اذهب إلى المحتوى
محاورات المصريين

(5) تــــــــــوحًَُـــــــــــد


سيناترا

Recommended Posts

(5) تــــــــــــوحًَُـــــــــــد

ليس سهلا على أن أتذكر ما جرى – بالضبط – طوال يوم كامل لكني سأحاول .

أنا – كعادتي – ذهبت مبكرا إلى الشاطئ ، أحمل كاميرتي التي أمامك والتي فتشتها منذ قليل ، كانت الشمس أكملت شروقها واختلط دفؤها برائحة اليود ونداوة الريح التي تهب من البحر هادئة هامسة كأنما لم تستيقظ بعد ... مشيت بتؤدة على المياه الرطبة والمشبعة بندى الفجر الذي يغسلها ويطهرها كل صباح . مشيت .. مشيت .

أمشي - كعادتي – كثيرا ، ربما قطعت الشاطئ ثلاث مرات أو أكثر ذهابا وعودة ، أنظر للشمس إذ ترتفع في صمت بينما تكتسب مهابة وقسوة تليقان بها ، أفتح صدري للهواء وأذني لصخب الموج والنوارس ، أتشرب الكون في دمي .. حتى إذا أحسست بجناحي يرفرفان في شوق للتحليق ضغطت زر كاميرتي مستعدا لالتقاط صورة كنت أبحث عنها منذ فترة طويلة .

عندما أكون مستعدا للعمل، يكون الوافدون قد بدأوا بالظهور ، أمشى متفرسا في ملامحهم ، أرقبهم عن قرب أتطلع إلى وجوههم وجباههم وعيونهم , أسكنهم عيوني وأحاول أن أعيشهم وأتنفسهم ، حتى إذا توسمت في أحدهم ما أستطيع الاحتفاظ به سألته : " صورة ؟ "

لم أكن منتبها لوجوده ، إلا أنني رأيته أمامي فجأة ، منكفئا على منضده فوق الرمل يكتب فوقها ، كان ساكنا لا يتحرك فيه شيء سوى كف تكتب ... ربما كان يجلس هناك منذ فترة طويلة ، أو قصيرة ربما ... لا أستطيع تحديد موعد وصوله الى الشاطئ واتخاذه وضع كهذا ، فأنا كما قلت – لك – كنت أمشى على الشاطئ جيئة وذهابا .

ظهوره أمامي بهذا الشكل المفاجئ انتشلني انتشالاً ... وقفت زمنا أنظر إليه ، حاولت تبين ملامحه لكنني لم أستطع ، فوجهه حينها كان يلتصق بالمنضدة ، بدا جسده ناضجا بكتفين عريضين وعريضين وذراعين تنضحان بالصحة ، يرتدى قميصا أبيض وقد شمره عن ساعديه ، لكنه بدا متسخا كما لو كان خارجا من مشاجرة ، أو أنه وقع ماسحا أسفلت أحد الشوارع .

شدني انهماكه في الكتابة حتى بدا كأن الكون لا يعنى له سوى سطر يعبر فوق ورقته من أقصاها الى أقصاها . أحسست أن صورة له ستكون رائعة ، فتقدمت إليه وسألته : " صورة؟ " انتظرت أن يرفع رأسه وينظر إلى كنت مشتاقا لرؤية عينيه وأنفه وذقنه ، لكنه لم يعرني اهتماما كأنما لم أنطق بحرف فعاودت سؤاله بصوت أعلى وبنبره متسائلة راجيه : " صورة ؟ "

- لا

بحرفين حاسمين وصوت حاد أتتني إجابته .. فردت قامتي وابتعدت بخطوات واسعة باتجاه آخرين . كنت حريصا على ألا أقطع عليه خلوته لكنني حينما فارقته تركت روحي معه ... أحسست أن شيئا ما بيننا ... مصمما على التقاط صورة له ، وحريصا كل الحرص – فى الوقت ذاته – على ألا تبدأ علاقتنا بضيق أسببه له .

لم أكن متطفلا ولن كون ، أنا فقط أسأل الذين أريد الاحتفاظ بهم إن كانوا يريدون صورة أم لا ، قد لا يعرفون إن كانوا يريدون أم لا ، لكنني أعرف ، أجل أنا أعرف ، بمجرد النظر إليهم أعرف . لذلك فإنني عندما باغتني برفضه كنت أعلم أنه يريد صورة ، لكن ( ليس الآن ) هذا هو ما لم يقله ، وربما لم يكن واعيا به حينها .

مشيت عازما على العودة إليه ، صوت أناسا عديدين مع البحر والسماء ... وكلما نظرت إليه – على البعد – خيل إلى أنه ينظر لي بدا كأنه أنهى كتابته .. لا تضحك على فأنا أمتلك بصرا حادا ، لا يغرك ضمور مقلتي أو كبر سني ووهني البادي فأنا على الرغم من كل هذا لا أملك سوى عينين أبصر بهما من خلا عدسه كاميرتي السوداء التي ترافقني كروحي ..

أعود فأقول أنني عندما رأيته منصرفا عن أوراقه أتيته من آخر الشاطئ حتى وقفت أمامه وابتسمت سائلا : " صورة يا أستاذ ؟ " لكنه كان شاردا وروحه معلقه بالأفق ، كررت سؤالي عليه فأجابني بالموافقة .

لم أدع الفرصة تفلت ، أحسست بشوقه إلى التوحد مع الرمال والشاطئ وزرقة الأفق ، اقتدته إلى أول الموج فأطاعني ترك أوراقه تطير أمام ناظريه وأعطى ظهره للبحر ، شكلته كما أريد حتى إذا حانت اللحظة ضغطت زر كاميرتي وأسرته معي إلى الأبد ، كانت عيناه تلتمعان وهما تراقبان ورقه من أوراقه يطيرها الهواء للأعالي ..

صدقني .. إذا كنت تريد أن تعرف ما كان يكتبه فاسأله ، أنا لم يكن يهمني سوى قنصه فقط ، أنا لا أعرف أين ذهب بعدها كما لم أعرف من قبل كيف أتى ، هو لم يأت حتى الآن ليأخذ صورته ، ولو أتى – ربما – استطعت الالتقاء به ... لكن صدقني فأنا لا أعرف شيئا ، ولا أريد شيئا سوى كاميرتي التي أمامك والتي فتشتها منذ قلي ، لأني لا أرى بدونها .. لو سمحت ...

أعطني كاميرتي .

اليوم ضاعَ

نصفُه انتظار ْ

ونصفُه غضبْ

وهكذا قرَّرتُ الانتحارْ

لكنَّني

لم أقْوَ أن أموتَ

يا صديقتي

من شدَّة التعبْ

رابط هذا التعليق
شارك

في الخامسة بدأت تتضح المعالم وتتبادل أدوار الحكي بالحرفية المعهودة لدي كاتبنا

والرائع أنه مازال متمركز في موقعه لا يبارحه

بينما الأحداث تثور بنعومة وانسيابية

لا يغادرنا حتى يتركنا مع الأسئلة

ويتركنا مع تخصيب الخيال بإجابات تناسب كل منا

متابعة إعجاب

وقولوا للناس حسنا

رابط هذا التعليق
شارك

جميل جدا ..( الحكى ) ..

وجميل اكثر ..( التوحد ) ...

مابين ( صورة (2 ) )...وبين ( معروف )...

بقدر تقديرى ( للبوح )..وقدر تقديرى ( للصمت )..يتعاظم تقديرى ( للتفكر ) ..

انظر بمشاعر جياشة لما يعتمل فى نفوس البشر .....و من خلال كلمات نخطها ( احيانا ) فوق الامواج واحيانا اخرى فوق الرمال ...اتفهم تتابع المشاعر مع تتابع الاحداث واختلافها ...واختلاف البشر..

ثبات اختلاف البشر ...وثبات حقيقة الاختلاف ...والتوحد فقط فى لحظة كومض الضوء الخاطف ..

لحظة كأنها تخطف القلب لترشده اليقين ...هى طرفة عين ...ربما كانت الحد الفاصل بين ما مضى وماهو آت ...

تسجيل متابعة مع كل الاحترام ...

(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)

[النساء : 93]

رابط هذا التعليق
شارك

عزيزي فولان بن علان

يشرفني متابعتك للسلسلة التي أنشرها

ورغم أن الأصدارتين السابقتين (معروف)و (الميدان) لم تحظيا بأي ردرود على الإطلاق

إلا أنني كنت واثقا أن هناك من يقرأ ويتابع السلسلة التى اثق أنها ستعجبكم في النهاية ان شاء الله

و على فكرة أنا كمان متابع أعمالك بمنتهى الشغف

مع كل احترامي وتقديري

سيناترا,,

اليوم ضاعَ

نصفُه انتظار ْ

ونصفُه غضبْ

وهكذا قرَّرتُ الانتحارْ

لكنَّني

لم أقْوَ أن أموتَ

يا صديقتي

من شدَّة التعبْ

رابط هذا التعليق
شارك

العزيزة سلوى

طبعا ليس هناك رد بعد كل هذا(البوح)

شكرا على المتابعة ،،

دمت بكل ود..

سيناترا،،

اليوم ضاعَ

نصفُه انتظار ْ

ونصفُه غضبْ

وهكذا قرَّرتُ الانتحارْ

لكنَّني

لم أقْوَ أن أموتَ

يا صديقتي

من شدَّة التعبْ

رابط هذا التعليق
شارك

انشئ حساب جديد أو قم بتسجيل دخولك لتتمكن من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل؟ سجل دخولك من هنا.

سجل دخولك الان
  • المتواجدون الآن   0 أعضاء متواجدين الان

    • لا يوجد أعضاء مسجلون يتصفحون هذه الصفحة
×
×
  • أضف...