اذهب إلى المحتوى
محاورات المصريين

يوم مر يوم حلو


elbana

Recommended Posts

أحد الأفلام المصرية التي أعدها من الروائع فيلم (يوم مر يوم حلو) فعلى الرغم من أن البعض يعده فيلماً كئيباً ، إلا أنني أعتبره مثالاً هاماً لمحاولة جادة للاقتراب من واقع الشارع المصري والأسر الفقيرة فيه ، وقد أبلى خيري بشارة بلاءً حسناً في هذا الفيلم الذي اختار أبطاله بكل عناية .

إنغمست فاتن حمامة من إخمص قدميها حتى شعر رأسها في الدور ، فلعبت دور (عيشة) ربة البيت التي تكابد ليلاً ونهاراً محاولة الوصول بالسفينة إلى بر الأمان بعد أن أضحت الأسرة فريسة ومطمعاً بعد رحيل العائل ، وقد كانت اللغة السينمائية في هذا الفيلم متمكنة إلى حد بعيد ، فاستطاع خيري بشارة أن يوظف شباك البيت توظيفاً رائعاً طوال أحداث الفيلم ، فمن الشباك دخل (عرابي) زوج البنت المستغل الوصولي الذي يريد السيطرة على البيت وموارده دون وجه حق ، ففي ليلة زفافه على ابنة فاتن حمامة ضربت ماسورة المياه في الشارع واضطر للدخول هو وعروسه من شباك البيت ، وأمام نفس الشباك كان عرابي قد وقف يقنع الأم وابناءها بأنه ضج من كثرة التأجيل وأنه سوف يترك تلك الزيجة بأكملها ويعود إلى الخليج في عملية نصب واضحة عبر عنها المخرج بأن جعل أحد الحواة يمر في الشارع أثناء حديث عرابي والأسرة تستمع إليه يظهرمن شباك المنزل وهويمارس ألعابه البهلوانية فتارة ينفث الجاز في الشعلة فترتفع النيران عالية وتارة يقذف بالكرات إلى أعلى ويتلقفها في مهارة كل هذا في تزامن جميل مع حديث عرابي ، والأسرة تنظر إلى عرابي مشدوهة بحديثه عن المستقبل الذي ينتظر ابنتهم معه ومشهد الحاوي يجري من وراء ظهورهم عبر النافذة ، وحين أضرمت إحدى البنات (سيمون) النار في جسدها بعد أن وقعت فريسة جشع عرابي فر عرابي من نفس الشباك الذي كان دائماً يحتل واجهة المشاهد التي صورت داخل البيت ، ومن الشباك أيضاً يعود الابن الصغير (نور) الذي فر من جحيم عرابي ، يعود في صبيحة يوم عيد الأضحى حاملاً معه ورقة متواضعة بها بعض اللحم هدية لأمه التي كانت تحمل حفيدتها وتغني لها أغنية تنم عن واقعنا المرير بدءاً من الجري وراء لقمة العيش ومرووراً بمحاولة تجنب مخاطر الحياة ، وانتهاءً بالحفر في الصخر من أجحل الدفاع عمن نحب(...والمسمار عند الحداد والحداد عايز بيضة والبيضة عند الفرخة والفرخة عايزة قمحة والقمة عند الفلاح ...) تغنيها وقد افتر ثغرها عن ابتسامة عذبة رائعة و لم يستطع البؤس ولا الفقر محوها ، وتجيب ابنها على أسئلته : الدين يتسد ، والعدو يتهد ، وتحتضنه في شوق غامر وفرحة دامعة ويغمر النور المنزل من الشباك أيضاً ومن فوق رأس الطفل الصغير الذي يرمز إلى المستقبل الواعد السعيد ولم تكن تسميته (نور) إلا تعبيراً عن هذا المعنى .

ولدي قناعة بأن خيري بشارة قد عاصر أجزاء من وقائع الفيلم بنفسه في مرحلة ما من عمره ، فهناك بعض التفاصيل الخاصة جداً التزم بها بشارة رغم كونه في حل من الإشارة إليها مما يثبت أن هذا الفيلم مطبوع بصوره في الذاكرة ، ويؤيد هذا الكلام أن الفيلم فكرة خيري بشارة، وقد أفلح كثيراً في التعبير عما في رأسه .

ومعظم مشاهد الفيلم صورت بطريقة الأفلام التسجيلية ، فوضعت الكاميرا في زاوية وبدأت تراقب الأحداث في هدوء شديد تاركة الممثلين يتصرفون بطبيعية رائعة ، وخاصة في المشاهد الخارجية ، فكانت الكاميرا تلتقط المشاهد عن بعد والممثلون غارقون في بحر من البشر ، وكأنه أراد أن يؤكد أن أبطال فيلمه هم مجرد نقطة في بحر المعاناة في بلادنا .

أما أحد أكثر المشاهد تأثيراً في الفيلم فهو حين ضاق الحال بالأم ، وتكالبت عليها الخطوب من كل جانب وباتت تنوء بما ألقي على عاتقها من هم حتى جافاها النوم ، فما كان منها إلا أن أيقظت الإبن الصغير طالبة من أن يكتب ما سوف تمليه عليه ، وبدأت عيشة تكتب رسالة إلى زوجها الذي مات منذ سنين تشكو له ما بها وتبكي وتذكره بأنها ما تخلت عنه يوماً وبأنها ظلت دائماً أماً وزوجة وفية ، فما الذي يحدث لها الآن ، فقد استعصى على فهمها ما يدور يحدث لها ولأبنائها وباتت أضعف من تحتمله ، وترفع عينيها الدامعتين قائلة (الجواب ده أنا ياعتهوله عن طريقك يا إمام يا شافعي يا قاضي الشريعة ياللي حكمت بين أمك وأبوك أحكم ما بين فلان وفلانة) .

الفيلم تميز بموسيقاه الفريدة التي عزفت طوال الفيلم على آلة واحدة باقتدار هي الأبوا ، كما كانت أغنية الفيلم رائعة :

توت توت توت توت

خش اتفرج هرج فوت

قعدة فكيهة

ح تسمع فيها

حكاية البيضة والكتكوت

زاحم لاحم عارك اضرب

ناضل فاضل خطوة وتِقرَب

ده انت ح تضحك لما تموت

الشيئ الهام الذي استطاع فيلم يوم مر يوم حلو تحقيقه هو موازنة المعادلة الصعبة في السينما والتي تتمثل في كيفية الحصول على إعجاب النقاد والمتخصصين (يعني جوائز) ، وفي نفس الوقت الوصول للمشاهد العادي في حدود ثقافته وخلفيته السينمائية والفنية عامة . تلك المعادلة التي حاول يوسف شاهين تحقيقها في عدد كبير من افلامه ولم يفلح (من وجهة نظري) فربما استطاع الوصول إلى المتخصصين ومخاطبتهم ولكنه لم ينجح في الوصول إلى المشاهد العادي على الرغم من انتشار موجة مشاهدة أفلامه بين الشباب في السنين الأخيرة ، إلا أنها في أغلبها تعتبر من قبيل الموضة التي ساعد على انتشارها الجائزة التي أحرزها شاهين في كان عن مجمل أعماله والتي جعلت الكثيرين يقبلون على مشاهدة أعماله ، وربما يستثنى من الأعمال الصعبة الفهم بالنسبة للمشاهد العادي أفلام (الأرض _ المصير _ الآخر) فالحدوتة فيها أكثر وضوحاً وتسلسل الأحداث ليس فيه خروج على الترتيب الزمني والمنطقي للأحداث الذي اشتهر به شاهين بشكل جعل من المستعصي على المشاهد متابعته .

أما خيري بشارة فقد استطاع تحقيق تلك المعادلة والموازنة بين شقيها بسلاسة في فيلم (يوم مر يوم حلو) فقد حاز الفيلم إعجاب النقاد والمتخصصين ، وفي نفس الوقت تابعه المشاهد العادي بشغف كبير واستوعب القصة وأحبها ، وهي معادلة استطاع الكثير من المخرجين الذي خرجوا من عباءة يوسف شاهين أن يحققوها مثل محمد خان ، عاطف الطيب ، خيري بشارة .

بينما نجد أن يسري نصر الله لازال متواجداً في نفس المنطقة التي كان شاهين قابعاً فيها يخاطب طبقة المتخصصين والملمين بأساليب التعبير السينمائي ويجد صعوبة في الوصول إلى المشاهد العادي ، ويبدو ذلك جلياً من خلال فيلميه (سرقات صيفية) و(مرسيدس) . ولا تختلف أسماء البكري كثيراً عن يسري نصر لله في النقطة الأخيرة .

بالنسبة للموسيقى التصويرية قام مودي الإمام في فيلم يوم مر يوم حلو (يلاحظ أن الاسم يراعي الترتيب فيجعل اليوم الحلو تالياً للليوم المر وهو ما حدث في الفيلم) باستخدام آلة الأبوا كما أشرنا في عمل الموسيقى التصويرية للفيلم في جرأة متناهية ، وقد نجحت التجربة في نظري لسببين الأول أنها جديدة نوعاً ما ، والثاني أن أحداث ومجريات الفيلم لم تكن بحاجة إلى موسيقى صاخبة أو آلات كثيرة لتصاحبها لأنها كانت متلاحقة على هدوئها .

يشير الفيلم إلى قيمة هامة وهي أن ضعاف القلوب لا محل لهم في مجتمعنا وأن القيمة النقية يكتب لها البقاء وإن عانت ، فمثلاً الإبنة (سيمون) اللعوب التي استسلمت بسهولة لأغراض عرابي الدنيئة ولهوى نفسها وحبها للمال انتهى بها الحال إلى أن تضع بنفسها حداً لحياتها وتشعل النار في جسدها في مشهد لم ينفذ من قبل بهذه الجرأة في السينما المصرية . وكذا لم يستطع عرابي النذل أن يستمر في المواجهة وفر من نافذة المنزل بعد انتحار الإبنة ، فالقيم الدخيلة أو الغير سوية لم تستطع الصمود في مواجهة القيم النبيلة التي تمثلها عائشة . فعلى الرغم من أن عائشة ظلت في معاناة طوال الأحداث الأمر الذي كان يمكن أن يصيبها بالضعف والانهيار إلا أن تمسكها بقيمة نبيلة جعل قدرتها على الصمود كبيرة .

من المشاهد الرائعة في الفيلم حين أقيم عرس في الحارة وذهبت عائشة لتقوم بعمل الماكياج للعروس ، وكانت هناك فرقة موسيقية تقوم بالعزف ، واسترعى نظر عائشة منظر عازف الأكورديون وهو يعزف وفي فمه سيجارة حشيش وهيئته مزرية وقذرة ولا علاقة لها بالفن من قريب أو بعيد ، وعلى الفور قفزت أمام عينيها صورة زوجها الراحل الذي كان يقود فرقة موسيقى عسكرية وهو يسير أمام الفرقة بزهو وخيلاء ورجولة ممسكاً عصا المايسترو العسكرية وملوحاً بها في الهواء والفرقة تسير خلفة في نظام بهي وهيئة محترمة وتتعالى أصوات الآلات النحاسية في المشهد ويبدأ صوت الفرقة الموسيقية العسكرية بقيادة الزوج الراحل في الطغيان الجارف على صوت موسيقى الحشاشين ويعلو لحن أغنية (مصر مصر مصر أمنا) ليسيطر على الأسماع وتختفي صورة الموسيقي الحشاش لتأخذ مكانها صورة الفرقة العسكرية في تزامن جميل في محاولة من المخرج لتأكيد طغيان القيم النبيلة حتى وإن مات أصحابها ، فالقيم النبيلة لاترتبط بالأشخاص وجوداً أو عدماً بل تجد مكانها دائماً في قلب شخص ما ولو في صقيع بعيد ولكنها أبداً لن تندثر.

رابط هذا التعليق
شارك

نقد اكثر من رائع وتشريح كامل للشخصيه بكل ابعادها وانى لاشك انك ناقد محترف او من الوسط الفنى

شكرا

ابن مصر

إن ربا كفاك بالأمس ما كان.... يكفيك فى الغد ما سوف يكون

 

رابط هذا التعليق
شارك

أبداً والله يا ابن مصر ، لا ناقد محترف ، ولا من الوسط الفني ، لأن أخلاقيات الوسط حالت دون أن أفكر في الانضمام إليه ، المسألة كلها مسألة اهتمامات ، وأنا مهتم بفن السينما وخصوصاً التسجيلية منها . ومتشكر قوي على الاهتمام .

رابط هذا التعليق
شارك

انشئ حساب جديد أو قم بتسجيل دخولك لتتمكن من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل؟ سجل دخولك من هنا.

سجل دخولك الان
  • المتواجدون الآن   0 أعضاء متواجدين الان

    • لا يوجد أعضاء مسجلون يتصفحون هذه الصفحة
×
×
  • أضف...