذا التعليق
شارك

أما أنا فأشكوك الى الله نعم المولى و نعم النصير على ما بدر منك فى حق الصحابة و على ما تخرصت به دون دليل فى موضوع الشورى

اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التامة من شر ما أنت آخذ بناصيته اللهم أنت تكشف المغرم والماثم، اللهم لا يهزم جندك، ولا يخلف وعدك، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، سبحانك وبحمدك.

0_bigone.gif

رابط هذا التعليق
شارك

أما أنا فأشكوك الى الله نعم المولى و نعم النصير على ما بدر منك فى حق الصحابة و على ما تخرصت به دون دليل فى موضوع الشورى

"و أمّا الذين إبيضّت وجوههم ففى رحمة الله هم فيها خالدون"

"فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه و وُفِّيَت كل نفس ما كسبت وهم لايُظلَمون"

"قل أغير الله أبغى ربّاً و هو رب كل شيئ و لا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربّكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون"

<span style='font-family: Traditional Arabic'><span style='font-size:15pt;line-height:100%'><strong class='bbc'>إن أخشى ما أخشاه هو :<br /><br />أن تصبح الخيانة يوما ما.....مجرّد.....وجهة نظر</strong></span></span><br /><br /><br /><br /><img src='http://www.egyptiantalks.org/images_temp/moir.gif'alt='صورة' class='bbc_img' />

رابط هذا التعليق
شارك

و نعود إلى أصل الخلل في تصور الديموقراطية وجوهرها، ففي الديموقراطية الشعب هو المرجح وهو الحاكم وهو المشرع وهو الثابت الوحيد، فإذا قلت: بأن هناك أموراً لا تخضع للتصويت أو لا تدخل مجال التصويت، فأنت بذلك غير ديموقراطي قطعاً، وإذا قلت: بأن هناك ثوابت فكرية أو دينية أو خلقية أو اقتصادية أو سياسية لا تقبل التغيير فأنت بذلك غير ديموقراطي ( فلا مجال للتصويت في قطعيات الشرع)، قول غير ديموقراطي، لأن تقريرك أن هناك شرعاً يحكم فوق إرادة البشر، فهذا طعن في صلب الديموقراطية وجوهرها

اسمح لى يا أخ صابر

أنك تفهم الديموقراطية على أنها قالب جامد ومحدد وهذا الخطأ الشائع يقع فيه الكثير

الديموقراطية حسب ما تشكلها بشرط الاختيار والسلطة الأولى تكون للشعب

والشعب المسلم بطبيعة الحال سوف لا يختار قوانين منافية للشريعة

وسوف لا يصوت الا لما يرضى الله

أما حكم الله فيقوم عليه حاكم مسلم من غير رحال الدين ويحكم بما أنزل الله وبشريعتة الغراء لأن بعض رجال الدين معروف عنهم الاستبداد الفكرى والتحكمية وهم لا يطيقوا كلمة ديموقراطية لأنها تتعارض مع تربيتهم الأبوية والطاعة العمياء والجمود

أما

بأن الحكم حكم الله وليس حكم الشعب فهذه أقوال يرددها المغرضون الطامعون فى الحكم لأن الله تعالى جعل من الشعب وكلائه وخلفائه فى الأرض ولم يختص زيد أو عبيد بحكمه

وهى تعنى أن نطبق شريعة الله فى الحكم

وبواسطة من يختار من الشعب

مصر أكبر من نظام الحكم الفردى الديكتاتورى الإستبدادى

الذى فرضه علينا عسكر حركة يوليو فى الخمسينات

وصار نظاما لحكم مصر

برنامج الرئيس الإنتخابى لإسكان فقراء الشباب ..

سرقه مسؤولون وزارة الإسكان مع المقاولين ..!

رابط هذا التعليق
شارك

أما أنا فأشكوك الى الله نعم المولى و نعم النصير على ما بدر منك فى حق الصحابة و على ما تخرصت به دون دليل فى موضوع الشورى

كنت افضل أن تناقشه فى ما ( تخرص ) به بدلا من ان تشكوه الى الله نعم المولى و نعم النصير

هناك حقائق تاريخيه لا يمكن أنكارها و الصحابه رضوان الله عليهم بشر مثلنا و ليسوا معصمين من الخطأ , هم لهم فضل علينا فى كل الامور الدينيه اما فى النواحى السياسيه فهم مثل باقى البشر يقدمون كل ما يستطيعون فى سبيل الحفاظ على الدوله الوليده و الخلافات التى ظهرت بينهم كانت خلافات سياسيه فى الاساس وكل من حكم بعد الخلفاء الراشدين كان حكمه سياسى بمنطق القوه , فمن يملك القوه العسكريه يصل للحكم حتى و لو كان بقتل أبيه أو أخيه .

أرجو أن تراجع الكثير من كتب التاريخ ألاسلاميه لتتأكد من صحه المعلومات التى يطرحها علينا د . محبط , وبعد ذلك يمكنك مناقشة أفكاره و نقدها كما يحلو لك بدون تجريح فى شخص انسان مسلم و مثقف و لا يقصد من طرح هذا الموضوع سوى مصلحة الوطن و الامه كلها .

و للفاضل د . محبط اقول

أرجوك أكمل موضوعك حتى تستفيد من أراءك التى قد نوافقك عليها أو نعترض على البعض منها ولكننا فى الاخير نحترم رأيك سواء اتفقنا أو اختلفنا معك .

يا وطنى : كل العصافير لها منازل

الا العصافير التى تحترف الحريه

فهى تموت خارج الأوطان

ـ نزار قبانى ـ

103.gif

رابط هذا التعليق
شارك

شكرا جزيلا للفاضلين د/ رجب و الأستاذ أمير

و فى الواقع فإنه يتأكّد لى أننى كنت على حق عندما إخترت العنوان الفرعى للموضوع ليوضح أن الموضوع مُوَجّه "لمن يقرأون بأعينهم و يفهمون بعقولهم"

و لنلاحظ أن إحدى فقراتى الختامية فى آخر مداخلة كانت تقول :

وإذا عرفنا أسباب نشوء الخلافات فيها، وعرفنا أنها كلها ضمن سياق تاريخي( لا ضمن قرار أزلى من الله لا يحِلّ لنا مناقشته و يتوجب علينا الإمتثال له دون جدال)، و لو أدركنا أنها تتبع جدلية الإنسان والمجتمع....حينئذ فقط سنستطيع تجاوزها دون أن نبخس أحداً حقه، ودون أن نلعن تاريخنا , و دون أن نهاجم رموزنا

ولعل الجميع يذكر أننى كنت أول من رفض وتصدّى للهجوم الذى وجهه أحد الأعضاء الأفاضل منذ عدة أشهر ضد سيّدنا معاوية رضى الله عنه , ولكن ذلك لا يعنى أننى من جهة أخرى يجب أن أرفعه (هو او غيره من الصحابة رضوان الله عليهم) عن مصاف البشر أو أن أدّعى لهم بعصمة هم أنفسهم لم يدّعوها (كون أن ذلك المدخل الفكرى ليس من الإسلام أساساً فى شيئ)

وبمراجعة كل ماورد فى مداخلاتى فسيتضح لكل ذى عينين تبصر و عقل يعمل أننى لم أتحدث عن أى من الصحابة رضوان الله عليهم إلاّ بكل الإجلال و التبجيل (دون أن أنزع عنهم صفتهم البشريّة المعرّضة للخطأ والتى عبّر عنها سيّدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه عندما خطب فى المسلمين طالباً منهم أن يقوّموه لو أخطأ)

وهذا مثال مما كتبته عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم :

(و ربّما كان لقناعة سيّدنا عثمان رضى الله عنه و قناعة الجميع بنزاهته ,و تأكّدهم من أنه كان ينفق أحيانا على بيت المال ,و تذكّرهم كيف أنفق فى حياة الرسول دون حساب لرفع راية الإسلام و تجهيز سرايا كاملة من حر ماله ,و إدراكهم لأن بعض أقارب سيّدنا عثمان رضى الله عنه هم الذين كانوا يسيئون التصرّف من وراء ظهره....أقول ربّما كان لكل هذا أثراً فى تأخير إنفجار الموقف لعدّة أعوام - إذ يعلم الجميع كم كان سيّدنا على كرّم الله وجهه مثلاً يذكر سيّدنا عثمان رضى الله عنه بالخير و يعدّد حسناته فى مجالسه بيثرب-)

أمّا أسلوب القص و اللزق و تقطيع أوصال الكلام المقتبس و بتر فقرات منه لإنتزاع الكلام من سياقه الذى قيل فيه لتشويه صورة قائله والإدّعاء عليه بالبهتان فهو أسلوب يفتقر إلى الموضوعية والنزاهة و الأمانة ويعتمد على تكتيك "ولاتقربوا الصلاة" دون ذكر " وأنتم سكارى".... وهو أسلوب عف عليه الزمن فى التحاور و أصبح مكشوفاً ولا ينطلى على أحد

ولعلّه من الغريب أن يقرّر البعض عدم وجود شيئ لجهلهم بوجوده , وإذا كان البعض لا يقرأ مراجع تأريخيّة إسلاميّة فهذه مشكلتهم هم وعليهم أن يوسّعوا دائرة إطّلاعهم المغلقة حتّى يكونوا ملمّين بما يرغبون فى التحاور حوله...... ولن أذكر مراجع تأريخيّة إسلاميّة تعجيزيّة لمن أراد الوصول إليها , بل سأذكر مراجع ما أسهل الوصول إليها فى أى مكتبة مثل "فجر الإسلام" و"ضحى الإسلام" لأحمد أمين و مجموعة مقالات المفكر و المؤرخ الإسلامى خالد محمد خالد (وهى تحتوى ليس فقط على الأحداث التاريخيّة التى ذكرتها بل وعلى أضعاف أضعاف تلك الأحداث)

وإذا كان الإعتراض على أننى كتبت :

1- عَيّنَ سيّدنا عثمان رضى الله عنه أقاربه من الأمويين كولاة و حاباهم

2- إعتبر سيّدنا عثمان رضى الله عنه نفسه المتصرف بأموال الدولة وكان الآمر الناهى فيها (و ربّما كان لقناعة سيّدنا عثمان رضى الله عنه و قناعة الجميع بنزاهته ,و تأكّدهم من أنه كان ينفق أحيانا على بيت المال ,و تذكّرهم كيف أنفق فى حياة الرسول دون حساب لرفع راية الإسلام و تجهيز سرايا كاملة من حر ماله ,و إدراكهم لأن بعض أقارب سيّدنا عثمان رضى الله عنه هم الذين كانوا يسيئون التصرّف من وراء ظهره....أقول ربّما كلن لكل هذا أثراً فى تأخير إنفجار الموقف لعدّة أعوام - إذ يعلم الجميع كم كان سيّدنا على كرّم الله وجهه مثلاً يذكر سيّدنا عثمان رضى الله عنه بالخير و يعدّد حسناته فى مجالسه بيثرب-)

3- ركز الولاة الأمويون سلطتهم في الأمصار، وتركزت الثروات بأيديهم وبأيدي قواد الجيوش( حيث لا نجد في عهد سيّدنا عثمان رضى الله عنه أحداً من بني هاشم ولا من آل النبي صلّى الله عليه و سلّم في منصب ولاية أو قيادة عسكرية.... وبالتالي كانوا هم الطرف الأضعف..... بل ونرى مثلاً عمّار بن ياسر يستقيل من بيت مال الكوفة عندما رفض والي الكوفة الأموي أن يعيد إلى بيت المال مبلغاً كان قد اقترضه منه، ولم يقم الخليفة عثمان بن عفان بأي إجراء ضد الوالي بعد أن اشتكاه عمار إليه)

و مما لاشك فيه أن هذا الوضع القَبَلِي المالي أدّى إلى انقسام قَبَلِي مالي بين الصحابة( ولو ترجمنا الوضع باللغة السياسية المعاصرة لتقريب الوضع لأذهاننا ليس إلاّ- مع الفارق بالطبع- لكان لنا أن نقول أنه قد نشأ ما يشبه النخبة الحاكمة و المعارضة - بالمفهوم السياسي المعاصر-)... فقادة الجيوش والولاة وأغنياء قريش مع سيّدنا عثمان رضى الله عنه (نخبة حاكمة)، والباقي من كبار الصحابة في طرف مقابل (المعارضة) يرأسه سيّدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه بسبب قرابته من الرسول صلّى الله عليه و سلّم وبسبب زهد سيّدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه في المال..... فحدث ما يمكننا أن نسمّيه - باللغة السياسيّة المعاصرة - حرب أهليّة حقيقية رغم أن سيّدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه لم يكن راغباً بها أو داعياً إليها، وأدّت إلى مقتل سيّدنا عثمان رضى الله عنه ، وإلى مبايعة سيّدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه

فإننى أضع هذه الوصلة من موقع دائرة المعارف الإسلاميّة والتى تسرد قصّة مقتل سيّدنا عثمان بن عفان رضى الله عنه و جذور المشكلة التى أدت إلى مقتله و ملابساتها و الظروف المحيطة بها والتى تؤكد ما كتبته عن تفضيل سيدنا عثمان رضى الله عنه لتعيين أقاربه و توليتهم المناصب الكبرى , ووجود شقاقات و خلافات على أرضيّة قَبَليّة و ماليّة - لايمكن إنكارها من الناحية التاريخية- , و سيطرة أقارب سيّدنا عثمان رضى الله عنه على الأمصار وعدم أداء الأدوار المكلّفين بها بأمانة و عدالة , و تصرّف أقارب سيّدنا عثمان رضى الله عنه فى كثير من الأحوال من وراء ظهره إلى حد حياكة المؤامرات التى لم يعلم بها سيّدنا عثمان رضى الله عنه وهو ما يؤكّد أنه لم يكون مصيبا فى إختياره لمن عيّنهم و ساندهم (علما بأن كل ماورد فى هذه الوصلة ورد أيضا فى أغلب كتب التأريخ الإسلامى ويمكن متابعة تفاصيل أكثر فى مقالات المفكر و المؤرخ الإسلامى خالد محمد خالد التى هى فى المتناول ناهيك عن نشره لها فى حلقات مسلسلة فى الصحف المصرية منذ 9 أعوام) :

http://www.islampedia.com/MIE2/tarikh/9maktal.html

مقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه

رواية أبي سعيد مولى أبي أسيد الساعدي التي نقلها الطبري في "تاريخه" 3/390-414

الجزء الأول: سيدنا عثمان يجتمع بالوفد القادم من مصر محتجاً عليه:

"سمع عثمان أن وفد أهل مصر قد أقبلوا عليه، فاستقبلهم وكان في قرية له خارجة عن المدينة، فلما سمعوا به أقبلوا نحوه إلى المكان الذي هو فيه، وكره أن يقدموا عليه المدينة، فآتوه فقالوا له: أدع بالمصحف: فدعا بالمصحف، فقالوا له: افتح السابعة، وكانوا يسمون سورة يونس السابعة، فقرأنها حتى أتى هذه الآية: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل الله أذن لكم أم على الله تفترون}[يونس: 59]. فقالوا له قف: أرأيت ما حميت من الحمى؟ آلله أذن لك به أم على الله تفتري؟ فقال: أمضه نزلت في كذا وكذا، فأما الحمى فإن عمر حمى الحمى قبلي لإبل الصدقة، فلما وُلِّيتُ زادت في إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زاد في إبل الصدقة. أمضه. فجعلوا يأخذونه بالآية فيقول: أمضه نزلت في كذا وكذا. والذي يتولى كلام عثمان… ابن ثلاثين سنة. ثم أخذوه بأشياء لم يكن عنده منها مخرج فعرفها فقال: استغفر الله وأتوب إليه، وقال لهم: ما تريدون؟ فقالوا: نأخذ ميثاقك وكتبوا عليه شرطاً، وأخذ عليهم ألا يشقوا عصا، ولا يفارقوا جماعة ما قام لهم بشرطهم أو كما أخذوا عليه. وقال لهم: ما تريدون؟ قالوا: نريد ألا يأخذ أهل المدينة عطاء. قال لا! إنما هذا المال لمن قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرضوا بذلك وأقبلوا معه إلى المدينة راضين. فقام فخطب فقال: إني والله ما رأيت وفداً في الأرض هم خير لحوباتي من هذا الوفد الذين قدوا علي. وقال مرة أخرى: خشية من هذا الوفد من أهل مصر، ألا من له زرع فليلحق بزرعه، ومن كان له ضرع فليحتلبه. ألا إنه لا مال لكم عندنا، إنما هذا المال لمن قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغضب الناس، فقالوا: هذا مكر بني أمية".

هذا ما يستخلص من الجزء الأول من رواية أبي سعيد:

1- تحكيم كتاب الله بين سيدنا عثمان الوفد القادم من مصر، وهذا يظهر من نص آخر عن محمد بن سيرين، حيث يقول: "فعرض عليهم كتاب الله فقبلوه" وَبقِيَّت الشروط تظهر في رواية محمد بن سيرين حيث يقول: "واشترطوا جميعاً أن المنفي يُقلب، والمحروم يعطى، ويوفر الفي ويعدل في القسم، ويستعمل ذو القوة والأمانة".

2- لم يستطيع سيدنا عثمان أن يبرر كل أعماله لوفد مصر.

3- القضية الهامة والأساسية هي توزيع مال الفتوح.

الجزء الثاني: عثور الوفد على كتاب مهور بخاتم سيدنا عثمان يأمر بقتل بعض أفراد الوفد:

"ثم رجع الوفد المصريون راضين، فبينا هم في الطريق إذا هم براكب يتعرض لهم، ثم يفارقهم، ثم يرجع إليهم، ثم يفارقهم ويسبقهم. قالوا له:ما لك؟ إن لك لأمراً، ما شأنك؟ فقال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر. ففتشوه، فإذا هم بكتاب على لسان عثمان، عليه خاتمه، إلى عامله بمصر: أن يصلبهم أو يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. فأقبلوا حتى قدموا المدينة، فأتوا علياً، فقالوا: ألم تر إلى عدو الله؟ إنه كتب فينا بكذا وكذا وأن الله قد أحل دمه، قم معنا إليه. قال علي: والله لا أقوم معكم، فقالوا: فَلِمَ كتبت إلينا؟ فقال: وما كتبت إليكم كتاباً قط. فنظر بعضهم إلى بعض ثم قال بعضهم لبعض: ألهذا تقاتلون، أو لهذا تغضبون؟ فانطلق علي فخرج من المدينة إلى قرية، فانطلقوا حتى دخلوا على عثمان، فقالوا: كتبت فينا بكذا وكذا، فقال: إنما هما اثنتان: أن تقيموا عليّ رجلين من المسلمين، أو يميني بالله الذي لا إله إلا هو: ما كتبت ولا أمللت ولا علمت. وقد تعلموا أن الكتاب يكتب على لسان الرجل، وقد ينقش الخاتم على الخاتم، فقالوا فقد والله أحل الله دمك، ونقضت العهد والميثاق. فحاصروه".

وهذا ما يُستخلص الجزء الثاني من رواية أبي سعيد، فهو غاية الأهمية حيث إنه كشف حقائق مطموسة.

1- الرسول المرسل من قِبل عثمان -كما زعموا- أمره عجيب حين إنه تعَّرض للوفد ثم فارقهم ثم رجع إليهم، وكأنه يريد أن يقول لهم شيئاً أو يريد أن يلفت نظرهم إليه ليسألوه عما به، فهو ليس برسول عادي أرسل بمهمة سرية -كما هو شأن المرسلين- ويريد أن يبلغ هدفه دون لفت أنظار الناس إليه، بل هو يقصد أن يثير الشبهة، وكأنه يقول لهم: أسألوني ما بي وما معي؟ وهذا ما حصل فعلاً أن أوقف وسئل عما معه.

2- الكتب التي تلقاها الوفد من سيدنا على بن أبي طالب تحثهم على المجيء للمدينة المنورة ومعاداة عثمان، فسيدنا علي ينكر بعثه لهذه الكتب ويقول: "والله ما كتبت إليكم كتاباً قط". فهذا الأمر يظهر أن هناك مزورين كتبوا هذه الكتب، ولا يستبعد أنهم هم الذين أرسلوا الكتاب المزعوم بقتل بعض وفد المصريين.

3- نفي سيدنا عثمان الكتاب المزعوم، مما يدل أن الخاتم الذي مهر به الكتاب خاتم مزور يشبه خاتم سيدنا عثمان.

يظهر لنا من هذه الحقائق الثلاث أن وراء هذه الأحداث مؤامرة تحاك، ويختبىء ورائها رجال مزورون يريدون وقوع الفتنة.

الجزء الثالث: مناقشة سيدنا عثمان للوفد، ومنعهم الماء عنه:

"وأشرف عثمان ذات يوم فقال: السلام عليكم، فما سمع أحداً من الناس رد عليه إلا أن يرد رجل في نفسه، فقال: أنشدكم بالله هل علمتم أني اشتريت بئر رومه من مالي يستعذب بها، فجعلت رشائي منها كرشاء رجل من المسلمين؟ قيل: نعم. قال: فَعَلامَ تمنعونني أن أشرب منها حتى أفطر على ماء البحر؟ وقال: أنشدكم الله هل علمتم أني اشتريت كذا وكذا من الأرض فزدته في المسجد؟ قيل: نعم. فقال: فهل علمتم أن أحداً من الناس منع أن يصلي فيه قبلي؟ وقال: أنشدكم الله هل سمعتم نبي الله صلى الله عليه وسلم يذكر كذا وكذا -أشياء في شأنه- وذكر الله إياه أيضاً في كتابه المفصّل، ففشا النهي فجعل الناس يقولون: مهلاً عن أمير المؤمنين. وفشا النهي وقام الأشتر يومئذ أو في يوم آخر فقال: لعله قد مُكر به وبكم. فوطئه الناس حتى لقي كذا كذا.

ثم يقول أبو سعيد مولى أبي أسيد الذي يقص هذه القصة: فرأيته أشرف عليهم مرة أخرى فوعظهم وذكّرهم، فلم تأخذ فيهم الموعظة، وكان الناس تأخذ فيهم الموعظة في أول ما يسمعونها فإذا أعيدت عليهم لم تأخذ فيهم".

هذا الجزء الثالث من رواية أبي سعيد:

وفيه إشارة إلى المؤامرة التي دبرت لسيدنا عثمان.

الجزء الرابع سيدنا عثمان يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وانتظاره الموت

"ثم إنه فتح الباب ووضع المصحف بين يديه، وذاك أنه رأى من الليل أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أفطر عندنا الليلة".

يُستخلص من الجزء الرابع من رواية أبي سعيد التالي:

رؤية سيدنا عثمان للنبي صلى الله عليه وسلم في المنام وقوله له: "أفطر عندنا الليلة" واعتقاد سيدنا عثمان بالمنام الذي رآه، وتسليمه له. وهذا يوضح أمر سيدنا عثمان الصحابة والمدافعين بالذهاب إلى بيوتهم.

الجزء الخامس: مقتل سيدنا عثمان وبيان من قتله:

ودخل على عثمان رجل، فقال: بيني وبينك كتاب الله، فخرج وتركه. ثم دخل عليه آخر فقال: بيني وبينك كتاب الله، والمصحف بين يديه، فأهوى إليه بالسيف، فاتقاه بيده فقطعها -لا أدري أبانها أم قطعها ولم يَبِنْها- فقال: أما ولله إنها لأول كف خطت المفصَّل وأخذَت ابنة الفرافصة حليلها فوضعته في حجرها، وذلك قبل أن يقتل فلما اُشعر أو قتل تجافت عنه، فقال بعضهم: قاتلها ما أعظم عجيزتها، فعلمت أن أعداء الله لم يريدوا إلا الدنيا".

رواية سهم الأزدي التي رواها ابن عساكر في تاريخ دمشق:

قال ثور بن يزيد الرحبي: " أخبرني سهم أنه كان مع عثمان بن عفان يوم حُصر في الدار، فزعم أن ركب الشقاء من أهل مصر أتوه قبل ذلك فأجازهم، وأرضاهم، فانصرفوا.

"حتى إذا كانوا ببعض الطريق انصرفوا وخرج عثمان بن عفان فصلى إمّا صلاة الغداة وإمّا صلاة الظهر، فحصبه أهل المسجد، وقذفوه بالحصا والنعال والخفاف.

"فانصرف إلى الدار ومعه طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، ومروان بن الحكم، وأبو هريرة، والمغيرة بن الأخنس، في أناس لا أحفظ من ذكر منهم إلا هؤلاء النفر، فأشرفوا على ظهر البيت، فإذا هم بركب أهل الشقاء قد دخلوا المدينة، وأقبل ناس حتى قعدوا على باب الدار، عليهم السلاح. فقال عثمان لغلام له يقال له وثاب: خذ مكتلاً من تمر.. فانطلق بها إلى هؤلاء القوم، فإن أكلوا من طعامنا فلا بأس بهم، وإن شفقت منهم فدعهم وارجع، فانطلق بالمكتل، فلما رأوه رشقوه بالنبل، فانصرف الغلام وفي منكبه سهم، فخرج عثمان ومن معه إليهم ، فأدبروا وأدركوا رجلاً يمشي القهقرى فقلت له: ما القهقرى؟ قال: ينكص على عقبيه كراهية أن يُولى، فأخذناه أخذاً فأتيناه به عثمان بن عفان فقال: يا أمير المؤمنين إنَّا والله ما نريد قتلك، ولكن نريد معاتبتك، فأعتب قومك وأرضهم، قال: يا أبا هريرة فلعلهم يردون ذلك؛ فخلوا، قال: فخلينا سبيله.

"وخرجت عائشة أم المؤمنين فقالت الله الله يا عثمان في دماء المؤمنين؛ فانصرف إلى الدار.

فلما أصبح صلى بنا الغداة، فقال: أشيروا عليّ، فلم يتكلم أحد من القوم غير عبد الله بن الزبير فقال: يا أمير المؤمنين أشير عليك بثلاث خصال فاركب أيهن أحببت: إما أن نهل بعمرة فتحرم عليهم دماؤنا. ويكون إلى ذلك قد أتانا مددنا من الشام -وقد كان عثمان كتب إلى أهل الشام عامة وإلى أهل دمشق خاصة: إني في قوم قد طال فيهم عمري واستعجلوا القدر، وقد خيروني بين أن يحملوني على شوارف إلى جبل الدخان، وبين أن أنزع لهم رداء الله الذي كساني، وبين أن أُقيدهم، ومن كان على سلطان يخطىء ويصيب، وأن يا غوثاه، ولا أمير عليك دوني- وإما أن نهرب على نجائب سراع لا يدركنا أحد حتى نلحق بمأمننا من الشام، وإما أن نخرج بأسيفنا ومن شايعنا، فنقاتل فإنا على الحق وهم على الباطل.

قال عثمان: أما قولك أن نهل بعمرة فتحرم عليهم دماؤنا؛ فوالله لم يكونوا يرونها اليوم عليهم حراماً لا يحرِّمونها إن أهللنا بعمرة. وأما قولك أن نخرج نهرب إلى الشام؛ فوالله إني لأستحي أن آتي الشام هارباً من قومي وأهل بلدي. وأما قولك نخرج بأسيافنا ومن تابعنا، فنقاتل فإنا على الحقوهم على الباطل؛ فوالله إني لأرجو أن ألقى الله ولم أهرق محجمة من دم المؤمنين.

فمكثنا أياماً صلينا الغداة، فلما فرغ أقبل علينا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن أبا بكر وعمر أتياني الليلة، فقالا لي: صم يا عثمان، فإنك مفطر عندنا، فإني أشهدكم أني قد أصبحت صائماً وأعزم على من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر إلا خرج من الدار سالماً مسلماً.

فقلنا: يا أمير المؤمنين إن خرجنا لم نأمنهم على أنفسنا، فائذن لنا فلنكن في بيت من الدار يكون فيه حماية ومنعة؛ فأذن لهم فدخلوا بيتاً، وأمر بباب الدار ففتح، ودعا بالمصحف فأكب عليه، وعنده امرأتاه ابنة الفرافصة الكلبية وابنة شيبة.

"فكان أول من دخل عليه محمد بن أبي بكر الصديق، فمشى إليه حتى أخذ بلحيته فقال: دعها يا ابن أخي فوالله إن كان أبوك ليلهف لها بأدنى من هذا، فاستحى فخرج وهو يقول: أشعرته وأخذ عثمان ما امتعط من لحيته فأعطاه إحدى امرأتيه، ثم دخل رومان بن وردان -عداده في مراد- رجل قصير أرزق مجدور هو في آل ذي أصبح، معه جرْز من حديد فاستقبله فقال: على أي ملة أنت يا نعثل؟ فقال عثمان: لست نعثل ولكني عثمان بن عفان، وأنا على ملة إبراهيم حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، فقال: كذبت، فضربه بالجرْز على صدغه الأيسر، فقتله. وأدخلته بنت الفرافصة بينها وبين ثيابها".

رواية الأحنف بن قيس التي رواها الطبري في "تاريخه" 3/510-512:

قال الأحنف: "قدمنا المدينة ونحن نريد الحج، فإنا لبمنازلنا نضع رحالنا إذا أتانا آت فقال: قد فزعوا وقد اجتمعوا في المسجد، فانطلقنا، فإذا الناس مجتمعون في نفر في وسط المسجد، وإذا علي والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص، وإنَّا كذلك إذ جاء عثمان بن عفان فقيل: هذا عثمان قد جاء وعليه مليئة له صفراء قد قنّع بها رأسه، فقال: أههنا علي؟ قالوا: نعم، قال: أههنا الزبير؟ قالوا: نعم، قال: أههنا طلحة؟ قالوا: نعم، قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من يبتع مربد بني فلان غفر الله له،

فابتعته بعشرين أو بخمسة وعشرين ألفاً، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله قد ابتعته. قال: اجعله في مسجدنا، وأجره لك، قالوا: اللهم نعم.

وذكر أشياء من هذا النوع.

قال الأحنف: فلقيت طلحة والزبير، فقلت: من تأمراني به وترضيانه لي؟ فإني لا أرى هذا الرجل إلا مقتولا. قالا: علي، قلت: أتأمراني به وترضيانه لي؟ قالا: نعم. فانطلقت حتى قدمت مكة، فبينا نحن بها إذ أتانا قتل عثمان، وبها عائشة أم المؤمنين فلقيتها، فقلت: من تأمرينني أن أتابع قالت: علي، قلت: تأمرينني به وترضينه لي؟ قالت: نعم، فمررت على علي بالمدينة فبايعته ،ثم رجعت إلى البصرة، ولا أرى الأمر إلا قد استقام، فبينا أنا كذلك إذ أتاني آت فقال: هذه عائشة وطلحة والزبير، قد نزلوا جانب الخريبة فقلت: ما جاء بهم؟ قالوا: أرسلوا إليك يدعونك يستنصرون بك على دم عثمان، فأتاني أفظع أمر أتاني قط، فقلت: إن خذلاني هؤلاء، ومعهم أم المؤمنين وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم لشديد، وإن قتالي رجلاً ابن عم رسول الله صلى الله علي وسلم قد أمروني ببيعته لشديد، فلما أتيتهم، قالوا: جئنا لنستنصر على دم عثمان رضي الله عنه قتل مظلوماً، فقلت: يا أم المؤمنين أنشدك بالله أقلت لك: من تأمرينني به، فقلت: علي، فقلتُ: أتأمرينني به وترضينه لي؟ قلت: نعم؟ قالت: نعم، ولكنه بدل، فقلت يا زبير يا حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، يا طلحة أنشدكما الله أقلت لكما ما تأمراني؟ فقلتما: علي، فقلت: أتأمراني به وترضيانه لي؟ فقلتما: نعم، قالا: نعم ولكنه بدلْ، فقلت: والله لا أقاتلكم ومعكم أم المؤمنين وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أقاتل رجلاً ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرتموني ببيعته".

ما يستخلص من الروايات الثلاث

1- رد سيدنا عثمان بن عفان كثيراً من التهم الموجهة إليه، واستغفر عن بعض أعماله التي أقر بأنها خطأ عمله، وبذلك رضي عنه الثائرون، حيث إنه وعدهم بتصحيحها.

2- لم يرسل عثمان إلى عامله في مصر أي كتاب يحرضه على قتل الثوار، وذلك لأن عثمان لم يغير وعده لهم.

3- كان باستطاعة عثمان مقاتلة الخارجين وردهم، ولكنه لم يُرد إهراق الدم في الدفاع عن نفسه، ولم يرد ترك المدينة، بل رضي أن يقتل لرؤية رأها في المنام.

4- كان بجانب عثمان الصحابة الأولين يوالونه ويشدون أرزه، وأبناؤهم أيضاً.

5- لم يكن يطمع طلحة والزبير في الاستيلاء على الخلافة بعد عثمان، لأنهما كانا يريان أن علياً هو الأصلح لها. وهذا هو رأي السيدة عائشة.

6- خروج السيدة عائشة وطلحة والزبير يطالبون بدم عثمان لاعتقادهم أنه قتل مظلوماً.

7- هناك عدد من أهل المدينة ينقمون على عثمان لأمور مادية، لأنه أراد أن يمنعهم من المشاركة في الفتوح.

8- إن بين الثائرين على عثمان من هم مدفوعون بالغيرة على الدين.

9- هناك أيدٍ خفية تحرك الأمور من وراء الستار لتوقع الفرقة بين المسلمين، فهي التي صاغت الكتب على لسان الصحابة، وهي التي زورت الكتاب المرسل إلى عامل عثمان في مصر، وهي التي كانت تستعجل الأمور.

10- كان بين هؤلاء الثوار رجال من الصحابة كمحمد بن أبي بكر، ولعل منهم: عمار بن ياسر، ولكن الأمر لم يبلغ بهم حد الاشتراك في القتل.

<span style='font-family: Traditional Arabic'><span style='font-size:15pt;line-height:100%'><strong class='bbc'>إن أخشى ما أخشاه هو :<br /><br />أن تصبح الخيانة يوما ما.....مجرّد.....وجهة نظر</strong></span></span><br /><br /><br /><br /><img src='http://www.egyptiantalks.org/images_temp/moir.gif'alt='صورة' class='bbc_img' />

رابط هذا التعليق
شارك

وهذا مقال للمفكّر و العلاّمة الإسلامى السُنِّى المعروف الدكتور "محمد عمارة" عن التحوّلات الإجتماعية التى بدأت تظهر فى المجتمع الإسلامى إبّان خلافة سيّدنا عثمان رضى الله عنه

http://www.balagh.com/mosoa/sirah/qg0q5hoo.htm

محمد عمارة

التحولات الاجتماعية في عهد عثمان

لقد حدثت بالفعل تحولات اجتماعية في عهد عثمان بن عفان، لم تكن موجودة في عهد البعثة ولا في زمن ابي بكر وعمر، ففي عهد الرسول، عليه السلام، لم تكن الفتوحات الكبرى قد حدثت بعد، ومن ثم فان ثروة المجتمع لم تكن ذات وزن كبير، حتى ان الدولة العربية الاسلامية التي قامت يومئذ لم تعرف نظاما مستقرا ومقننا لماليتها من حيث الضبط والتنظيم للواردات والمصروفات.. وعندما لقي الرسول ربه لم يخلف ما لا يورث، بل خلف دينا عليه هو عبارة عن قرض اقترضه لقضاء حاجيات أهله المعاشية، ولم يختلف الحال كثيراً في عهد ابي بكر الصديق، لا من حيث الحدود التي امتدت اليها الفتوحات، تقريبا، ولا من حيث ثروة الدولة، بل لقد تأثرت بالانقسامات التي حدثت على سلطة ابي بكر القائمة في (المدينة)، واستنفذت منها الحروب التي سميت (بحروب الردة) قدرا كبيرا من الجهد والنفقات، حتى ان بيت المال _(خزانة الدولة)_ عند وفاة ابي بكر، لم يكن به سوى دينار واحد قد سقط وتخلف بطريق الخطأ والنسيان!!.

وفي عهد عمر بن الخطاب امتدت فتوحات الدولة حتى شملت المجتمعات الغنية الثلاثة التي كانت أهم مصادر للثروة في الامبراطورية العربية: مصر والشام والعراق.. وجاءت الى عاصمة الدولة كنوز القياصرة والاكاسرة، وفيها أكوام من التحف والعملات الذهبية التي ذهل لمرآها كثيرون من الصحابة.

ولكن زمام الامر لم يبق مجتمعا في اليد القوية على عهد عثمان كما كان الحال في عهد ابن الخطاب، وذلك لاسباب كثيرة، من بينها الفرق بين الشخصيتين.. ومن بينها كذلك _بل في مقدمتها_ الواقع الاجتماعي الجديد للمجتمعات الزراعية الغنية التي فتحها المسلمون. فرؤوس قريش والطامحون الى الغنى والثروة من ابنائها، هؤلاء الذين حال عمر بينهم وبين الانتشار في انحاء الامبراطورية والاستئثار بخيراتها، قد وجدوا في عهد عثمان الفرصة الذهبية للانتشار والانقضاض على ثروات المجتمع الجديد الكبير.. وتكونت حولهم عصبيات من أهل البلاد المفتوحة اتخذوا من هؤلاء العرب (الاشراف) سلما يحققون هم الآخرون بواسطتهن الثراء والثروة على حساب جماهير الفقراء، عربا كانوا أو موالي، و (الطبري) يصور لنا هذه الحقيقة الكبرى في حسم ووضوح عندما يقول: ان عمر بن الخطاب كان (قد حجر على اعلام قريش من المهاجرين الخروج في البلدان الا باذن واجل.. فلما ولي عثمان لم يأخذهم بالذي كان عمر يأخذهم به، فخرجوا الى البلاد، فلما نزلوها ورأوا الدنيا، ورآهم الناس، فانقطع اليهم الناس.. وتقربوا اليهم، وقالوا: يملكون فيكون لنا في ملكهم حظوة؟! فكان ذلك أول وهن على الاسلام، وأول فتنة كانت في العامة!! ولذلك كان عثمان أحب الى قريش من عمر؟!!

ولقد كان الفرع الاموي، من قريش، في مقدمة الذين استفادوا من هذا التطور الاجتماعي الجديد..بل يبدو ان الفرع الاموي، بزعامة أبي سفيان، قد رأي في تولي عثمان الخلافة فرصة طالما انتظروها كي تعود لهم المكانة الاولى التي فقدوها منذ ظهور الاسلام على يد محمد بن عبد الله، من الفرع الهاشمي الفقير من بني عبد مناف.. ولقد ذكر عمار بن ياسر انه قد حدث (عقيب الوقت الذي بويع فيه عثمان، ودخل داره، ومعه بنو أمية) ان قال لهم أبو سفيان، وكان قد كف بصره: (أفيكم أحد من غيركم؟.. قال: لا.. قال: يابني امية، تلقفوها تلقف الكرة، فوا الذي يحلف به أبو سفيان، ما زلت أرجوها لكم، ولتصيرن الى صبيانكم وراثة!! فانتهره عثمان، وساءه ما قال، ونمي هذا القول الى المهاجرين والانصار؟!..) فهو اذا انقلاب سياسي قد حدث، طالما رجاه وانتظره ابو سفيان وبنو أمية، وهي اذا بداية حقبة من الحكم يعدون انفسهم فيها لتلقفه كالكرة حتى يصير ملكاً وراثياً يتولاه الصبيان.. حتى ولو لم يكن معهم في هذا الرأي عثمان بن عفان.. لقد سنحت لهم الفرصة، ورأوا في شخصية عثمان المناخ المناسب كي يحققوا ما يريدون..

فلقد انتشر كثير من الصحابة، الذين استبقاهم عمر بالمدينة، في الامصار، واقطعهم عثمان مساحات من الارض التي كانت ملكية عامة لبيت مال المسلمين، فوزعت عليهم الارض التي سبق أن صودرت لحساب بيت المال، والتي كانت مملوكة لكسرى وقيصر والامراء والقواد الذين حاربوا ضد الفتح العرب لهذه البلاد، وهي التي كانت تسمى ارض (الصوافي)، وكان دخلها على عهد عثمان 50,000,000 درهم، كما كان عثمان اول من أقطع ارض العراق.

*وانعكست هذه التطورات السياسية والادارية على الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية لدى عدد كبير من الولاة والصحابة والعمال.. فسعيد بن العاص، والي عثمان على الكوفة، يسير في الناس سيرة منكرة، ويستبد بالاموال دونهم، ويقول عن أرض العراق _التي جعلها عمر من قبل ملكا للامة_ : انها بستان قريش؟!.. فيعترض عليه الاشتر مالك ابن الحارث النخعي، قائلا: (أتجعل ما أفاء الله علينا بظلال سيوفنا ومراكز رماحنا بستانا لك ولقومك؟!) يحدث هذا من سعيد بن العاص الاموي رغم انه قد ولي هذا المنصب كي يصلح ما أفسده الوالي السابق الوليد بن عقبة الذي استبد وفسق وفجر.. وفي هذه السيطرة القرشية المستبدة يقول احد الشعراء الكوفيين:

فررت من الوليد الى سعيد كاهل الحجر اذ فزعوا فباروا

يلينا من قريش كل عــام أمير محدث أو مستشـــار

لنا نار تحرقنا فنخشـــى وليس لهم ولا يخشون نــار

* وتتبدى مظاهر الثراء والبذخ على عدد كبير من الصحابة، فالزبير ابن العوام يبني له عدة دور ضخمة فخمة بالبصرة والكوفة، ومصر، والاسكندرية، وعندما تحضره الوفاة يحصون في ثروته50,000 دينار، والف فرس، والفا من العبيد والإماء.. الخ.

*وطلحة بن عبيد الله التميمي يبتني لنفسه هو الآخر احدى الدور الفخمة بالكوفة، وأخرى بالمدينة يشيدها (بالآجر والجص والساج)، ويبلغ دخله من ممتلكاته بالعراق وحدها الف دينار في اليوم الواحد؟! (وقيل أكثر من ذلك، وبناحية (الشراة) أكثر مما ذكرنا)!!

* وعبد الرحمن بن عوف الزهري، تصبح ثروته مضرب الامثال (فعلى مربطه مائه فرس، وله الف بعير، وعشرة آلاف شاة من الغنم) وعندما توفي قدرت ثروته بأكثر من مليونين ونصف من الدراهم، ولقد بلغ حجم القدر الذي أحضر منها الى عثمان بن عفان في (البدر) و(الاكياس) قدرا من العظم جعله يحجب رؤية عثمان عن الرجل الواقف أمامه؟!

*ويذكر سعيد بن المسيب ان في ثروة زيد بن ثابت _وكان من المدافعين عن عثمان حين ثار الناس عليه_ يوم مات (من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤس، غير ما خلف من الاموال والضياع بقيمة مائة الف دينار؟!).

* اما يعلي بن منية فانه يخلف في تركته 000, 500 دينار، تضاف اليها عقارات وديون له على الناس تقوم بمبلغ 000, 300 دينار؟!

* ويشيع في المدينة بناء الدور الفخمة الحديثة، ويتخذون لها الاماكن الجميلة في (الضواحي).. فعلى بعد أميال من المدينة يبني (المقداد) (بالجرف) دارا (مجصصة الظاهر والباطن) ويجعل في (اعلاها شرفات) ويصنع مثله (بالعقيق) (سعد بن أبي وقاص).

* ونشهد مصادر التاريخ الاسلامي المعتمدة تسجل على هذا العهد _وللمرة الاولى_ بوادر فكر نظري يجتهد كي يبرر للخليفة والحاكم التمتع بالاموال العامة الخاصة ببيت مال المسلمين.. فيروي (الزبير ابن بكار) في كتابه (الموفقيات) عن ابن عباس قوله: (لما بنى عثمان داره بالمدينة اكثر الناس عليه في ذلك، فبلغه، فخطبنا.. فقال.. أتانا عن اناس منكم انهم يقولون: أخذ فيئنا، وانفق شيئنا، واستأثر بأموالنا.. مالي ولفيئكم واخذ مالكم؟! الست من أكثر قريش مالاً؟! .. وهبوني بنيت منزلا من بيت المال، اليس هو لي ولكم؟!! ألم أقم أموركم، واني من وراء حاجاتكم؟!.. فلم لا اصنع في الفضل _ (الزيادة عن حاجات الناس)_ ما احببت؟! فلم كنت اماما اذا ؟!!.. فمالي لا افعل في فضول الاموال مااشاء؟!

* كما تتحدث مصادر التاريخ هذه عن استخدام بنات عثمان وتمتعهن بالحلي المملوك لبيت المال فيروي (الزبير بن بكار) عن (الزهري) قوله: (لما أتى عمر بجوهر كسرى، وضع في المسجد، فطلعت عليه الشمس فصار كالجمر) واراد عمر ان يقسمه بين المسلمين، فقال له خازن بيت المال: (ياأمير المؤمنين، ان قسمته بين المسلمين لم يسعهم (لم يكفهم وليس أحد يشتريه، لان ثمنه عظيم، ولكن تدعه الى قابل (تؤجله الى العام القادم) فعسى الله أن يفتح على المسلمين بمال فيشتريه منهم من يشتريه.. قال: أرفعه فأدخله بيت المال.. وقتل عمر وهو بحاله، فأخذه عثمان لما ولي الخلافة فحلى به بناته؟!!

*وتشهد الدولة الاسلامية أول خليفة من خلفائها يترك عند مماته ثروة طائلة، فيحصون لعثمان رضي الله عنه يوم مقتله (عند خازنه من المال خمسيـن ومـائة الف دينار (000 ,150) وألـف الف درهـم (000, 000, 1) وذلك غير قيمة (ضياعه بوادي القرى وحنين) تلك التي قدرت بمبلغ 000 ,100 دينار.. هذا عدا الخيل والإبل، وغيرها من الممتلكات والمقتنيات؟!

ونحن نود قبل ان ننتقل للحديث عن اثر هذه التحولات المستحدثة في المجتمع الاسلامي أن ننبه الى أن صحبة هؤلاء الرجال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وسبق الكثير منهم الى الاسلام، وبلاءهم الحسن في نشر الاسلام واقامة دعوته، لم يكن له أن يمنع سعيهم هذا الذي حدث في سبيل الدنيا، لان النفس البشرية عندما تتاح لها الفرصة لذلك، دونما مانع من القانون ورادع من النظام، فقلما تحجم عن السعي في هذا الطريق.. وهذه الموانع قد زالت، أو كادت، بوفاة عمر بن الخطاب، ومن ثم استباح الكثيرون لانفسهم واستحلوا هذا النمط من أنماط الحياة.. ولقد كانت للقوم شبهة حل تجعل لهم هذا الامر مباحا لا حرج عليهم فيه.. يشهد لذلك قول عثمان بن عفان عن عبد الرحمن بن عوف، عندما احضرت له بعض أكياس دنانيره ودراهمه، بعد وفاته: (اني لارجو لعبد الرحمن خيراً، لانه كان يتصدق، ويقري الضيف، وترك ما ترون.. أي انه قد كانت هناك (وجهة نظر) تمثل موقفا فكريا يرى انه لا حرج على الناس ولا على ضمائرهم من السعي في هذا السبيل، وان التقوى والايمان لن ينقص منهما جمع الاموال، بشرط ان يتصدق اصحابها ويكرموا الضيوف ويبذلوا منها قدرا معلوما في بعض وجوه (البر والاحسان)..

بل لقد حدث ان استباح البعض ما حرمه الرسول على سبيل القطع في هذا الميدان.. وفي (صحيح مسلم) نقرأ هذا الحديث الشاهد لما نقول: (حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا سليمان (يعني ابن بلال) عن يحيى (وهو ابن سعيد)، قال: كان سعيد بن المسيب يحدث ان معمرا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من احتكر فهو خاطيء. فقيل لسعيد: فانك تحتكر!! قال سعيد: ان معمرا، الذي كان يحدث هذا الحديث، كان يحتكر)؟!! ... فما بالنا باستحداث أمور كانت للبعض فيها شبهة حل؟! ولم يكن في صف الذين انكروها وحاربوها سوى سلاح الاجتهاد في تفسير النصوص، وقياس الامر على كليات التعاليم وروح الشريعة الغراء.. ؟!

وعلى أي الوجوه قلبنا الامر، فلقد اثمرت هذه التحولات التي شهدها عهد عثمان بن عفان مناخا اجتماعيا ولد وشهد العديد من التناقضات والصراعات.. ومن الكلمات الجيدة التي تصف تلك الحالة الجديدة قول جمال الدين الافغاني: انه (في زمن قصير من خلافة عثمان، تغيرت الحالة الروحية في الامة تغيراً محسوساً، وأشد ما كان منها ظهورا في سيرة وسير العمال والامراء وذوي القربى من الخليفة، وارباب الثروة بصورة صار يمكن معها الحسن بوجود طبقة تدعى (امراء) وطبقة (اشراف) واخرى (اهل ثروة وثراء وبذخ)، وانفصل عن تلك الطبقات: طبقة العمال وابناء المجاهدين، ومن كان على شاكلتهم من ارباب الحمية والسابقة في تأسيس الملك الاسلامي وفتوحاته، ونشر الدعوة، وصار يعوزهم المال الذي يتطلبه طرز الحياة، والذي احدثته الحضارة الاسلامية، اذ كانوا مع كل جريهم وسعيهم وراء تدارك معاشهم لا يستطيعون اللحاق بالمنتمين الى العمال ورجال الدولة. وقد فشت العزة والاثرة والاستطالة، وتوفرت مهيئات الترف في حاشية الامراء وأهل عصبيتهم، وفي العمال، وبمن استعملوه وولوه من الاعمال.. الخ... فنتج من مجموع تلك المظاهر التي احدثها وجود الطبقات المتميزة عن طبقة العاملين والمستضعفين في المسلمين، تكون طبقة اخذت تتحسس بشيء من الظلم، وتتحفز للمطالبة بحقهم المكتسب من مورد النص، ومن سيرتي الخليفة الاول والثاني: أبي بكر وعمر).

<span style='font-family: Traditional Arabic'><span style='font-size:15pt;line-height:100%'><strong class='bbc'>إن أخشى ما أخشاه هو :<br /><br />أن تصبح الخيانة يوما ما.....مجرّد.....وجهة نظر</strong></span></span><br /><br /><br /><br /><img src='http://www.egyptiantalks.org/images_temp/moir.gif'alt='صورة' class='bbc_img' />

رابط هذا التعليق
شارك

وهاهى شبكة "تـُهامة" الإسلاميّة السلفيّة السـُنّية تقول عن تلك المرحلة الدقيقة من تاريخنا الإسلامى :

ولعل عثمان رضي الله عنه، لم يعط الأمور ما تستحقه من الاهتمام والحذر، فوقعت الواقعة واستشهد عثمان رضي الله عنه، وانفتحت على المسلمين أبواب الفتنة.. وقام معاوية ينازع الخليفة الجديد عليّا كرّم الله وجهه حقه في الأمر، وفي الخلافة...

وهذه هى الوصلة

http://www.tihamah.net/men_around_prophet/...ew.php?start=13

<span style='font-family: Traditional Arabic'><span style='font-size:15pt;line-height:100%'><strong class='bbc'>إن أخشى ما أخشاه هو :<br /><br />أن تصبح الخيانة يوما ما.....مجرّد.....وجهة نظر</strong></span></span><br /><br /><br /><br /><img src='http://www.egyptiantalks.org/images_temp/moir.gif'alt='صورة' class='bbc_img' />

رابط هذا التعليق
شارك

جدل السياسة بين الإسلام والغرب

بقلم: عبد الرحيم الخليفي

يعَدّ تأسيس الدولة أقصى شكل من أشكال التنظيم السياسي الذي عرفته البشرية، فالدولة كانت ولا تزال محور الاستقطاب الأكبر في تاريخ الفكر السياسي.

وبقدر ما كان الاجتماع السياسي البشري ضرورياً فهو في حاجة إلى آلية تدبير وذلك حفاظاً على النظام والحريات العامة. ومؤرخو النظم السياسية يذكرون أن "الديمقراطية" كخلاصة للتجربة الأثينية في الحكم السياسي موضوعها هو: كيف نحكم؟

والعالم اليوم يعتقد اعتقاداً راسخاً أن الديمقراطية هي التطور السياسي للنظم السياسية وأنها النموذج المفترض، بل الواجب اتباعه من قبل كافة الأمم والشعوب، نستطيع أن نفهم هذا الموقف أكثر عندما نرى كثيراً من الباحثين في السياسة الشرعية يقدمون الشورى كبديل بل مرادف للديمقراطية أو هي التعبير الإسلامي عن "الديمقراطية" أو الأساس الذي تقوم عليه في حال قيام الدولة الإسلامية(1) (الخلافة الإمامة) والذين يقدمون الشورى بهذا الشكل على أساس أن الاعتراض هو على المصطلح ولا يتجاوزه إلى المضمون، والبعض يرى أن هناك فرقاً واسعاً بين الآليتين تسمية ومضموناً، وذهب بعضهم إلى التوفيق بينهما فأطلق على الشورى اسم "الشورقراطية"، فأصبح وكأنّ ما يقوله الغرب هو من الضروري أن نفكّر لنجد له مرادفاً في التراث أو ننقله "مُعرّبين" و"متقربين" من المصطلح والمضمون، ومن يفعل هذا لا يعلم أن ما أنتجه الغرب أو الصين مثلاً هو نتاج وظائف المجتمع الغربي والصيني قوامه التجربة التاريخية والنقد والتضحية. فالآليات التي يتعايش بها مجتمع مّا لا تنفصل عن فكره وأخلاقياته، وهنا تكمن عظمة المجتمعات بحيث تستطيع إنتاج ما تحتاجه انطلاقاً من واقعها، وما لا تستطيع إنتاجه تستورده وهي واعية ولها قدرة على الاختيار، وليست وعاءً تستقبل كل ما يصدر لها.

ولعل هذه الاتجاهات التي تريد أن توحي بشكل من الأشكال بأن الشورى هي التعبير الإسلامي عن الديمقراطية نتيجتها تحيزات لا واعية و"التحيّز، كما جاء في المعاجم، هو الانضمام والموافقة في الرأي. وقضية التحيّز في المنهج والمصطلح هي إشكالية مهمّة تواجه أي دارس في الشرق والغرب والشمال والجنوب، ولكنها تواجهنا في العالم الثالث بحدّة.

فنحن ننشأ في بيئة حضارية وثقافية لها نماذجها الحضارية والمعرفية المختلفة النابعة من تراثنا الحضاري ومن واقعنا التاريخي، ولكنّتا نُواجَه بنماذج أخرى تحاول أن تفرض نفسها على واقعنا وعلى وجداننا وفكرنا... وهذه النماذج ليس لها بالضرورة علاقة قويّة بواقع شعوب العالم غير الغربي (أي الغالبية العُظمى لشعوب الأرض)، وهي لهذا السبب ليست قادرة على التفاعل مع هذا الواقع أو على الإسهام في تفسيره أو تغييره، بل ويؤدي تبنّيها أحياناً إلى تدميره"(2).

وقد تحدّث عبد الوهاب المسيري أيضاً مشيراً إلى أنه منذ الأربعينات من القرن الماضي، شهد النموذج الحضاري الغربي شكلاً من أشكال التراجع في العالم العربي ومراجعته ومحاولة الاقتراب (أو بالأحرى العودة) من التراث، وهو ما قامت به بعض الحركات الإسلامية والحركات القومية، إلا أن الهدف (المعلن أحياناً وغير المعلن أحياناً أخرى) هو دائماً "اللحاق بالغرب مع الحفاظ على هويتنا بقدر الإمكان على أن تتطور الهوية لتواكب العصر" وهذا التيار في تصوّر عبد الوهاب المسيري كما يذكر هو نفسه هو محاولة أخرى لتبنّي النموذج الغربي، ولكنه يأخذ هذه المرّة شكل إعادة صياغة للهوية من الداخل على أسس غربية مع الحفاظ على هيئتها الخارجية العربية أو الإسلامية. ويعاد اكتشاف التراث من منظور غربي، بل وتعاد صياغته بأثر رجعي، فنكتشف أن المعتزلة عقلانيون، وأن الجرجاني أسلوبي، وأن الفن الإسلامي تجريدي، وأن الاغتراب موجود والحمد للَّه في تراثنا في شعر الخوارج والصعاليك، وأن ابن خلدون "اكتشف 85% من قوانين المادية الجدلية" على حد قول أحد الأساتذة العرب الماركسيين، في محاضرة يدافع فيها عن التراث العربي. إن ابن خلدون حسب تصوّره كان ماركسياً قبل ماركس، ومن هذه الماركسية الكامنة الناقصة (التي تكتمل في ماركس نفسه) يكتسب ابن خلدون شرعيته لا من تفكيره العربي الإسلامي، وإنما بمقدار اقترابه أو ابتعاده عن النموذج الحضاري الغربي، أي إن أهمية التراث العربي لا تعود لأهميته في حد ذاته(3)! ومن التحيزات غير الواعية أيضاً تدخل مقارنة الشورى بالديمقراطية على أنهما آلية في الحكم بمسمّيين مختلفين، وقد تأثر كثير من الدارسين في هذا المجال بالثقافة الدستورية والقانونية للغرب.

الشورى والديمقراطية:

الشورى تعني اصطلاحاً تقليب الرأي أو الآراء من قبل جماعة قادرين على اختيار أفضل الآراء والحلول أو تقديم البديل عما هو سائد أو استفتاء عموم الأمة في أمور تتعلق بها أو طلب الرأي والنظر في أمور ممن عرفوا بحصافة الرأي وسداد الفكر أو ذوي الاختصاص والخبرة، وهي مبدأ عام في حياة المسلمين كافة، واقتران دراستها بالنظم السياسية لا يعني بالضرورة أنها خاصة بها، بل هي عامة تشمل جميع مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتربوية... وإن نزلت آية الشورى "قبل قيام الدولة المسلمة في المدينة، فإننا نجد فيها أن من صفة هذه الجماعة المسلمة: (أمرهم شوى بينهم) ممّا يوحي بأن وضع الشورى أعمق في حياة المسلمين من مجرد أن تكون نظاماً سياسياً للدولة، فهو طابع أساسي للجماعة كلّها يقوم عليه أمرها كجماعة، ثم يتسرّب من الجماعة إلى الدولة بوصفها إفرازاً طبيعياً للجماعة"(4) ولم نجد من المفسرين الكبار أو فقهاء السياسة الشرعية من تحدث عنها بايجاز ومرَّ عليها مرور الكرام، بل جلّهم توقّف عندها طويلاً مستقرئاً مستنبطاً، مستشهداً مقرّاً بأهميتها، حتى إننا نجد في زمننا من أفرد لها كتاباً مستقلاً، مؤرخاً لها، مقدّماً أدلّتها الشرعية من الكتاب والسنّة العملية والقولية إضافة إلى تقديم دليل إجماع عموم الأمة، ولعل أبرز كتاب في هذا المجال هو كتاب: "الشورى والاستشارة" لصاحبه: توفيق الشاوي الذي أراد من تأليف كتابه هذا "ضرورة بناء نظرية عامة للشورى في الشريعة الإسلامية لتكون مكمّلة لنظرية السنهوري في "الخلافة"(5) كما قال توفيق الشاوي نفسه، ف"الأمور الإسلامية، أو الأمور بين المسلمين يجب أن تحكمها الشورى التي أمر اللَّه بها"(6) للحفاظ على وحدة الجماعة والأمة، لأنه بتفعيل الشورى في مجال السياسة تضمن حرية الفكر والرأي وتحصّن الحقوق، وفي المجال الاجتماعي تحفظ الأسرة من التفكك وفي المجال الاقتصادي تضمن نجاح المشروعات ونماء الاقتصاد وتحقيق الكفايات،... وكذلك في التربية والعلوم وكل المجالات التي تعيشها الأمّة.

"إن الطبيعة الاجتماعية للشورى تفرض علينا التعمّق في دراستها أساساً للعلاقات التضامنية بين أفراد المجتمع، تبدأ بالاستشارة التي تجعل التعاون والتشاور الاختياري بين الأفراد مطلوباً ديانةً وشرعاً على سبيل الندب وقاعدة لبناء مجتمع متضامن ومتكافل يقوم على المشاركة في الفكر وتبادل الرأي وطلب المشورة والاستماع إلى النصيحة، والالتزام بقرارات الجماعة الناتجة عن المشاركة الحرّة في الفكر، لكي تكون أساساً لاشتراكية شاملة (اشتراكية تشمل الفكر والرأي وأوسع نطاقاً من الاشتراكية المادية المستحدثة في أوروبا والتي أصبحت أساساً للدكتاتورية واحتكار حزب واحدٍ للرأي والقرار والسلطة) لا تنحصر في الناحية الاقتصادية والمادية فحسب، بل تكون أوسع منها نطاقاً وأكثر شمولاً، وبذلك نضمن حماية مجتمعنا من الفلسفات المادية..."(7) وهذا يعني ضمان الحرية والثقة بالنفس وبالآخرين والانفتاح على العالم وكذلك يعني المساواة والعدالة. فكما أن الشورى لا تقتصر على مجالات محدّدة، فهي كذلك لا تنفصل عن فكرة الأخلاق والقيم الأخرى.

أما الديمقراطية فترتكز إلى مبدأ سيادة الشعب وقد عُرفت في أثينا، وكان من أخص خصائصها المباشرية أي إن الشعب هو مصدر كل سلطة يمارس حياته السياسية بإرادة حرة، وهذه المبادى‏ء تجسدت في الانتخابات وفصل السلطات والتسليم للأغلبية بالحكم وللأقلية بحق المعارضة وغيرها من الحقوق.

لقد توقّف عند الديمقراطية كل من هيرودتس وثيوسيديد، وتأمّلاها كنمطٍ من أنماط التدبير السياسي حريّ بالدراسة والتحليل، كما أيدها أرسطو، واعتبر مبدأ "القُرعة" بين المرشحين لمناصب الدولة من خاصياتها، ومقابل هذا التأييد المطلق من الثلاثي المذكور وغيرهم، نجد سقراطاً يعارضها وينقدها نقداً لاذعاً، فبيّن مآخذه عليها، فكلفته هذه المعارضة ما كلّفته.

وسيعرف الفكر السياسي الغربي نشاطاً نضالياً من أجل الديمقراطية بين الحكام والمحكومين بلغ أوجه خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، عندما استطاع البريطاني أن يحدّ من صلاحيات الملك بعد ثورتي 1649 و1688، وكان ل"جون لوك" دور بارزٌ في الدعوة للديمقراطية بالمفهوم الغربي. أما الولايات المتحدة فلم تعرف النظام الديمقراطي إلا بُعيد الاستقلال (1776) وتجسد في إعلان حقوق الإنسان وحريته، ورغم ذلك بقيت الديمقراطية الأمريكية مشوهة إلى اليوم حيث لا يحق مثلاً الترشح للرئاسة إلاّ للبروتستانت والبيض والأنكلوسكسون فقط دون غيرهم، كما إن الثروة المالية للمرشح مقدَّمة على الكفاءة العلمية والأخلاق وغيرها.

أما فرنسا، فقد انفجرت فيها الثورة سنة 1789 معلنة حقوق الإنسان والمواطن، وكان ل"جون لوك" و"روسو" و"مونتسكيو" دورٌ هام في توجيه هذه الثورة نحو الحرية والعدالة.

إن هذه الثورات التي تلت عصور القهر والاستبداد في أوروبا، إن دلت على شي‏ء، إنما تدل على بداية الوعي بالذات الإنسانية والتي بدأت مع الحملات الصليبية والاحتكاك الحضاري بالأندلس إذ كان لذلك الاحتكاك "بالعالم الإسلامي وقع الصدمة النفسية التي ساهمت في إيقاظها من غفوة الإقطاع وغيبوبة الدين الكنسي ودكتاتورية الملوك الأرستقراطيين"(8) ولم يعرف المسلمون شيئاً من هذا سوى الإقطاع السياسي الذي لا زال يكرّسه إلى اليوم الحكام خدمة لمصالح أسيادهم الأمريكيين والغربيين عامة على حساب شعوبهم المقهورة. فالمسلمون عبر التاريخ لم يعرفوا الحكم الديني (الثيوقراطي) بالمفهوم الغربي إذ "ليس في الإسلام ما يسمّى عند القوم بالسلطة الدينية بوجهٍ من الوجوه... ولا يجوز لصحيح النظر أن يخلط عند المسلمين بما يسمّيه الإفرنج )تيوكراتيك( فإن ذلك عندهم هو الذي ينفرد بتلقي الشريعة من عند اللَّه، وله حق الأثرة (في) التشريع، وله في رقاب الناس حق الطاعة لا بالبيعة وما تقتضيه من العدل وحماية الحوزة، بل بمقتضى حق الإيمان"(9)، أما الذين يقولون بالشورى من المسلين فلا يعترفون بالسلطان إلا ضمن شروط الشريعة ومقاصدها وتوفّر شرط الشورى، وإلا فالحاكم لا سلطان له على المسلمين إلا شكلاً ولا يطيعونه إلا قهراً لأن الإسلام وضع "في نفسية المسلم ... يميناً وشمالاً حاجزين، كي لا يقع في هاوية العبودية أو هاوية الاستعباد"(10)، فالإسلام أيضاً لا نجد في دستوره القرآن والسنّة ذلك النوع من الحكم القائم على أساس الحق الإلهي المباشر وشبه المباشر وعلى أساس ثيوقراطي بالمفهوم الغربي لهذا المصطلح السياسي. فالتسلط باسم الإسلام منبوذ من قبل المسلم سواء أكان التسلط من حاكم أو فقيه، كما لا وراثة في الحكم في النظام الإسلامي كما حصل أيام الأمويين ومن ثم العباسيين... وكما تدل على ذلك سيرة الرسول الأكرم صلى اللَّه عليه وسلم والخلفاء الراشدين، ف"من الخطأ الخلط بين المبادى‏ء وبين الشكل الذي قد يتخذه تطبيقها في هذا المكان أو ذاك الزمان. وفي الإسلام لم تصبح الملكية وراثية إلاّ باتباع النموذج البيزنطي أو الساساني"(11).

فالإسلام ثابتة مبادئه ومقاصده أمّا المتغيرات منه باستمرار هي جوانب الحياة التي يرعاها فقه الحياة الذي من خلاله تَتَحدّد وظيفة الفقيه، إذ ليست وظيفته الإبلاغ والدعوة وتعليم العقيدة وما يتبعها من عبادات فحسب، إنما وظيفته أيضاً هي تحديد موقف الدين من خلال النص عند كل تحوّل في الحياة.

الحكم عقد:

في حقبة تاريخية تالية للقرون الوسطى برزت في الغرب فكرة "الدولة التعاقدية" التي قال بها "غروسيوس" الذي وصف بديكارت السياسة والإنكليزيان توماس هوبز (1679-1588) وجون لوك (1704-1632) والمفكر الفرنسي جون جاك روسو في كتابه "العقد" مع بعض التمايز بين أفكار هؤلاء حول أطراف العقد، ومضمونه. فما يميّز "هُوبِزْ" مثلاً هو أن "الدولة في منظوره قوّة فائقة، لكنها تقبل الموت والحدود معاً، وهي أشبه ما تكون بإمارة يتناهشها الذئاب"(12) أما "لوك" فقد عرف بحصافة الرأي وبرز ذلك من خلال موازنته بين الاجتماع السياسي والحقوق الطبيعية. أما روسو فقد نظر إلى الشعب وكيف يمارس سيادته وإدارته العامة في العقد... عموماً إنه لمن الواضح أن التعاقد شريعة المتعاقدين كما يقول علماء السياسة، هذه هي الدولة من خلال بعض النظريات التعاقدية.

وفي النظام الديمقراطي الغربي المعاصر تقوم الدولة على دعامتين رئيسيتين: علوّ الدستور (الشرعية)، والسيادة.

عُلوّ الدستور (أو الشرعية):

يُقصد بعلُوّ الدستور، سيطرة أحكام القانون، أي تقيّد الدولة في سلوكها بأحكام الدستور، وامتناعها عمّا يتنافى وهذه الأحكام التي يجب أن يوافق عليها الشعب مسبقاً حتى تكتسب صفة الشرعية أو ما يمكن أن نسمّيه بدستورية الدستور، وبموجبه يخضع الجميع لأحكام القانون طالما كان القانون قائماً(14)، وهذا ما تفتخر به الدولة الديمقراطية في الغرب، أي تفتخر بأنها دولة القانون(15). فالقانون ودستورية الدستور هما الحد الفاصل بين الاستبداد والديمقراطية، وحسب رأي علماء السياسة الغربيين (أمثال: دوجي، وجنِّنقز) لا بدّ من ضمانات لاحترام هذه القوانين وهذه الشرعية، ومن هذه الضمانات يقظة المعارضة النيابية، وقوة الرأي العام، أو تشكيل هيئة سياسية أو قضائية "للرقابة الوقائية"(16) ضد أية مخالفة دستورية أو قانونية مهما كان مصدرها ولو كان الرئيس أو المجلس النيابي نفسه الذي يمثل السلطة التشريعية، ذلك أن تشريعه القوانين وإصداره القرارات لا يسوّغ له مخالفة تلك القوانين بأي شكل من الأشكال، سواءً أكان ذلك بالاستئثار بالقوانين الإيجابية أم تأويل القانون بشكل إيجابي لفائدة بعض الوزراء أو الأعضاء، أم بالتملص من القوانين التي تحمل صفة العقوبة.

السيادة:

وهذا المفهوم هو قانوني أيضاً ويقصد به إضفاء صفة الشرعية على القانون الصادر عن الحاكم مهما كان شخصه، أي سواءً أكان شخصاً أم هيئة أم غيره، إذ القانون هو ما يأمر به الحاكم أو ينهى عنه، ولا يعتبر أي نهي أو أمرٍ آخر غير نهيه وأمره قانوناً مهما كان مصدره. ويقصد بالسيادة إذاً علو السلطة فوق الجميع، أي أنها سلطة السلطات... أي الدولة.

ومفهوم الدولة هذا في التصور الغربي رسخته العديد من كتابات المفكرين الغربيين أمثال الإيطالي "ميكافيلّي" الذي اعتبر أن الدولة "تأسيس مطلق"، لكن "لوثر" و"كالفن" عارضاه في مفهومه هذا(17).

وإلى جانب "ميكافيلّي" نجد الألماني "هيغل" الذي انشغل بعَقْلنة التاريخ في كلّه، وعقلنة الدولة بصفة خاصة، ويراها "دائماً على حقّ باعتبارها تجسيداً للفكر المطلق، وإرادتها معيارٌ للأخلاق وفعلها ميزان للحق"(18).

وينضم إلى هذين المفكّرين السياسيين "جون بودان" الذي يرى أن الدولة ذات سيادة كاملة. وهذا الإجماع أو شبهه حول هذا التصور للدولة يجعلنا لا نشك في كونه نتيجة لترسّبات أو لنقل بقايا العصور الوسطى، حيث كان "البابا" له السلطة المطلقة بصفته نائب المسيح على الأرض يصدر صكوك الغفران لمن يشاء أو يحرمها ويسلط غضبه على من يشاء. وهذا يجعلنا نرى أن الهروب من هيمنة الكنيسة المتمثلة في شخص البابا إلى حرية الدولة إيهام، إنه مجرد دوران في حلقة مفرغة(19). وفكرة الإطلاق لهيمنة الدولة أثارت سخط كبار نقاد السياسة أمثال "توماس مور" و"إتيان لابويسي" اللذين لم يسلّما بمقولة "الدولة"، بل إن "موريس دوفرجيه" رأى أن "الحكم إيهام".

لكن هذين المبدأين "علو الدستور" و"السيادة" أصبحا مهددين منذ العقد الأخير من القرن العشرين وحتى وإن وجد هذا التهديد من قبل فهو لم يظهر بهذه الحدّة حيث أصبح الحديث عن العولمة السياسية ممكناً وما يترتب عليه من عولمة دستورية وعولمة قانونية. ومع ظهور محكمة دولية جنائية أصبح التساؤل عن مفهوم السيادة أكثر إلحاحاً في ظل تنازع القوانين الجنائية الوطنية المحلية، والقوانين الدولية.

عرف المسلمون أيضاً "الدولة التعاقدية" حتى إن بعض فقهاء السياسة المسلمين رأى أن مصدر نظرية العقد الاجتماعي هو فكرة البيعة أو عقد الإمامة(20)، والعلامة السنهوري صاحب كتاب "الخلافة" يقول بأن الإمامة عقد مستوف لأركان العقد، مبناه الرضى، وأطرافه الإمام والأمّة، وموضوعه توكيل الإمام ونيابته عن الأمة في تصريف أمورها(21)، وفي هذا السياق يقول ابن خلدون واصفاً العهد الذي يتم بين الطرفين المتعاقدين: "وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديَهم في يده تأكيداً للعهد، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري". ويرى الشيخ راشد الغنوشي أيضاً أن الإمامة عقد في النظام السياسي الإسلامي، ويعتبر أن الغرب تأخّر لمدة عشر قرون حتى اكتشف نظرية التعاقد مع "ج.ج. روسو" و"لوك" وغيرهما، كما يراها أيضاً أنها على غاية من الأهمية لأنها آلية من آليات مقاومة الاستبداد في الدولة، وذلك بعزل الحاكم أو الخروج عنه(22)، لأن العقد أشبه بالوكالة لا يجوز للموكَّل مطلق التصرف في الأمر المتعاقد عليه إلا باستشارة الموكِّل (بكسر الكاف) نظراً لكونه طرفاً رئيسياً في الوكالة التي لم تكن موجودة لولا وجوده هو نفسه.

وتقوم الدولة الإسلامية على دعامتين لا يمكن الاستغناء عنهما وهما دعامتان مغايرتان لدعامتي الدولة في الغرب : التزام النص، والشورى.

التزام النصّ:

والمقصود به التزام نصوص الشريعة لأنها الضمانة الأساسية للحؤول دون استبداد حاكم أو انحراف الأمة، وبهذا الالتزام يحدّد الإيمان أو الكفر، والطاعة أو الفسق، والعدل أو الظلم: (... ومن لم يحكم بما أنزل اللَّه فأولئك هم الكافرون) (المائدة: 44)، (... ومن لم يحكم بما أنزل اللَّه فأولئك هم الظالمون) (المائدة: 45) (... ومن لم يحكم بما أنزل اللَّه فأولئك هم الفاسقون) (المائدة: 47).

وفي هذا السياق يقول ابن حزم الأندلسي: "لا يحل الحكم إلاّ بما أنزل اللَّه تعالى على لسان رسول اللَّه p1.gif، وهو الحق، وكل ما عدا ذلك فهو جور وظلم لا يحلّ الحكم به"(23). وبهذا يكون الإسلام ربط بين الدولة والقانون، فلا مشروعية للدولة إلا بالالتزام بالشريعة، ومن هنا أسقط الإسلام واجب طاعة الحاكم الجائر الذي لا يحكم بما أنزل اللَّه، وليس صحيحاً ما يقوله أعداء الإسلام مثل "سنتلانة" من "أن واجب المسلم أن يطيع أي حاكم يستحوذ على أية سلطة سواء كان ذلك عن طريق شرعي أو بحكم الواقع"(24) وما هذا إلا كلام مغرض جاهل، إذ تعد دولة الإسلام أول دولة في التاريخ تعطي حق المعارضة السياسية ويعد من قوانينها، فالرسول الأكرم p1.gif يعتبر أفضل الجهاد "كلمة حقّ عند سلطان جائر"...

وورد كثير من نحو هذا الكلام على لسام الصحابة رضي اللَّه عنهم أجمعين، ولذلك أقرّت النظرية السياسية الإسلامية مبدأ الخروج عن الحاكم الذي لا يلتزم شرع اللَّه والكفر البواح كوسيلة(25) ضغط وردع لكُلّ محاولة تلاعب بمصالح الأمة، وليس مبدأ الخروج هو الضامن الوحيد والأخير لردع الحاكم، بل يسبقه واجب الأمة في الرقابة والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقول الحقّ، قال تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) (آل عمران: 104) وغير هذه الآية والأحاديث النبوية وأقوال الصحابة المأثورة والأيمة كثيرة، وكلها تدعو إلى العمل بمبدأ النصيحة، وليس مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاص بالمجتمع بل هو مبدأ عام يشمل الأسرة والمجتمع والفرد والسلطان والرجال والنساء والأطفال.

الشورى:

وهي ثاني دعامة في الدولة الإسلامية، وإذا كان "القانون هو العلاج الأوّلي للاستبداد"(26) فإن الشورى هي الواقي منه، و"الوقاية من الاستبداد خير من علاجه"(27) لأنها تجنبنا الفتن، فالشورى هي أخصّ خصائص الحكم الإسلامي وهي، أيضاً، "علمٌ على دولة الإسلام وأُمّة الإسلام، ولهذا لو قلت إنها دولة الشورى وأمة الشورى لهديت إلى الحق"(28) فالرسول محمد p1.gif عندما كان يشاور صحابته الكرام، إنما كان "يريد أن يعلّم هذا الدرس للأجيال على مرّ التاريخ كي يعلم مسلمي العالم ما هو نمط الحكومة التي يسعون لإقامتها، ولكي يدرك أتباع الرسول ما هو واجبهم الملقى على عاتقهم"(29) وإلا ما معنى حكم بدون شورى، سوى أنه قهر وظلم؟! وأين يكون مبدأ المساواة والعدالة في غياب الشورى؟ وبذلك جُعلت الشورى بالمعنى العام أحد أركان التضامن الاجتماعي، وكرمها اللَّه بأن جعلها عنوان سورة (الشورى) وهي من السور المكية وعدد آياتها 53 آية منها أربع آيات مدنية، أما الآيات الأخرى فقد نزلت بمكة، ومنها الآية الخاصة بالشورى (38): (والذين استجابوا لربّهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون).

أما النص الثاني: (فبما رحمة من اللَّه لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر) (آل عمران: 159). ومن هاتين الآيتين الكريمتين يظهر مدى اهتمام القرآن الكريم بتقرير مبدأ الشورى وفرضها منذ بداية الدعوة في مكة باعتبارها منهج بناء المسلم، وقاعدة النظام الاجتماعي في الإسلام، ثم أعاد تأكيد ذلك المبدأ في المدينة بعد أن أصبح للمسلمين دولة مستقلة، فجعلها أساس نظام الحكم أو النظام الدستوري(30).

وقد اشتهر في كتب السيرة والتاريخ أن الرسول p1.gif كان أكثر الناس استشارة لأصحابه، وقد كان يفعل ذلك تطييباً لأنفس أصحابه وتعليماً لهم وليس الرسول p1.gif وهو المؤيَّد بوحي من اللَّه في حاجة إلى مشاورة أحد، لكنها أخلاق رسول كريم واستجابة لأمر اللَّه تعالى: (فبما رحمة من اللَّه لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر) (آل عمران: 159)، وكأنّ الحاكم الجائر المستبد من صفاته غلظة القلب والقسوة حتى على أقرب المقربين، بل هي كذلك صفاتهم منذ التاريخ السابق على عهد فرعون وما بعده إلى اليوم، ويعتبر فرعون هو نموذج المستبدين في كل عصر ومصر.

وفي سياق الحديث عن الشورى كدعامة أساسية في الدولة الإسلامية يفترض الحديث عن حكم الشورى إن كانت واجبة أو مندوبة، وإن كانت واجبة، هل الحكم مُلزم بالقرارات المترتبة عن الشورى أم هو مُخيَّر إن أخذ بهذه القرارات أم أخذ بغيرها تلك التي يراها أصلح؟ ولعل هذه الأمور هي من القضايا السياسية التي اختلف حولها العلماء وانقسموا حولها إلى فريقين كما هو شأن العديد من القضايا. لكن لن نتطرق إلى هذا الاختلاف الذي يطول شرحه. بل يمكن النظر إلى موقعها في القرآن الكريم، فالمتأمل سيلاحظ أن الشورى من صفات المؤمنين(31) وخصائصهم(32) سواء أكانوا في حال جماعة بلا دولة، أم كانت لهم دولة لما كانوا في المدينة(33)، وهي قبل هذا وذاك من خصائص الإسلام، لذا فالمسلمون ملزمون بها(34) امتثالاً لأمر النص القرآني الذي أُنزلت سورة القرآن الكريم باسمه، وهي سورة الشورى، فالشورى من مقومات الشخصية المؤمنة(35). هذا فضلاً عن جلالة موقعها(36) كفريضة سياسية بين فريضتين، واحدة مالية (الزكاة) وأخرى عبادية (الصلاة)، هذا دليل قاطع على وجوبها(37)، وعلى أن الحاكم ملزم بها. وأغلب علماء المسلمين من مفسرين ومؤرخين أدرك أهمية الشورى، وكان الصحابة والمسلمون يطلبونها من غيرهم ممن هو أعلم منهم أو استئناساً بآرائهم أو تطييباً لنفوس غيرهم. و"لم يكن الإمام في هذا العهد (الراشدي) يجتهد بالرأي منفرداً، بل كان يجمع علماء الصحابة ويعرض عليهم الأمر، فما يقررونه يتبعه ويكون العرضُ أوَّلاً ليعرف هل ورد في ذلك سنّة أم لم يرد؟ فإن كانت وردت سُنّة اتبعها وحكم بمقتضاها، وإن لم تكن هناك سُنّة اجتهد رأيهُ، وعرض رأيه على المجتمعين فإن أقروه أخذ به، وإن لم يقرّوه... جادلهم بالتي هي أحسن، حتى يقرروا الأمر مجتمعين من غير اختلاف..."(38) أي إن القرار النهائي يتشكل عقب الانتهاء من الشورى في الأمر لتتلو هذه المرحلة التشاورية مرحلة التنفيذ، فالشورى تفضي إلى إجماع بين الخليفة الإمام وبين أهل الشورى وبين الأمة حتى لا يحصل تشرذم وتخاذل في مرحلة التنفيذ، وحتى لا يحاجّ المتقاعسون عن تنفيذ القرار الصادر بدون شورى بأن هذا القرار غير صائب أو أن توقيته غير مناسب أو نحو ذلك.

فالشورى "ليست حكماً فرعياً من أحكام الدين يستدل عليه بآية أو بآيتين وبعض الأحاديث والوقائع، وإنما هي أصل من أصول الدين(39) ولا خلاف بين أشهر علماء المسلمين حول فرضية الشورى التي تعد من أشد ضرورات الحكم فهي العمود الفقري في سلطان الأمة"(40) وتغييبها مدعاة لطروق الخلل في الدولة والإمام الحاكم محتوم عليه المشاورة والأخذ بها "وليس الأمر عبثاً صبيانياً، استشر الناس ثم خذ رأياً بعد ذلك لا تلتفت فيه إلى آراء الناس... لأن الشورى التي لا تلزم من ينفذونها شورى لا قيمة لها وهي نوع من العبث أو اللعب"(41).

فضلاً عن ذلك فليست الشورى مطلوبة في السياسة فحسب، بل هي مطلوبة أيضاً في الجانب الاقتصادي والاجتماعي والأسري في كافة مجالات الحياة. بل إن القرآن الكريم نفى عن رسول اللَّه p1.gif صفة السيطرة بقوله تعالى: (لست عليهم بمسيطر) (الغاشية: 22) لأن الأصل يذكر: (فذكّر إنما أنت مذكّر) (الغاشية: 21).

أهل الشورى، من هم؟

اختُلف حول "أهل الشورى" واختلط هذا المصطلح بغيره، وقد علّق كمال أبو المجد على هذا بقوله: "في كتب السياسة الشرعية، وكتب الفقه الإسلامي بصفة عامة اصطلاحات ثلاثة تحتاج إلى ضبط وتحديد، فهم تارة يشيرون إلى أهل الشورى، وتارة إلى أهل الحل والعقد وتارة إلى أهل الاجتهاد" ثم يضيف قائلاً: "والأقرب إلى ضبط المصطلحات في ما نرى أن عبارة أهل الشورى عامّة تشير إلى من يصلحون ليطلب الحاكم رأيهم في أمر من الأمور، ومن ثمّ كان طبيعياً أن تختلف صفاتهم وشروطهم باختلاف الأمر المطلوب منهم، أما أهل الحل والعقد فتشير إلى عنصر التأثير الاجتماعي الذي يتمتّع به فريق من الناس، بحيث يكون انحيازهم لشخص، أو رأي، أو قرار مدخلاً كافياً لرضى الناس به ودخولهم فيه وانصياعهم لحكمه، أما أهل الاجتهاد، فالأقرب إلى المنطق أنهم المؤهلون لإبداء الرأي السليم في المسائل الفقهية على اختلافها، فإذا كان الأمر المعروض ذا صبغة تشريعية كان من شروطهم توافر القدرة على الاجتهاد بمعناه الشرعي، أي القدرة على استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها مع ما يتطلبه ذلك من البحث والاستقراء والمعرفة، وإن كان الأمر المعروض ذا طبيعة اقتصادية أو اجتماعية أو هندسية أو طبية أو مالية، كان من شروطهم أن يحوزوا قدراً من المعرفة بتلك الأمور، وإلاّ كان تصديهم لإبداء المشورة تكلّفاً واقتفاء لما ليس لهم به علم..."(42) وتختلط هذه المصطلحات الثلاثة بمصطلح آخر وهو "أولو الأمر" الوارد ذكره في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اللَّه وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شي‏ء فردوه إلى اللَّه والرسول إن كنتم تؤمنون باللَّه واليوم الآخر) (النساء: 59)، فقيل: "أولو الأمر" هم الفقهاء ذوو الرأي السديد والمخلصون لدين اللَّه (47).

ومن الباحثين المعاصرين مثل علال الفاسي قال بأنهم هم المجتهدون، وقال مرتضى العسكري صاحب كتاب "معالم المدرستين": هم الحكّام، وعند خالد محمد خالد في كتابه "الدولة في الإسلام" هم النواب الذين يقومون بدور أهل الحل والعقد.

إن الآية القرآنية السابقة تقرر بطريقة مباشرة مبدأ منازعة الحكام إن حادوا عن خط الإسلام، ولذلك جعل طاعة المسلمين لا تكون لحكامهم إلا إذا أطاع هؤلاء الحكام اللَّه ورسوله ولذلك نرى العطف "وأطيعوا" لم يتكرر(44)، أي أن طاعة المسلمين لحكامهم تدور وجوداً وعدماً مع طاعة الحكام للَّه وللرسول. ولا نشك في أن سبب المنازعة المفترضة هو انعدام مشاورة الحكام للمسلمين إلى جانب أسباب أخرى لكن كلها مترتبة عن انعدام الشورى، حتى إن العلامة المفسر القرطبي قال: الحاكم "إن لم يستشر العلماء فعزله واجب، لا خلاف بين العلماء"(45).

وإذا كان لا بد من وجود هيئة أو مجلس يمثل كافة أفراد الأمة يمكن أن نسميه الهيئة الاستشارية أو مجلس الشورى أو نحو ذلك فلا بدّ أن يبقى باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة مفتوحاً أمام الأمة لإسدائها المجلس الشورى نفسه. لكن ما هي شروط أهل الشورى؟

نحسب أن أبا الأعلى المودودي الذي دعا إلى وضع دستور إسلامي واضح يمكن أن تتبناه الدولة الإسلامية في حال قيامها، هو أشهر من وضع شروطاً أو بالأحرى حدّد صفات أعضاء ما أسماه "المجلس الشوري" في كتابه: "نحو دستور إسلامي"(46)، ويرى أن أعضاء هذا المجلس في عهد الرسول p1.gif كانوا من كبار الصحابة رضي اللَّه عنهم، يشاورهم فيما لم ينزل فيه وحي، ولم يكن عددهم معلوماً، بل إن اختيارهم كان يتمّ بالفطرة. هذا فضلاً عن أن الرسول p1.gif كان يقبل كل رأي صادق وسديد. لكن أبا الأعلى المودودي يرى أن الذين يظنون بأن الخليفة يشاور من يشاء ومتى يشاء هو "توهم فاسد" فيرى أن لهم صفات تؤهلهم لتولي هذا المنصب الخطير في الأمة، والأهلية عنده على نوعين: قانونية، وثانية يراعيها الذين يقومون بالاختيار. وهذه الصفات القانونية عنده هي أربع:

1- الإسلام: ويستنبط هذا الشرط (أو هذه الصفة) من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اللَّه وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) فالضمير في لفظ "منكم" على الذين خاطبهم اللَّه في بداية الآية وهم (الذين آمنوا...).

أما الشيخ تقي الدين النبهاني في كتابه "نظام الحكم في الإسلام" فهو يرى أن لأهل الذمّة باعتبارهم مواطنين حاملين للتابعية الإسلامية الحق في أن يتولوا هذا المنصب وهذا رأي الشيخ الغنوشي أيضاً الذي اعتبر أن كلمة "منكم" "يمكن أن تحمل شرط تغليب". ونحسب أن دخول أهل الذمة مجلس الشورى الإسلامي لا يتعارض مع مبادى‏ء الإسلام ما دام هؤلاء الذميون تابعين للدولة الإسلامية ويسيرون على نظامها ويعلنون الولاء لها ولا يكنّون لها أي عداء، بل يمكن القول إن ذلك من حقهم، وهذا الأمر يتماشى مع شمولية الإسلام.

2- الرجولة: وهي ثاني صفة يشترطها الشيخ المودودي مستدلاً بالآية القرآنية: (الرجال قوامون على النساء...) وبالحديث: "لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة". لكن نحسب أن فهم "القوامة" وعدم فلاح الذين يولّون أمرهم امرأة هو فهم غير عميق بل إننا نجد الشيخ الغنوشي يتعجب من اشتراط هذه الصفة، واعتبره بتراً لنصف المجتمع، ويرى أنه لا يوجد مانع شرعي لتكون المرأة عضواً في مجلس الشورى واستشهد في هذا السياق بآراء بعض فرق الخوارج، واستشهد بسير النساء اللواتي حكمن بلاداً كثيرة في تاريخ الإسلام، كما نجد أيضاً الشيخ النبهاني لا يشترط هذا الشرط وأغلب الفقهاء والمفسرين مع الرأي القائل بمشاركة المرأة في المجلس الشوري، وبهذا يقول الشهيد سيد قطب في ظلال القرآن، والشيخ يوسف القرضاوي في إحدى مقالاته.

نحسب أنه ليس من الإنصاف في شي‏ء أن تُقصى المرأة من الحياة السياسية.

3- العقل والبلوغ: وقد استدل الشيخ المودودي بقوله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) (النساء: 5). وهاتان الصفتان بديهيتان، فلا يمكن استشارة مجنون أو صبي لم يبلغ الحلم بعد.

4- سكنى دار الإسلام: وقد استشهد على هذا الشرط بقوله تعالى: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شي‏ء حتى يهاجروا) (الأنفال: 73). وفكرة المواطنة هذه لا يعيرها الشهيد سيد قطب اهتماماً، لأنه يرى أن "جنسية المسلم عقيدته"، وكذلك العلامة السيد محمد حسين فضل اللَّه يرى أن حق المواطنة لا يكتسب بالرقعة الجغرافية، أما الشيخ راشد الغنوشي فيرى رأي الشيخ المودودي، فالمواطنة لأهل الشورى ضرورية. لكن نحسب أن هذا الشرط حاجز في وجه بقية الذين لا يسكنون دار الإسلام وأثبتت كفاءتهم العالية في اختصاص من الاختصاصات مثلاً. ونحسب أن مجلس الشورى من صفاته أن يكون مفتوحاً أمام كل فرد مسلم أثبت قدرته وتوافقت عليه الأمة.

5- العلم الشامل: وهذا الشرط الخامس أضافه الشيخ الغنوشي، ونحسب أن شرط العلمية هذا ضروري لكل فرد في المجلس، ومقدم على بقية الشروط بل يأتي بعد شرط الإسلام أو الولاء للأمة الإسلامية.

وهناك شروط أخرى نحسب أنها بديهية الضرورة كالأمانة والصدق، واللباقة والدقة فضلاً عن التواضع والمثابرة في السهر على مصالح الأمة ومشاورة الناس تطييباً لنفوسهم واستئناساً بآرائهم، إضافة إلى شرط العدالة وحصافة الرأي والحكمة.

أما شرط هذه الشروط هو نيل رضى الناس وهو أساس اختيار أهل الشورى، لأن من لم يرضه الناس وإن كان عالماً فقيهاً لا يجوز تنصيبه، تماماً كالإمام الذي يؤم الناس وهم له كارهون، فلا تجوز صلاته. إضافة إلى ذلك فاختيار أعضاء الشورى هو عبارة عن توكيل من قبل عموم الأمة لهم، فلا يصحّ عقد الوكالة إلا برضى الموكِّل (بكسر الكاف). فالحرية في الاختيار هي أساس الشرعية لعضو الشورى، فالشرعية ضرورية مهما كان الأمر، فلا سلطة شرعية إلا بشورى شرعية كما قال الشيخ علي بلحاج في كتابه فصل الكلام في مواجهة ظلم الحكام.

التشريع بين الشورى والديمقراطية:

يختلف حق التشريع في المنظومة الديمقراطية من نظام إلى آخر، ففي النظام الرئاسي يختلف التشريع فيه عن النظام النيابي أو النظام البرلماني الرئاسي أو نظام حكومة الجمعية. وإن دل هذا على شي‏ء إنما يدل على أن للديمقراطية ضوابط واضحة للتشريع على ضوء هذه الضوابط، فالدستور الأمريكي مثلاً أضحت أغلب مواده شكلاً غير معمول بها، وفي هذا السياق يقول عنه "بيردو" وهو أحد فقهاء الدستور في كتابه "القانون الدستوري والأنظمة السياسية": القانون الأمريكي "لم يعد في الواقع مطبقاً، كرمز لا كقاعدة" ويقول: "ولم يكن من المستطاع أن يكون الأمر غير ذلك، لأن الاعتبارات أو الظروف ذات الصبغة الاجتماعية والنفسية والتاريخية التي كانت ذات تأثير كبير على واضعي الدستور سنة 1787 نجد أنه لم يبق منها اليوم سوى النزر اليسير"، وهذا راجع إلى هالة التقديس التي يحيط بها الأمريكان دستورهم كما يقول "فيديل". لقد أصبحت مقولة "بيردو"(47) معززة بالواقع أكثر من أي وقت مضى، فالأمريكيون عندما وضعوا دستورهم كانوا خارجين للتوّ من قهر الاستعمار والذل الذي عانوه، بل قبل ذلك هم يريدون من جهة أخرى أن يظهروا بأنهم إنسانيون يحبون الحرية والعدالة كتغطية على جرائمهم ضد الهنود الحمر أصحاب الأرض الأصليين والسود المستعبدين تماماً كما يفعل "الإسرائيليون" اليوم بحيث يسمحون للمسلمين والعرب بالدخول إلى الكنيست ليحاكموهم بعد انتخابهم وبعد اصطناع تهمة، أو كما تفعل الدول العربية التي تسمح في دساتيرها بحرية العمل السياسي وحرية الصحافة وحرية الانتخاب في حين نجد هذه الدساتير لا دستورية لها أي أنها حبر على ورق نقول: الظروف النفسية والتاريخية والاجتماعية التي كانت ذات تأثير كبير على واضعي الدستور الأمريكي سنة 1787 قد تغيرت فعلاً كما قال بيردو، ومع تطور قوتها أصبح دستور الولايات المتحدة الأمريكية أكثر "شعارية" من الشعارات الخداعة التي نسمعها في خطب رؤساء العالم الثالث، ولقد كشفت أحداث 11 أيلول أكثر من قبل عمق الخديعة والكراهية التي تكنها الولايات المتحدة للمسلمين، وليس الدستور الأمريكي لوحده هو الذي تبين زيفه، بل كل الدساتير الغربية التي تمجد الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق الطفل وحقوق المرأة وحرية الصحافة وحق الدفاع عن النفس،... وسلسلة طويلة من الحقوق التي هي في جوهرها زيف وخداع وخبث غربي مكشوف.

وما يمكن استنتاجه أنه لا توجد ضوابط في الديمقراطية، مما يدخل اضطراباً على نصوص التشريع، وهي تعكس نفسية المشرّع أحياناً الذي يفتقد إلى مرجعية عند القيام بهذه المهمة الخطيرة. ويعد النظام الرئاسي أقوى ما توصلت إليه النظم الديمقراطية حتى الآن كما يقول توفيق الشاوي في تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات، وهو خطوة نحو تطبيق المبدأ الإسلامي في الفصل بين الشريعة والحكم في المستقبل إن شاء اللَّه(48).

هذا مبدأ التشريع في الغرب، فكيف هو في نظام الدولة الإسلامية؟

لا شكّ أن القول بأن اللَّه هو المشرع، و"شريعته هي صاحبة الشرعية والمشروعية العليا في الدولة الإسلامية بما تضمنه من مجموعة قوانين و... مبادى‏ء ومقاصد عامة"(49) دفع بالبعض إلى التوهم بأنه "لا توجد، بالنسبة إلى المسلم سلطة تشريعية بشرية، اللَّه هو الوحيد مصدر القانون"(50) على حد قول برنارد لويس، وردّد قوله هذا "لوي غارديه": "اللَّه هو الشارع بامتياز"(51). ولا شك أن مثل هذه الأقوال تدل على ضيق أفق وخلط بين ما هو تشريع ابتداء وما هو تشريع ابتناء (اجتهاد)، وتشريع الابتداء يقصد بها نصوص الشريعة وعنها تتفرع تشريعات تنفيذية لضمان تنفيذ هذه الأحكام وهي كناية عن لوائح تصدر عن الوزراء ومعاونيهم كل حسب اختصاصه، أما تشريع الابتناء فلا يكون إلا فيما سكتت عنه الشريعة ولكن لا بد أن يرتبط بها (بالشريعة) من قريب أو من بعيد، وهذا النوع من التشريع هو فضاء للاجتهاد، وممارسة السلطة التشريعية عند المسلمين وهو أمر يتطلب شورى بين أهل الاختصاص. وتشريع الابتناء هذا يتفرع عنه تشريع تنظيمي لضبط الجماعة من التشرذم والفوضى.

الأقلية والأغلبية بين الشورى والديمقراطية:

المعروف في النظام الديمقراطي الغربي أن رأي الأغلبية هو السائد والنافذ في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية، سواء عن طريق الانتخابات أو إصدار القرارات. فالفائز هو الذي يحصل على 51% فما فوق من جملة الأصوات (الأغلبية) والخاسر (الأقلية) هو 49% فما دون من جملة أصوات الناخبين، وهذا يعني أن صوت واحد يمكن أن يقلب الموازين السياسية، ورغم ذلك تدّعي الدساتير المعاصرة أن قوة نتائج الانتخابات أو الاستفتاء أو بعض القرارات ناتجة عن إرادة الجماعة التي تسميها الأغلبية (1 + %50% فما فوق) وليس للبقية التي تسمى المعارضة التي قد تمثل (50% ناقص 1% فما فوق) إلى المعارضة سواء أكانت منظمة كالأحزاب أم فوضوية كالمسيرات والإضرابات، ومهما اختلفت أشكال المعارضة في الديمقراطيات الغربية تبقى كلها عبارة عن قنوات لتسريب الفوضى وإشاعة النقمة.

"لقد كان الأصل أن الديمقراطية يقصد بها تمتع الأفراد والجماهير بحرية كاملة مطلقة باسم الليبرالية، ولكن وجدنا أن بعض النظم النيابية العسكرية والاشتراكية الحديثة عطلت تمتع الأفراد بالحريات، وتنكرت لها بحجة أن الديمقراطية الشعبية تعطي لمن يمثلون الجماعة سلطة مطلقة... فالديمقراطية جعلت السيادة المطلقة للشعب أو الدولة سلاحاً في يد أعداء الحرية"(52) وهكذا تصبح الأغلبية متسلطة في أغلب الأوقات تغير الدساتير بما يتوافق مع رغباتها تحت خدعة الاستفتاء الشعبي أو التصويت البرلماني. فالديمقراطية في جوهرها هي صراع مستمر بين الفئات السياسية والشعبية من أجل السيادة المطلقة يعتمد أصحابها على خداع الشعب لتحقيق أهدافهم الخاصة وتحقيق هذه الأغلبية عن طريق صرف الأموال ودعم الشركات الخاصة للمرشحين للرئاسة أو لمجلس النواب من تحقيق امتيازات لهذه الشركات في حال النجاح أو نحو ذلك.

أما بالنسبة للنظام الشوري، فإن مبدأ الأغلبية والأقلية ليس نصاً من قرآن أو حديثاً صحيحاً، بل هو قاعدة بشرية، ويرى صاحب كتاب "الشورى لا الديمقراطية" أن الديمقراطية قد ساقت لنا تقديسه (تقديس مبدأ الأغلبية والأقلية) والمغالاة به وتطبيقه تطبيقاً حمّل الأمة قسطاً غير قليل من المأساة، كما حمل شعارٌ آخر قسطاً آخر... فهذا المبدأ ليس بواجب(53) ويرى عباس محمود العقاد في "الديمقراطية في الإسلام" أن الكثرة الأغلبية ليست مناط صواب وليست دليلاً قاطعاً أو حتى راجحاً عليه، إذ إن صوابية الرأي أو خطأه تُستمدان من ذات الرأي لا من كثرة ولا من قلة كما يرى المودودي في كتابه "نظرية الإسلام وهديه". لكن القرآن الكريم يؤكد على الإيمان والعقيدة، وهي من علم اللَّه لا نستطيع أن نبني عليها حكماً شرعياً ننفذه في الحياة الدنيا على فئة من الناس، والآيات المذكورة في هذا السياق لا تعالج موضوع "الأكثرية والأقلية" في باب الشورى بنصوص واضحة، لكنها تقرر قانوناً لا يتحدد بالعدد ولا تقرره كثرة أو قلة(54)، ولا علاقة للأحاديث التي موضوعها الجماعة بالكثرة، بل تتعلّق بالفئة التي تتبع الحقّ.

لكن هناك من الباحثين من يرد على هذا القول ويرى أن "هذا المبدأ معروف في التفكير السياسي الإسلامي منذ قرون بعيدة فالإمام الغزالي في كتاب الرد على الباطنية يقول: "إنهم لو اختلفوا في مبدأ الأمور وجب الترجيح بالكثرة، ولأن الكثرة... أقوى مسلك من مسالك الترجيح" وعن الماوردي قوله في الأحكام السلطانية: "وإذا اختلف أهل المسجد في اختيار إمام، عمل على قول الأكثرين" ولم يثبت من السنّة أن النبي p1.gif شاور أصحابه وأعرض عن رأي الغالبية..."(55) لكن الأغلبية في نظام الشورى يجب أن يكونوا واثقين بأن قيمة رأيهم نسبية تستند إلى أسباب موضوعية عرضوها وأقنعوا بها الأغلبية أو الكافة بعد تقديم حججهم والاستماع إلى حجج المعارضين، وتم الرجحان بأن ما أقرته الأغلبية هو الأقرب إلى الشريعة، وبذلك تكون لهذه الأغلبية صفة الشهود لا صفة أصحاب السيادة أو المسيطرين الذين يفرضون إرادتهم(56) فالانتخابات مثلاً هي شهادة إما أن تكون حقاً أو زوراً(57) وذلك حسب قربها من الميزان الشرعي. وكما أن القرار الذي ترجحه الأغلبية في الشورى لا ينفذ بسبب حصوله على أغلبية الأصوات، بل أن ذلك دليل على أنه أقرب للعدالة وللشريعة، وما عدد الأصوات إلاّ دليل يشهد بهذا الترجيح وهي شهادة نسبية(58). والاعتماد على الأغلبية هو من باب المصالح المرسلة إذ إنه يحول بين الحاكم وبين الاستبداد ويجعل لجمهور الشورى مكاناً(59). إن الشورى تستمد قوتها من ثبات علاقتها بأصول الشريعة وسيادة مبادئها وهو الذي يحصّن الشورى من التحول الذي أفسد الديمقراطية(60) وحوّلها من حرية (في الانتخاب) إلى استبدادية (ما بعد الانتخاب) باسم الحفاظ على النظام العام والأمن القومي والسلم الأهلي وغيرها من الشعارات، بل إننا نجد أشهر الديمقراطيات وهي ديمقراطية الولايات المتحدة تميل إلى أن تكون أكثر الديمقراطيات دكتاتورية وتمييزاً عنصرياً، فالمرشح لرئاسة الولايات المتحدة يجب أن "يتمتع" بمواصفات محددة تعرف اختصاراً ب"WASP" أي يجب أن يكون أبيض اللون، أنكلوسكونيا، بروتستانتيا، ولم يشذ عن هذه القاعدة إلاّ قلة أشهرهم "جون كينيدي" الذي كان كاثوليكياً والذي اغتيل فيما بعد.

إن الديمقراطية قد هرمت ولا بد من تجديدها وحمايتها بالشورى الشاملة التي تشمل من هو داخل السلطة ومن هو خارجها وتستند إلى شرعية ثابتة هي أصول الشريعة التي تحمي حرية الأمة والفرد وحقوق الإنسان بما تعنيه هذه المصطلحات من معانٍ نبيلة وإنسانية حقيقية.

إن الشورى مختلفة تمام الاختلاف عن الديمقراطية ودراسة هذا الموضوع كشفت كما يقول توفيق الشاوي إن جذورها الإسلامية وأصولها الشرعية تميزها عن الفلسفات الأوروبية، وتمكننا من تقديمها للعالم كعلاج للديمقراطية أو الكثير من المشاكل التي نتجت عن تزييف شعاراتها بسبب ارتباطها بالنظريات المستوردة أو المأخوذة من الوثنيات اليونانية بعيداً عن كل تحيز لا واعٍ.

سيتوصل المصريون إلى حلول لمشاكلهم ...عندما يكفون عن النظر إليها

بعيون أمريكية

يقاد للسجن من سب الزعيم .. ومن سـب الإله فإن النـاس أحـرار

يخاطبني السفيه بكل قبح *** وآسف أن أكون له مجيبا

يزيد سفاهة وأزيـد حلما **** كعود زاده الاحراق طيبا

رابط هذا التعليق
شارك

انشئ حساب جديد أو قم بتسجيل دخولك لتتمكن من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل؟ سجل دخولك من هنا.

سجل دخولك الان
  • المتواجدون الآن   0 أعضاء متواجدين الان

    • لا يوجد أعضاء مسجلون يتصفحون هذه الصفحة
×
×
  • أضف...