اذهب إلى المحتوى
محاورات المصريين

لمصر لا لعبد الناصر


Ahmad Farahat

Recommended Posts

الحديث الأول

الحملة على جمال عبد الناصر: ماذا وراءها؟....و من وراءها؟

منذ عدت إلى الكتابة المنتظمة - مرة كل شهر - خارج مصر، حاولت قدر ما أستطيع أن أتجنب التعرض للسياسات والمواقف المصرية. ولم أقترب من هذه السياسات والمواقف إلا عند الضرورة القصوى، وفى حرص شديد.. يزن كل كلمة ويدقق فى كل إشارة بما فى ذلك النقط وعلامات التعجب والاستفهام!

والسبب - وهناك غيره أسباب أخرى - أن الكتابة عن مصر خارج مصر وبقلم مصرى لا تزال مسألة حساسة يمكن تأويلها بادعاء الإساءة إلى الوطن خارج حدوده. ومع أن هذا الادعاء باطل لأنه ينكمش بالحدود الحقيقية للوطن العربى الواحد إلى الحدود الضيقة لدولة واحدة من دوله..

إلا أن هذا الادعاء ما زال قابلاً للاستغلال، لأن النزعات الإقليمية مازالت مؤثرة من ناحية، ومن ناحية أخرى لأننا فى داخل الوطن العربى لم نتعود بعد أسلوب الحوار... حوارنا حملات كراهية وحروب بالكلمات.

وليس هناك ضمان لأى صاحب رأى يبديه - بكل الموضوعية - أن يجد رأيه فى النهاية ذخيرة لمدافع لم يصنع لها فى حملات الكراهية وحروب الكلمات!

ثم إننى - ومنذ البداية - حاولت قدر ما أستطيع أن أتجنب الكتابة عن جمال عبد الناصر وحياته الحافلة وتجربته الكبيرة، ولم أقترب من الحديث عنه إلا عند الضرورة القصوى.

فعلت ذلك مرة فى أعقاب رحيله مباشرة، ونشرت مقالاً فى ذكرى الأربعين على رحيله بعنوان "عبد الناصر ليس أسطورة" أبديت فيه خشيتى من استغلال المستغلين - لأغراضهم - لقصة البطل فيه والرمز، وعبرت عن مخاوفى من تحويل تراثه إلى كهنوت غيبى جامد، بينما هو فى الحقيقة تجربة إنسانية زاخرة قابلة للحياة والنمو والتطور.

ثم فعلت ذلك أخيراً - وقبل عدة شهور - فى ذكرى مرور 23 سنة على ثورة 23 يوليو، وكانت الحملات ضده فى مصر قد تصاعدت، وأردت فقط أن أنبه إلى مقاصدها وإلى مصادرها.

ولعلى لم أتجاوز كثيراً حين نسبتها إلى مخططات قوى السيطرة العالمية بشكلٍ عام، وإلى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بشكلٍ خاص، ولم يكن ذلك تخميناً أو رجماً بالغيب، وإنما كان استناداً إلى حقائق معروفة أكدتها ملفات هذه الوكالة التى كانت مفتوحة لمن يقرأ ويفهم ويستوعب خلال السنتين الأخيرتين.

وكان ذلك بفضل لجنة التحقيق الخاصة التى أشرف عليها السناتور "تشرش" عضو مجلس الشيوخ الأمريكى وقد شكلت لبحث تجاوزات وجرائم هذه الوكالة التى كان الزعيم الهندى جواهر لال نهرو يشير إليها دائما بقوله:

"إنها القوة الشريرة الملعونة فى زماننا المعاصر".

ولم تكن الملفات قد فتحت بعد، ولم يكن قد ثبت يقيناً أن هذه الوكالة كانت حرباً لا هوادة فيها ضد زعماء الثورة الوطنية المعادية للاستعمار وقيادات التقدم فى العالم الثالث عموماً: بعضهم حاولت اغتياله مادياً وبعضهم حاولت اغتياله معنوياً، ونجحت فى مرات ولم تنجح فى مرات أخرى:

- حاولت هذه الوكالة ونجحت فى الاغتيال المادى - بالقتل - بالنسبة "للليندى" فى "شيلى" و"لومومبا" فى "الكونجو" - وحاولت هذه الوكالة ولم تنجح فى الاغتيال المادى - بالقتل - بالنسبة "لكاسترو" فى "كوبا" و"مكاريوس" فى "قبرص".

- وحاولت هذه الوكالة ونجحت فى الاغتيال المعنوى - بالتشويه - بالنسبة لـ "سوكارنو" فى "إندونيسيا" و"نكروما" فى "غانا" - وحاولت هذه الوكالة ولم تنجح فى الاغتيال المعنوى - بالتشويه - بالنسبة لـ "شوين لاى" فى "الصين" و"أنديرا غاندى" فى "الهند".

قلت ذلك فى يوليو الماضى - فى مناسبة مرور 23 سنة على 23 يوليو 1952 - وأضفت إليه أن ما نشهده "الآن" هو محاولة فى الاغتيال المعنوى لجمال عبد الناصر، بعد محاولات متكررة - لم تنجح - فى اغتياله مادياً بالقتل منذ ظهوره وبروزه على مسرح السياسة العربية والعالمية كواحد من أكبر زعماء حركة الثورة الوطنية.

قلت ذلك وقتها واكتفيت!

وكثيراً ما سئلت، حتى من قبل أن تبدأ الحديث الأول.. الحملة على جمال عبد الناصر وتتصاعد: لماذا لا أكتب قصته وقد كنت من أقرب الناس فكراً إليه؟

وكان ردى دائماً:

- مازال الوقت مبكراً بعد، ومازالت رؤيتى مشوبة بالعاطفة.. وأريد أن أنتظر سنوات لكى أستطيع أن أقدم شهادة متكاملة للتاريخ".

وعندما بدأت الحملة وتصاعدت ضد جمال عبد الناصر كان السؤال الملح هو:

- إذا لم تكتب الآن فمتى تكتب؟ وإلى متى وألسنة السوء وحدها مطلقة العنان؟

وكان ردى دائماً:

- إذا أردت أن أكتب فلا ينبغى أن يكون ما أكتبه فى مجال الدفاع عن جمال عبد الناصر، فهو لا يحتاج منى - أو من غيرى - إلى دفاع عنه، ثم إننى أريد، إذا كتبت، أن أضع أمام الناس صورة متكاملة للتجربة كلها: الضوء والظل، النجاح والفشل، الأصيل والدخيل فى كل ما جرى وكان.

- وخشيتى من الكتابة الآن أن القوى الظاهرة على السطح هى قوى الثورة المضادة.

- ومع إيمانى بأن أى تقييم نزيه لتجربة عبد الناصر سوف يعطيه أكبر كثيراً مما يأخذ منه - فإن قوى الثورة المضادة الظاهرة على السطح الآن تستطيع التركيز على الجوانب السلبية لكى تضرب بها الجوانب الإيجابية الضخمة، ومن ثم تطمس بذلك وجه الحق فى التجربة كلها، وتصبح شهادة التاريخ مطية للأحقاد وأداة من أدوات المخطط المرسوم - بصرف النظر عن نوايا الشهود وحسن قصدهم!".

وعندما استبيح التاريخ.. وخرج من النسيان عشرات من رواة الحكايات عن عصر عبد الناصر - سمعت كثيرين يسألوننى:

- كل هؤلاء تكلموا، وبعضهم دعم روايته بثقة شاهد العيان، وأنت متى تتكلم؟".

- وكان ردى دائماً:

- دعوا الكلام لمن يريد الكلام..

ولو أصغينا جيداً لوجدنا المتكلمين يروون فى الواقع عن أنفسهم وليس عن عبد الناصر.. بعضهم يبحث لنفسه عن تاريخ فى الماضى وبعضهم يبحث عن دور فى الحاضر.

ثم أن الروايات كلها قادمة من النسيان، وإلى النسيان تذهب.

الاختلاق واضح فى كثير منها، حتى أن بعض الذين قابلوا جمال عبد الناصر لدقائق ينسبون إليه - بخيالهم - أحاديث تستغرق أياماً بعد أيام. والروايات معظمها مختلط متضارب.

بل أكثر من ذلك، فلو صدق الناس كل ما يروى لكان تصديقهم شهادةً لجمال عبد الناصر وليس شهادةً عليه، فإذا كانت كل هذه الروايات تمثل "عقول" هؤلاء جميعاً - إذن فلقد كان الرجل فعلاً معجزة زمانه... إذ كيف تسنّى له أن يحقق كل ما حقق ومثل هؤلاء جميعاً من حوله؟!

لم يكونوا معه فى إيجابياته كلها وبشهاداتهم.

ولم يتجاسروا جميعاً على سلبياته حتى جاء الموت ومنحهم الحرية، وهذا شىء سيئ، وأسوأ منه أنهم ظلوا من 28 سبتمبر 1970 إلى بداية سنة 1974 يتمسحون بذكرى الراحل والرحيل كأنهم لا يصدقون المقادير...

ثم بعد أربع سنوات كاملة اطمأنوا فيها إلى أن الجسد المكفن بالثوب الأبيض لن يخرج من قبره - فتحوا أفواههم وتكلموا!".

وتجاوز الكلام كل حد معقول، وكان آخره اتهام جمال عبد الناصر بأنه اختلس لنفسه وهرب إلى الخارج لحسابه مبلغ خمسة عشر مليوناً من الدولارات: خمسة منها قدمها الملك سعود تبرعاً للمجهود الحربى المصرى، والعشرة الباقية قدمها الملك سعود أيضاً قرضاً لمصر، ولكن جمال عبد الناصر اغتصب هذا كله لمنفعته الشخصية وأودع الأموال فى حساب باسمه فى الخارج.. هكذا!

أكثر من ذلك فإن جمال عبد الناصر أقدم على هذا التصرف فى وقت محنة عربية كبرى، وهى تلك الأيام السوداء من يونيو سنة 1967.. هكذا أيضاً!

ومع أن هذه القذيفة من السموم طاشت وأخطأت هدفها ووقعت على الأرض وانكشفت شحنتها السوداء - إلا أن المسألة مازالت تحتاج إلى كثير من التأمل والتفكير، ثم إنها تثير عديداً من الأسئلة الحائرة:

كأن المصادفات أرادت أن تجيب بالصدق على هذه الأسئلة الأخيرة: لماذا؟ وما هو الهدف؟ ولحساب من؟

- ماذا إذا لم تكن غضبة جماهير الشعب فى مصر وفى العالم العربى على هذا النحو الذى كانت عليه مما استوجب البحث عن الحقيقة وإظهارها فى ساعات قليلة؟

- ماذا إذا لم يكن ثلاثة من أبرز شخصيات مصر، عاصروا موضوع تبرع الملك سعود بخمسة ملايين دولار وإقراضه لمصر عشرة ملايين أخرى، وقد عاشوا التفصيلات كلها مازالوا قادرين على الكلام، وهم يعرفون أن هذه المبالغ جاءت فى النور ووضعت فى البنوك التى كانت مرصودة لها: وضع مبلغ التبرعات فى حساب خاص بالتبرعات فى بنك مصر مفتوح باسم رئيس الجمهورية وانتقل من جمال عبد الناصر إلى أنور السادات حين ولى المنصب - ثم أن مبلغ القرض جرى تحصيله باسم البنك المركزى المصرى ودخل فى حساباته. والثلاثة هم: حسن عباس زكى وعبد العزيز حجازى وهما وزيران وقتها للاقتصاد والخزانة وأحمد زندو المحافظ الحالى للبنك المركزى؟

- ماذا لو لم تكن الوثائق فى متناول يد أحمد زندو محافظ البنك المركزى، وكان الرجل يملك الشجاعة الكافية ليتقدم رغم الجو الخانق ويقول بأمانة:

حرام هذا الذى يفترى به.. وهذه هى الوثائق تنطق بالحقيقة!؟".

- ماذا إذا لم يشعر رجل مثل ممدوح سالم بحسه ومسئوليته أن إخفاء الحقيقة أو تمويهها يمكن أن يؤدى إلى عواقب خطيرة داخل البلد تؤثر فى أمنه؟

- ماذا إذا لم يكن هذا كله؟

وهل كان الاتهام يظل معلقاً على سمعة عبد الناصر؟

وما هو الهدف؟ ولحساب من؟

فى نفس الأسبوع الذى ثارت فيه هذه الزوبعة المثقلة بالسموم ضد جمال عبد الناصر - حملت وكالات الأنباء العالمية قصتين إخباريتين مصدرهما واشنطن:

... القصة الإخبارية الأولى كتبها "دونالد روثبرج" أحد مراسلى وكالة "الأسوشيتدبرس" فى العاصمة الأمريكية ونصها كما يلى:

أعلن "جون ماركس" أحد مؤلفى كتاب "عبادة المخابرات" أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية حاولت ثلاث مرات فى أواخر الخمسينات اغتيال جمال عبد الناصر.

وقد رتبت المخابرات الأمريكية فعلاً ثلاث فرق للاغتيال تقوم بهذه المهمة، ولكنها لم تنجح فقد قبض على إحداها، وعجزت الأخرى عن تنفيذ المهمة، كما أن الثالثة وهى مكونة من عرب فى خدمة المخابرات الأمريكية لم تبلغ عما حدث لها بعد أن وصلت فعلاً إلى مصر.

وقال "جون ماركس" إن التخطيط لمحاولات اغتيال جمال عبد الناصر بدأ فى اجتماع لمجلس الأمن القومى الأمريكى كان يحضره "جون فوستر دالاس" وزير الخارجية الأمريكية الأسبق، وكان يحضره أيضا شقيقه "آلان دالاس" الذى كان فى ذلك الوقت يشغل منصب مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.

وحدث أن عرض فى هذا الاجتماع تقرير عن الأضرار التى تسببها سياسات جمال عبد الناصر لمصالح الولايات المتحدة فى المنطقة، وقال جون فوستر دالاس:

- ألا تستطيع المخابرات "تصفية" هذه المشكلة؟

واعتبر آلان دالاس أن هذه العبارة تكليف رسمى بتصفية جمال عبد الناصر، وبدأ الترتيب لاغتياله.

هذا ما نقلته وكالة "الاسوشيتدبرس" على لسان "جون ماركس".

ولكى يوضع هذا الكلام فى حجمه الحقيقى فلابد أن نتذكر أن "جون ماركس" بدأ حياته دبلوماسياً فى وزارة الخارجية الأمريكية، ثم عمل على سكرتارية "اللجنة الخاصة للتنسيق المشترك" بين وزارة الخارجية الأمريكية ووكالة المخابرات المركزية، وهى اللجنة التى تعرض وتناقش وتقر كل جوانب النشاط الخفى للولايات المتحدة فى المجال الخارجى - ثم انتقل بعد ذلك إلى خدمة المخابرات، وكلف بمهام فى "فيتنام" فى إطار "مشروع التهدئة" الذى كان يتولاه فى ذلك الوقت "ويليام كولبى" مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية فيما بعد، وحتى شهر واحد مضى.

و"مشروع التهدئة" فى فيتنام - لمجرد التذكرة أيضاً - هو المشروع الذى جرت بمقتضاه تصفية كل الزعماء الحاليين والمحتملين فى الريف الفيتنامى، وبشهادة "كولبى" نفسه فإن جهاز "التهدئة" بإشرافه تمكن من اغتيال قرابة خمسة وعشرين ألف شخص فى "فيتنام الجنوبية" على مدى أربع سنوات مارس فيها نشاطه!

وفى "فيتنام" بدأ ضمير "جون ماركس" يتحرك رغم نصائح قدمها إليه كثيرون من زملائه، ملخصها على حد تعبيره هو "لا تكن مثالياً وعليك أن تعيش الدنيا كما هى فى الواقع" لكن ضمير "جون ماركس" تمرد فى النهاية، فإذا هو يستقيل من الوكالة..

وإذا هو يتفق مع زميل له هو "فيكتور مارشيتى" على فضح أسرار المخابرات الأمريكية فى كتابهما الذى اشتهر فيما بعد وهو "عبادة المخابرات"...

وربما تبرز أهمية هذا الكتاب وخطورة ما فيه من معلومات إذا تذكرنا أنه كان الكتاب الوحيد الذى خضع لرقابة صحفية بحكم محكمة فيدرالية فى الولايات المتحدة الأمريكية، فلقد رفعت إدارة المخابرات المركزية قضية على المؤلفين تتهمهما فيها بأنهما أخلا "بتعهد السرية" الذى وقعه كل منهما أثناء عمله فى خدمة الوكالة وأفشيا أسراراً كثيرة يمكن أن تضر بأمن الولايات المتحدة فى كتابهما.

وبالفعل فإن المحكمة بناء على ما طلبته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أمرت بحذف 339 فقرة من كتابهما. ولقد قرر المؤلفان أن يتركا الفقرات المحذوفة بيضاء فى كتابهما، ولعله الكتاب الوحيد الذى صدر على هذا النحو أخيراً فى العالم كله، ويلحظ قارئه أن معظم الأجزاء المحذوفة تتصل موضوعاتها بنشاط وكالة المخابرات المركزية فى الشرق الأوسط.

هكذا إذن وبشهادة خبير عارفاً بما يقول... حاولوا تصفية جمال عبد الناصر كإنسان باغتياله... تماماً كما فعلوا مع "سلفادور الليندى" فى "شيلى" ومع "باتريس لومومبا" فى الكونجو.

... نجىء إلى القصة الإخبارية الثانية وهى تتعلق بتقرير رسمى أذيع من واشنطن عن تحقيقات لجنة السناتور"تشرش" فى نشاط وجرائم وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وكانت جريدة "نيويورك تايمز" بين الوسائل الصحفية التى نقلت كثيراً من تفاصيله.

يتحدث التقرير فى جزء منه عن الأساليب التى اتخذتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية فى مجال توجيه الرأى العام فى العالم منذ بدلت نشاطها أثناء الحرب العالمية الثانية تحت اسم "وكالة الخدمات الخاصة"، ثم تحولت بعد ذلك بقانون أصدره الرئيس الأسبق "هارى ترومان" إلى"وكالة المخابرات المركزية الأمريكية".

ويرسم التقرير صورة عجيبة لنواحى النشاط التى لجأت إليها المخابرات المركزية الأمريكية فى مجالات الصحافة والنشر والإعلام بصفة عامة لكى تضمن تحقيق أغراضها:

- من ذلك مثلاً أن الوكالة أنشأت من وراء الستار دوراً صحفية فى عديد من بلدان العالم الثالث، وكان تمويل هذه الدور كله من مصادر الوكالة. كما أن هناك أدواراً أخرى ساعدت الوكالة على إنشائها ولم تطلب من أصحابها شيئاً محدداً بالذات، ولكن مجرد ربط مصالحهم بالوكالة حقق "تكييف" اتجاهاتهم مع أغراض هذه الوكالة، على حد نص تعبير التقرير.

- وأنشأت الوكالة أو ساعدت على إنشاء وكالات أنباء وصور نشطت وراء جمع الأخبار والصور بطريقة عادية، ولكنها التوت قليلاً بالنشر بما يكفل إعطاء انطباعات معينة تريدها الوكالة، أو تلاعبت بنقط التركيز فيما تنشره وتوزعه لكى تؤكد هذه الانطباعات.

- وأنشأت الوكالة قسماً خاصاً لتزييف الكتب، ويشير التقرير إلى أن الكتاب الذى روّجت له الدعايات قبل سنوات تحت عنوان "أوراق نبكوفسكى" - والذى قيل فى ذلك الوقت إنه اعترافات جاسوس للاتحاد السوفيتى يكشف فيها أسرار ودخائل النظام السوفيتى - إنما هو فى واقع الأمر من صنع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وتأليفها.

- ثم أنشأت الوكالة قسماً خاصاً للتشويه الإخبارى MISINFORMATION كانت مهمته صنع قصص إخبارية تخترع بالتلفيق -!- حكايات يكون من شأن إذاعتها تشويه حقائق معينة أو تشويه سمعة أشخاص بعينهم يتصدون للسياسة الأمريكية أو يعارضون مقاصدها.

ويتعرض التقرير بالتفصيل للأساليب التى تستعملها أجهزة المخابرات الأمريكية فى عمليات التشويه عن طريق زرع الأخبار والقصص بحيث يبدو مظهرها بريئاً يساعد أكثر على تحقيق ما هو مقصود منها، ويضرب التقرير مثالاً من ذلك فيقول إن المخابرات تنجح فى أن تدس خبراً صغيراً ملغوماً على جريدة غير مشهورة فى بانكوك - عاصمة تايلاند - ثم تلفت إليه بطريق غير مباشر أنظار جريدة أخرى أكثر منها شهرة فى هونج كونج، ومن هونج كونج يعثر مندوب لإحدى وكالات الأنباء العالمية على الخبر فيضعه على أسلاك وكالته ويكتسب من اسمها قوة تصديق ينسى الناس معها بدايته المتواضعة فى بانكوك، وهكذا يلف الدنيا ويصبح على كل لسان منسوباً إلى وكالة الأنباء العالمية.

ويلفت النظر أنه عند التعرض لمناقشة هذا الجزء من التقرير أمام لجنة مجلس الشيوخ الأمريكى أن بعض أعضائها أثاروا نقطة فرعية: إن مثل هذه الأخبار المزروعة والملغومة بقصد التشويش أو بقصد التشويه سوف تصل إلى الولايات المتحدة وإلى شعبها ضمن رحلتها البرقية عبر الكرة الأرضية..

وهذا معناه أن المخابرات الأمريكية لا تضلل الرأى العام العالمى فحسب وإنما هى تضلل الرأى العام الأمريكى الذى تصل "مصنوعات" المخابرات الأمريكية إليه ضمن من تصل إليهم فى بقية أرجاء العالم.

واعترف "كولبى" مدير المخابرات الأمريكية أن هذا الاحتمال - احتمال تضليل الرأى العام الأمريكى ذاته - احتمال وارد، ولكن المخابرات الأمريكية تحاذر قدر الإمكان "وتجتهد أن تقلل تأثير مثل ذلك على الرأى العام الأمريكى".

وأشار التقرير أيضاً إلى أن المخابرات الأمريكية زودت بعض السياسيين فى العالم بمعلومات وحكايات ووثائق تخدم أغراضها.

وبعض هؤلاء السياسيين لم يكونوا يعرفون المصدر الحقيقى الذى جاءتهم منه هذه المعلومات والحكايات والوثائق، فقد كانت فى الغالب تصلهم عن طريق مصدر تبدو براءته، وتحاط عملية تسليمهم ما يتسلمونه بأجواء مسرحية تقنعهم أن ما حصلوا عليه أسراراً بعيدة المنال على غيرهم، ويراعى أن يكون ما يتسلمه هؤلاء السياسيون متفقاً مع أهوائهم ومشاربهم بحيث تصبح شهوة إذاعته - حتى قبل التحقق منه - حارقة غير قادرة على الانتظار. وعلى فرض أن المعلومات والحكايات والوثائق ظهر كذبها وادعاؤها فإن بعض الطنين يبقى فى الآذان".

وأعود إلى الحرب المستمرة على جمال عبد الناصر:

- حاولوا قتله وقتل سياساته مادياً، وحاولوا ثلاث مرات يعترف بها "جون ماركس" فى شهادته، ومن يعرف كم من المحاولات جرت ولم يعرفها جون ماركس ولم يعترف بها؟

- ويحاولون الآن اغتيال ذكراه وتاريخه معنوياً وبالتشويه والتشويش، ورغم مضى قرابة ست سنوات على الرحيل فإن الحرب الشاملة ضده تزداد حدة وتتصاعد مع كل يوم.

105724557.jpg

ألام على هواك وليس عدلا ................ إذا أحببت مثلك أن ألاما

رابط هذا التعليق
شارك

الحديث الثانى: مجموعة القيم لدى جمال عبد الناصر

لست فى صدد الدفاع عن جمال عبد الناصر، فالرجل بما أعطته له جماهير هذه الأمة، وبمكانته - لازالت - من تقديرها، فى غنى عن دفاعى أو دفاع غيرى عنه، ولعلى لا أتجاوز إذا قلت إننى واحد من الذين لا يعطون لأحد شرف تبرئته قبل أن يعطوا لأحد حق اتهامه!

وبالتالى فإننى لست هنا بصدد تفنيد حكاية الخمسة عشر مليوناً من الدولارات التى تبرع بها الملك سعود أو أقرضها لمصر ولمجهودها الحربى سنة 1967 والتى قيل أن جمال عبد الناصر أخذها لنفسه ووضعها فى حساب له فى الخارج...

ومهما يكن فلقد تكفلت لجنة التحقيق الخاصة التى شكلت تحت ضغط شعبى غاضب فى مصر بإظهار وجه الحقيقة فيها، وأبرزت من وثائق الدولة الرسمية ومؤسساتها المصرفية ما أثبت بغير شك ولا لبس أن تبرع الملك سعود بخمسة ملايين دولار ظل موجوداً فى حساب التبرعات التى يشرف رئيس الجمهورية على توجيه صرفها، وأن الحساب كله انتقل من إشراف جمال عبد الناصر بوصفه رئيساً للجمهورية إلى إشراف أنور السادات حينما ولى المسؤولية بعده.

ثم إن الملايين العشرة من الدولارات التى قدمها الملك قرضاً لمصر فى ذلك الوقت، جرى توقيع الاتفاق بشأنها وجرى التصرف فيها بواسطة وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية ووزارة الخزانة والبنك المركزى المصرى، وإنها دخلت ميزانية الدولة وتحركت فى كل مراحلها من القبض إلى الصرف فى إطار مطالب الدولة وبواسطة أجهزتها الرسمية المتخصصة.

ومع ذلك فإن الموضوع مازال يغرينى بمناقشته، ولكن من زاوية أخرى... الزاوية "البوليسية" فى القصة - إذا جاز ذلك التعبير - تكفلت بها لجنة التحقيق الخاصة وجلت من تفاصيلها ما كانت حملة التشويه تحاول طمسه.

والزاوية التى تغرينى - كما قلت - هى الزاوية الاجتماعية.. أقصد سلوك عبد الناصر أو سلوك أى إنسان غيره على ضوء مجموعة القيم التى آمن بها، والتى طبعت نمط حياته، واتجاهات سياساته وتصرفاته اليومية.

والسؤال الذى يطرح نفسه هنا: هل كانت الثروة أو كان الغنى بين مجموعة القيم الاجتماعية التى آمن بها جمال عبد الناصر؟ ومن هذا السؤال تبرز أسئلة فرعية عديدة:

- لمن انحاز جمال عبد الناصر اجتماعياً... هل كان انحيازه للأغنياء أو كان انحيازه للفقراء؟..

إن أعدى أعداء جمال عبد الناصر لا يكفون عن اتهامه بالحقد على الأغنياء، ويعزون كثيراً من سياساته إلى هذا الحقد الذى يتصورونه.

ولم يكن جمال عبد الناصر حاقداً، ولكنه كان يرى الغنى الفاحش فى وسط الفقر المدقع جريمة لا تغتفر، وهكذا جعل هدفه الذى لا يحيد عنه تذويب الفوارق بين الطبقات.

ولو أنه وجد نفسه من الأغنياء - أو أوجدته مطامعه بينهم - لاختلفت تصرفاته، ذلك أن كل إنسان حريص على مصالح الطبقة التى ينتمى إليها، أو حتى تلك التى يتطلع يوماً للانتماء إليها. أى أن الذى يريد الثروة لنفسه يؤمن الثروة لغيره!

والذى يسعى إلى توسيع ملكيته الخاصة - وذلك أساس أى غنى - لا يسمح لنفسه أن يبتدع مبدأ التعرض للملكية الخاصة أو المساس بحقوقها.

وإذا كان جمال عبد الناصر قد تعرض لأموال الأغنياء لصالح الفقراء، وإذا كان قد تعرض لملكية من يملكون لصالح الذين لا يملكون - إذن فإننا نستطيع أن نتصور ببساطة أن جمع الثروة والحرص على الملكية التى تتراكم فيها الثروة، لم يكونا بين مجموعة القيم الاجتماعية التى آمن بها فى حياته أو لحياته.

ولقد كان بين المعايير الصارمة التى ألزم نفسه بها أن لا يملك أرضاً أو عقاراً، وكان يعتقد - واعتقاده صحيح - أن الملكية هى التجسيد العملى للامتياز الطبقى، ولم يكن ضد الملكية كمبدأ ولكنه كان ضد تجاوز الحدود فيها فى مجتمع أغلبيته الساحقة من المعدمين، وكان رأيه أن الحاكم فى مصر لا يجوز له أن يتملك لأنه بذلك يفقد قدرته على التعبير عن مصالح الأغلبية ويجد نفسه - مهما حسنت نواياه - يعبر عن مصالح الأقلية.

هل كان نمط حياته يزيد عن موارده وهل كان مضطراً إلى أن يجارى مستويات من المعيشة يراها من حوله مترفة ناعمة، ومجاراته لها تفرض عليه أن يبحث لنفسه عن مصادر أخرى لتمويل العجز؟

لم تكن للرجل - وهذه حقيقة عرفها كل الذين خالطوه فى مصر أو فى العالم العربى أو فى الدنيا الواسعة كلها - شهوة فى طعام أو شراب.

وكان أفخر الطعام عنده على حد تعبيره "لحماً وأرزاً وخضاراً" و"ماذا يأكل الناس غير ذلك؟ " كان تساؤله ذلك مشوباً بالدهشة والاستغراب حينما كنت أقول له فى بعض المرات مداعباً:

"إن الدنيا تقدمت ومع التقدم تطور المطبخ ولم يعد الطعام وسيلة للشبع ولكنه أصبح فناً من فنون الحياة "، وكان ذلك فى رأيه تجديفاً يكاد أن يقترب من الكفر بنعمة الله!

وكان نهاره وليله عملاً متواصلاً، وكانت لمسة الترف فى نهاره حينما يجلس للعمل فى مكتبه تسجيل لأغنية من أغانى أم كلثوم يدور وراءه خافتاً فى خلفية جو عمله، وكانت لمسة الترف فى الليل ذهابه إلى قاعة السينما فى بيته يشاهد فيلماً أو فيلمين قبل أن يأوى إلى فراشه.

وكانت مقاطعته للحياة الاجتماعية فى القاهرة مشهورة، وأتذكر أننى ناقشته فى عزلته كثيراً وكان رده:

إلى أين أذهب؟ ومع من أختلط؟ إن الذين يستطيعون دعوة رئيس الجمهورية هم القادرون... وهم يعرفون وأنا أعرف أن أفكارى تختلف عن أفكارهم، فلماذا أعذبهم وأعذب نفسى؟

- هل كان يريد ثروة يؤمن بها شيخوخته؟!

الغريب أن جمال عبد الناصر كان يعرف أنه لن يعيش طويلاً، ولربما من هذه النقطة يستطيع عدد من الباحثين أن يعثروا على السبب الحقيقى الذى دفع جمال عبد الناصر إلى محاولة تحقيق أكثر الكثير من المنجزات فى أقل القليل من فسحة الزمن.

وأتذكر أول مرة سمعته فيها يعبر عن هذا الشعور.

كنت أقول له ونحن نعيش أزمة من الأزمات الكبرى التى كان يعبرها واحدة بعد واحدة:

- "هل ستتاح لنا الفرصة يوماً لكى نجلس ونكتب معاً قصة ما حدث وحقيقته... ربما عندما تصل إلى سن الشيخوخة ولا تعود هناك مهام أو مشاكل، تتاح لنا هذه الفرصة.

نجلس معاً لنكتب القصة كلها".

وقال هو ببساطة:

- "سوف تكتبها وحدك... فما أظن أن العمر سيصل بى إلى مرحلة الشيخوخة!"

وقلت له:

- "لماذا تقول ذلك؟".

وكان رده:

- "لنكن عمليين... الذى يعيش نوع الحياة التى أعيشها ليس له أن ينتظر الشيخوخة وإلا كان " يخرف"!

هل كان يريد ثروة يؤمن بها حياة أولاده بعد حياته؟

كان ذلك أمراً لم يخطر على بال عبد الناصر... بل العكس، ذلك أنه كان يعتقد اعتقاداً جازماً لم يخالجه فيه شك أن أسرته لن تحتاج شيئاً من بعده، وأذكر - والله شاهد - مرة تحدثنا فيها عن أولاده ومستقبلهم وكان قوله:

"إننى أعرف الناس فى بلدنا وأعرف طيبة قلوبهم، وأعرف أنهم بعدى سوف يضعون أولادى فى عيونهم".

وعندما رحل جمال عبد الناصر كان كل ما تركه من حطام الدنيا قرابة أربعة آلاف جنيه، ألف وخمسمائة منها قيمة بوليصة تأمين على حياته عقدها قبل ذهابه إلى حرب فلسطين، ثم حساباً فى بنك مصر باسمه شخصياً كان رصيده حوالى ألفين وأربعمائة جنيه، وفى مقابل ذلك كان مديناً بحوالى ستة وعشرين ألف جنيه بقيت عليه من تكاليف بناء بيتين... بيت لكل واحدة من بناته تسكن فيه عند زواجها.

وكانت تلك مسألة تردد فيها طويلاً ثم أقدم عليها أخيراً مدفوعاً بعاطفة غلابة لا ترد فقد كان يحس بتقصيره فى الوقت الذى يعطيه لأسرته وكان يريدهم أحياناً أن يعرفوا أن انشغاله عنهم خارج إرادته وأن عليهم مثله أن يتقبلوا مقاديرهم.

وأريد هنا أن أمس نقطة بالغة الأهمية، تلك هى أن أسرة عبد الناصر - بناته وأبناءه بالذات - يمكن أن يُحسبوا عليه حتى مساء يوم 28 سبتمبر 1970، وأما بعد ذلك فحساب كل واحد منهم على نفسه.

ويوم رحل جمال عبد الناصر كانت ابنته الكبرى هدى تعمل فى سكرتاريته بمرتب قدرة ستة وثلاثون جنيهاً، وكان قرينها حاتم صادق يعمل معى فى مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام بمرتب قدره مائة جنيه، وكان قبل ذلك فى سكرتارية رئاسة الجمهورية.

وكانت ابنته الثانية منى تعمل معى أيضاً فى دار المعارف المملوكة للأهرام بمرتب قدره ثلاثون جنيهاً، وكان زوجها أشرف مروان يعمل فى سكرتارية الرئيس للمعلومات موظفاً فى الدرجة السادسة بمرتب قدره اثنان وثلاثون جنيهاً فى الشهر.

وقد يسأل سائل:

لماذا كان عملهم معه... أو معى؟

وأسمح لنفسى أن أشرح السبب لأول مرة:

حينما تخرجت ابنته هدى وتخرج معها فى نفس السنة قرينها حاتم صادق من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة كان جمال عبد الناصر فى حيرة شديدة، وأتذكره يومها يقول لى:

- "لا أعرف ماذا يفعل حاتم وهدى، لا بد لهما بالطبع أن يعملا، ولا أستطيع أن أكلم وزيراً أو رئيس مؤسسة لكى يلحقهما بعمل عنده.. ولو تركتهما للظروف الطبيعية فإنى أعلم أن كثيرين سوف يتسابقون عليهما وهذه مفسدةً لهما فى هذا السن".

وسألنى بطريقة عابرة:

- "هل تستطيع أن تأخذهما معك فى الأهرام... معك أستطيع أن أتكلم بغير حرج وعندك أعرف أنهما لن يجاملا، فإنك بصداقتك لى لست فى حاجة إلى استغلالهما زلفى أو تقرباً".

وقلت له:

- "إننى أعرف الاثنين... وبالفعل أريدهما معى فى مركز للدراسات السياسية والإستراتيجية أقوم بتأسيسه الآن".

وبعد يومين اثنين من هذا الحديث، قال لى وبطريقة عابرة وسط حديث طويل على التليفون:

- "لا تفكر فى موضوع حاتم وهدى... لقد وجدت الأسلم أن أعينهما هنا فى الرئاسة حيث أستطيع أن أضمن ظروف العمل بما لا يفتح مجالاً لأى استغلال".

ومضت شهور... ومضت سنة... ومضت سنتان وجاءنى حاتم صادق يوماً وقد سمع عن خطط وخطوات إنشاء مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية ورغب أن يعمل فيه "لأنه يشعر أنه فى سكرتارية رئاسة الجمهورية لا يجد فرصة كافية لكى يتعلم ويجرب. ويخوض خبرة الحياة". وتحدثت فى الأمر مع جمال عبد الناصر فى مرة من المرات، وكان تعليقه:

إننى أعرف أن ظروف عمله هنا فى الرئاسة لا تعطيه الفرصة لإظهار طاقته على العمل، وإذا أردته معك فليكن، ولكنك تعرف كيف أفكر فى الموضوع".

وحين تخرجت "منى" من الجامعة الأمريكية - وكانت قد دخلتها لأنها لم تحصل على مجموع كاف يؤهلها لدخول الجامعة المصرية - وجدت جمال عبد الناصر يطلبنى على التليفون ليقول لى ذات صباح وهو يضحك:

- يظهر أننى سأقدم لك طلب استخدام لكى تأخذ "منى" فى أى عمل معك.

والتحقت منى بقسم نشر كتب الأطفال فى دار المعارف.

وبعد الرحيل عرض الرئيس أنور السادات على "هدى" أن تواصل عملها معه فى سكرتارية رئيس الجمهورية كما كانت مع أبيها، ولكنها استأذنته أن يسمح لها بالعمل فى الأهرام، فبقاؤها فى الرئاسة أكثر مما تستطيع تحمله عاطفياً، وإذن فإن أقرب شىء إلى الالتزام بمعايير أبيها هو أن تعمل معى.

وفى هذه المرة كان الرئيس السادات هو الذى طلب منى عملاً لـ "هدى". وفى ذلك الوقت كان أبناؤه الثلاثة خالد وعبد الحميد وعبد الحكيم فى سلك الدراسة: أولهم فى كلية الهندسة والثانى فى الكلية البحرية والثالث فى الثانوية.

هكذا كانت ظروف الكل وأحوالهم، ولست أعرف إذا كان فيها استغلال سلطة من جانبه أو أنها كانت عزوفاً عن استغلال السلطة من رجل كان يملك أن يشير بطرف إصبعه فإذا الكل يتسابق ليعطى أحسن المناصب وأوسع الفرص لأبناء جمال عبد الناصر.

تلك كانت ظروف الكل وأحوالهم عندما رحل... وحسابه عنهم يتوقف عند تلك اللحظة من الزمان، وأما بعدها فكل منهم مسؤول عن نفسه.

لكن الرجل، وتلك أمانة أمام الناس والتاريخ، لم يحاول تأمين حياة أولاده بعده، بل تركهم واثقاً "من طيبة قلوب الناس فى بلدنا، وأنهم بعده سوف يضعون أولاده فى عيونهم"!

هذه جوانب من تصرفات الرجل "كإنسان"، وهى واضحة فى تعبيرها عن مجموعة القيم الاجتماعية التى يؤمن بها، وعنها تصدر تصرفاته.

وننتقل منها إلى مجموعة أخرى من القيم الإنسانية تظهر فى تصرفاته كمشتغل بالسياسة.

... نتساءل مثلاً:

"من الذى يضع الأموال السائلة الطائلة تحت تصرف أصدقائه:

"المعسكر الرأسمالى أو المعسكر الاشتراكى؟".

لا يشك أحد فى أن التعامل مع المعسكر الرأسمالى أقرب إلى تحقيق مزايا مالية لا شك فيها لمن يبحث عن ثروة تكون تحت تصرفه خفية وبغير أن يعرفها أحد.

ولا نذهب بعيداً، ففى الوقت الذى تصور فيه الرئيس الأمريكى "دوايت أيزنهاور" أن النظام المصرى بعد الثورة على استعداد لمسايرة السياسة الأمريكية، بادر فوضع تحت تصرف سلطة الدولة العليا فى مصر ثلاثة ملايين دولار لكى تصرف سراً فى أى وجه تراه هذه السلطة ضرورياً لأمنها..

وأحدث تقديم هذا المبلغ لسلطة الدولة فى مصر وقتها دهشة واكتنفته ظروف مثيرة ثم تقرر توجيه المبلغ إلى بناء برج القاهرة وشبكة مواصلات مع العالم فيه، وأصبح برج القاهرة بعد هذه القصة رمزاً عالياً لسخافة السياسات الخفية للولايات المتحدة الأمريكية.

ولكن ذلك لم يوقف الأموال الضخمة المتدفقة أو المستعدة للتدفق على كل من يتوافر لديه الاستعداد ليساير.

ولقد ساير كثيرون فى الشرق الأوسط وخارجه، والقصص والروايات عن المبالغ الخرافية التى أصبحت توضع خفية تحت تصرف الذين يتوافر لديهم الاستعداد للمسايرة شائعة ذائعة فى دوائر لجان التحقيق فى الكونجرس الأمريكى..

وبينها مثلاً أن "الجنرال ثيو" رئيس فيتنام الجنوبية كان يحصل سراً كل سنة على مائة مليون دولار توضع تحت تصرفه بترتيب خاص بينه وبين الرئيس الأمريكى.

بل وأقرب من ذلك إلينا مكاناً وزماناً فلقد تسرب قبل شهرين سر إعطاء زعماء الحزب الديمقراطى المسيحى فى إيطاليا مبلغ ستة ملايين دولار فى شهر ديسمبر الماضى وقد قدمت إليهم من اعتمادات وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.

ولم يكن جمال عبد الناصر قريباً من التعاون أو التواطؤ مع هؤلاء الذين يعطون المال بغير حساب، ولو كان على استعداد ليساير لاغترف ما يحلم به وما لا يحلم به ولكانت عنده الأموال بغير حساب.

لكن اختياره الدولى... كان اختياراً مستقلاً بعيداً عن ذلك كله!

... ونتساءل مثلاً:

ما هى الأبواب التى ينفتح فيها باب الغنى على مصراعيه لمن يريد أن يمد يده إلى الثروة الملعونة؟

لا يختلف أحد فى أن أوسع أبواب الغنى لمن يريد هو باب مشتريات السلاح، وذلك باب أغلقه جمال عبد الناصر تماماً، فالحصول على السلاح من الاتحاد السوفيتى - مع أنه قرار سياسى بالدرجة الأولى - إلا أن بين آثاره الاجتماعية الكبرى أن باب الرشاوى والأرباح من تجارة السلاح الملعونة أصبح مسدوداً لا سبيل إلى النفاذ منه.

هل يغلق رجل يبحث عن الثروة من أى طريق مثل هذا الباب وهو باب الملايين... عشرات الملايين... مئات الملايين؟!

... ونتساءل مثلاً:

لعله أعد نفسه ليوم يضطر فيه إلى الهرب من موقف صعب، وحينئذٍ يجد فى مهربه ما يستطيع أن يعيش به؟

ولكن، هل كان "الهرب" فى طبعه؟

أعداؤه - قبل أصدقائه - يعترفون له بأنه كان مقاتلاً إلى النفس الأخير، ولو كان ممن تقصر هممهم عن تحديات عصرهم لأعفى نفسه - دون حرج - من معارك بعد معارك فرضتها عليه آمال الأمة وكان يستطيع ببساطة أن يجعل أذناً من طين وأذناً من عجين ويصد عن سمعه صوت النداء.

لقد انتخب لرئاسة الجمهورية أول مرة فى يونيو 1956 وكان فى استطاعته أن يعطى نفسه فرصة يتمتع فيها بمزايا المنصب وهى هائلة لمن يريد، لكنه بعد أقل من شهرين كان فى عين العاصفة بقراره تأميم قناة السويس.

وبعد حرب السويس كان أسطورة فى العالم العربى، فقد حقق للعرب أكبر وأكمل نصر حصلوا عليه فى تاريخهم الحديث، وواجه فى ساحة القتال ثلاث دول، بينها اثنتان من الدول العظمى فى زمانهما - بريطانيا وفرنسا - وصمد فى الميدان رغم تباين القوى العسكرية ولم يستسلم، ثم انطلق بالعمل السياسى من حيث توقف عسكرياً ووصل إلى هدفه كاملاً:

قناة السويس تحت السيطرة المصرية، والانسحاب البريطانى الفرنسى من بورسعيد كاملاً، والانسحاب الإسرائيلى من سيناء كلها ومن قطاع غزة لم يوضع للمساومة.

وكان فى استطاعته بعد السويس أن يعيش على ماضيه.. ماضيه يكفيه ويصنع منه أسطورة لم تسبق، ولا تلحق.

ومع ذلك لم تكد نهاية سنة 1957 تجىء إلا وقوات من جيشه تنزل فى اللاذقية تشارك مع الجيش السورى فى الاستعداد لغزو لسوريا كان يدبره حلف بغداد.

... هكذا وهكذا حياته من أول يوم حتى آخر يوم.

كان غيره معذوراً إذا استسلم أمام الإنذار البريطانى - الفرنسى يوم 30 أكتوبر 1956 وركب طائرة وهرب... لم يفعل وإنما قاتل.

وكان غيره معذوراً إذا خانته شجاعته الأدبية يوم الهزيمة فى 9 يونيو 1967 فترك بيانه للأمة مسجلاً وركب طائرة وهرب... لم يفعل وإنما بقى ليحمل "المسؤولية كلها" على حد تعبيره فى خطاب 9 يونيو 1967، وكانت المفاجأة بالنسبة له كاملة حين طالبته الأمة من الخليج للمحيط بأن يبقى وأن يواصل قيادة المعركة المستمرة، وبقى تحت شعار المراحل الثلاث: الصمود والردع والتحرير.

لم تجىء نهاية سنة 1967، نفس سنة الهزيمة، حتى كانت قدرة مصر الدفاعية قد استكملت.

فى سنة 1968، كان قادراً على الردع بمعارك المدفعية على جانبى القناة.

وفى سنة 1969 والنصف الأول من سنة 1970، كان يخوض حرب الاستنزاف التى يعتبرها المؤرخون العسكريون فى الدنيا كلها جولة الحرب الرابعة بين العرب وإسرائيل.

وكانت عينه على الجولة الخامسة فى الحرب العربية الإسرائيلية: جولة التحرير.

وكان يريد.. وأرادت المقادير شيئاً آخر... وأغمض الموت عينيه مساء 28 سبتمبر 1970!

... ونتساءل مثلاً:

ربما كان يريد من ثروة يكدسها فى الخارج أن تنفق فى يوم يضطر فيه إلى الحياة لاجئاً سياسياً خارج مصر؟

لقد كان مثل هذا الاحتمال خارج حساباته، وكانت له فلسفة واقعية غريبة فى صراحتها، وكان يقول:

- ليس لى مكان إلا واحد من اثنين: هنا فى مكتبى أعمل.. أو هناك راقداً فى قبر... حتى السجن - لو حدث شىء - لن تطول إقامتى فيه، فإنهم أذكى من أن يتركونى حياً".

وكان يضيف:

- أولاً فأنا لا أحب مهنة اللاجئ السياسى.

وثانياً فليس هناك بلد يقبلنى لاجئاً سياسياً لأنى سأكون "مطلوباً" بشدة من الأقوياء الذين حاربت نفوذهم فى بلادنا.

وثالثاً فإن هؤلاء الأقوياء سوف يطاردوننى إلى آخر الأرض إلى آخر العمر".

... ونتساءل مثلاً:

هل كان فى طبعه "الاستزلام" للأغنياء طمعاً فى أن يجودوا عليه بفضول أموالهم.

وهل كان رجلاً تهون عليه كرامته فيقبل مالاً من خصم قاتله فى مبدأ وضغط عليه حتى تنازل عن عرشه ثم فتح له باب وطنه لاجئاً تحت سلطانه: كالملك سعود؟

لقد كان بين مشاكل عبد الناصر أنه رجل شديد الكبرياء، وكبرياؤه وحدها كانت تكفيه عاصماً ضد مهانة الرشوة أو ذلك الاستجداء!

ولقد أردت أن أناقش الموضوع من زاوية مجموعة القيم التى أثرت فى تصرفاته كإنسان: اجتماعياً أو سياسياً.

ولم أشأ أن أتعرض للناحية البوليسية فى الموضوع.

ولم أشأ أن أسأل:

ألم يجد وسيلة للثروة غير شيكات من الملك سعود مسحوبة على بنوك عالمية... ألم يجد طريقاً آخر غير اتفاقيات رسمية تعقدها وزارة الاقتصاد وينفذها البنك المركزى المصرى؟

ولم أشأ أن أسأل:

ألم تكن تحت تصرفه خزائن مصر؟ ألم تكن تحت أمره اعتمادات بغير حدود لأوجه من النشاط السياسى معفاة من أى رقابة؟ ولم أشأ أن أسأل: لو أن له حساباً سرياً خارج مصر، حتى لو لم يكن فى هذا الحساب غير مليم واحد، فهل كان أعداؤه وهم الأقوياء فى هذه الدنيا - خصوصاً دنيا البنوك - عاجزين عن خزائنها وعن أرقامها؟

لم أشأ ذلك لأن هدفى لم يكن تبرئته من اتهام رموه به.

وقلت وما زلت أقول:

إننى واحد من الذين لا يعطون لأحد شرف تبرئته قبل أن يعطوا لأحد حق اتهامه!

105724557.jpg

ألام على هواك وليس عدلا ................ إذا أحببت مثلك أن ألاما

رابط هذا التعليق
شارك

الحديث الثالث: الحكم القائم فى مصر الآن وقضية عبد الناصر

أفهم تماماً لماذا تحاول بعض قوى السيطرة العالمية - ولأغراضها - أن تشوه التجربة المصرية التى قادها جمال عبد الناصر، ولكنى لا أستطيع أن أفهم - حقيقة - أسباب مسايرة بعض عناصر النظام المصرى الحاضر، بل وحماستها الزائدة أحياناً لتشويه هذه التجربة...

وأريد الآن أن أناقش هذه المسألة، وأريد أن أناقشها منطقياً بغير انفعال، وبغير تعصب، وبغير عاطفة!

أسأل نفسى والآخرين: كيف ولماذا؟

وأطرح هذا السؤال، وفى ذهنى - وفى ذاكرة غيرى - سياق متصل من الحقائق والمواقف، سلسلة مترابطة حلقاتها، ممتدة من الأمس إلى اليوم وإلى الغد!

أولاً - لقد وقف الرئيس أنور السادات أمام مجلس الشعب قبل أقل من سنة وقال بالحرف:

"إن الذين يتصورون أن الثورة ثورتان وأن العهد عهدان يقعون فى خطأ كبير".

وهذا الكلام من الرئيس السادات واضح، ثم إنه حقيقى إلى أبعد حد، فلم يكن أنور السادات شخصاً عادياً فى نظام عبد الناصر، ويكفى أن نتذكر المسؤوليات والمناصب التى تولاها من عضو فى مجلس الثورة إلى رئيس لمجلس الشعب إلى نائب لرئيس الجمهورية...

وكان كل رؤساء الوزارات الذين اختارهم أنور السادات فى مدة ولايته وحتى الآن أقطاباً فى عهد عبد الناصر: محمود فوزى رئيس الوزراء قبل 15 مايو 1971 وبعده إلى نهاية تلك السنة، ثم عزيز صدقى من بداية 1972 إلى منتصف 1973 حين شاء الرئيس أنور السادات نفسه أن يتولى رئاسة الوزراء استعداداً للمعركة، ثم عبد العزيز حجازى بعد حرب أكتوبر ومع محاولة التوجه للانفتاح بعدها.

ولو نظرنا إلى قمم السلطات فى الوضع الراهن كله لتأكدت لنا هذه الحقيقة:

- أنور السادات فى رئاسة الدولة وهو الوحيد من أعضاء مجلس قيادة الثورة الذى بقى إلى جوار عبد الناصر وبالقرب منه من البداية إلى النهاية.

- سيد مرعى فى رئاسة مجلس الشعب وقد كان فى قمة الجهاز التنفيذى منذ أشرف على تطبيق قانون الإصلاح الزراعى سنة 1952 حتى أصبح وزيراً للزراعة ونائباً لرئيس الوزراء ومسؤولاً عن التنمية الزراعية فى مصر كلها إلى يوم 28 سبتمبر 1970 وبعده.

- ممدوح سالم فى رئاسة الوزارة وقد كان من نجوم جهاز الأمن فى عهد عبد الناصر، بل إنه لسنوات طويلة كان مسؤولاً عن أمن جمال عبد الناصر نفسه فى كل رحلاته خارج مصر.

ثانياً - "إن أنور السادات لم يتوقف عن القول، وبطريقة قاطعة، بأنه مسؤول مع جمال عبد الناصر فى كل قرار - ولم يكن أنور السادات ليقول بذلك ويقطع به لو أنه لم يكن صحيحاً..

وفضلاً عن ذلك فلقد كان أنور السادات هو الرئاسة الثانية دستورياً فى مصر بعد عبد الناصر بحكم رئاسته لمجلس الشعب معظم سنوات عهد عبد الناصر، وحين ترك رئاسة مجلس الشعب فقد ولى بعدها منصب نائب رئيس الجمهورية وهو الرئاسة الثانية عملياً فى أواخر عهد عبد الناصر، وحين قدم أنور السادات نفسه إلى الأمة بعد عبد الناصر لرئاسة الجمهورية فلقد كانت أول كلمة قالها:

"لقد جئت إليكم على طريق جمال عبد الناصر".

وهذا كلام ليس فيه ما يحتمل اللبس، وأن يحاول بعض الناس تفسيره بردّه إلى تمسك الرئيس السادات "بأخلاق القرية" فحجة واهية آن أن يعرف أصحابها أنها تسىء إلى أنور السادات قبل أن تسىء إلى جمال عبد الناصر!

كان أنور السادات مسؤولاً بالممارسة... أو كان مسؤولاً بالصمت..!

وقد رفض الرجل بشجاعة وأمانة حجة المسؤولية بالصمت، وأعلن أنه اشترك مع جمال عبد الناصر فى "رسم كل سياسة واتخاذ كل قرار".

ثالثاً - ولربما يقال:

- نظام يريد أن يحاكم نفسه.. أليست هذه آية الضمير الحى؟.

ولكن أى محاكمة لا بد لها من قانون، ولا بد لها من قضاة، ولا بد لها من شهود، ولا بد لها من رأى عام يملك وسائل أن يتابع ويراقب.

وفى محاكمة نظام سياسى فإن إيجابياته يجب أن توضع إزاء سلبياته لكى يكون هناك ميزان ترجح فيه كفة وتخف فيه كفة أخرى.

وهذا كله غير موجود فيما يجرى الآن فى مصر.

لا قانون ولا قضاة ولا شهود، ولا رأى عام يملك وسائل المتابعة والمراقبة.

ثم إنه ليس هناك ميزان للسلبيات والإيجابيات...

كل ما يقال فى مصر الآن، وبغير ميزان، لا تظهر منه غير السلبيات كئيبة كلها ومظلمة... عشرون سنة متصلة من الظلم والفساد!

ليكن..!

ليكن إنها كانت كذلك كلها، لم يتخللها شعاع ضوء، ولم تظهر خلالها مواقف مجد وشرف...

ليكن..!

لكن معنى القول بذلك هو إدانة النظام الذى حكم مصر منذ 23 يوليو 1952 إلى اليوم...

إدانة بالكامل... إدانة لا تستثنى أحداً ولا تبقى على شىء.

وإذن يذهب النظام كله من أوله إلى آخره بلا أسف ولا أسى، فالوطن والأمة أولى من أى نظام وأبقى من أى حكم.

ولقد أضيف إلى هذه النقطة ملاحظة أتساءل فيها:

- ومع ذلك فهل النظام هو الذى يحاكم نفسه بنفسه اليوم ويقوم بتجربة فى النقد الذاتى... آية من آيات الضمير الحى؟!

أم أن الذين عادوه وعاداهم - بصرف النظر عن الأسباب - هم الذين يحاكمونه الآن ويكتبون القانون وينصبون المحكمة ويجيئون بالشهود ويوجهون الادعاء؟!

أليس مشهداً غريباً أن تقف الثورة متهمة أمام الثورة المضادة وأن يحدث ذلك بغير انقلاب؟!

رابعاً - ولقد يعترض على أحدهم ويقول:

- "ذلك تطرف لا مبرر له، وهو قفزة من النقيض إلى النقيض...!

وهل نقبل ما كان فى النظام كله على علاته لا نناقشه، أو يكون البديل إسقاط النظام من أساسه بغير مناقشة؟".

ولعلى آخر من يقول بذلك، وشاهدى فى ذلك ما كتبته فى نقد ممارسات النظام فى حياة جمال عبد الناصر نفسه، فلقد كتبت وأفضت فى الكلام عن تجاوزات وقعت فى كثير من المجالات...

ولخصت رأيى يوماً فى نقد النظام بأنه "يعتمد أكثر مما يجب على سلطة الدولة فى الداخل، وأكثر مما يجب على قوة الدولة فى الخارج"، وما زال ذلك نقدى الأساسى لعهد جمال عبد الناصر، وربما لم ينس الناس أن أول محاكمة "لمراكز القوى فى مصر" - وبهذا الوصف نفسه - جرت فى عهد عبد الناصر..

ولعلى لا أتجاوز حدى إذا قلت أننى المسؤول عن صك عبارة وردت فى خطاب جمال عبد الناصر أمام مجلس الأمة الذى انتخب على أساس دستور سنة 1964 - والذى رأسه أنور السادات - والتى كان نصها "أن سيادة القانون لابد لها أن تعلو على مراكز القوة".

وإذن فإنى آخر من ينكر حق وواجب أى نظام فى تصحيح مساره.

ولكنى أفرق بين التصحيح وبين الإدانة الكاملة والنهائية.

التصحيح ليس ثورة جديدة، ولا هو ثورة مضادة.

ولكن التصحيح عملية إزالة شوائب لحقت بالعمل الوطنى أثناء ممارسته اليومية لمبادئه الأصيلة وإستراتيجيته المتصلة.

وبالتالى فإنها ليست بداية جديدة، وإنما هى دفعة مضافة.

ومن هنا مثلاً فإننى - مع اعتزازى الشديد بالدور الذى قمت به شخصياً إلى جانب أنور السادات فى الأحداث التى وقعت فى مصر خلال شهر مايو 1971 - لا أعتبر أن 15 مايو كان ثورة جديدة فى مصر.

ولعلى واحد من الذين يرون الإصرار على اعتبار يوم 15 مايو بداية ثورة جديدة بدأ بها عهد أنور السادات، ظلماً لأنور السادات وإساءة إليه قبل أن تكون الإساءة لغيره.

معنى ذلك ببساطة أنهم يأخذون من أنور السادات مجد منجزات شارك فيها، وهى من أرصدة قوته، ومن منجزات الثورة التى يحمل اليوم علمها.

معنى ذلك ببساطة أنهم يأخذون من رصيد أنور السادات أمجاد 23 يوليو، والإصلاح الزراعى، وإعلان الجمهورية، وكسر احتكار السلاح، ومعركة مقاومة الأحلاف، وحروب تصفية الاستعمار، وتأميم قناة السويس، وحرب السويس العظيمة نفسها، والتصنيع، والتحول الاشتراكى، والتصدى لمسؤولية الوحدة العربية، وبناء السد العالى، وقيادة حركة الثورة الوطنية، وتيار عدم الانحياز، وإنشاء منظمة الوحدة الأفريقية، وعودة بترول العرب للعرب، إلى آخره... إلى آخره.

ولقد مرت أيام مثل يوم 15 مايو فى حياة دول وشعوب غيرنا، ولكنها بقيت فى نطاقها... عملية تصحيح فى مسار العمل الوطنى لا أكثر ولا أقل. وعلى سبيل المثال فإن سقوط "بريا" فى الاتحاد السوفيتى لم يكن بداية ثورة جديدة.

وسقوط "رانكوفيتش" فى يوغوسلافيا لم يكن بداية ثورة جديدة.

وأخيراً فإن سقوط "ويليام كولبى" مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وسقوط سطوة المخابرات معه لم تحفز أحداً لكى يقترح على الرئيس "جيرالد فورد" أن يكون إخراج "كولبى" إعلاناً لقيام الجمهورية الأمريكية الثانية!

مراجعة التجربة إذن مطلوبة، والتصحيح بعدها حق، لكن التصحيح يبدأ من التسليم بأن القاعدة سليمة والاستراتيجية صحيحة، ولكن التفاصيل تجاوزت أحياناً، والممارسات شطت عن الطريق فى بعض المرات... وإذن وقفة... وإذن عودة إلى الطريق.

لكن ما يحدث فى مصر الآن ليس كذلك!

إنه إدانة كاملة ونهائية كما قلت...

ليست وقفة ولكنها محاولة اغتيال لكل ما كان.

وإذا كانت عودة فهى ليست عودة إلى الطريق، ولكنها: عودة عن الطريق، عودة إلى ما قبل 23 يوليو 1952!

خامساً - ويقول بعضهم، وذلك يقال فعلاً؟ لماذا نعقد الأمور؟ ولماذا نرى فيها ما ليس فيها؟

لماذا لا ننسب ما نراه الآن فى مصر إلى صحافة حصلت على حريتها أخيراً فشط بها القول من منطق التجربة والخطأ؟! وكان مناى أن لا يستعمل الادعاء بحرية الصحافة فى هذا الصدد للأسباب التالية:

1- إن الصحافة فى مصر ما زالت مملوكة للاتحاد الاشتراكى - وهو بوضعه - سابقاً ولاحقاً لكى أكون منصفاً - جهاز من أجهزة السلطة فى مصر.

2- إن القيادة السياسية مارست حقها - وهذا مشروع فى الأوضاع الراهنة - وأجرت تغييرات شاملة فى القيادات الصحفية اطمأنت بها لوضع العناصر الأكثر تعبيراً عن سياساتها ووجهات نظرها على مفاتيح التوجيه العام فى مصر.

3- إن القول بوجود حرية صحافة فى مصر هو - عملياً - ضرب من الوهم أو الإيهام، والدليل عليه قائم كل يوم فى الصحافة المصرية. وكل صحفى فى مصر يعرف على سبيل المثال أن هناك مكتباً رسمياً يبلغ الصحف كل يوم بقائمة ما لا يجوز نشره.

وكان من الممنوعات فى وقت من الأوقات نشر أية تفاصيل عن فضائح "ووترجيت" التى أدت إلى سقوط ريتشارد نيكسون، ولم يسمح بالنشر فى هذا المجال وفى أضيق نطاق إلا عندما بدا أن نهاية ريتشارد نيكسون محتومة.

وكان من الممنوعات - ولا يزال - نشر أى شىء عن تفاصيل التعهدات السرية التى أعطتها الولايات المتحدة لإسرائيل ملحقة باتفاقية سيناء الأخيرة. ولا أريد تأدباً أن أخوض فى عينات من الممنوعات الأخرى!

وإذن فإن هناك يداً تمتد بالحظر والإباحة.

ويبدو غريباً جداً فى رأيى أن تكون هناك حصانة مقدسة لريتشارد نيكسون - وأن تكون هناك استباحة كاملة لجمال عبد الناصر.

وأرد نفسى عن أية تفاصيل أكثر من ذلك فى مسألة حرية الصحافة فى مصر والتعلل بها فى حملة التشويه والتشويش الجارية الآن فى مصر. ومع ذلك فلا أستطيع أن أترك هذه النقطة دون إشارة إلى ظاهرة من أهم الظواهر الصحية فى مصر المعاصرة.

ذلك أنه إذا كانت الصحافة العامة فى مصر تشترك - واعية أو ساهية - فى اغتيال شخصية جمال عبد الناصر - فإن هناك صحافة أخرى تخوض معركة ضارية وباسلة دفاعاً عنه... دفاعاً عن المبادئ الأصيلة فى تجربته، وتلك هى صحافة الشباب... جرائد الحائط المعلقة بالمئات فى أنحاء الجامعات المصرية، إلى جانب الصحف التى تصدرها اتحادات الطلاب أو جماعات الشباب.

وتلك شهادة لعبد الناصر.

رواسب الماضى تحاربه، وطلائع المستقبل تحارب معه!

سادساً - ومع ذلك فإن صدقنا ما يقال عن "انفلات" الصحافة العامة فى مصر، فهل الحملة ضد عبد الناصر - حملة الإدانة الكاملة والنهائية - قاصرة على هذا النطاق؟

الحملة أوسع وفيها ما يلفت النظر.

فيها خطابات رسمية تلقى فى مناسبات عامة وهى الأخرى إدانة كاملة ونهائية.

فيها مطبوعات ومنشورات صادرة عن أجهزة رسمية للدولة وهى الأخرى إدانة كاملة.

فيها إذاعات مسموعة وإذاعات مرئية وأفلام سينمائية لا تفعل كلها غير تكريس إدانة التجربة من أولها إلى آخرها وبطريقة ساحقة ماحقة!

ألخص آرائى فى النهاية لكى لا يكون هناك لبس:

1- فى تجربة عبد الناصر كثير يستحق النقد ويستوجب التصحيح، شأنها فى ذلك شأن أى تجربة إنسانية ضخمة وهائلة، والفرز ضرورى، والتقويم حق، والتصحيح واجب.

2- لقد ناديت، وما زلت أنادى بضرورة التحقيق النزيه فى كل جوانب التجربة حتى يظهر وجه الحقيقة، وقلت وما زلت أقول أن إطلاق التهم بغير تحقيق لن يؤثر فى عبد الناصر بقدر ما يؤثر فى وجدان الشعب المصرى لأنه يفقده الثقة فى كل شىء، وليس هناك كائن حى... فرداً كان أو شعباً... يستطيع أن يعيش ويكافح إذا سقطت فى خياله كل المثل، وكيف يمكن لشعب مصر مثلاً أن يثق بنفسه إذا ظل بقية حياته مع الشكوك القاتلة: فلقد كان جمال عبد الناصر فى اعتقاده بطلاً وطنياً وقومياً رفعه فى حياته على كل الرؤوس وشيعه عند رحيله فى بحر من الدموع... أفلا يملك هذا الشعب أن يعرف أخيراً كل الحقيقة ولا شىء غير الحقيقة فى أمر مثل هذا الرجل؟

هل كان البطل "جلاداً سفاحاً" كما يصورونه اليوم؟

هل كان المناضل "لصاً مهرباً" كما يصورونه اليوم؟

هل كان القائد "قاتلاً مع سبق الإصرار"... دس السم لطبيبه الخاص الدكتور أنور المفتى... ورتب كميناً بقنبلة مدفع -!- للفريق عبد المنعم رياض وهو الذى كان يدخره لمعركة التحرير التى يخطط ويستعد لها؟ أو ليس ذلك بعض ما قيل بغير تدقيق أو تحقيق؟

3- إذا كانت نتيجة التحقيق كله إدانة كاملة ونهائية لنظام عبد الناصر فمن الذى يتمسك بالنظام كله من أصوله إلى فروعه، أو ليس الوطن والأمة أولى وأبقى من أى نظام؟!

هذا هو رأيى وتظل عندى بعده ملاحظة أخيرة.

إننا لم نفعل ما فعلناه بأنفسنا فقط، وإنما أسأنا إلى أمتنا العربية كلها، وكنا بمثابة من يقول لها:

- لا تعتمدى فى شىء على مصر... فليس لدى مصر إلا قناع الخداع.. لماذا؟

لأن الأمة العربية أمامها خياران:

- أن تصدق ما يقال الآن فتحكم على مصر من 23 يوليو 1952 حتى 15 مايو 1971.

- أو أن ترفض تصديق ما يقال الآن فتحكم على مصر بعد 15 مايو 1971 حتى هذه اللحظة!

ومصر خاسرة فى الحالتين... وكذلك الأمة العربية..

كلاهما بين الضحايا...

ومن الجانى؟

هذا هو السؤال؟!.

105724557.jpg

ألام على هواك وليس عدلا ................ إذا أحببت مثلك أن ألاما

رابط هذا التعليق
شارك

الحديث الرابع: حكايات المذابح اليمن.. القضاء.. حرية الصحافة

"أعترف أننى شعرت براحة نفسية عميقة حينما قرأت للرئيس السادات حديثاً مع جريدة "عكاظ" السعودية ورد فيه على لسانه قوله:

"إننى كنت مع جمال عبد الناصر فى كل همسة"!

ومبعث ارتياحى هو أننى وجدت فى قول الرئيس السادات رداً على هؤلاء الذين يحاولون إدانة جمال عبد الناصر دون أن يؤدى ذلك إلى إدانة النظام الذى قام فى مصر من 23 يوليو 1952 - من أوله إلى آخره!

... يتصورون أنهم بذلك - سذاجةً أو خبثاً؟! - يكررون فى مصر ما يظنونه حدث فى الاتحاد السوفيتى حين أدين ستالين ولم يؤد ذلك إلى سقوط النظام الشيوعى كله.

وفى ظنونهم - أو أوهامهم - أن عبد الناصر قام فى مصر بدور ستالين وأن أنور يقوم بدور خروشوف فى التجربة المصرية!

وهم فى ذلك ينسون - أو يتناسون - فوارق شاسعة بين التجربة المصرية والتجربة السوفيتية.

الاتحاد السوفيتى مثلاً كان يمكن إغلاقه عما حوله.

ومصر يستحيل فيها ذلك مهما كانت القبضة الممسكة بها من حديد لأن شواطئ مصر بمثابة نوافذ مفتوحة على العالم كله وعند نقط مواصلاته.

والاتحاد السوفيتى مثلاً كان يمكن أن يستغنى عما حوله..

ومصر يستحيل أن تستغنى عما حولها لأنها جزء عضوى منه. وطن من أوطان أمة عربية لا تستطيع أن تعيش إلا متصلة بها ولا تقدر على ممارسة دورها إلا فى إطار تأثيرها..

ثم أن التركيب الحضارى مختلف. والعقائد الاجتماعية مختلفة.

وفضلاً عن ذلك فإن جمال عبد الناصر كان شيئاً آخر غير جوزيف ستالين.

ولا أستعمل هنا أوصاف تفضيل كأحسن أو أسوأ لأنى أعتقد أن كل زعامة سياسية تعبر عن مرحلة تاريخية فى سياق من التطور متحرك ومتواصل..

من هنا - ولأسباب أخرى - فإنه من العيب أن يوضع أنور السادات فى الموضع الذى ترويه القصة المشهورة عن خروشوف، حينما وقف فى اجتماع من الاجتماعات يهاجم عهد ستالين ويتحدث عن المظالم التى وقعت فيه وتلقى خروشوف أثناء الاجتماع ورقة مطوية من أحد حضوره كتب فيها:

"أيها الرفيق نيكيتا خروشوف.. وأين كنت أنت عندما جرى هذا كله". وقرأ خروشوف الورقة على حضور الاجتماع ثم لاحظ أن مرسل السؤال لم يضع توقيعه عليه، وسأل:

- من هو صاحب هذا السؤال.. إننى أطلب منه الوقوف لكى أرد عليه..".

ولم يقف أحد.

وساد الصمت على الاجتماع كله.. ثم قال خروشوف:

- "هذا الصمت هو إجابة السؤال.. لقد كنت مع الرفيق الذى لم يضع توقيعه على ورقة أرسلها إلى!".

لا يمكن أن يوضع أنور السادات فى هذا الموضع.

ذلك عيب فى حق الرجل وتاريخه ونضاله وشخصيته، ثم أنه فوق ذلك منافٍ للحق والحقيقة فى الجملة وفى التفصيل..

ولعلى أقول لكى أكون محدداً وواضحاً أننى لا أتشفع فى عبد الناصر بمشاركة أنور السادات له. ولا أنفى أى تهمة عنه وحده، بمسؤولية أنور السادات معه..

ثم إننى كما قلت - وأكرر - لا أبرئ عهد جمال عبد الناصر مما يستوجب النقد..

لكن النقد النزيه شىء، والإدانة الكاملة بالاتهام - يلقى على عواهنه - شىء آخر..

والموضوع فى رأيى أكبر من موضوع عبد الناصر والسادات معاً - لأن الموضوع هو مصر وضميرها وتاريخها ومستقبلها، وهذه الأمة التى أصبناها بالفزع من حولنا!..

وقد أضيف أيضاً ما يلى:

- نعم... إن عبد الناصر مسؤول قبل غيره عن كل شىء وقع فى عهده، وقد كان هو أول من يصر على ذلك ويتمسك به.

أقول ذلك وأتذكر يوم 9 يونيو 1967..

كان عبد الناصر قد طلب إلى أن أعد له مشروع خطابه إلى الأمة بالتنحى، وكنا قد تناقشنا فى الموضوع فى الليلة السابقة وكان رأى متفقاً مع رأيه فى أنه يجب "أن يذهب" بعد أن صارت الأمور فى ميدان القتال إلى ما صارت إليه، ولم يكن فى مقدوره إنسانياً تلك الليلة مع أحزانه وشواغله أن يجلس ليكتب خطاباً، فاتفق معى على نقاطه وتعهدت أن أكتبه له. ووصلت إلى بيته فى الساعة السابعة من صباح يوم الجمعة 9 يونيو.

وكان فى مكتبه لم يذق للنوم طعماً فى تلك الليلة الليلاء وحين دخلت عليه كان التليفون فى يده وكان يتكلم مع أحد القادة العسكريين فى الجبهة يريد أن يضع حداً للفوضى والانهيار اللذين سادا الموقف كله..

وجلسنا بعدها نراجع مشروع الخطاب الذى أعددته له ووصلنا فيه إلى عبارة تقول بالنص:

"وفيما يتعلق بى فإننى على استعداد لتحمل نصيبى من المسؤولية"..

كنت قد كتبت هذه العبارة وأنا أعرف الظروف ولكن جمال عبد الناصر استوقفنى عندها وقال لى بالحرف:

- ما هو معنى أن أقول "إننى على استعداد لتحمل نصيبى من المسؤولية"..

وهز رأسه نفياً قاطعاً ثم قال:

- لا أرضى ذلك لنفسى... إننى تاريخياً أتحمل المسؤولية كلها ويجب أن أقول ذلك للناس".

وغيرت النص بعد إصراره على النحو الذى رآه.

أروى تلك الواقعة دلالة على أن جمال عبد الناصر نفسه أول الراضين - والمصرّين- على أن يتحمل المسؤولية كلها، عن كل ما جرى فى عهده.

... لكننا عندما نقول بذلك يجب أن ننصب ميزاناً لهذه المسؤولية يفرز الخطأ عن الصواب، والإيجابى عن السلبى، والحقيقة عن الادعاء!

ثم أن علينا بعد ذلك أن نضع الوقائع فى إطارها، والتصرفات فى ظروفها، والخيارات فى حدود المتاح منها وقتها - وإلا كنا بمثابة من يدعى الحكمة بأثر رجعى، أو يطلب عصمة الآلهة لأحكام البشر!..

... فى حدود هذا المنطق وبالقرب منه فسوف أختار ثلاث وقائع ينسب إلى جمال عبد الناصر أنه تصرف فيها كما يتصرف "سفاح" - هكذا قيل وبالحرف!

"سفح " دم أبناء مصر على جبال اليمن، و"سفح" دم العدالة فى مذبحة للقضاء، و"سفح" دم الحرية بإغلاق الصحف!

سوف أبدأ باليمن فأسأل:

- هل يمكن أن يكون هناك تقييم للتدخل العسكرى المصرى فى اليمن لا يأخذ فى حسابه الظروف السياسية التى كانت تسود العالم العربى وقتها؟

كان ذلك بعد مؤامرة الانفصال، ونحن نذكر ملابساتها وما جرى فى سوريا وقتها، وكان ذلك فى أعقاب مؤتمر "شتورة" الذى اتخذه النظام الانفصالى فى سوريا منبراً للهجوم على الحركة الوطنية العربية، وكان يبدو أن القوى المعادية للتقدم العربى تريد أن تخنق كل صوت ينادى بالتحرر العربى..

وفى ذلك الوقت جاءت ثورة اليمن، وانقضت عليها العواصف، ولا أريد أن أعود إلى التفاصيل حتى لا أنكأ جراحاً قديمة شفاها الزمن فيما أتمنى..

وفى يوم عصيب من أيام شهر أكتوبر 1962 كانت ثورة اليمن الوليدة وحدها فى مهب العاصفة.

وفى القاهرة كانت هناك مشاورات مستمرة بعد أن طلبت الثورة الوليدة نجدة من مصر بدورها وحجمها فى العالم العربى فى ذلك الوقت..

وكان أنور السادات أكثر الناس اهتماماً بهذا الموضوع فى القاهرة لأن اختصاصه السياسى فى القيادة المصرية كان يشمل ضمن ما يشمل شئون اليمن والجنوب العربى والخليج، وكانت توصية أنور السادات - فى نطاق اختصاصه - تتلخص فى أن مصر لا يسعها أن تتفرج على ما يجرى فى اليمن مكتوفة اليدين، وأن الواجب القومى يحتم عليها أن تتدخل عسكرياً - خصوصاً بالطيران - لرد العاصفة عن الثورة اليمنية.

ودارت مناقشات واسعة حول هذه التوصية..

وأتذكر أنه كان لى فى الموضوع رأى يختلف، وقد قلته لجمال عبد الناصر، وأتجرأ فأقول ذلك لأن جمال عبد الناصر أشار إلى رأيى فى آخر جلسة حضرها لمجلس الوزراء قبل رحيله، وما قاله فى هذا الصدد مسجل بصوته فى وثائق مجلس الوزراء... شاهداً ومرجعاً..

كان رأيى فى ذلك الوقت يتلخص فيما يلى:

- أننى لا أعرف إذا كانت الظروف الموضوعية فى اليمن مهيأة لنجاح الثورة..

- ثم أننى لا أعرف إذا كانت الثورة التى قامت فى اليمن تستطيع أن تتحمل عملياً ثقل التدخل العسكرى المصرى فى اليمن، وبواسطة القوات المسلحة المصرية.

وسألنى جمال عبد الناصر سؤالاً مباشراً:

- هل معنى ذلك أن نترك الثورة اليمنية وحيدة يسهل ضربها... وماذا يحدث للحركة العربية العامة إذن؟

وقلت:

- إننى أدرك أهمية نجدة ثورة اليمن، ولهذا فإنى أقترح تشكيل قوات متطوعين عرب من كل البلاد العربية يذهبون إلى اليمن للقتال فى صفوف الثورة".

وأضفت متحمساً:

- لماذا لا نجعل اليمن معركة شعبية للحرية بمثل ما كانت الحرب الأهلية فى أسبانيا معركة شعبية للحرية، وحتى لو أننا خسرنا المعركة فإن الخسارة ستتحول إلى أسطورة فى النضال العربى تلهم وتلهب خيال أجيال بعد أجيال..

ذلك أسلم فى رأيى من الزج بالقوات المسلحة المصرية فى ظروف شاقة معظمها مجهول..".

ثم قلت للرئيس وقتها:

- لدى دراسة قام بها باحث مصرى عن الأحوال فى اليمن وعن تاريخه المعاصر، وأريدك أن تقرأها، وسوف أرسلها لك..

(أشار جمال عبد الناصر إلى هذه الدراسة فى التسجيل الموجود بصوته فى سجلات مجلس الوزراء فى آخر جلسة حضرها قبل الرحيل).

كان الرأى المقابل لرأيى وقتها يتلخص فيما يلى:

- أن أمن ومستقبل الحركة الوطنية العربية معلق فى الميزان..

- أن الوقت لا يحتمل التردد، وإلا ضاعت الثورة اليمنية..

- أن تدخل بعض قوات الصاعقة، وسرب واحد من الطيران يكفى..

وبهذا المنطق تدخلت مصر لنجدة الثورة فى اليمن وكان أنور السادات - ولمدة خمس سنوات متصلة - هو المسؤول الذى تولى إدارة الجهد السياسى المصرى فى اليمن فى حين أن عبد الحكيم عامر كان المسؤول عن الجهد الحربى..

وأعترف الآن - وهذه شهادة صدق - أن أنور السادات كان على حق فى مناداته بالتدخل العسكرى لحماية الثورة فى اليمن وأننى كنت على خطأ لأننى نظرت إلى الموضوع من وجهة نظر مصرية إقليمية بحتة، وذلك لا يجوز إزاء مسؤولية مصر ودورها القومى..

ذلك لأن الزاوية القومية هى الزاوية التى يجب أن نقيس منها التدخل فى اليمن، فلقد أحدث التدخل المصرى فى اليمن آثاراً واسعة المدى ألخصها فيما يلى:

1- لقد خرج الاستعمار البريطانى من شبه الجزيرة العربية واستقل الجنوب واستقل الخليج.

2- تحت ضغط التدخل المصرى فإن السيطرة الأمريكية اضطرت إلى إرخاء قبضتها المسيطرة على الموارد العربية فى شبه الجزيرة واتخذت موقفاً أكثر تلاؤماً مع الأنظمة الوطنية وسمحت لها بدور متزايد فى توجيه أمور ثرواتها..

3 - إن الدول الوطنية فى هذه المنطقة اتجهت تحت ضغط الظروف إلى "التحديث" وقد كان من النتائج المباشرة لتطورات المعارك فى اليمن أن اعتلى الملك فيصل عرش السعودية، وبدأت عملية "التحديث" فى المملكة تحت توجيهه، وراحت الأسرة فى السعودية تتحول إلى دولة..

وهذه كلها منجزات تاريخية ضخمة لا يمكن تقييم التدخل المصرى فى اليمن بغير إدخالها فى الحساب بصرف النظر عن الثمن الذى دفعته مصر.. وإذا أردنا أن نناقش الثمن الذى دفعته مصر فإن ذلك سوف يقودنا إلى تأمل الظروف التى اتسعت فيها حرب اليمن..

إن الحرب اتسعت لا لأن هذا الطرف العربى أو ذاك تدخل فيها، وإنما اتسعت الحرب حينما تدخلت فيها قوى السيطرة العالمية، وفى مقدمتها إدارة المخابرات المركزية الأمريكية التى جندت للحرب آلافاً من الجند المرتزقة الأجانب - إنجليز وألمان وفرنسيين وأمريكيين - وقصة هؤلاء ذائعة مشهورة، ولكن ذاكرتنا ضعيفة ننسى بسهولة ما هو حقٌ لنا ونبتلع بسهولةٍ دعاوى الآخرين علينا..

ننسى أنه فى وقت من الأوقات كان هناك أكثر من خمسة عشر ألفاً من الجنود المرتزقة الأجانب فى اليمن..

وننسى أن لندن - كما حدث فى حالة أنجولا - كانت مركز تجنيدهم وتسليحهم وإرسالهم إلى اليمن..

أكثر من ذلك.. ماذا أقول؟

هل أقول - والقول صحيح - أن المخابرات المركزية الأمريكية كانت تجند المرتزقة الأجانب للحرب فى اليمن وأنها كانت مسؤولة عن عملياتهم وعن التنسيق بينهم وبين دور لإسرائيل فى مساعدتهم؟

هل أقول - والقول الصحيح - أن إسرائيل كانت تتولى مسؤولية إلقاء الذخائر والأسلحة بالطائرات لهؤلاء الجنود المرتزقة الأجانب فى مناطق محددة فى جبال اليمن؟.

هل أقول - والقول صحيح - أن الرئيس الأمريكى جون كنيدى كان يعلم بحقيقة ما يجرى فى اليمن، وكان أحد مساعديه وهو المستر كومار هو ضابط التنسيق بين البيت الأبيض وإدارة المخابرات المركزية الأمريكية، وكان كنيدى يسمى حرب اليمن بقوله:"حرب كومار الخاصة"؟.

وإذا قلت بذلك - إذن ألا نكون وضعنا حرب اليمن فى سياقها الصحيح من قصة النضال العربى المعاصر..

- إطارها مسؤولية مصر القومية..

- ظروفها الصراع المتصل بين الحركة الوطنية العربية وبين قوى السيطرة العالمية.

- ونتائجها ليس فقط ما دفعته مصر من تضحيات فى اليمن، ولكن هذا التحول الضخم الذى نراه الآن فى شبه الجزيرة العربية، وعند طرفها الجنوبى، وعلى شطان الخليج!..

مذبحة القضاء وسفح دم الحرية:

أنتقل الآن إلى واقعة "سفح" دم العدالة "بمذبحة القضاء"، وسوف أروى بشأنها ما أذكره من ظروفها، وأعتمد أن ذاكرتى ما زالت سليمة..

أقول أولاً أن جمال عبد الناصر لم يتدخل فى حياته فى حكم من أحكام القضاء، وكان لديه ذلك الإحساس العميق بقدسية العدل، وهو إحساس له جذوره البعيدة فى المجتمع المصرى بحكم التكوين الحضارى لشعب استقرت حياته فى بيئة زراعية رسخت فيها فكرة الاحتكام إلى قانون القضاء..

وأتذكر الحرج الذى أحس به يوماً حين جاءه خطاب مكتوب من "الملك سعود" يرجوه فيه أن يتدخل لكى تحصل "السيدة ناريمان" ملكة مصر السابقة على طلاق من زوجها "الدكتور أدهم النقيب". وكانت "ناريمان" قد لجأت إلى الملك. وكان النزاع بين الزوجين قضية أمام محاكم الأحوال الشخصية فى مصر وصلت إلى حد أن طلب الزوج زوجته فى بيت الطاعة واستصدر حكماً قضائياً بما طلب..

وأرانى جمال عبد الناصر خطاب الملك سعود إليه بتوقيعه وهو يقول:

- إننى أريد أن أجامل الرجل فى أى شىء يطلبه منى.. ولكنه قصدنى حيث لا أستطيع أن أجيب طلبه، ولا أعرف كيف أرد عليه، وهل يصدقنى إذا قلت له أننى لا أستطيع أن أتدخل فى أعمال محكمة شرعية؟ وكيف أتدخل؟!"..

رويت هذه الواقعة الصغيرة كمقدمة فقط!

وأصل منها إلى الظروف التى أحاطت بما أطلق عليه وصف مذبحة القضاء فى صيف سنة 1969.

فى صيف ذلك العام 1969 كان جمال عبد الناصر فى إجازة إجبارية بالإسكندرية، كان مقرراً أن يسافر فى ذلك الصيف للعلاج الطبيعى مرة ثانية فى مصحة "تسخالطوبو" فى الاتحاد السوفيتى، ولكن تطورات حرب الاستنزاف عوقته عن السفر، وأجل سفره أسبوعاً بعد أسبوع، ثم ألغى سفره فى تلك السنة تماماً ليكون بقرب المعارك الدائرة على الجبهة ونصحه الأطباء بأسبوعين على الأقل يقضيهما فى إجازة كاملة.

ولكن شواغله كانت تلح عليه، ولا تمنحه الفرصة التى يلح عليها أطباؤه..

وسمعت منه ذات مرة خلال تلك الفترة فى الإسكندرية أن بعض المشاكل فى مجال القضاء تطرح نفسها عليه، وأن تقارير أمامه تشير إلى أن بعض المحاكم تطرد فلاحين من أراضيهم المستأجرة لصالح كبار الملاك، ثم أن بعض هذه التقارير يشير إلى أن بعض القضاة الذين أصدروا مثل هذه الأحكام سبق أن طبقت عليهم أو على أسرهم أحكام قانون الإصلاح الزراعى..

وكان رأيه أن ذلك وضع لابد من بحثه، وأنه شكل لذلك لجنة خاصة سوف تقدم إليه توصياتها، وكان بين أعضائها السادة شعراوى جمعة وسامى شرف والمستشار عمر الشريف المستشار القانونى لرئاسة الجمهورية وآخرون... ولاحظ هو تحفظى على ما سمعته منه فأضاف:

- "إننى وضعت أنور السادات على رأسهم لكى يتابع ما يفعلون، وهو بينهم الذى يتصل بى".

ورغم أننى أحسست بارتياح إلى وجود أنور السادات بالقرب من عمل هذه اللجنة، فإن الحساسية الخاصة لموضوع القضاء جعلتنى أفكر، وأحاول من بعيد متابعة عمل اللجنة وأسأل كثيرين من المتصلين بالمسألة وبينهم المستشار ممتاز نصار رئيس مجلس إدارة نادى القضاة، وقد لقيته فى تلك الفترة أكثر من مرة..

وذات مرة فى الإسكندرية كنت على موعد مع جمال عبد الناصر فى استراحة المعمورة فى الساعة الثانية عشرة ظهراً، وكنت أريد أن أكلمه - ضمن موضوعات أخرى - فى مسألة القضاء..

ولكى أكون مستعداً دعوت الدكتور جمال العطيفى وهو المستشار القانونى للأهرام وقتها ووكيل مجلس الشعب الآن، إلى لقائى فى الصباح الباكر من ذلك اليوم، وأثرت معه موضوع القضاء تفصيلاً، وسمعت منه رأيه وهو رأى خبير يدرك أهمية وخطورة وجلال تناول موضوع له هذه الحساسية.. وطال حديثنا إلى قرب الظهر، وراودنى إحساس بأن جمال عبد الناصر يجب أن يسمع ما سمعت من جمال العطيفى ولكن كيف؟!

وقلت لجمال العطيفى:

- "إننى على موعد مع الرئيس، وسوف أقول له ما سمعت منك، وأريدك أن تركب معى فى سيارتى وتنتظر فيها، حتى إذا ما احتجت إلى أية تفاصيل أثناء حديثى مع جمال عبد الناصر خرجت فاستوضحت منك ما أريد".

وذهبنا إلى المعمورة ودخلت مكتب جمال عبد الناصر وسيارتى فى الخارج ينتظرنى فيها جمال العطيفى..

وفتحت الموضوع..

قلت أن مسألة القضاء حساسة، فهو مرفق فى مصر مقدس، وأى اقتراب منه يجب أن يكون بمنتهى الدقة والتحرز.

ثم قلت إننى تحدثت فى هذا الموضوع مع خبراء يعرفون أهميته وقدره وبينهم جمال العطيفى الذى كان معى هذا الصباح وحتى الظهر وكان بودى لو أن الرئيس استطاع أن يسمعه مباشرةً..

ثم أضفت:

- لقد فكرت أن أجىء بجمال العطيفى ليقابلك معى وحتى تسمع منه ولكنى ترددت.

قلت ذلك وانتظرت..

وقال جمال عبد الناصر:

- ليتك فعلت... إننى حقيقةً أريد أن أسمع رأى خبير لا علاقة له بجهاز الدولة.. كثيراً ما حاولت ذلك فى مسائل أخرى ولكنهم يجيئون أمامى فلا يتكلمون.

قلت:

- أظن أن جمال العطيفى يمكن أن يتكلم خصوصاً إذا كنت معه.

وقال الرئيس:

- ليس لك حق أنك لم تأت به.

وقلت معترفاً:

- جمال العطيفى معى فى سيارتى هنا فى المعمورة ولم أقل له أن هناك احتمالاً لأن يراك، وإنما قلت له أننى قد أحتاج إلى استيضاح بعض الأمور منه إذا احتجت لذلك..

وقال عبد الناصر:

- اذهب وأتِ به؟..

وخرجت إلى سيارتى وجمال العطيفى ينتظرنى فيها أقول له إن الرئيس يطلبه.

وفتحت الدهشة فمه ولكنه سار معى. وقلت له ونحن ندخل البيت:

- جمال، هذه فرصة لا تعوض... وأرجوك أن تتكلم بنفس الصراحة التى كنت تتحدث بها معى.

ودخلنا على جمال عبد الناصر.

بعد عشر دقائق من الحديث كان جمال عبد الناصر قد أزال بحديثه البسيط كل أثر للدهشة والرهبة عند رجل لم يكن يعرف أنه سيلقاه، ولم يكن مستعداً للقائه.

ثم استمرت جلستنا فى شرفة بيت المعمورة لمدة قاربت الثلاث ساعات.

وكان جمال العطيفى يتكلم، وكان جمال عبد الناصر يسأل ويستوضح ويستوثق.

وفى النهاية قال الرئيس:

- جمال.. هل عندك مانع أن تنضم إلى اللجنة التى تقوم بدراسة الموضوع..؟ وكان رد جمال العطيفى "أنه يشرفه القيام بأى خدمة يطلبها منه الرئيس".

وأحسست بعد هذه المقابلة أننى أديت واجبى كمواطن وكصديق لجمال عبد الناصر.

وكان منطقى أنه إذا كانت اللجنة التى تبحث موضوع القضاء تعمل تحت رقابة أنور السادات ويشترك فى أعمالها جمال العطيفى - إذن فالأمور فى مسارها الصحيح.

وصدرت بعد ذلك يوم 31 أغسطس 1969 إجراءات فى مجال القضاء، وأثارت هذه الإجراءات ردود فعل كان يمكن أن يسمعها جمال عبد الناصر ويستجيب لها، ولكن الثورة فى ليبيا قامت يوم أول سبتمبر سنة 1969، وشدت الانتباه كله إلى ناحية أخرى.

وإذن أمام عينى لم يكن الرجل مندفعاً بشراسة قاتل -!- إلى مذبحةٍ للقضاء.

لقد كانت أمامه مشكلة اجتماعية سياسية رآها من وجهة نظره - خطأً أو صواباً - تتطلب حلاً.

وشكل لجنة لدراستها والتوصية بما يمكن عمله حيالها، ضمن أعضائها مستشار الرئاسة القانونى، ووضع فوق اللجنة زميلاً له موثوقاً به ليتابع أعمالها.

ثم كان على استعداد لأن يسمع.

بل وكان على استعداد لأن يناقش أكثر مع من يستطيع مناقشته فى موضوعه ولو بغير موعد سابق.

وليكن أن شيئاً ما فيما اتُخِذ من إجراءات، جانبه التوفيق، ليكن.

لقد كان ممكناً دراسة ما حدث وتحقيقه وتصحيحه وحتى الحساب عن أى تجاوز فيه بدون حملات كراهية ضد رجل نقل أحكام القضاء فى مصر كلها من الصدور باسم ملك طاغية إلى الصدور باسم الشعب وتحت سيادته...

ثم أصل إلى قصة "سفح" دم الحرية بمصادرة الصحف.

وأظن أن القائلين بها يقصدون واقعة إغلاق جريدة "المصرى" التى كان يملكها "الأستاذ محمود أبو الفتح" والتى كان يرأس تحريرها أخوه "الأستاذ أحمد أبو الفتح".

وكان "أحمد أبو الفتح" قد تعرف إلى جمال عبد الناصر عن طريق صهره "ثروت عكاشة" الذى كان عضواً مرموقاً فى حركة الضباط الأحرار.

وكان صوت الأستاذ أحمد أبو الفتح من الأصوات المسموعة لدى مجلس الثورة فى الفترة الأولى فقد كان دوره - وسط مجموعة الشباب التقدمى الجديد الذى ظهر فى حزب الوفد وعلى اليسار من التيار الرئيسى فيه - دوراً ظاهراً ومن هنا كان طبيعياً أن يكون الأستاذ أحمد أبو الفتح" حلقة الاتصال بين النظام الثورى الجديد وبين حزب الوفد الذى كان حزب الأغلبية حتى ذلك الوقت.

ومع بداية سنة 1953 كانت الخلافات قد بدأت تدب فى العلاقات ما بين جمال عبد الناصر والأستاذ أحمد أبو الفتح وكانت لهذه الخلافات ثلاثة أسباب:

أولها - سبب سياسى ذلك أن معنى الديمقراطية لم يكن واحداً بالنسبة للاثنين:

- كان جمال عبد الناصر يرى أن أى تعبير سياسى انعكاس لحقائق اجتماعية واقتصادية، وإذا كان مطلوباً إقامة ديمقراطية سياسية سليمة فى مصر تعبر عن رأى الأغلبية وسلطتها فإن ذلك لا يتأتى إلا إذا كانت الحقائق الاجتماعية والاقتصادية فى الوطن تعطى لهذه الأغلبية وزنها وثقلها.

وكان جمال عبد الناصر يرى أن إجراء أى انتخابات قبل إجراء تغييرات اجتماعية اقتصادية تعطى الأغلبية وزنها وثقلها الاجتماعى والاقتصادى لن يكون من شأنه إلا أن يعيد إلى السلطة نفس العناصر القديمة التى تمثل الطبقة المتميزة فى مصر والتى تسيطر على الحقائق الاجتماعية والاقتصادية فيها، وهذا يصبح بمثابة العودة إلى دكتاتورية الأقلية الطبقية تحت اسم الديمقراطية.

- وكان رأى الأستاذ أحمد أبو الفتح يختلف عن ذلك، فقد كان يرى أن حل مشكلة الديمقراطية هو بإجراء الانتخابات فوراً، وعلى أى حال فقد كان ذلك منطقياً مع موقفه ومع انتمائه إلى حزب الوفد.

وثانيها - سبب نفسى ومرجعه فيما أظن إلى أن الأستاذ أحمد أبو الفتح بالغ - ربما بحسن نية - لدى أصدقائه القدامى فى أهميته بالنسبة لأصدقائه الجدد..

وبالتالى فقد كان حزبه وكانت جماعته وكانت أسرته تنتظر منه أن يحقق لهم جميعاً أشياء عجز عن تحقيقها، وبإحساسه بالحرج فقد تحول خلاف الرأى إلى عناد ثم إلى عداء.

ثالثها - سبب يعود إلى أن الأستاذ أحمد أبو الفتح كان يشعر بوفاء شديد لأخيه الأستاذ "محمود أبو الفتح" ويعتبره وهذا صحيح "ولى نعمته" - وهذا تعبيره بالحرف لى وقتها - ولكن الأستاذ محمود أبو الفتح كان قد ترك الصحافة وجريدة المصرى لأحمد أبو الفتح وتفرغ هو تماماً لدور رجل الأعمال.

وأحس أحمد أبو الفتح أن أخاه لا يأخذ ما يعتبره هو حقاً له وأن فرصاً كثيرة ضاعت أو ضيعت عليه لأسباب لا يعرفها.

ولعل أكثر يوم شعرت فيه بأبعاد أزمة أحمد أبو الفتح، هو يوم أتيح لى أن ألتقى فيه بالأستاذ محمود أبو الفتح فى بيروت فى شهر يناير من سنة 1954.

كنت عائداً من دمشق عن طريق بيروت، وفى فندق "سان جورج" التقيت بالأستاذ محمود أبو الفتح ووقفنا فى ردهة الفندق نتبادل أحاديث مجاملات، ثم سألته عن أحمد وكان قد غادر القاهرة إلى جنيف، وقال لى الأستاذ محمود - وللرجل مكانته بالنسبة لأى صحفى بوصفه واحداً من الرعيل الأول من بناة الصحافة المصرية الحديثة - سواء اتفق أو اختلف مع آرائه ومواقفه - إنه يريد أن يجلس لحديث طويل معى عن العلاقات بين جمال عبد الناصر وأحمد أبو الفتح.

وجلسنا نحن الاثنين تلك الليلة فى ركن من صالون السان جورج نتحدث حتى الساعة الرابعة صباحاً.

وبعد أيام من عودتى إلى القاهرة كان الأستاذ محمود أبو الفتح قد اتصل بالدكتور السيد "أبو النجا" المدير العام المصرى وقتها، وهو فى نفس الوقت موضع ثقة الأسرة كلها، وطلب إليه أن يتصل بى لكى نرتب "ما اتفقنا" عليه فى بيروت.

وكنا قد اتفقنا على ترتيب مقابلة بين جمال عبد الناصر والأستاذ أحمد أبو الفتح.

والتقيت مع الدكتور السيد أبو النجا الذى كان وما يزال صديقاً مقرباً لى وكان يريد أن يستوثق من نقطة واحدة:

- "إنه سوف يطلب إلى الأستاذ أحمد أبو الفتح أن يركب الطائرة من جنيف إلى القاهرة، فهل أضمن عودته إلى جنيف مهما كانت نتائج مقابلته مع جمال عبد الناصر"؟.

وقلت للدكتور السيد أبو النجا وهو المشرف العام على "دار المعارف" اليوم:

- إننى أتعهد أن أكون فى استقبال الأستاذ أحمد أبو الفتح عند وصوله بالطائرة من جنيف وأتعهد أن أكون فى وداعه بعد المقابلة على سلم أول طائرة عائدة إلى جنيف!".

وجاء الأستاذ أحمد أبو الفتح وذهبنا معاً إلى بيت جمال عبد الناصر وجلسنا نحن الثلاثة لحديث طال أربع ساعات، وفى الواقع فقد كان الحديث بين الاثنين، وكنت أتابع ما يدور بينهما صامتاً، أتدخل أحياناً عندما تظهر عقدة فى حباله!.

لكن الخلاف كان واضحاً بين الاثنين فى الآراء وفى المواقف وارتفعت درجة حرارة الحديث مرتين:

مرة عندما أثار جمال عبد الناصر مسألة الاتصالات التى يقوم بها الأستاذ محمود أبو الفتح فى "أوروبا" وفى العالم العربى - خصوصاً مع "نورى السعيد" رئيس وزراء "العراق" وقتها، وكان رد الأستاذ أحمد أبو الفتح أن علاقات أخيه بنورى السعيد هى علاقات رجل أعمال يورد مهمات لمشروعات تنفذ فى العراق، إلى جانب اهتمامه بتوريد السلاح كوكيل لبعض شركاته.

وكان رأى جمال عبد الناصر - بناء على معلومات لديه بالطبع - أن الصلات والاتصالات فيها عنصر سياسى!.

ثم ارتفعت درجة حرارة الحديث مرة أخرى عندما تساءل الأستاذ أحمد أبو الفتح:

- لماذا تضار مصالح أخى محمود فى مصر، ولا يحصل على حقه؟

وسأله جمال عبد الناصر:

- وهل حدث ذلك؟.

- وردَّ الأستاذ أحمد أبو الفتح قائلاً:

- نعم... إن أخى تقدَّم لمشروع أتوبيسات النقل فى القاهرة ولكن "عبد اللطيف أبو رجيلة" أخذ المشروع ولم يأخذه محمود أبو الفتح.

- ثم إن محمود أبو الفتح تقدم وكيلاً عن شركة سلاح يعرض بندقية من عيار 86 وهذه هى البندقية التى أقرّت "لحلف الأطلنطى"، ومعنى ذلك أنها ممتازة، ولكن اللجنة العسكرية التى تشرف على مشتريات السلاح رفضتها!".

وبدت الدهشة على وجه جمال عبد الناصر وسأل:

- "وهل تتصور أن لى علاقة بذلك أو أننى أتدخل فى مثل هذه الشئون، هذه مسائل تقررها الوزارات المسؤولة".

وبدا الضيق على ملامح جمال عبد الناصر وشاع الأسف فى نبرة صوته وهو يقول بالحرف:

- "جرى إيه يا أحمد.. أتوبيسات إيه؟ وبنادق إيه؟".

وكان واضحاً أمامى أن الحديث سار إلى طريق مسدود.

وذهبت لوداع الأستاذ أحمد أبو الفتح طبقاً لما تعهدت به، وأقلعت الطائرة التى استقلها إلى "جنيف" ورويت تفاصيل ما حدث للدكتور السيد أبو النجا، وشعورى هو أن القصة لم تتم فصولها!

وفى الأسابيع التالية بدأت أسمع من جمال عبد الناصر أكثر من مرة - وبأسف أكثر من غضب - عن النشاط المنسوب إلى الأستاذ محمود أبو الفتح فى "أوروبا" وفى بعض العواصم العربية وبالذات بغداد "نورى السعيد".

ثم عرفت يوم 27 أبريل 1954 أن نشاط الأستاذ محمود أبو الفتح أحيل إلى "محكمة الثورة" وأن قرار الإدعاء ضده ينص على:

"أنه أتى أفعالاً ضد سلامة الوطن ومن شأنها إفساد أداة الحكم وذلك أنه فى غضون سنة 1954 وما قبلها ارتكب الأفعال التالية:

1- قام بدعايات واتصالات ضد نظام الحكم القائد بقصد تقويض النشاط القومى للبلاد.

2- أغرى موظفاً عمومياً بطرق غير مشروعة على المساهمة فى إتمام صفقة تجارية لمصلحته الذاتية.

وفى يوم 2 مايو 1954 أصدرت محكمة الثورة حكمها وكان الحكم إلى جانب السجن والمصادرة، ينص بالحرف على "سحب رخصة جريدة المصرى منه، وبذلك تتعطل الجريدة عن الصدور ابتداءً من اليوم".

كان تشكيل محكمة الثورة التى حاكمت على النحو التالى:

قائد الجناح عبد اللطيف البغدادى رئيساً.

القائد أنور السادات عضو يمين.

قائد الأسراب حسن إبراهيم عضو يسار.

كان هؤلاء الثلاثة هم القضاة الذين وضعوا أيديهم على المصحف الشريف وأقسموا أن يراعوا الله والوطن والضمير فى أحكامهم.

ثم عرض الحكم للتصديق على مجلس الثورة، وكان رئيسه اللواء محمد نجيب وتمت الموافقة عليه.

ثم...

ماذا أقول بعد ذلك؟!.

105724557.jpg

ألام على هواك وليس عدلا ................ إذا أحببت مثلك أن ألاما

رابط هذا التعليق
شارك

الحديث الخامس: قصة التجاوزات والاعتقالات والحراسات والفصل التعسفى

كان عبد الناصر بطبيعته ينفر من العنف..

وأظن أن الحملة الدائرة فى مصر ضده الآن تشهد له بذلك على غير قصد من أصحابها.

تشهد له بأنه تصرف كإنسان يصيب ويخطئ ولكنه كان عزوفاً عن سفك الدماء باسم الثورة أو حتى طلباً لحمايتها.

وفى معركته مع الطبقة التى كان لها احتكار الثروة والسلطة فى مصر فلقد قصد إلى تصفية امتيازات الطبقة ولكنه رفض تصفية أفرادها كبشر.

وبقى هؤلاء فى الانتظار حتى واتتهم الفرصة بعد رحيله، فتحالفوا مع عناصر وقوى جديدة ضالعة وطامعة ثم اندفعوا جميعاً إلى هجوم مضاد على الثورة كلها وعليه كرمز لها وشنوا عاصفة الخماسين المثقلة برمال الأحقاد الصفراء والأتربة السوداء التى تهب على مصر الآن فى محاولة لتغطية وجه الشمس!

ولقد شهد أنور السادات فى حديث له أن جمال عبد الناصر وقف فى أول يوم من الثورة ضد محاكمة الملك وإعدامه، وأنه وحده بعد ذلك - وضد رأى كل أعضاء مجلس قيادة الثورة - رفض فكرة الدكتاتورية العسكرية وكان غيره يراها وسيلة للإصلاح السريع!

وأشهد أن أنور السادات قال الحق بذلك ولم يتجن على أحد.

وأتذكر مثلاً قصة الملك فاروق.

أتذكر مثلا جمال عبد الناصر وهو يتحدث فى اجتماع لمجلس الثورة صباح يوم 26 يوليو 1952 وهو يقول بمنطق بسيط:

- "ما معنى أن نحاكم الملك ونعدمه؟

أولاً - إذا كنا قد قررنا سلفاً أن نعدمه فلماذا نحاكمه!"

ويستطرد بعد ذلك بصوت مشحون بالعاطفة:

- "اسمعوا.. إنى أقول لكم جميعاً أن الدم لا يؤدى إلا إلى المزيد من الدم.

هل قرأتم كتاب "تشارلز ديكنز" "قصة مدينتين" علينا أن نتعلم درس الثورة الفرنسية وإلا ما فائدة التاريخ.

وأتذكره وهو يتحدث عن رفضه للدكتاتورية العسكرية ويقول:

- "لا نستطيع فى نَفَس واحد أن نتحدث عن "الثورة" و"الدكتاتورية العسكرية" هذا شىء، وذلك شىء آخر.

الثورة بالشعب والدكتاتورية فوقه، وعلينا أن نقرر هل نحن مع الشعب أم نحن "جماعة تركب على نَفَسه" وتسيره حيث تريد بصرف النظر عن إرادته؟".

ومع ذلك فلا بد أن أسلم أن عصر جمال عبد الناصر اتسم باعتماد أكثر مما يجب على السلطة، ثم أن فشله الكبير كان التنظيم الشعبى.

ولقد تعرضت لبعض الأسباب فى ذلك.. مرات أقول:

- فيما يتعلق بالدور الزائد للسلطة فى عهده فلابد أن نتذكر أن جمال عبد الناصر عاش عصر الحرب الباردة، حين كانت اعتبارات الأمن الداخلى هى نفسها جبهات الحماية الوطنية.

كانت القوى الكبرى التى تستهدف السيطرة على مقدرات الشعوب الصغيرة تحاول غزوها من الداخل، وتحاول العدوان عليها بغير وسائل القوى المباشرة.

وهكذا كانت الجبهات الداخلية للشعوب، وليس حدودها الدولية هى الجبهات الأكثر تعرضاً للهجوم!

ووثائق المخابرات الأمريكية المنشورة الآن تأكيد لهذه الحقيقة.

وهكذا أصبحت الصراعات الخفية طابع العصر وأصبحت الوسائل السرية من أهم القوى المحركة للحوادث.

وتصاعد دور أجهزة الأمن والمخابرات.

- وفيما يتعلق بالتنظيم الشعبى فإن بعض العذر مرده إلى أن القوى التى بدأت الثروة والسلطة فى الانتقال إليها لم تكن على استعداد للانتقال بسرعة من العجز الكامل إلى القدرة الكاملة وكان لابد أن تمر مرحلة انتقال تنمو فيها وتتمركز مواقع العمل الجماهيرى المنظمة.

وأتذكر مرة كنت فيها معه فى سيارة يقودها على طريق "برج العرب" فى الصحراء الغربية.

وتوقف عند جماعة من عمال التراحيل يعملون فى إصلاح جانب من الطريق، ونزل إليهم ووقف وسطهم، وراح يتحدث معهم.

وحين عدنا إلى السيارة وأدار مفتاحها وانطلق بها على الطريق وجدته يهز رأسه ويقول:

- مثل هؤلاء هم الأغلبية فى مصر.. وهم التحدى الحقيقى فى مصر..

لا تتصور أن مشكلة مصر هناك فى واجهة القاهرة الحديثة.. كل ما هنالك فى هذه الواجهة قشرة..."

ثم استطرد:

- الكارثة أن هؤلاء الذين نريد أن نعمل من أجلهم لا يصل إليهم صوتنا.. لا يقرأون جريدة، ولا يملكون راديو أو "تليفزيون".

كيف الوصول إلى هؤلاء وتحريكهم..؟ لا أعرف؟!".

وطال صمته بعدها.

والمشكلة حتى عند الذين يصل إليهم، أنه كان يلغى بقوة شخصيته وبالثقة الجماهيرية فيه دور التنظيم الشعبى لأنه كان يتجاوزه..

تعود الناس أن ينتظروا كلمته، ويستجيبوا بالحركة معها.

ويجد التنظيم نفسه معزولاً خارج دائرة الاتصال المباشر بين الزعامة الأسطورية وجماهيرها!

ومع ذلك فهل كان التجاوز فى الاعتماد على السلطة إلى هذا الحد الذى يقولون عنه اليوم فى مصر ويصفونه بالكلمة وبالصورة؟!

أشهد - أمانةً - على أن ذلك ليس صحيحاً...

ولكن الحملة الموجهة إلى شعب مصر الآن تركز وتركز حتى لا يستطيع أحد أن يفتح فمه قبل أن يبرئ نفسه من أى مسئولية..

ويبدأ بإدانة التجاوزات كلها جملةً وتفصيلاً ثم يروح بعد ذلك - إذا شاء - فيدافع عن الحقيقة على استحياء، وذلك فى حد ذاته يثبت فى الأذهان أن الاتهام أصيل وأن الدفع فرعى.

وأعتقد أن السكوت على ذلك نوع من القبول بالتشهير - وإذا كنت لا أقبل لنفسى أن أسكت إزاءه - فإنه يشجعنى أن السجل فيما يتعلق بى واضحٌ ومعروف.

لقد تصديت لتجاوزات السلطة فى وقتها، ولم ألزم السكوت حتى اليوم لأتكلم.

وكانت لى سلسلة مقالات فى حياة جمال عبد الناصر نقدت فيها دور أجهزة الأمن تحت عنوان: "زوار الفجر" وكان ذلك تعبيرى الذى شاع وابتذل فيما بعد!

وقعت فى مشاكل عويصة حينما انتقدت كتابة ما تعرض له بعض المعتقلين من الإخوان المسلمين فى السجن سنة 1956، واتصل بى جمال عبد الناصر يقول لى:

"إننى كنت قاسياً فيما كتبت، وأن شمس الدين بدران الذى كان يشرف على تحقيقات الإخوان المسلمين وقتها غضب وقدم استقالته".

واستطرد عبد الناصر يقول:

- إن شمس الدين بدران يقوم بدورٍ كبير فى النظام، وقد ضايقه أن تهاجمه بهذا الشكل، وقد كلفت عبد الحكيم عامر بأن يدعوكما أنتما الاثنان اليوم لتسوية المشكلة".

وكتبت وألححت على صفحات "الأهرام" وعلى شاشات التليفزيون أدعو وألحّ فى الدعوة إلى مجتمع مفتوح يسود فيه القانون ويعرف كل مواطن حدود المسموح به له والمحظور عليه سلفاً حتى لا تنقض عليه المفاجآت من المجهول.

أقول ذلك اليوم لا لأتباهى به ولكن لكى يكون واضحاً أن الذين سكتوا - حتى جاء الموت - إزاء قضية الحرية فى مصر لا يحق لهم أن يُزايدوا على الذين لم يسكتوا من قبل أن يجىء الموت!!

ومع ذلك فكيف نبحث عن الحقيقة؟

كيف نعرف أنها كانت كما يصفون، أو أكثر مما يصفون أو أقل مما يصفون؟

السبيل الوحيد، وقد ناديت به على هذه الصفحات فى شهر يوليو الماضى، أن يكون هناك تحقيق فى كل الحالات التى حدث فيها تجاوز للسلطة.

تحقيق فى ظروفها وفى وقائعها، وفى تفاصيلها، يمسك بها جميعاً واحدة ويستجلى فيها وجه الحق وينصف كل مظلوم ويحاسب كل ظالم.

أليس ذلك أجدى؟..

أليس هو أجدى من إطلاق الأوصاف والنعوت شائعة، ومن إطلاق التهم معممة، ومن إطلاق الأحكام بغير حيثيات وبغير فرص لنقضها؟

أليس ذلك أجدى؟

ثم أليس هو الحق؟

ولقد سُئلت كثيراً فى مصر:

- هل كان جمال عبد الناصر يعرف أو أن هذا كله كان خافياً عليه؟

وكنت أقول:

- قبل أن نستعمل تعبير "هذا كله" أليس واجباً علينا أولاً تحديد وتوصيف "هذا كله"؟

ثم كنت أقول:

- "نعم لقد حدثت تجاوزات.

نعم لقد وصل عدد المعتقلين فى مصر فى وقت من الأوقات إلى قرابة خمسة آلاف معتقل.

نعم لقد فصل بعض الناس من عملهم بقرارات صدرت.

نعم لقد عذب بعض الناس فى سجون مصر.

نعم حدث ذلك.

ولست واحداً من الذين يرضون الدفاع عن ذلك بالقول مثلاً:

إن عدد المعتقلين فى مصر وصل إلى خمسة آلاف فى وقت من الأوقات... لقد وصل عدد المعتقلين فى الهند - مثلاً - فى وقت من الأوقات إلى أربعمائة ألف!

ولست واحداً من الذين يرضون الدفاع عن ذلك بالقول مثلاً:

لقد فتح الباب على مصراعيه لقضايا التعويض عن التعذيب، بل وحُرض بعضهم لكى يتقدموا تحريضاً، ومع ذلك فإن عدد كل قضايا التعويض عن التعذيب لم تزد على ثلاثمائة قضية منها ثلاث عشرة فى المخابرات معظمها فى قضايا جاسوسية!

ولست واحداً من الذين يرضون الدفاع عن ذلك بالقول مثلاً:

كم كان عدد الذين فصلوا بقرارات؟...لم يزيدوا عن مائتين!

ثم إننى لست واحداً من الذين يرضون بالدفاع عن ذلك فى جملته بالقول مثلاً:

لقد كان حجم ذلك كله - من عدم موافقتنا عليه - هيناً إذا أخذت فى الحساب فترة عشرين سنة حافلة بالتغييرات الاجتماعية والاقتصادية.

إن بعض العنف كان حتمياً - مهما كان مكروهاً - خصوصاً فى عملية استرداد ثروات ضخمة بالإصلاح الزراعى أو التأميم.

هذه كلها عمليات لا يمكن تحقيقها بالإقناع والاقتناع الديمقراطى.

ذلك كله لست على استعداد لقبوله على علاّته.

اعتقال إنسان واحد من غير حق، وتعذيب إنسان واحد مهما كانت الظروف بينما هو فى قبضة سلطة الدولة، وحرمان إنسان واحد من عمله بغير تحقيق - أشياء كلها كئيبة، وكلها مرفوضة، وكلها يجب أن تكون موضع حساب.

موضع حساب، يجرى بعد تحقيق!

هل كان جمال عبد الناصر يعرف؟

وردى هو:

نعم عرف فى بعض المرات، وسوف أروى نماذج لذلك فى حدود ما رأته عيناى!

وقبل أن أدخل فى تفاصيل أية وقائع فلا بد أن نتفق على شىء.

ذلك هو أن جمال عبد الناصر كان إنساناً طبيعياً، لا هو مجنون كـ "نيرون" الذى حرق "روما" وراح يغنى على أطلالها، ولا هو مثل بطل قصة "دراكولا" مصاص دماء!

ثم إنه كان إنساناً يكره العنف والتسلط، وتلك شهادة أنور السادات فيه سواء فى قصة الملك فاروق أو فى قصة الدكتاتورية العسكرية.

ثم أنه كان إنساناً يعرف حدود السلطات التى تمسك بها يداه ويستشعر مسئوليته بها، وكثيراً ما سمعته يقول:

- "لا أتخذ قراراً إذا انفعلت.. إذا أحسست بذلك فأننى أنام الليل على قرارى، ذلك أنه يمثل السلطات التى لدى، فإننى لا أملك ولا أتحمل أن أتصرف بانفعال".

ما هو معنى ذلك كله؟

معناه أنه يجب أن نفترض أن جمال عبد الناصر إذا أشار بتصرف أو سكت على تصرف فإنه يفعل ذلك بناء على معلومات حقيقية لديه أو معلومات يتصور أنها حقيقية لديه.

أنتقل بعد ذلك إلى الوقائع.

- أبدأ بمسألة الاعتقالات.

أتذكر أننى فى صيف 1965 - وهى الفترة التى وصل فيها عدد المعتقلين إلى قرابة خمسة آلاف - أننى ذهبت إلى جمال عبد الناصر أقول له:

- إن معلوماتنا فى "الأهرام" تقول أن عدد المعتقلين خلال الشهر الأخير قد زاد على خمسمائة معتقل..

وكان رده:

- لقد وصلوا الآن إلى سبعمائة مع الأسف، وأنا أعرف، ولكن ماذا أفعل؟

لقد كان بين خطط التنظيم السرى الذى قبض على قيادته خطط بنسف كبارٍ أو جسور والقيام بعملية اغتيالات بالجملة.

ولقد وافقت على اعتقالات واسعة أخذاً بالأحوط لأنى لا أستطيع أن أقبل بنسف كبارٍ أو جسور..

ثم أن "البلد" لا يستطيع فى هذه الظروف أن يتحمل احتكام بعض الناس إلى المسدس يغتالون به من يخالفونهم فى الرأى..".

ولاحظ هو ترددى.. وكان قوله:

- مشكلتى أننى لا أستطيع أن أتردد:

أنت كصحفى تستطيع أن تفكر من اليوم إلى الأبد.

ولكن مسئوليتى عن "البلد" تحتم على أن أفكر حتى لحظة معينة ثم أقرر وأتحمل المسئولية.

- وفى موضوع الفصل بقرارات..

أتذكر أننى ذهبت إليه فى حادثتين تصادف أننى أعرف أبطالهما، ومع أننى كنت أوثر إغفال الأسماء منعاً لأى حرج فإنى أجازف وأحدد الأسماء حتى أقطع الشك باليقين.

أتذكر أننى ذهبت إليه مرة بعد إحالة السفير "حسين عزيز" الذى كان وكيلاً لوزارة الخارجية إلى المعاش بقرار مفاجئ.

وكنت واحداً من المعجبين "بحسين عزيز" أراه سفيراً قديراً شديد الجلد على العمل.

وقلت لجمال عبد الناصر:

- أليس غريباً أن يحال رجل مثل حسين عزيز على المعاش بغير سبب؟

وفوجئت به يقول:

- "لقد وافقت على القرار وكان له سببه".

وكان السبب رسالة من "جواهر لال نهرو" رئيس وزراء الهند وقتها يقول فيها:

إنه قرأ تقريراً لسفير الهند فى القاهرة عن مقابلةً له مع وكيل وزارة الخارجية المصرية ورأى أن وكيل الخارجية المصرية فى حديثه مع سفير الهند أبدى آراء متعارضة مع سياسة مصر كما يفهمها هو..

بل أن وكيل الخارجية كان قاسياً فى نقده لخطوط السياسة المصرية وكان فى حديثه يعرض بها صراحةً.

وكان رأى "نهرو" أن مصر لابد أن تتحدث بصوتٍ واحد، وأنه لا يهمه أن ذلك الحديث كان مع سفير الهند وهو سفير دولة صديقة ولكنه يخشى من مثل ذلك مع سفراء دول أخرى ليست صديقة وليست متفهمة للسياسة المصرية.

وقال لى جمال عبد الناصر بعدها:

- إذا كان لديه اعتراض على السياسة المصرية فقد كان يجب أن يتحدث فى ذلك مع وزيره الدكتور محمود فوزى. وإذا لم يقتنع له بعد حديثه مع الدكتور فوزى فقد كان عليه أن يطلب نقله من منصبه أو يستقيل.

أما أن يرسم بنفسه سياسة تختلف عن سياسة الحكومة وينتقدها مع سفير أجنبى فهذا ما لا يمكن قبوله.

وبصرف النظر عن الصواب والخطأ فقد كان ذلك هو الجو الذى تصرف فيه والمنطق الذى تصرف منه.

والغريب أن "حسنى عزيز" فى عهد جمال عبد الناصر لجأ إلى مجلس الدولة، وصدر له حكم بإعادته إلى الخدمة.

ولم يكن فى استطاعة الحكومة أن تقدم السبب الحقيقى لمجلس الدولة لأن ذلك كان من شأنه إفشاء أسرار مراسلات بين عبد الناصر و"نهرو"!

وأما الحادثة الثانية فقد كان بطلها السيد "أحمد أبو العلا" نائب محافظ البنك المركزى وقد صدر له هو الآخر قرار بإحالته على المعاش.

وكنت أعتبر "أحمد أبو العلا" واحداً من أذكى الاقتصاديين فى مصر وكانت دهشتى شديدة لقرار إحالته على المعاش ومرة أخرى فتحت موضوعه مع جمال عبد الناصر.

كان يعرف بالقرار وكان قد وافق عليه.

والسبب أن أحد المسئولين فى السفارة البريطانية كان موضوعاً تحت الرقابة لأسباب معينة.

وذات مرة فى سجلات المراقبة عليه وردت تفاصيل مكالمة تليفونية له مع "أحمد أبو العلا" وخلال الحديث بينهما على التليفون قال المسئول البريطانى:

- "إن معلوماتنا أن حالتكم الاقتصادية سيئة... معلوماتنا أن أرصدتكم من النقد الأجنبى لم تعد تزيد الآن على عشرة ملايين جنيه"..

وجاء رد أحمد أبو العلا:

- "الموقف أسوأ من ذلك... أمامى الآن آخر التقارير عن أوضاعنا.. رصيدنا الآن لا يزيد على مليونين وربع"!

وبمعرفتى "بأحمد أبو العلا" فلقد تصورت أنه شارك فى الحديث كله بحسن نية، وأن رده لم يكن إفشاء لسر دولة وإنما كان نوعاً من "الدردشة الاجتماعية" ولكن جمال عبد الناصر كان له رأياً آخر.

وسواء اتفقت أو اختلفت معه فقد كان ذلك هو الجو الذى تصرف فيه، والمنطق الذى تصرف منه.

- أصل إلى موضوع التعذيب.

أتذكر أننى كنت أول من ذهب إلى جمال عبد الناصر بقصة ما حدث للدكتور "شهدى عطية" فى أحد السجون المصرية فقد ضربه أحد سجانيه بقدمه، وجاءت الضربة فى موضع أدى إلى وفاته.

وكان "شهدى عطية" من أصدق وأخلص أقطاب الحركة الشيوعية فى مصر.

وأشهد أن ثورة جمال عبد الناصر على ما سمع منى كانت ثورة عارمة.

رفع سماعة التليفون واتصل بوزير الداخلية وقتها وروى له ما سمع منى ثم أضاف بالحرف تقريباً:

- "إذا كان ذلك يمكن أن يحدث فى عهد الثورة فالأشرف والله أن"نفضَّها" ونعود إلى بيوتنا.. والله يصبح عهد الملك فاروق أحسن.

وطلب جمال عبد الناصر تحقيقاً وطلب حساباً.

وكان مدير مصلحة السجون نفسه أول الضحايا، فقد أحيل إلى المعاش بعد ثلاثة أيام.

وأتذكر أن الدكتور "عبد المنعم الشرقاوى" جاءنى بقصة ما حدث له أثناء اعتقاله، واتصلت بجمال عبد الناصر أروى له ما سمعته وأقول بعده:

- "إننى أنوى نشر القصة فمثل هذا لا يمكن السكوت عليه".

وقال جمال عبد الناصر على الفور:

- بيدك الحق.. انشر حتى يعرف هؤلاء جميعاً أنه ليست هناك حكاية لأحد فوق القانون".

أروى هذه الوقائع كلها وأتذكر واقعة واحدة تشملها جميعاً.

أتذكر أن الأستاذ توفيق الحكيم جاءنى ذات يوم بقصة كتبها تحت عنوان "بنك القلق" وقال لى الأستاذ توفيق الحكيم وهو يسلمنى القصة:

- "ليست قصة للنشر.. ولكن لتقرأها فقط".

وقرأت القصة وكانت نقداً شديداً لكل أوضاع تجاوز السلطة... المخابرات.. والاعتقالات.. والحراسات، إلى آخره.

وقررت أن أنشر.

وصدر الفصل الأول من القصة فعلاً وقامت القيامة.

واتصل بى جمال عبد الناصر يقول لى:

إنه لم يقرأ ما نشرناه من قصة الأستاذ "توفيق الحكيم" ويطلب منى عند ذهابى إليه نسخة مما نشر لكى يقرأها لأن كثيرين احتجوا لديه على نشرها.

وذهبت إليه بما نشرناه وكان عبد الحكيم عامر معه. ولم أكد أدخل حيث كانا حتى راح عبد الحكيم يهاجم نشر القصة ويطلب وقف بقية فصولها "لأنهم جميعاً يعتبرنها تعريضاً بهم".

وقلت له:

من الغاضبون؟

وذكر أسماء رجال أقوياء على قمة أجهزة الأمن وقتها.

وأمسك جمال عبد الناصر بفصل القصة المنشور الذى جئته به معى، وقال لعبد الحكيم عامر:

- "انتظر حتى أقرأها".

وراح يقرأ وعبد الحكيم عامر ينظر إلى بين الوقت والآخر ويهز رأسه رفضاً، وأنا أهز له رأسى أن انتظر.

وفرغ جمال عبد الناصر من قراءته ثم التفت إلى يقول:

- إنها "قاسية".

وقفز عبد الحكيم عامر إلى الفرصة يقول:

- "يجب وقف نشرها...".

والتفت إلى ناحية جمال عبد الناصر فإذا هو يقول بصدق وأصالة:

- "... إن توفيق الحكيم استطاع فى العهد الملكى أن ينقد المجتمع المصرى فى كتابه "يوميات نائب فى الأرياف" ولا أتصور فى عهد الثورة أنه لا يستطيع أن ينقد ما يراه مستحقاً للنقد فى حياتنا".

ونشرت القصة كاملة.. حلقات بعد حلقات.

إلى أين أصل من هنا؟

أصل لكى أقول لكم نعم حدثت تجاوزات.

ونعم كان هناك جو ومنطق وراء التصرفات.

ونعم كان هناك الخطأ والصواب.

ولكن الطريق السليم لمعرفة الحقيقة هو التحقيق فى كل حالة... واحدة بعد واحدة.

ولست أطالب بذلك إنصافاً لجمال عبد الناصر.

ولكنى أطلبه إنصافاً للضمير المصرى، لكى لا نحمل الشعب المصرى "عقدة ذنب" كتلك التى تحملها الشعب الألمانى حينما سأل نفسه بعد الحرب العالمية الثانية قائلاً:

-"وأين كنا نحن حينما كان ذلك يجرى تحت أعلام النازى؟".

إن الشعب المصرى لا ينبغى تحميله "بعقدة ذنب" تضاف إلى أثقاله إلا إذا كان مطلوباً كهدف تقييد حركة الشعب المصرى "بعقدة ذنب" تصده مستقبلاً عن طلب الحرية الاجتماعية لأن ثمنها على الحرية السياسية باهظ وفادح!!

105724557.jpg

ألام على هواك وليس عدلا ................ إذا أحببت مثلك أن ألاما

رابط هذا التعليق
شارك

الحديث الخامس: قصة التجاوزات والاعتقالات والحراسات والفصل التعسفى

كان عبد الناصر بطبيعته ينفر من العنف..

وأظن أن الحملة الدائرة فى مصر ضده الآن تشهد له بذلك على غير قصد من أصحابها.

تشهد له بأنه تصرف كإنسان يصيب ويخطئ ولكنه كان عزوفاً عن سفك الدماء باسم الثورة أو حتى طلباً لحمايتها.

وفى معركته مع الطبقة التى كان لها احتكار الثروة والسلطة فى مصر فلقد قصد إلى تصفية امتيازات الطبقة ولكنه رفض تصفية أفرادها كبشر.

وبقى هؤلاء فى الانتظار حتى واتتهم الفرصة بعد رحيله، فتحالفوا مع عناصر وقوى جديدة ضالعة وطامعة ثم اندفعوا جميعاً إلى هجوم مضاد على الثورة كلها وعليه كرمز لها وشنوا عاصفة الخماسين المثقلة برمال الأحقاد الصفراء والأتربة السوداء التى تهب على مصر الآن فى محاولة لتغطية وجه الشمس!

ولقد شهد أنور السادات فى حديث له أن جمال عبد الناصر وقف فى أول يوم من الثورة ضد محاكمة الملك وإعدامه، وأنه وحده بعد ذلك - وضد رأى كل أعضاء مجلس قيادة الثورة - رفض فكرة الدكتاتورية العسكرية وكان غيره يراها وسيلة للإصلاح السريع!

وأشهد أن أنور السادات قال الحق بذلك ولم يتجن على أحد.

وأتذكر مثلاً قصة الملك فاروق.

أتذكر مثلا جمال عبد الناصر وهو يتحدث فى اجتماع لمجلس الثورة صباح يوم 26 يوليو 1952 وهو يقول بمنطق بسيط:

- "ما معنى أن نحاكم الملك ونعدمه؟

أولاً - إذا كنا قد قررنا سلفاً أن نعدمه فلماذا نحاكمه!"

ويستطرد بعد ذلك بصوت مشحون بالعاطفة:

- "اسمعوا.. إنى أقول لكم جميعاً أن الدم لا يؤدى إلا إلى المزيد من الدم.

هل قرأتم كتاب "تشارلز ديكنز" "قصة مدينتين" علينا أن نتعلم درس الثورة الفرنسية وإلا ما فائدة التاريخ.

وأتذكره وهو يتحدث عن رفضه للدكتاتورية العسكرية ويقول:

- "لا نستطيع فى نَفَس واحد أن نتحدث عن "الثورة" و"الدكتاتورية العسكرية" هذا شىء، وذلك شىء آخر.

الثورة بالشعب والدكتاتورية فوقه، وعلينا أن نقرر هل نحن مع الشعب أم نحن "جماعة تركب على نَفَسه" وتسيره حيث تريد بصرف النظر عن إرادته؟".

ومع ذلك فلا بد أن أسلم أن عصر جمال عبد الناصر اتسم باعتماد أكثر مما يجب على السلطة، ثم أن فشله الكبير كان التنظيم الشعبى.

ولقد تعرضت لبعض الأسباب فى ذلك.. مرات أقول:

- فيما يتعلق بالدور الزائد للسلطة فى عهده فلابد أن نتذكر أن جمال عبد الناصر عاش عصر الحرب الباردة، حين كانت اعتبارات الأمن الداخلى هى نفسها جبهات الحماية الوطنية.

كانت القوى الكبرى التى تستهدف السيطرة على مقدرات الشعوب الصغيرة تحاول غزوها من الداخل، وتحاول العدوان عليها بغير وسائل القوى المباشرة.

وهكذا كانت الجبهات الداخلية للشعوب، وليس حدودها الدولية هى الجبهات الأكثر تعرضاً للهجوم!

ووثائق المخابرات الأمريكية المنشورة الآن تأكيد لهذه الحقيقة.

وهكذا أصبحت الصراعات الخفية طابع العصر وأصبحت الوسائل السرية من أهم القوى المحركة للحوادث.

وتصاعد دور أجهزة الأمن والمخابرات.

- وفيما يتعلق بالتنظيم الشعبى فإن بعض العذر مرده إلى أن القوى التى بدأت الثروة والسلطة فى الانتقال إليها لم تكن على استعداد للانتقال بسرعة من العجز الكامل إلى القدرة الكاملة وكان لابد أن تمر مرحلة انتقال تنمو فيها وتتمركز مواقع العمل الجماهيرى المنظمة.

وأتذكر مرة كنت فيها معه فى سيارة يقودها على طريق "برج العرب" فى الصحراء الغربية.

وتوقف عند جماعة من عمال التراحيل يعملون فى إصلاح جانب من الطريق، ونزل إليهم ووقف وسطهم، وراح يتحدث معهم.

وحين عدنا إلى السيارة وأدار مفتاحها وانطلق بها على الطريق وجدته يهز رأسه ويقول:

- مثل هؤلاء هم الأغلبية فى مصر.. وهم التحدى الحقيقى فى مصر..

لا تتصور أن مشكلة مصر هناك فى واجهة القاهرة الحديثة.. كل ما هنالك فى هذه الواجهة قشرة..."

ثم استطرد:

- الكارثة أن هؤلاء الذين نريد أن نعمل من أجلهم لا يصل إليهم صوتنا.. لا يقرأون جريدة، ولا يملكون راديو أو "تليفزيون".

كيف الوصول إلى هؤلاء وتحريكهم..؟ لا أعرف؟!".

وطال صمته بعدها.

والمشكلة حتى عند الذين يصل إليهم، أنه كان يلغى بقوة شخصيته وبالثقة الجماهيرية فيه دور التنظيم الشعبى لأنه كان يتجاوزه..

تعود الناس أن ينتظروا كلمته، ويستجيبوا بالحركة معها.

ويجد التنظيم نفسه معزولاً خارج دائرة الاتصال المباشر بين الزعامة الأسطورية وجماهيرها!

ومع ذلك فهل كان التجاوز فى الاعتماد على السلطة إلى هذا الحد الذى يقولون عنه اليوم فى مصر ويصفونه بالكلمة وبالصورة؟!

أشهد - أمانةً - على أن ذلك ليس صحيحاً...

ولكن الحملة الموجهة إلى شعب مصر الآن تركز وتركز حتى لا يستطيع أحد أن يفتح فمه قبل أن يبرئ نفسه من أى مسئولية..

ويبدأ بإدانة التجاوزات كلها جملةً وتفصيلاً ثم يروح بعد ذلك - إذا شاء - فيدافع عن الحقيقة على استحياء، وذلك فى حد ذاته يثبت فى الأذهان أن الاتهام أصيل وأن الدفع فرعى.

وأعتقد أن السكوت على ذلك نوع من القبول بالتشهير - وإذا كنت لا أقبل لنفسى أن أسكت إزاءه - فإنه يشجعنى أن السجل فيما يتعلق بى واضحٌ ومعروف.

لقد تصديت لتجاوزات السلطة فى وقتها، ولم ألزم السكوت حتى اليوم لأتكلم.

وكانت لى سلسلة مقالات فى حياة جمال عبد الناصر نقدت فيها دور أجهزة الأمن تحت عنوان: "زوار الفجر" وكان ذلك تعبيرى الذى شاع وابتذل فيما بعد!

وقعت فى مشاكل عويصة حينما انتقدت كتابة ما تعرض له بعض المعتقلين من الإخوان المسلمين فى السجن سنة 1956، واتصل بى جمال عبد الناصر يقول لى:

"إننى كنت قاسياً فيما كتبت، وأن شمس الدين بدران الذى كان يشرف على تحقيقات الإخوان المسلمين وقتها غضب وقدم استقالته".

واستطرد عبد الناصر يقول:

- إن شمس الدين بدران يقوم بدورٍ كبير فى النظام، وقد ضايقه أن تهاجمه بهذا الشكل، وقد كلفت عبد الحكيم عامر بأن يدعوكما أنتما الاثنان اليوم لتسوية المشكلة".

وكتبت وألححت على صفحات "الأهرام" وعلى شاشات التليفزيون أدعو وألحّ فى الدعوة إلى مجتمع مفتوح يسود فيه القانون ويعرف كل مواطن حدود المسموح به له والمحظور عليه سلفاً حتى لا تنقض عليه المفاجآت من المجهول.

أقول ذلك اليوم لا لأتباهى به ولكن لكى يكون واضحاً أن الذين سكتوا - حتى جاء الموت - إزاء قضية الحرية فى مصر لا يحق لهم أن يُزايدوا على الذين لم يسكتوا من قبل أن يجىء الموت!!

ومع ذلك فكيف نبحث عن الحقيقة؟

كيف نعرف أنها كانت كما يصفون، أو أكثر مما يصفون أو أقل مما يصفون؟

السبيل الوحيد، وقد ناديت به على هذه الصفحات فى شهر يوليو الماضى، أن يكون هناك تحقيق فى كل الحالات التى حدث فيها تجاوز للسلطة.

تحقيق فى ظروفها وفى وقائعها، وفى تفاصيلها، يمسك بها جميعاً واحدة ويستجلى فيها وجه الحق وينصف كل مظلوم ويحاسب كل ظالم.

أليس ذلك أجدى؟..

أليس هو أجدى من إطلاق الأوصاف والنعوت شائعة، ومن إطلاق التهم معممة، ومن إطلاق الأحكام بغير حيثيات وبغير فرص لنقضها؟

أليس ذلك أجدى؟

ثم أليس هو الحق؟

ولقد سُئلت كثيراً فى مصر:

- هل كان جمال عبد الناصر يعرف أو أن هذا كله كان خافياً عليه؟

وكنت أقول:

- قبل أن نستعمل تعبير "هذا كله" أليس واجباً علينا أولاً تحديد وتوصيف "هذا كله"؟

ثم كنت أقول:

- "نعم لقد حدثت تجاوزات.

نعم لقد وصل عدد المعتقلين فى مصر فى وقت من الأوقات إلى قرابة خمسة آلاف معتقل.

نعم لقد فصل بعض الناس من عملهم بقرارات صدرت.

نعم لقد عذب بعض الناس فى سجون مصر.

نعم حدث ذلك.

ولست واحداً من الذين يرضون الدفاع عن ذلك بالقول مثلاً:

إن عدد المعتقلين فى مصر وصل إلى خمسة آلاف فى وقت من الأوقات... لقد وصل عدد المعتقلين فى الهند - مثلاً - فى وقت من الأوقات إلى أربعمائة ألف!

ولست واحداً من الذين يرضون الدفاع عن ذلك بالقول مثلاً:

لقد فتح الباب على مصراعيه لقضايا التعويض عن التعذيب، بل وحُرض بعضهم لكى يتقدموا تحريضاً، ومع ذلك فإن عدد كل قضايا التعويض عن التعذيب لم تزد على ثلاثمائة قضية منها ثلاث عشرة فى المخابرات معظمها فى قضايا جاسوسية!

ولست واحداً من الذين يرضون الدفاع عن ذلك بالقول مثلاً:

كم كان عدد الذين فصلوا بقرارات؟...لم يزيدوا عن مائتين!

ثم إننى لست واحداً من الذين يرضون بالدفاع عن ذلك فى جملته بالقول مثلاً:

لقد كان حجم ذلك كله - من عدم موافقتنا عليه - هيناً إذا أخذت فى الحساب فترة عشرين سنة حافلة بالتغييرات الاجتماعية والاقتصادية.

إن بعض العنف كان حتمياً - مهما كان مكروهاً - خصوصاً فى عملية استرداد ثروات ضخمة بالإصلاح الزراعى أو التأميم.

هذه كلها عمليات لا يمكن تحقيقها بالإقناع والاقتناع الديمقراطى.

ذلك كله لست على استعداد لقبوله على علاّته.

اعتقال إنسان واحد من غير حق، وتعذيب إنسان واحد مهما كانت الظروف بينما هو فى قبضة سلطة الدولة، وحرمان إنسان واحد من عمله بغير تحقيق - أشياء كلها كئيبة، وكلها مرفوضة، وكلها يجب أن تكون موضع حساب.

موضع حساب، يجرى بعد تحقيق!

هل كان جمال عبد الناصر يعرف؟

وردى هو:

نعم عرف فى بعض المرات، وسوف أروى نماذج لذلك فى حدود ما رأته عيناى!

وقبل أن أدخل فى تفاصيل أية وقائع فلا بد أن نتفق على شىء.

ذلك هو أن جمال عبد الناصر كان إنساناً طبيعياً، لا هو مجنون كـ "نيرون" الذى حرق "روما" وراح يغنى على أطلالها، ولا هو مثل بطل قصة "دراكولا" مصاص دماء!

ثم إنه كان إنساناً يكره العنف والتسلط، وتلك شهادة أنور السادات فيه سواء فى قصة الملك فاروق أو فى قصة الدكتاتورية العسكرية.

ثم أنه كان إنساناً يعرف حدود السلطات التى تمسك بها يداه ويستشعر مسئوليته بها، وكثيراً ما سمعته يقول:

- "لا أتخذ قراراً إذا انفعلت.. إذا أحسست بذلك فأننى أنام الليل على قرارى، ذلك أنه يمثل السلطات التى لدى، فإننى لا أملك ولا أتحمل أن أتصرف بانفعال".

ما هو معنى ذلك كله؟

معناه أنه يجب أن نفترض أن جمال عبد الناصر إذا أشار بتصرف أو سكت على تصرف فإنه يفعل ذلك بناء على معلومات حقيقية لديه أو معلومات يتصور أنها حقيقية لديه.

أنتقل بعد ذلك إلى الوقائع.

- أبدأ بمسألة الاعتقالات.

أتذكر أننى فى صيف 1965 - وهى الفترة التى وصل فيها عدد المعتقلين إلى قرابة خمسة آلاف - أننى ذهبت إلى جمال عبد الناصر أقول له:

- إن معلوماتنا فى "الأهرام" تقول أن عدد المعتقلين خلال الشهر الأخير قد زاد على خمسمائة معتقل..

وكان رده:

- لقد وصلوا الآن إلى سبعمائة مع الأسف، وأنا أعرف، ولكن ماذا أفعل؟

لقد كان بين خطط التنظيم السرى الذى قبض على قيادته خطط بنسف كبارٍ أو جسور والقيام بعملية اغتيالات بالجملة.

ولقد وافقت على اعتقالات واسعة أخذاً بالأحوط لأنى لا أستطيع أن أقبل بنسف كبارٍ أو جسور..

ثم أن "البلد" لا يستطيع فى هذه الظروف أن يتحمل احتكام بعض الناس إلى المسدس يغتالون به من يخالفونهم فى الرأى..".

ولاحظ هو ترددى.. وكان قوله:

- مشكلتى أننى لا أستطيع أن أتردد:

أنت كصحفى تستطيع أن تفكر من اليوم إلى الأبد.

ولكن مسئوليتى عن "البلد" تحتم على أن أفكر حتى لحظة معينة ثم أقرر وأتحمل المسئولية.

- وفى موضوع الفصل بقرارات..

أتذكر أننى ذهبت إليه فى حادثتين تصادف أننى أعرف أبطالهما، ومع أننى كنت أوثر إغفال الأسماء منعاً لأى حرج فإنى أجازف وأحدد الأسماء حتى أقطع الشك باليقين.

أتذكر أننى ذهبت إليه مرة بعد إحالة السفير "حسين عزيز" الذى كان وكيلاً لوزارة الخارجية إلى المعاش بقرار مفاجئ.

وكنت واحداً من المعجبين "بحسين عزيز" أراه سفيراً قديراً شديد الجلد على العمل.

وقلت لجمال عبد الناصر:

- أليس غريباً أن يحال رجل مثل حسين عزيز على المعاش بغير سبب؟

وفوجئت به يقول:

- "لقد وافقت على القرار وكان له سببه".

وكان السبب رسالة من "جواهر لال نهرو" رئيس وزراء الهند وقتها يقول فيها:

إنه قرأ تقريراً لسفير الهند فى القاهرة عن مقابلةً له مع وكيل وزارة الخارجية المصرية ورأى أن وكيل الخارجية المصرية فى حديثه مع سفير الهند أبدى آراء متعارضة مع سياسة مصر كما يفهمها هو..

بل أن وكيل الخارجية كان قاسياً فى نقده لخطوط السياسة المصرية وكان فى حديثه يعرض بها صراحةً.

وكان رأى "نهرو" أن مصر لابد أن تتحدث بصوتٍ واحد، وأنه لا يهمه أن ذلك الحديث كان مع سفير الهند وهو سفير دولة صديقة ولكنه يخشى من مثل ذلك مع سفراء دول أخرى ليست صديقة وليست متفهمة للسياسة المصرية.

وقال لى جمال عبد الناصر بعدها:

- إذا كان لديه اعتراض على السياسة المصرية فقد كان يجب أن يتحدث فى ذلك مع وزيره الدكتور محمود فوزى. وإذا لم يقتنع له بعد حديثه مع الدكتور فوزى فقد كان عليه أن يطلب نقله من منصبه أو يستقيل.

أما أن يرسم بنفسه سياسة تختلف عن سياسة الحكومة وينتقدها مع سفير أجنبى فهذا ما لا يمكن قبوله.

وبصرف النظر عن الصواب والخطأ فقد كان ذلك هو الجو الذى تصرف فيه والمنطق الذى تصرف منه.

والغريب أن "حسنى عزيز" فى عهد جمال عبد الناصر لجأ إلى مجلس الدولة، وصدر له حكم بإعادته إلى الخدمة.

ولم يكن فى استطاعة الحكومة أن تقدم السبب الحقيقى لمجلس الدولة لأن ذلك كان من شأنه إفشاء أسرار مراسلات بين عبد الناصر و"نهرو"!

وأما الحادثة الثانية فقد كان بطلها السيد "أحمد أبو العلا" نائب محافظ البنك المركزى وقد صدر له هو الآخر قرار بإحالته على المعاش.

وكنت أعتبر "أحمد أبو العلا" واحداً من أذكى الاقتصاديين فى مصر وكانت دهشتى شديدة لقرار إحالته على المعاش ومرة أخرى فتحت موضوعه مع جمال عبد الناصر.

كان يعرف بالقرار وكان قد وافق عليه.

والسبب أن أحد المسئولين فى السفارة البريطانية كان موضوعاً تحت الرقابة لأسباب معينة.

وذات مرة فى سجلات المراقبة عليه وردت تفاصيل مكالمة تليفونية له مع "أحمد أبو العلا" وخلال الحديث بينهما على التليفون قال المسئول البريطانى:

- "إن معلوماتنا أن حالتكم الاقتصادية سيئة... معلوماتنا أن أرصدتكم من النقد الأجنبى لم تعد تزيد الآن على عشرة ملايين جنيه"..

وجاء رد أحمد أبو العلا:

- "الموقف أسوأ من ذلك... أمامى الآن آخر التقارير عن أوضاعنا.. رصيدنا الآن لا يزيد على مليونين وربع"!

وبمعرفتى "بأحمد أبو العلا" فلقد تصورت أنه شارك فى الحديث كله بحسن نية، وأن رده لم يكن إفشاء لسر دولة وإنما كان نوعاً من "الدردشة الاجتماعية" ولكن جمال عبد الناصر كان له رأياً آخر.

وسواء اتفقت أو اختلفت معه فقد كان ذلك هو الجو الذى تصرف فيه، والمنطق الذى تصرف منه.

- أصل إلى موضوع التعذيب.

أتذكر أننى كنت أول من ذهب إلى جمال عبد الناصر بقصة ما حدث للدكتور "شهدى عطية" فى أحد السجون المصرية فقد ضربه أحد سجانيه بقدمه، وجاءت الضربة فى موضع أدى إلى وفاته.

وكان "شهدى عطية" من أصدق وأخلص أقطاب الحركة الشيوعية فى مصر.

وأشهد أن ثورة جمال عبد الناصر على ما سمع منى كانت ثورة عارمة.

رفع سماعة التليفون واتصل بوزير الداخلية وقتها وروى له ما سمع منى ثم أضاف بالحرف تقريباً:

- "إذا كان ذلك يمكن أن يحدث فى عهد الثورة فالأشرف والله أن"نفضَّها" ونعود إلى بيوتنا.. والله يصبح عهد الملك فاروق أحسن.

وطلب جمال عبد الناصر تحقيقاً وطلب حساباً.

وكان مدير مصلحة السجون نفسه أول الضحايا، فقد أحيل إلى المعاش بعد ثلاثة أيام.

وأتذكر أن الدكتور "عبد المنعم الشرقاوى" جاءنى بقصة ما حدث له أثناء اعتقاله، واتصلت بجمال عبد الناصر أروى له ما سمعته وأقول بعده:

- "إننى أنوى نشر القصة فمثل هذا لا يمكن السكوت عليه".

وقال جمال عبد الناصر على الفور:

- بيدك الحق.. انشر حتى يعرف هؤلاء جميعاً أنه ليست هناك حكاية لأحد فوق القانون".

أروى هذه الوقائع كلها وأتذكر واقعة واحدة تشملها جميعاً.

أتذكر أن الأستاذ توفيق الحكيم جاءنى ذات يوم بقصة كتبها تحت عنوان "بنك القلق" وقال لى الأستاذ توفيق الحكيم وهو يسلمنى القصة:

- "ليست قصة للنشر.. ولكن لتقرأها فقط".

وقرأت القصة وكانت نقداً شديداً لكل أوضاع تجاوز السلطة... المخابرات.. والاعتقالات.. والحراسات، إلى آخره.

وقررت أن أنشر.

وصدر الفصل الأول من القصة فعلاً وقامت القيامة.

واتصل بى جمال عبد الناصر يقول لى:

إنه لم يقرأ ما نشرناه من قصة الأستاذ "توفيق الحكيم" ويطلب منى عند ذهابى إليه نسخة مما نشر لكى يقرأها لأن كثيرين احتجوا لديه على نشرها.

وذهبت إليه بما نشرناه وكان عبد الحكيم عامر معه. ولم أكد أدخل حيث كانا حتى راح عبد الحكيم يهاجم نشر القصة ويطلب وقف بقية فصولها "لأنهم جميعاً يعتبرنها تعريضاً بهم".

وقلت له:

من الغاضبون؟

وذكر أسماء رجال أقوياء على قمة أجهزة الأمن وقتها.

وأمسك جمال عبد الناصر بفصل القصة المنشور الذى جئته به معى، وقال لعبد الحكيم عامر:

- "انتظر حتى أقرأها".

وراح يقرأ وعبد الحكيم عامر ينظر إلى بين الوقت والآخر ويهز رأسه رفضاً، وأنا أهز له رأسى أن انتظر.

وفرغ جمال عبد الناصر من قراءته ثم التفت إلى يقول:

- إنها "قاسية".

وقفز عبد الحكيم عامر إلى الفرصة يقول:

- "يجب وقف نشرها...".

والتفت إلى ناحية جمال عبد الناصر فإذا هو يقول بصدق وأصالة:

- "... إن توفيق الحكيم استطاع فى العهد الملكى أن ينقد المجتمع المصرى فى كتابه "يوميات نائب فى الأرياف" ولا أتصور فى عهد الثورة أنه لا يستطيع أن ينقد ما يراه مستحقاً للنقد فى حياتنا".

ونشرت القصة كاملة.. حلقات بعد حلقات.

إلى أين أصل من هنا؟

أصل لكى أقول لكم نعم حدثت تجاوزات.

ونعم كان هناك جو ومنطق وراء التصرفات.

ونعم كان هناك الخطأ والصواب.

ولكن الطريق السليم لمعرفة الحقيقة هو التحقيق فى كل حالة... واحدة بعد واحدة.

ولست أطالب بذلك إنصافاً لجمال عبد الناصر.

ولكنى أطلبه إنصافاً للضمير المصرى، لكى لا نحمل الشعب المصرى "عقدة ذنب" كتلك التى تحملها الشعب الألمانى حينما سأل نفسه بعد الحرب العالمية الثانية قائلاً:

-"وأين كنا نحن حينما كان ذلك يجرى تحت أعلام النازى؟".

إن الشعب المصرى لا ينبغى تحميله "بعقدة ذنب" تضاف إلى أثقاله إلا إذا كان مطلوباً كهدف تقييد حركة الشعب المصرى "بعقدة ذنب" تصده مستقبلاً عن طلب الحرية الاجتماعية لأن ثمنها على الحرية السياسية باهظ وفادح!!

105724557.jpg

ألام على هواك وليس عدلا ................ إذا أحببت مثلك أن ألاما

رابط هذا التعليق
شارك

الحديث السادس: نيران الصراع الطبقى من أشعلها فى مصر

ويتهم جمال عبد الناصر بين ما يتهم به اليوم فى مصر أنه أشعل نيران الصراع الطبقى فى مصر، وأثار الحقد والبغضاء والحسد بين الأغنياء والفقراء، فلم يصبح هؤلاء آمنين بما رزقهم الله، ولا أصبح أولئك راضين بالقسمة والنصيب!

وتثير هذه التهمة -!- سؤالين:

- هل الصراع الطبقى فى مصر - أو فى غير مصر- ظاهرة اخترعها جمال عبد الناصر ولفقها؟ أم أن الصراع الطبقى باعتراف الدنيا كلها - غرباً وشرقاً - واحد من أهم عوامل الحركة التاريخية وقانون من قوانينها؟

- وهل كانت مصر - قبل جمال عبد الناصر - آمنة سالمة من تفاعلات الصراع الطبقى كأنها لؤلؤة فى صدفة مغلقة نائمة مع أحلامها فى أعماق البحر بعيدة عن العالم وعن التاريخ؟! أم أن الصورة الحقيقية كانت أبعد ما تكون عن هذه اللوحة من لوحات السلام الأبدى؟!

الرد على هذين السؤالين:

صورة واحدة هى صورة القاهرة المحترقة فى مساء يوم 26 يناير 1952.

كانت العاصمة التى أكل اللهيب قلبها وحوله إلى أنقاض متداعية ورماد - هى التصوير البشع لحدة الصراع الطبقى فى مصر وضراوته.

وبصرف النظر عن الفاعل المجهول الذى أشعل الشرارة الأولى فى هذا الحريق فإن الجماهير المحرومة هى التى تولت بعد ذلك تزكية النار وتأجيجها إعلاناً لغضبها ورفضها للقسمة والنصيب معتبرة أن الحرمان ليس قدراً خصها الله به، وإنما هو قسر يفرضه عليها القادرون!

ولم يكن حريق القاهرة صورة واحدة، لم تسبقها صور ولم تلحقها صور فى فيلم تطور الحياة الاجتماعية والاقتصادية فى مصر الحديثة.

قبلها كانت هناك صور تمهد للمشهد المخيف فى 26 يناير.

وبعدها كانت هناك صور تتداعى من هذا المشهد وتتواصل بعده.

... وقبلها كانت هناك تراكمات فوق تراكمات.

- النهب الذى حدث للأرض الزراعية فى مصر طوال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين: نهب احتكرته الأسرة المالكة فى البداية، ثم أباحت نصيباً منه للمرابين الأجانب، ثم سمحت لطبقة مصرية معينة أن تشاركها فى جزء منه فى ظروف كلها قابلة للطعن محاطة بما يستوجب الريب والشكوك.

- قيام اقتصاد تجارى وصناعى ناشئ ومحدود فى مصر - على أساس فائض مدخرات الملكية الزراعية وفى يد أصحابها - وكان هذا الاقتصاد عاجزاً بسبب ارتباطه بالمصالح الأجنبية الكبرى خصوصاً فى أوروبا..

- وذلك عن طريق البنوك وشركات التأمين والتجارة الخارجية فى الصادرات والواردات وكانت كلها فى يد مجموعات الإنجليز والفرنسيين والسويسريين والبلجيك - الأمر الذى دعا اقتصادياً بارزاً كالدكتور عبد الجليل العمرى الذى تولى وزارة المالية بعد الثورة أن يقول فى وصف الحالة:

- "لقد كان الاقتصاد المصرى كبقرة ترعى فى أرض مصر ولكن ضروعها كانت كلها تحلب فى خارجها".

* تفاقمت الأوضاع الاجتماعية فى ظروف الحرب العالمية الثانية وذلك بأرباح السوق السوداء فى يد جماعات من "الشطار" انتهزوا الفرصة السانحة وضاعفوا وسط ظلام الحرب أرباحهم وثرواتهم.

ثم زادت الحالة تفاقماً فى السنتين السابقتين على ثورة 1952 لأن قيام الحرب الكورية واندفاع الولايات المتحدة إلى تكديس مخزون من المواد الاستراتيجية تحسباً لقيام حرب عالمية - رفع أسعار القطن وذهبت الأرباح كلها إلى أيدى السماسرة والمضاربين وشركائهم على قمم السلطة وفى قيادات الأحزاب.

- وعبّرت التناقضات الاجتماعية المتزايدة فى حدتها عن نفسها بسنوات من القلق فى مصر امتدت من وسط الحرب العالمية الثانية سنة 1942 إلى منتصف سنة 1952، وكان القلق شاملاً للمدينة وللريف فى مصر طوال عشر سنوات مشدودة ومتوترة.

فى المدينة تلاحقت حوادث الاغتيال السياسى لرؤساء الوزارات - أحمد ماهر ومحمود فهمى والنقراشى مثلاً - وباغتيال الوزراء والشخصيات - أمين عثمان والشيخ حسن البنا مثلاً - وباغتيال مسئولى الأمن بل ومسئولى القانون - سليم زكى حكمدار القاهرة والقاضى أحمد الخازندار الذى أصدر أحكاماً فى قضايا كان المتهمون فيها من الإخوان المسلمين مثلاً - وفوق ذلك كانت القنابل تدوى فى دور السينما وفى أماكن السهر واللهو وفى الشوارع تصيب أول عابر سبيل!

فى الريف كانت النار تحت الرماد وكانت تهب أحياناً فيعلو لهيبها حريقاً فى قصور كبار الملاك كما حدث فى قصر البدراوى فى "بهوت"، وكما حدث فى دائرة الأمير محمد على ولى العهد فى ذلك الوقت - على سبيل المثال.

- ثم كانت مذبحة البوليس فى الإسماعيلية قبل أيام من حريق القاهرة - مأساة حزينة تكشف عن عجز النظام المصرى كله عن إدارة الصراع الوطنى سواء على الناحية السياسية أو على الناحية الاجتماعية، وسقط صولجان السلطة على الأرض متهالكاً مهزوماً.

واشتعلت عاصمة الدولة واستبيح قلبها المحترق لكل من يريد أن يخطف غنيمة من وسط الركام!

... وبعد الحريق تداعت الصور.

لم تعد المشاهد المتلاحقة تستغرق السنين وإنما أصبح الحساب بالأيام وبالساعات، كأنه سباق زادت سرعة المشتركين فيه بقرب نهاية الشوط، يحس بها الجميع وإن لم يستطع أحد منهم أن يحدد متى تجىء لحظة الحقيقة، لكن الكتابة - كما يقولون - كانت على كل الجدران!

- أعلنت حكومة الوفد فرض الأحكام العرفية مساء يوم 26 يناير 1952 وبعد ساعة واحدة تلقى رئيسها مصطفى النحاس خطاب إقالته بتوقيع الملك فاروق.

* وتشكلت وزارة برئاسة على ماهر لكنه شهر واحد ثم سقطت الوزارة.

- وكلف نجيب الهلالى بتشكيل وزارة جديدة أعلن قيامها على أساس التطهير أولاً ثم التحرير، وبدأ يحقق فى فضائح المضاربات على القطن وبدأ يطالب أحمد عبود باشا بضرائب متأخرة عليه بلغت قيمتها 11 مليون جنيه أوشكت أن تسقط عنه بالتقادم بعد شهر واحد إذا لم يدفعها فعلاً أو لم يطالب أمام المحكمة بدفعها، واختصر أحمد عبود طريقه فدفع للملك فاروق مليون دولار فى سويسرا لكى يخرج نجيب الهلالى قبل أن يستوفيه حق الدولة أو يطالبه أمام المحاكم به فيحفظ بذلك الحق أن يسقط بالتقادم خمس سنوات.

وسقطت وزارة نجيب الهلالى قبل أن تقترب من التطهير أو من التحرير.

- وجىء بحسين سرى وهو عضو دائم فى مجالس إدارات شركات أحمد عبود ليرأس الوزارة ولكن الغليان المكتوم كان يرج المسرح السياسى رجاً وكانت المدافع الرشاشة ما زالت تدوى فى أجواء القاهرة والقنابل تنفجر على أرصفتها، وكانت دقات النبض السياسى للجيش تبدو مسموعة من خلال انتخابات مجلس إدارة نادى الضباط.. حيث سقط كل مرشحى القصر ونجح آخرون بعد أن ساندهم تنظيم سرى فى صفوفه صدرت عنه قبل ذلك وخلاله منشورات باسم "الضباط الأحرار".

- وسقطت وزارة حسين سرى بحركة ارتجاج المسرح السياسى ذاتها وأعيد نجيب الهلالى إلى رئاسة الوزارة مرة أخرى يوم 21 يوليو 1952.

يوم 23 يوليو قامت الثورة.

وجاء جمال عبد الناصر.

جاء جمال عبد الناصر والصراع الطبقى فى مصر على أشده حريقاً ودماً.

لم يشعل ناره إذن ولم يؤجج ضرامه، ولا اخترعه من عنديّاته أو لفق مظاهره تلفيقاً!

بل لعلى أقول أن جمال عبد الناصر فعل عكس ذلك تماماً فقد أطفأ الحريق وحقن الدم - حين وجد صيغة معقولة للتحول الاجتماعى وكانت مفاتيحها على النحو التالى:

1- لقد أدرك أن الصراع الطبقى قانون من قوانين الحركة الاجتماعية لا يمكن إبطال مفعوله ولا تجميد تفاعلاته، وأن للفقراء حقوقاً لا يستطيع الأغنياء حبسها.

2- إن مخاطر الصراع الطبقى تزداد بمقدار ما تتزايد وتتسع الفوارق بين الطبقات، وفى حالة مصر فإن الفجوة شاسعة، ومن ثم فإن الخطر داهم.

3- هناك مأزق يواجه الشعوب النامية الواقعة تحت سيطرة الاستعمار واحتلاله، وهذا المأزق يتمثل فى أنها تحتاج إلى وحدتها الوطنية الكاملة فى مواجهة الاستعمار الخارجى، وفى نفس الوقت فإن الصراع الطبقى داخلها يقطع ويفصل.

وذلك ما عبر عنه جمال عبد الناصر فى فلسفة الثورة فى يناير 1953 فى حديثه عن التصادم بين ضرورات الثورة السياسية ضد الاستعمار وضرورات الثورة الاجتماعية ضد الاستغلال.

4- استطاع جمال عبد الناصر أن يستوعب حقائق عصره، وأول هذه الحقائق أن الحرب الباردة هى فى صميمها صراع بين كتلتين دوليتين كل منهما مسلحة لا بالقنبلة الذرية وحدها، ولكن قبل القنبلة بعقيدة اجتماعية معينة.

وبما أنه ليس هناك جزء فى العالم يستطيع أن ينسلخ عن الكل خصوصاً بثورة التكنولوجيا وبالذات فى مجال المواصلات - إذن فإن الحرب الباردة لا يمكن صدها عند أية حدود دولية... إنها كظواهر الجو لا تعترف بخطوط الأسلاك الشائكة ولا حتى بحقول الألغام.

ثم أن الحرب الباردة تسابق على النفوذ ميدانه الأرض المفتوحة خارج نطاق الكتلتين المعسكرين!

5- إن ترك الصراع الطبقى إلى نهايته سوف يلطخ التراب الوطنى بالنار والدم وسوف يؤدى لا محالة إلى الحرب الأهلية بين الفقراء والأغنياء..

وإذا وقعت الحرب الأهلية فى وطنٍ من الأوطان فى هذا العصر الذى تهب فيه رياح الحرب الباردة، فليس هناك ضمان يحول دون تدويلها، بواسطة التنافس والتسابق بين معسكرين دوليين وكتلتين عالميتين كل منهما فى الحقيقة عقيدة اجتماعية مسلحة.

ومثل ذلك حدث أمام عيون الناس فى أسبانيا.

تفاقمت فيها حدة الصراع الاجتماعى إلى حد الحرب الأهلية، ثم تحولت الحرب الأهلية إلى صراع دولى.. سياسى اجتماعى ميدانه أسبانيا.

واشتعلت أسبانيا كلها بالنار ونزفت دمها سنوات بعد سنوات.

وانتقل مصيرها من يد شعبها فأمسكت به موازين دولية خارج إرادته، ثم نزل الستار على المأساة الأسبانية بسيطرة قوى الفاشية فيها تعبيراً عن أوضاع عالمية لا علاقة للشعب الأسبانى بها.

بهذه المفاتيح فى يده، وبالتجربة والممارسة، وبثقة شعبية أسطورية فيه تأكدت خلال حرب السويس وبانتصارها - توصل جمال عبد الناصر إلى حلٍ جديد جعل من التجربة المصرية كلها ظاهرة بالغة الأهمية فى التحول الاجتماعى بغير عنف دموى، وفى التنمية الاجتماعية عن غير الطريق الرأسمالى.

استطاع أن يصنع شيئاً لا مثيل له فى غير التجربة المصرية... شيئاً أسميناه - وما أظننا شططنا - "بتأميم الصراع الطبقى"!

كانت عناصر هذه التجربة كما يلى:

1- سلطة وطنية تقدمية.

2- هذه السلطة تقوم باسترداد كل المصالح الوطنية المنهوبة للاستغلال الأجنبى (قناة السويس - البنوك - شركات التأمين - التجارة الخارجية، إلى آخره).

3- تتجه هذه السلطة بعد ذلك إلى تصفية مواقع الامتيازات الطبقية التى تراكمت فى ملكية الأراضى الزراعية، وفى ملكية الشركات الصناعية والتجارية التى تعيش على الحماية الجمركية وبألاعيب التحايل على القانون، وفى ملكية الأراضى العقارية.

هكذا صدرت قوانين الإصلاح الزراعى وقوانين تأميم البنوك ثم قوانين التأميم الواسعة فى يوليو 1961، ثم لحقت بها قرارات الحراسة وكانت تستهدف أصلاً مطاردة الثروات الفادحة التى استطاعت أن تفلت من قوانين الإصلاح الزراعى ومن قوانين التأميم فى يوليو 1961.

(ولقد أسلم بوجود بعض التجاوز فى قرارات فرض الحراسة فى مرحلة لاحقة، خصوصاً بعد سنة 1967، لكن التجاوز شىء يمكن تصحيحه، وأما المبدأ الأصلى فشىءٌ آخر لا يمكن الحكم عليه بغير المنطق الذى صدر منه).

4- إن السلطة الوطنية التقدمية راحت تندفع بعد ذلك إلى عملية تنمية اقتصادية شاملة عن طريق التخطيط فى نفس الوقت الذى كانت فيه تدير عملية إعادة توزيع واسعة النطاق تكفل نقل الثروة - القديمة بالتراكم والجديدة بالتنمية - باستمرار من متناول وسيطرة القادرين إلى متناول وسيطرة المحرومين..

وذلك عن طريق إتاحة فرص التعليم والعمل لأوسع الجماهير، ثم عن طريق مظلة الخدمات والتأمينات، ثم السيطرة على أسعار الغذاء ولو عن طريق الدعم، والسيطرة على أسعار الإسكان بعديد من الوسائل المتاحة بينها تخفيض الإيجارات فى المبانى القائمة والتدخل لتحديدها بلجان تقدير الإيجارات فى المبانى الجديدة.. إلى جانب المشاركة فى إدارة عملية الإنتاج وفى اقتسام فائض ربحها.

5- من هذا التركيب الاقتصادى الاجتماعى الفوار بالحيوية نشأت فكرة التحالف بين قوى الشعب العاملة، له السيطرة على وسائل الإنتاج وله السلطة السياسية التى يدير بها العمل الوطنى كله فى اتجاه التنمية الشاملة باستمرار وتذويب الفوارق بين الطبقات باستمرار أيضاً.

ثم أن هذا التحالف وحده هو الذى يستطيع أن يحمى الاستقلال الوطنى، ويسعى للوحدة العربية، ويحقق التضامن مع حركة الثورة الوطنية على كل أرض ومع كل شعب.

هذه هى العناصر الأصيلة فى التجربة، وبعدها يجىء السؤال:

- هل نجحت هذه التجربة عملياً.. أو هى لم تنجح؟!

أزعم أنها نجحت، وسوف أعدد أسباب ذلك فى ظنى فيما بعد، ولكنى أستطرد من هنا إلى نقطة متصلة بها مثارة فى مصر الآن بشأن مستقبل العمل السياسى عن طريق ما أسموه أولاً بلجنة المنابر، ثم عادوا فغيروا اسمه بعد ذلك إلى لجنة مستقبل العمل السياسى فى مصر!.

يتساءلون فى مصر الآن:

- "منابر داخل الاتحاد الاشتراكى ثابتة أم متحركة؟

أحزاب أو لا أحزاب؟".

ننسى الأصل أحياناً ونمسك بالشكل.

ننسى أن العمل السياسى فى النهاية تعبير عن حقائق اقتصادية اجتماعية بالدرجة الأولى.

ننسى أن الحزب هو فى حقيقته طليعة سياسية لطبقة اقتصادية اجتماعية، ولا يمكن أن يكون شيئاً آخر، لأنه لا يجتمع على الهدف الواحد إلا أصحاب المصلحة الواحدة.

وننسى أن صيغة التحالف بين قوى الشعب العاملة لا سند لها فى الحقيقة والواقع إلا فكرة إدارة الصراع سلمياً بين طبقات لا تتفاوت الفوارق بينها إلى درجة القطيعة، ثم إنها تسعى عن طريق التنمية وإعادة التوزيع - الكفاية والعدل كما كنا نسميها - إلى تذويب الفوارق بين الطبقات.

ومن هنا فإن الحقيقة الاقتصادية الاجتماعية هى التى تصنع التعبير السياسى عن نفسها وليس العكس.

وبالتالى فإن نجاح صيغة التحالف مرهون تماماً بما كنا نسميه "تأميم الصراع الطبقى".

وأخشى أن بعض ما يحدث فى مصر الآن سوف يؤدى - أردنا ذلك أو رفضناه - إلى ظهور أحزاب.

وليس ذلك شيئاً أدعو إليه كضرورة... وفى نفس الوقت فليس شيئاً أرفضه كمبدأ.

إن الأحزاب سوف تظهر لأن تأميم الصراع الطبقى يجرى فكه الآن فى مصر سواء كان ذلك بتخطيط مسبق أو كان فعل مصادفات ساقتنا إليها ملابسات.

لماذا؟

لأن طبقة جديدة تظهر الآن فى مصر نتيجة لما نطلق عليه سياسة الانفتاح، وتكدس بسرعة ثروات هائلة، وتبنى لنفسها مواقع متميزة باستغلال ظروف سانحة!

هذه الطبقة الجديدة مكونة من عنصرين:

- بقايا من عناصر الطبقة القديمة فى مصر، وهى ليست العناصر الأصيلة فى تلك الطبقة القديمة، وإنما جماعات كانت تعيش على هامشها وفى خدمتها.

- ثم جماعات وافدة جديدة هبطت عليها الثروة من السماء مفاجأة، وفى الحقيقة فإن غنى هذه الجماعات جاءها من مصدرين:

الأول: هو المضاربة فى الأراضى العقارية التى ارتفع سعرها بشكل فاحش فى مصر نتيجة لعوامل كثيرة.

والمشكلة فى الثروة الناشئة من المضاربة فى الأراضى العقارية أنها تصنع غنى فادحاً لدى بعض الأفراد بغير أن تضيف شيئاً إلى الثروة القومية للمجتمع!

والثانى: هو الاشتغال بعمليات السمسرة والتهريب الظاهرة أو المستترة وراء ألوان من النشاط مشروعة أو تبدو مشروعة وهى فى الحقيقة نوع من "الإباحية الاقتصادية"!

وتقدير الخبراء أن هناك خمسمائة مليونير جديد فى مصر خلال السنتين الأخيرتين - والرقم منقول عن تحقيق لهنرى تانر مراسل نيويورك تايمز فى مصر - وتقدير الخبراء أيضاً أن مائتين من هؤلاء جاءت ثرواتهم من الزيادة فى أسعار الأراضى العقارية، ثم أن باقى أصحاب الملايين الجدد جاءتهم الثروة عن الطريق الثانى... طريق الإباحية الاقتصادية!

والطبقة الجديدة تضغط ضغطاً فاحشاً على الاستهلاك إلى حد البذاءة... والطبقة الجديدة تضغط على القطاع العام كأنها تريد تكسير ضلوعه.

ثم أن الطبقة الجديدة هى القوة الحقيقية وراء الحملة الضارية على التجربة الوطنية التقدمية فى مصر.

تحاول هدم منجزات عبد الناصر حتى لا يبقى لها ذكر أو أثر، ثم تحاول الفصل بين عهده وعهد أنور السادات تتصور بذلك أنها تستطيع تطويق مسئوليته عن قيادة التجربة، وأخيراً تحاول تكبيل جماهير الشعب المصرى فى "عقدة ذنب" بحجة أنها ضيعت وعيها بانقيادها الأعمى لسحر جمال عبد الناصر!

والمشكلة أن الطبقة الجديدة لا يمكن ائتمانها على قضية من قضايا العمل الوطنى.

لا هى مؤتمنة على قضية التراب الوطنى، ولا هى مؤتمنة على قضية التحول الاجتماعى.

والطبقة المصرية القديمة الأصيلة - مثلاً - كانت فى ظنى أقدر منها وأشرف على الأقل فى قضية التراب الوطنى وإن جاز لنا أن نشك فى أمانتها على قضية التحول الاجتماعى.

لماذا؟

لأن تلك الطبقة القديمة كانت تعيش على ملكية الأرض الزراعية وكانت الأرض الزراعية تمنحها إحساساً بالانتماء إلى الطين المصرى.

وأما الطبقة الجديدة فليس لها فى مصر إلا أنابيب تتسرب منها الثروة وتتدفق أولاً بأول خارج مصر.

بل أن هذه الطبقة - فى معظم الأحيان - واجهة أو وكالة لمصالح أجنبية تعمل خارج مصر وليس لها هم إلا أن "تشفط" ما تستطيع أن تصل إليه فى مصر.

ومع نمو هذه الطبقة وتمركزها فى مواقع الاستغلال والامتياز الطبقى يوماً بعد يوم فإن بقية الطبقات فى مصر سوف تجد نفسها مضطرة إلى الدفاع عن مصالحها ولو اقتضاها الأمر أن تخرج عن صيغة التحالف التى تصبح فى تلك الحالة قيداً يجمد حركتها وليست إطاراً يتسع لها.

وإذن ينفك تأميم الصراع الطبقى...

وإذن تعود إليه الحدة والتوتر...

وإذن يزداد الخطر بمقدار ما تتسع الفوارق.

ويجرى اللعب بالكبريت قرب مخزن البارود.

ومع ذلك يتهم جمال عبد الناصر بأنه أشعل نيران الصراع الطبقى فى مصر، وبأنه أثار الحقد والبغضاء والحسد بين الأغنياء والفقراء.

وكان المتنبى هو الذى قالها قبل ألف سنة:

- وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكاء!!

الحديث السابع: هل وزع الفقر وخلف وراءه تركة مثقلة؟

وعند الذين يهاجمون جمال عبد الناصر - بالحق والباطل - ادعاءً يوجهونه إلى أى حجةً تساق لهم، دليلاً وبرهاناً..

يقال لهم:

- لقد أعاد توزيع الثروة والدخل.

وردهم الجاهز باستمرار:

- وزّع، هذا صحيح... ولكن ماذا وزّع؟

لقد وزع الفقر، وذهب وخلف وراءه تركة من الخراب كان الله فى عون من آلت إليه؟!

والسؤال الذى أريد أن أتعرض له اليوم هو بالضبط هذا السؤال:

- هل وزع جمال عبد الناصر اشتراكية الفقر بدلاً من اشتراكية الغنى!

- وهل ترك وراءه خراباً لا يصلح إلا للبوم والغربان تنوح على أطلاله؟!

سؤال يستحق أن يجاب عليه... وأحاول.

ولكنى قبل أن أفعل، ألتمس العذر مقدماً إذا استعملت كثيراً من الأرقام. والأرقام بطبيعتها جافة رغم أن لها قدرة على البيان لا تضارعها فيها وسيلة أخرى من وسائل التعبير.

لقد بدأت تجربة التنمية فى عصر عبد الناصر بخطوة تبدو الآن مرتجلة، لكنها فى الحقيقة كانت الخيار الوحيد المطروح أمامه وقتها.

كان يشعر بأهمية التنمية شعوراً غريزياً، أقصد ذلك الشعور الذى يولده الإحساس بالحاجة إلى شىء فى اتجاه معين، دون أن تكون هناك دراسة كاملة لهذا الشىء، وتحديد دقيق لهذا الاتجاه.

وأحس أنه إذا انتظر حتى تكتمل الدراسة، وحتى يتم التحديد الدقيق للاتجاه، فإن وقتاً ثميناً سوف يضيع.

وفى نفس الوقت، فإنه لم يكن يثق فى الجهاز الحكومى الذى ورثته الثورة من العهد الملكى.

ومن هذا كله تحرك فى ثلاثة اتجاهات على طريق التنمية:

1- جاء بالمشروعات التى وردت فى وعود وزارات ما قبل الثورة أثناء خطب العرش، واعتبر أن هذه المشروعات درست بما فيه الكفاية.

وأنشأ مجلساً أعلى للإنتاج خارج إطار الجهاز الحكومى..

وضم فيه مجموعة من أبرز خبراء مصر الاقتصاديين قبل الثورة، وممن لم تلحق بسمعتهم شوائب، وجعل على رأسهم حسين فهمى، وهو اسم من ألمع الأسماء الاقتصادية وقتها، وكان قد تولى وزارة المالية من قبل، إلى جانب إسهامه فى إنشاء كثير من المشروعات فى السنوات السابقة.

ووضعت تحت تصرف مجلس الإنتاج كل المبالغ التى أمكن توفيرها له ورصدها للتنمية، ووصلت هذه المبالغ إلى أكثر من ألف مليون دولار.

وكان بين أبرز المشروعات التى نفذت بإشراف مجلس الإنتاج: مصنع حديد حلوان، ومصنع السماد فى أسوان، وكهربة خزان أسوان، وكهربة خط حلوان.. إلى آخره.

وفى نفس الوقت، كان جمال عبد الناصر قد أنشأ مجلساً أعلى للخدمات خارج إطار الجهاز الحكومى أيضاً.

ووضع على رأسه فؤاد جلال، وطلب أن يحول إليه كل ما صودر من ثروة الملك السابق ومن أملاك الخاصة الملكية، وقد بلغت قيمتها فى ذلك الوقت سبعين مليون جنيه، وقد نفذت بها مشروعات الوحدات المجمعة للصحة والتعليم، وإعادة التدريب، والإرشاد الزراعى فى الريف، إلى جانب سلسلة المستشفيات المركزية التى أُنشئت فى ذلك الوقت.

2- بعد هذه الخطوة الأولى فى مجال التنمية - وقد كانت فى مجال رد الفعل أكثر منها فى مجال الفعل - بدأ عبد الناصر يفكر فى الطريقة التى يمكن بها وضع خطة كاملة للتنمية الاقتصادية فى مصر.

وأقر توصية لمجلس الإنتاج فى ذلك الوقت، بأن يعهد إلى بيت خبرة أمريكى عالمى، هو بيت "آرثر دوليتل" الشهير، بإجراء مسح شامل لإمكانيات مصر الاقتصادية، وكيف يمكن التخطيط لها تخطيطاً شاملاً. وتم ذلك فعلاً، وقامت مجموعة من خبراء "دوليتل" بمهمة استغرقت سنتين كاملتين.

3- فى نفس الوقت، فإن جمال عبد الناصر كان يدرك أهمية قيام جهاز تخطيط وطنى، ومع أنه كان يعتقد أن التخطيط أرقام، فقد كان يشعر فى نفس الوقت أن التخطيط التزام أيضاً.

كان ذلك فى سنوات 1953 و1954 و1955.

وجاءت حرب السويس سنة 1956، وكانت حرب السويس فى حقيقتها حرب التنمية فى مصر، فقد كان محورها هو السد العالى، وكان تأميم قناة السويس هو رد جمال عبد الناصر على سحب المساهمة الأمريكية البريطانية فى السد العالى، وعلى إحجام البنك الدولى إثر ذلك عن أن يقوم بتمويل المشروع.

وكان السد العالى هو التجسيد العملى لآمال عبد الناصر الطموحة فى التنمية، وكان بين حجج جون فوستر دالاس - وزير الخارجية الأمريكية - وهو يسحب المساهمة الأمريكية فى تمويل السد، هو أن مصر وشعبها وميزانيتها لا تستطيع تحمل أعباء مثل هذا الحلم العملاق!

وأثناء حرب السويس، وبعدها، أضاف جمال عبد الناصر إلى إمكانيات ووسائل التنمية عنصرين جديدين:

1- قناة السويس وقيمتها الاقتصادية ودخلها.

2- مجموعة البنوك وشركات التأمين والتجارة الخارجية، التى كانت مملوكة للإنجليز والفرنسيين والبلجيك.

وقد وضعت هذه المصالح تحت الحراسة فى ظروف الحرب أولاً، ثم صدر قرار بتمصيرها ثانياً، ثم تغير التمصير إلى التأميم ثالثاً، وكانت تلك أول نواة لقطاع عام يقوم بدور طليعى فى عملية التنمية.

ومع بداية سنة 1957، كانت الفرصة قد أصبحت متاحة للتخطيط المدروس والشامل، وبدأ العمل، واستمر حتى سنة 1967... عشر سنوات كاملة بغير انقطاع.

عشر سنوات تحملت فيها مصر ضغوطاً اقتصادية ونفسية بغير حدود.. وتحملت فيها مصر مسئوليات عربية استوجبها دورها القومى.

ومع ذلك فإن هذا كله لم يوقف اندفاعها نحو التنمية، ولم يؤثر فى النتائج الباهرة التى حققتها.

طوال هذه السنوات العشر كانت نسبة النمو الاقتصادى فى مصر تسير بمعدل 6.2% سنوياً بالأسعار الثابتة الحقيقية.

بل أن هذه النسبة ارتفعت فى وسط الفترة، أى من سنة 1960 إلى سنة 1965، إلى معدل 6.6%.

ومصدر هذا الرقم تقرير البنك الدولى رقم [870 - أ] عن مصر، الصادر فى واشنطن بتاريخ 5 يناير 1976 (أى مطلع هذه السنة التى نحن فيها الآن).

هل يحتمل هذا المصدر أى شك؟

هل أصبح البنك الدولى متواطئاً مع عبد الناصر؟

وما الذى يعنيه هذا الرقم؟

يعنى أن مصر استطاعت فى عشر سنوات من عصر عبد الناصر أن تقوم بتنمية تماثل أربعة أضعاف ما استطاعت تحقيقه فى الأربعين سنة السابقة على عصر عبد الناصر.

كانت تلك نتيجةً لا مثيل لها فى العالم النامى كله، حيث لم يزد معدل التنمية السنوى فى أكثر بلدانه المستقلة خلال تلك الفترة عن اثنين ونصف فى المائة.

بل أن هذه النسبة كان يعز مثيلها فى العالم المتقدم، باستثناء اليابان، وألمانيا الغربية، ومجموعة الدول الشيوعية.

وجاءت سنة 1967. وكانت الصدمة الكبرى، ولكن تجربة التنمية المصرية كانت قادرة على تحمل أعباء الصمود.

ولكى يكون الكلام محدداً، فإن الاقتصاد المصرى تحمل بعد سنة 1967 بالمهام الأربع التالية:

1- تحمل هذا الاقتصاد عبء إعادة بناء القوات المسلحة (ولا أخوض فى تكاليف هذا العبء حتى لا أقع فى محظور السرية الواجبة).

2- تحمل هذا الاقتصاد بإتمام بناء السد العالى، ولم يكتمل بناء هذا السد، كما نتذكر، إلا سنة 1970، حين وقف جمال عبد الناصر فى آخر احتفال حضره لعيد الثورة فى 23 يوليو من تلك السنة يستهل خطابه التقليدى للأمة برسالة جاءته من وزير السد العالى يعلنه بأن بناء السد قد تم، وبأن بناة السد على استعداد لتحمل مسئوليات أية مشروعات كبرى غيره يُكلفون بها.

(من المحزن أن صور جمال عبد الناصر نُزع معظمها أخيراً من منشآت السد العالى فى أسوان، وقيل فى تبرير ذلك أن شاه إيران كان يريد زيارة السد، ولأن العلاقات بينه وبين جمال عبد الناصر لم تكن على ما يرام، فقد رُئى رفع معظم الصور حتى لا تؤذى عينيه إذا وقعتا عليها.

واعتقادى أن ذلك خطأ حتى فى تقدير مزاج الشاه، وأظنه لو عرف بما حدث لأبدى اعتراضه عليه، فإن الشاه رغم خلافه مع جمال عبد الناصر، يعترف له بدوره التاريخى الكبير).

3- تحمل هذا الاقتصاد بأعباء مشروعات جديدة ضخمة، أبرزها مشروع مجمع الحديد والصلب، وقد وصفه الرئيس السادات بأنه مشروع "لا يقل ضخامةً عن مشروع السد العالى"، ثم إنه من القواعد الأساسية لصرح الصناعات الثقيلة فى مصر.

4- تحمل هذا الاقتصاد، فوق ذلك كله، بعبء تثبيت أسعار السلع الاستهلاكية، فبقيت الحياة محتملة للسواد الأعظم من الجماهير.

كانت تلك شبه معجزة حملها الاقتصاد المصرى، ولم تكن المعجزة من صنع المصادفات أو عفاريت الجن، وإنما كانت من صنع طاقة إنتاجية متماسكة قادرة على تحمل صدمة فاجأتها على غير انتظار.

وتبدو قيمة هذه المعجزة فى الصمود إذا تذكرنا أن مصر فى ذلك الوقت لم تكن تحصل من الدعم العربى إلا ما نصت عليه اتفاقية الخرطوم سنة 1967، وكان فى حدود مائة مليون جنيه كل سنة، تكاد توازى تماماً ما فقدته مصر بإغلاق قناة السويس وضياع دخلها.

وأسأل بإنصاف:

- هل هذه صورة اقتصاد تركه جمال عبد الناصر خراباً تنعق فيه البوم والغربان، أم أنه على العكس من ذلك، اقتصاد استطاع الاستجابة للتحديات؟

ولربما رد البعض، وردهم متوقع:

- والديون.. نسيت الديون؟!

ليكن... ولنتوقف لحظة أمام حديث الديون.

تقول الأرقام:

سنة 1970 (سنة رحيل عبد الناصر) كان مجموع الديون التى تتحملها مصر هى أربعة آلاف مليون دولار، هى مجموع الدين المدنى والعسكرى، وكان معظمها للاتحاد السوفيتى، على أقساط ممتدة، وبسعر فائدة قدره 2.5 بالمائة.

وكان الدين المرهق هو الدين القصير الأجل، وهو قروض بتسهيلات مصرفية ولموردين فى حدود مائة وثمانين يوماً والفوائد عليها عالية، ما بين 10 إلى 14 فى المائة.

كان حجم هذا الدين هو 104 مليون جنيه.

هذه هى صورة الديون، فكيف يمكن أن نضعها فى إطارها الحقيقى.

الدين الخارجى الرئيسى، وهو أربعة آلاف مليون دولار مثلاً، يوازى ربع مثيله الإسرائيلى مثلاً، مع التباين الهائل فى عدد السكان (36 مليوناً فى مصر وثلاثة ملايين فى إسرائيل) وفى قياس آخر فهو يمثل نصف الدين التركى!

وإذا ما تذكرنا أن معظم الديون كانت فى الحقيقة لتمويل مشروعات إنتاج لوجدنا أن الصورة ليست مخيفة.

ولكن أكثر ما كان يزعج جمال عبد الناصر هو الدين القصير الأجل، معظمه استهلاكى، واستحقاقاته قريبة، وفوائده عالية.

كان حجم هذا الدين - كما قلنا - 104 مليون جنيه سنة 1970. وكيف يمكن أن نضع هذا الدين فى إطاره الحقيقى، عن طريق المقارنة والقياس.

ماذا لو أجرينا المقارنة والقياس على حجم هذا النوع من الدين سنة 1975؟!

تقول الأرقام أن هذا النوع من الديون القصيرة الأجل على مصر وصل فى شهر يناير سنة 1975 إلى 1004 مليون جنيه.

أى أنه من سنة 1970 إلى سنة 1975 زاد عشر مرات.

يبقى أن أقول أن مصدر هذه الأرقام تقرير رسمى للبنك المركزى المصرى قدمه إلى البنك الدولى، وورد فى تقرير البنك الدولى رقم [870 - أ] عن مصر، الصادر فى 5 يناير 1976 (بداية هذه السنة)!

وأسأل:

- هل أنا فى حاجة إلى أرقام أخرى لكى أقول - وبمنتهى الهدوء - أن عبد الناصر لم يترك حين رحيله خراباً تنعى الغربان والبوم أطلاله ؟

ومع ذلك، أسوق هذه الأرقام المقارنة فى عدد من المجالات الهامة.

* فى مجال الادخار الوطنى والتنمية.

سنة 1970 (سنة رحيل عبد الناصر) كان الاستهلاك العام والخاص فى مصر بنسبة 90 بالمائة - وكانت المدخرات الوطنية المتاحة من الداخل للتنمية بنسبة 10 بالمائة من الدخل القومى.

سنة 1975 وصل الاستهلاك العام والخاص إلى نسبة 101.5 بالمائة أى أن الاستهلاك زاد على الدخل القومى كله بواحد ونصف فى المائة - أى أن مصر أصبحت تأكل من رأسمالها.

* فى مجال التضخم.

سنة 1970 (سنة رحيل عبد الناصر) كانت نسبة التضخم السنوى فى مصر فى حدود 5 بالمائة سنوياً.

سنة 1975، كانت نسبة التضخم السنوى فى مصر ما بين 20 إلى 25 فى المائة.

* فى مجال الدعم العربى لمصر.

سنة 1970 (سنة رحيل عبد الناصر) لم يكن هناك غير اتفاقية الخرطوم.

سنة 1975، قدمت الدول العربية، علاوة على اتفاقية الخرطوم، وزيادة عليها، ما يكاد يصل إلى ألفى مليون دولار.

وإذا أردت أن أكون منصفاً لكل الأطراف، فإنى أقول:

- أن عبد الناصر لم يترك خراباً ينعق البوم والغربان على أطلاله، وإنما ترك اقتصاداً قادراً على الاستجابة، وبالتأكيد فلقد كانت لهذا الاقتصاد مشاكله، ولكن معظمها كان مشاكل نمو، إلى جانب مشاكل خلط فى الأولويات، وقصور إدارة.

ولكن الصورة العامة لم يكن فيها ما يدعو إلى التشاؤم، وإنما كان فيها ما يستدعى التطوير والتحديث، خصوصاً فى الإرادة.

والصورة التى نراها الآن - بأرقام سنة 1975 - تبدو مزعجة، ولكن الأعذار يمكن أن تساق لها من عوامل كثيرة، بعضها خارج عن الإرادة مثل ارتفاع أسعار المواد الغذائية الذى جعل الدعم الحكومى لهذه السلع يرتفع من 80 مليون جنيه سنة 1970، إلى 650 مليون جنيه سنة 1975، ثم إلى زيادة نسبة التضخم العالمى، ثم إلى القفزة الهائلة فى أسعار الوقود. نستطيع هنا - 1975 - أن نجد مبررات وأعذار.

ولكننا لا نستطيع - بالإنصاف - أن نقول إنه من هناك - سنة 1970- بدأت المشكلة حين ورثنا خراباً ينعق البوم والغربان على أطلاله!

ليس ذلك صحيحاً.

ثم أنه ليس أميناً!

ويقال أن الحل هو " الانفتاح" وتشجيع رأس المال الخاص على استثمار أمواله، والتوسل إلى رأس المال الأجنبى أن يطل علينا بنظرة عطف ورضى.

وهل لى أن أذكر ما تقوله الأرقام؟

* تقول الأرقام أن القطاع العام يسيطر على 30 بالمائة من وسائل الإنتاج.

* وإن القطاع الخاص يسيطر على 70 بالمائة بما فى ذلك الزراعة.

* مع ملاحظة أن النسبة فى الصناعة وحدها هى 75 بالمائة للقطاع العام، و25 بالمائة للقطاع الخاص.

ومع ذلك، فإن القطاع العام أسهم مباشرةً فى ميزانية الدولة سنة 1975 بما قيمته 800 مليون جنيه، على شكل أرباح وضرائب ورسوم مباشرة.

وفى نفس الوقت، فإن إسهام القطاع الخاص فى هذه المجالات فى ميزانية الدولة سنة 1975 لا يزيد على ثلاثين مليون جنيه!!

ولست أريد أن أقلل من أهمية نشاط القطاع الخاص، ولكن قوة التقدم الكبرى تبقى هى القطاع العام.

* ورأس المال الأجنبى.

سوف أعطى نموذجاً واحداً، وأقفل فمى بعده وأسكت فى السنتين الأخيرتين، وبرغم أصابعنا العشرة التى أوقدناها شموعاً لرأس المال الأجنبى، كان مجموع استثماراته فى مصر حتى شهر يوليو 1975 - من أولها إلى آخرها - ثلاثة ملايين جنيه إسترلينى بالتمام والكمال.. جاءت مساهمة فى مشروعات مشتركة أبرزها مشروع "ومبى" لبيع اللحم المشوى، ثم مشروع دجاج "كنتاكى" لبيع الدجاج المقلى، وقد دخلت فى الاستثمارات تحت بند مشروعات سياحية.

وبقية أساطير الانفتاح ما زالت هناك مع السحاب.

ثم مرة أخرى: ماذا أقول؟!

105724557.jpg

ألام على هواك وليس عدلا ................ إذا أحببت مثلك أن ألاما

رابط هذا التعليق
شارك

الحديث الثامن: عبد الناصر والحركة العربية العامة

ويقولون - ضمن ما يقولون - عن جمال عبد الناصر:

- لقد انقض على الأرض العربية كأنه الإعصار... زرع الشوك وحصد الورد، وأشاع الفتنة، وحبس الود بين أبناء الأمة الواحدة!!

فهل هذا صحيح؟

لكى نستطيع اختبار صحة هذا القول - ومثله - فربما كان مفيداً أن نعود بنظرة على الأرض العربية قبل جمال عبد الناصر:

1- كان الاستعمار البريطانى ما زال يقاوم شبه الجزيرة العربية، وفى مصر، والسودان، وليبيا، لكى يحتفظ بمواقعه المسيطرة القديمة، وكذلك كان يفعل الاستعمار الفرنسى فى شمال أفريقيا.

وكانت الشعوب العربية تقاوم السيطرة، ولكن ردها كان أضعف من التحدى، خصوصاً بعد أن حقق الاستعمار نجاحه الكبير بإنشاء إسرائيل قاعدةً له فى قلب الأمة العربية، تقطع امتداد أرضها، وتعوق وحدتها، وتمتص جهودها أولاً بأول.

وكانت قوى السيطرة الأمريكية واقفة على الباب تنتظر نتيجة المعركة الدائرة بين الاستعمار التقليدى وبين الوطنية العربية، وكانت خطتها أن تتقدم لتمسك بزمام الأمور إذا تحول اتجاه المعركة ضد الاستعمار التقليدى.

أو إذا عجز هذا الاستعمار التقليدى عن مواصلة دوره، بسبب الاستنزاف الذى تعرض له فى الحرب العالمية الثانية، ومثل هذا حدث فى تركيا واليونان، اللذين كان لبريطانيا فيهما دورٌ خاص اضطرت للتخلى عنه للولايات المتحدة التى أعلنت "مبدأ ترومان" وهرعت إلى التواجد العسكرى والسياسى فى تركيا واليونان سنة 1950.

ويلفت النظر أن هذه هى السنة نفسها التى تبلور فيها مشروع منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط "ميدو" - كما أطلق عليها وقتها - ليكون حلقة فى سلسلة أحلاف الغرب المعادية للاتحاد السوفيتى - يملأ الفجوة المفتوحة بين حلف الأطلسى "ناتو"، وحلف جنوب شرق آسيا "سياتو" - وكانت هذه الأحلاف كلها تحت القيادة الأمريكية.

2- فى نفس الوقت كانت دلائل الصراع الاجتماعى - الصراع الطبقى - موجودة فى المنطقة، تعكس نفسها داخل كل بلد عربى، كما تعكس نفسها عبر كل الحدود العربية.

إن تعبير "الصراع الطبقى" ما زال يخيفنا، وما زلنا نتصوره شحنات من الكراهية، وذلك لا مبرر له. وإذا نظرنا إلى تاريخنا الاجتماعى - نظرة صدق موضوعى - لوجدنا على سبيل المثال:

أن الثورة التى قادها الملك عبد العزيز آل سعود كانت فى حقيقتها تعبيراً عن صراع طبقى دار فى إطار قبلى، وهو يصلح ليكون نموذجاً تقليدياً لنظرية ابن خلدون الشهيرة عن دورة الصراع بين البدو والحضر، وبين القبائل والمدن.

بل إن الخلافات الشهيرة فى ذلك الوقت بين الأسر الحاكمة فى المنطقة العربية كانت بشكلٍ ما تعبر عن صراع طبقى بين حكام مجتمعات القبائل وحكام مجتمعات التجار.

أعود إلى ما كنت أقوله:

كانت بوادر الصراع الطبقى موجودة فى كل بلد عربى.

وفى مصر مثلاً كان هذا الصراع بعد 26 يناير 1952 مشتعلاً بحريق القاهرة، ملطخاً بالدم الذى أساله العنف فى سنوات القلق التى عانتها مصر قبل الثورة.

ثم كانت بوادر الصراع الطبقى موجودة عبر الحدود العربية، متمثلةً فى خلافات الأسر الحاكمة، والحروب الصغيرة، وغارات الحدود، إلى آخره. وكان ذلك شيئاً طبيعياً من طبائع الحركة التاريخية ذاتها.

بل إننا نرى الآن أمام عيوننا صراعاً طبقياً يجرى على مستوى العالم كله، وليس على مستوى منطقة محددة ومحدودة فيه.

أليس هناك الآن نوع من الصراع الطبقى بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة، يطلقون عليه - مجازاً - تعبير الصراع بين الشمال والجنوب؟

أليس حقيقياً أن جزءً كبيراً من التأييد الضخم الذى تلقاه الثورة الفلسطينية فى المجتمع الدولى، وفى الأمم المتحدة بالذات، يرجع إلى تعاطف كل المحرومين فى العالم النامى مع ثورة المحرومين من كل حق فى فلسطين؟

أليس حقيقياً أن الصراع الطبقى على المستوى العالمى هو من أكبر الأسباب التى دعت كوبا إلى الوقوف جنباً إلى جنب مع جنود الحركة الشعبية لتحرير أنجولا؟

إن كوبا - جغرافياً - لم تكن فى القارة، ولكنها - اجتماعياً - وقفت مع ثوارها. وجنوب أفريقيا - جغرافياً - جزء من القارة، ولكنها - بانتمائها الاجتماعى - وقفت ضد ثوارها.

3- كانت المنطقة كلها، رغم موقعها الاستراتيجى - وهو حقيقة اكتشفت من قديم الزمان - ورغم ثروتها المحتملة - وهى حقيقة اكتشفت على الأقل منذ بداية القرن - لا تمثل بذاتها أى قيمة، فى موازين القوى العالمية، فقد كان ثقلها كله يعود إلى من يسيطر عليها ويمسك بمقاديرها من بين القوى الكبرى الغالبة.

ولم يكن الاستعمار يحكم بنفسه، وإنما كان يستخدم عناصر ارتبطت مصالحها بمصالحه، وتناقضت بالتالى مصالحها مع مصالح الجماهير التى تسلطت عليها.

وبالتالى، فقد كان كفاح شعوب المنطقة لتحقيق ذاتها وتأكيد تأثيرها على موازين القوى عن طريق التخلص من السيطرة السياسية - هو فى نفس الوقت صراع اجتماعى ضد الاستغلال المحلى بأشكاله المختلفة.

ومن هذه الحقيقة الرئيسية، فلقد تداعت حقائق أخرى، أبرزها أن الحكم على أصالة أى حركة وطنية سياسية أصبح مرهوناً برؤيتها الاجتماعية.

كانت الصراعات إذن قبل جمال عبد الناصر موجودة بالطول وبالعرض على الأرض العربية، ولم يأت بها جمال عبد الناصر من عنده، ولا التقطها من الفراغ التقاطاً لكى يفرضها على الأمة وشعوبها.

ومع ذلك فلنأخذ مثالاً نطبق عليه، ولنأخذ المثال من أول خلاف عربى قاده جمال عبد الناصر، وهو خلاف اختفى الآن جميع أبطاله، وهذا مناسب لأنه يطرح كل الحساسيات جانباً.

لنأخذ خلافه مع نورى السعيد ما بين سنة 1953 إلى سنة 1958، ففى تلك السنوات الخمس انقسم العالم العربى على نفسه كما لم ينقسم من قبل ولا من بعد.

كان موضوع الخلاف هو حلف بغداد - الذى قام تطويراً لفكرة منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط "ميدو" - وهل ينضم إليه العرب بحثاً عن مستقبلهم، أو لا ينضمون إليه حرصاً على مستقبلهم؟

نأخذ هذا الخلاف، وحجج الطرفين فيه، ونقارن:

- كانت مصر، ومن قبل الثورة - وتابعتها فى ذلك دول عربية أخرى - قد رفضت فكرة منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط، فقد وجدتها صيغة جديدة من صيغ السيطرة الاستعمارية.

ثم عرض هذا المشروع على جمال عبد الناصر بعد الثورة، فكرر رفضه أيضاً.

وكان جمال عبد الناصر أكثر وضوحاً فى رفضه، فقد كان يريد للعرب أن يقيموا "نظاماً عربياً" شاملاً لهم على أساس وحدة الأمة مصلحةً وأمناً.

ولا يريد نظام "شرق أوسط" يقوم على تعبير جغرافى اخترعته أثناء الحرب العالمية مطالب هذه الحرب وإستراتيجياتها.

وكان جمال عبد الناصر يرى أن "نظام الشرق الأوسط" سوف يشمل تركيا وإيران وباكستان، وربما إسرائيل أيضاً ولو حتى بطريق غير مباشر.

ولم يكن يرى وحدة مصلحة أو أمن بين العرب وبين هذه الدول.

وربما كان يرى معها - باستثناء إسرائيل - فرصة للتعاون والتنسيق، ولكن النظام يجب أن يكون غير النظام.

ولم يكن عنده مانع أن تنضم تركيا وإيران وباكستان إلى حلف للنطاق الشمالى من الشرق الأوسط، لكنه بالنسبة للعرب كان يتصور شيئاً آخر: نظام عربى - كما قلت - يستند على:

* جامعة الدول العربية - إطار سياسى.

* ميثاق الدفاع العربى المشترك - عمل عسكرى موحد.

* سوق عربية مشتركة - اقتصاد يتكامل باستمرار.

- فى مقابل ذلك، خرج نورى السعيد برأىٍ آخر يؤيد حلفاً مع الغرب، وكان رأيه أن بريطانيا لن تخرج من مصر والعراق إلا إذا اطمأنت إلى أنه ليس هناك فراغ دفاعى ينشأ فى المنطقة بعد خروجها، وبالتالى فالارتباط بالأحلاف هو الوسيلة للخلاص من الاحتلال.

وكان نورى السعيد يرى أيضاً أن عهد الاستقلال التقليدى قد انتهى، وأن العالم الآن فى مرحلة "الاعتماد المتبادل" بين عديد من الأطراف التى تتفق مصالحها، خصوصاً أمام خطر واحد يهددها..

وأن الخطر الذى يتهدد العرب الآن هو الخطر الشيوعى القادم من الاتحاد السوفيتى، والعرب فى هذا يلتقون مباشرةً مع الغرب الذى يقف للاتحاد السوفيتى بالمرصاد، ويعوق تقدمه.

وكان نورى السعيد يؤكد ذلك بأن يشير إلى خريطة، ويقول لمن يناقشه باستمرار:

- "أن بين حدود العراق الشمالية وحدود الاتحاد السوفيتى مسافة عشرات الأميال، وإذا لم يكن هناك رادع فإن جحافل الجيش الأحمر قد تجتاز الجبال فى أى وقت، وتجتاح العالم العربى كله".

** كان عبد الناصر يرد على ذلك بتفنيد حجج نورى السعيد:

- "... نحن قادرون على إرغام الاحتلال الأجنبى فى أرضنا على أن يحمل عصاه ويرحل".

- "... ولن يكون فى المنطقة فراغ بعد رحيله، لأن المنطقة ليست فضاءً عارياً، وإنما المنطقة تسكنها أمة عربية قادرة على الأخذ بأسباب القوة".

- "... و"الاعتماد المتبادل" مرغوب فيه، ولكن على أساس وحدة المصلحة والأمن، وبالتالى فإطاره الممكن الوحيد هو الإطار العربى".

- "... والخطر لن يجيئنا من الشيوعية ولا من الاتحاد السوفيتى، وإنما الخطر الأكبر علينا - وتحديد العدو أول خطوة فى رسم أية استراتيجية - هو من إسرائيل".

- "... وعلى فرض أن الخطر من الشيوعية، فإن الوطنية هى درع المقاومة الحقيقية".

- "... ثم أن الخطر السوفيتى لن يجىء بالجيش الأحمر زاحفاً عبر الجبال الشمالية، لأن ذلك - لو حدث - سوف يحرك موازين دولية كبرى".

- "... ومع ذلك فلننشئ نظامنا العربى المستقل.

وليكن هذا النظام موجهاً بالدرجة الأولى ضد إسرائيل، ثم ليكن بعد ذلك موجهاً إلى أى خطر يجيئنا من أية ناحية، نصده بكل قوانا، وليس هناك بأس فى هذه الحالة من أن نطلب نجدة القادرين على نجدتنا ضده".

** وكان نورى السعيد يسوق حججاً لتدعيم وجهة نظره:

* "كيف نسلح جيوشنا إذا لم نتعاون مع الغرب، ومن أين نجىء بالسلاح الذى نواجه به إسرائيل؟".

* "إن تركيا وإيران وباكستان معنا فى حلف، وسوف يحاربون فى صفوفنا ضد إسرائيل؟".

* "إن هناك رباطاً يشدنا إلى هؤلاء الثلاثة، وهو رباط الإسلام".

** وكان جمال عبد الناصر يرد:

* "إن الغرب - الولايات المتحدة بالذات - لن تسلحنا لحرب نخوضها ضد إسرائيل".

"وقد أكدت التطورات صحة رأى جمال عبد الناصر، فبعد انهيار حلف بغداد ثبت أن كل ما حصلت عليه العراق من المساعدات العسكرية الأمريكية كان ثلاث طائرات"!

* "إن تركيا وإيران وباكستان لن تحارب معنا ضد إسرائيل، لأنها لا تشعر بخطرها وهى عنها بعيدة".

* "إن رباط الإسلام مقدس، وهو لا يشدنا إلى هذه الدول الثلاث وحدها، ولكنه يشدنا إلى شعوب وأمم مسلمة فى أقاصى آسيا وأعماق أفريقيا (إندونيسيا، الملايو فى آسيا مثلاً - والسنغال وغينيا فى أفريقيا مثلاً)..

لكن رباط الإسلام المقدس شىء، ووحدة المصلحة والأمن شىء آخر، خصوصاً إذا ارتكزت إلى جانب الدين على وحدة التاريخ ووحدة الثقافة ووحدة اللغة ووحدة الامتداد الجغرافى المتصل".

وانفرد نورى السعيد بموقف وحده، فوقع بغير إخطار ولا سابق إنذار حلف بغداد مع تركيا... ولم يقف عند هذا الحد.

وإنما وجه الدعوة مفتوحة إلى بقية الدول العربية، خصوصاً فى المشرق، لكى تنضم إلى الحلف الجديد، وكان الضغط الغربى على أشده فى عواصم تلك الدول، يحاول أن يجرها جراً إلى حلف بغداد.

فى هذه اللحظة فقط تحرك جمال عبد الناصر إلى تصعيد خلافه مع نورى السعيد وكانت وجهة نظره:

"لو اقتصر الأمر على العراق لقلنا دولة تمارس حقوق سيادتها المشروعة، والحكم على سياساتها يعود لشعبها أولاً وأخيراً.

ولكن توجيه الدعوة إلى بقية الدول العربية والضغط عليها حتى تنضم إلى حلف بغداد، هدم لكل أمل فى إقامة "نظام عربى" مستقل.

واحتدمت المعركة.

ووقفت السعودية وسوريا مع مصر.

وانتهت المعركة بسقوط حلف بغداد فى بغداد، وبواسطة الشعب العراقى وجيشه.

نلاحظ هنا عدة أشياء:

1- أن جمال عبد الناصر لم يفتعل الخلاف.

2- أن جمال عبد الناصر كان فى موقف الدفاع، ولم يكن فى موقف الهجوم.

3- أن جمال عبد الناصر كان على حق، بنتيجة التجربة التاريخية.

4- أن جمال عبد الناصر لم يعتمد على شىء، إلا على جماهير الأمة العربية وعلى وعيها.

وربما أضفت هنا ملاحظة سريعة فى الرد على هؤلاء الذين يقولون أن جمال عبد الناصر أضاع ثروة مصر فى "مغامرات" خارجية، وهم بالطبع يقصدون حركته العامة داخل العالم العربى ومن حوله..

هذه الملاحظة هى أن "المغامرات" - كما يسمونها - هى فى حقيقة أمرها التزام قومى، فإذا طرحنا موضوع الالتزام القومى جانباً ونظرنا إلى هذه المغامرات نظرة ضيقة وإقليمية، وحتى حسابية، لقلنا أن هذه "المغامرات" لم تكن خسارة لمصر، وإنما كانت كسباً لها.

ذلك أن قيمة أى دولة فى العالم - خصوصاً فى عصر الحرب الباردة - أصبحت ترتبط بمقدار تأثيرها خارج حدودها الضيقة، وقد حصل جمال عبد الناصر من العالم الخارجى "بمغامراته" ما يتعدى قيمة مصر داخل حدودها، لكى يوازى تأثير مصر خارج هذه الحدود.

والبرهان العملى على ذلك هو الأرقام، فمصر "المغامرة" استطاعت أن تنمى بمعدل زيادة قدره 6.7 بالمائة سنوياً فى الفترة ما بين 1955 إلى 1965، طبقاً لوثائق البنك الدولى، وأما مصر "غير المغامرة" الطيبة المؤدبة المطيعة، فإن الادخار القومى - أساس التنمية - فيها سنة 1975 كان 1.2 بالمائة بالناقص، طبقاً لأرقام التخطيط المصرى!

وكانت معركة حلف بغداد نموذجاً لمعارك أخرى خاضها جمال عبد الناصر تحت شعارات عدم الانحياز، وكان كثيرون لا يؤمنون به فى العالم العربى، وتحت شعارات التنمية، وكانت مفهوماً وافداً على العالم العربى، وتحت شعار "الاشتراكية"، وكانت شيئاً شبه مكروه فى العالم العربى. وإذا التفتنا حولنا الآن، فماذا نجد؟

ما كان ينادى به جمال عبد الناصر بالأمس ويحارب بسببه هو الآن عقائد أساسية فى العالم العربى.

العالم العربى كله ينادى بالموقف المستقل.

والعالم العربى كله يتبنى سياسة عدم الانحياز.

والعالم العربى كله يتجه نحو "الاشتراكية"، وإن اختار لها البعض مسميات أقل عنفاً وأكثر رقةً مثل "العدالة الاجتماعية".

ويقال:

- "لم يكن هناك بأس فيما دعا إليه ودافع عنه... ولكن المشكلة كانت مشكلة الأسلوب... أسلوب التحريض والإثارة... إدارة السياسة من الشرفات وأمام الميكروفونات... هذه هى القضية".

والرد على هذه النقطة كما يلى:

1- أليست كل دعوة جديدة تقابل بالصد، مما يجعلها أمام ضرورة الإلحاح بكل الوسائل... لنقرأ التاريخ، ولا أحتاج هنا لضرب الأمثلة من حياة روّاد التغيير أو حتى الإصلاح، ومن حياة رواد الفكر أو حتى رواد العلم.

2- لقد كان العصر عصر الحرب الباردة... كانت حرباً سلاحها التأثير بواسطة الكلمة والصوت، بدلاً من القنبلة والطائرة.

3- لقد كان على جمال عبد الناصر أن يخاطب جماهير تقع تحت السلطة الرسمية لهؤلاء الذين يقاومون دعوته.

4- لقد كان جمال عبد الناصر الصوت الوحيد المسموع فى كل المنطقة من الخليج إلى المحيط، وكانت كل القوى تنتظر كلمته، وكان ضرورياً أن يتكلم.

وربما تذكرنا أن جمال عبد الناصر خاض معركة الأحلاف، وانتصر فيها بغير رصاصة واحدة، وبغير نقطة دم واحدة.

ومع ذلك، فلنكن منصفين، ونسأل:

- لقد رحل جمال عبد الناصر فى 28 سبتمبر 1970، فهل سكنت الأعاصير بعده على الأرض العربية.. وهل عاد الورد وزال الشوك، وأقبل الود وأدبرت الفتنة فى العلاقات ما بين العرب؟

إن كان هو الذى يثير ثائرة الكل على الكل، فما بالهم لم يخلدوا إلى الهدوء والصفاء بعد رحيله؟

والعلاقات بين مصر وسوريا ليست هدوءً وصفاءً.

والعلاقات بين مصر والثورة الفلسطينية ليست هدوءً وصفاءً.

والعلاقات بين مصر وليبيا ليست هدوءً وصفاءً.

والعلاقات بين مصر والأردن ليست هدوءً وصفاءً.

وهذه كلها هى خطوط المواجهة مع العدو الواحد، أو هى عمق جبهة المواجهة!

* وبعد ذلك:

العلاقات بين سوريا والعراق ليست هدوءً وصفاءً.

العلاقات بين ليبيا والمغرب ليست هدوءاً وصفاءً.

* وهناك ثلاث حروب محتملة أو قائمة فعلاً على الساحة العربية.

حرب بين الجزائر والمغرب.

معارك على الحدود بين اليمن الجنوبى وسلطنة عمان.

توتر شديد بين العراق وسوريا.

* وأسوأ من ذلك كله، حرب أهلية عربية لم نفرغ بعد من تضميد جراحها فى لبنان، وكانت خسائر الأمة فى هذه الحرب الأهلية وحدها أربعة عشر ألف قتيل، وأكثر من خمسين ألف جريح، وهذا كله أكبر من خسائر مصر البشرية فى كل المواجهات مع إسرائيل، من حرب فلسطين 1948، إلى حرب السويس 1956، إلى حرب يونيو 1967، إلى حرب الاستنزاف 1969، إلى حرب أكتوبر 1973!

كل هذا وجمال عبد الناصر بعيد، لا يحرض أحداً ولا يستثير أحداً!

لعلى أقول فى النهاية أن دور مصر يجب أن يكون موجوداً فى العالم العربى، سواء اتهمت بالتدخل فى شئون الآخرين أو لم تتهم.

ومع ذلك، فلعلى أزعم أن مصر مارست، وهى تستطيع أن تمارس، دورها بغير تدخل فى شؤون الآخرين.

وفى كل الأحوال فإن مخاطر تدخل مصر... أقل من مخاطر سكون مصر.

وأعترف أننى لم أكن سعيداً بدور مصر فى الأزمة اللبنانية التى تحولت إلى شبه حرب أهلية عربية.

وأعترف أيضاً أننى لم أقتنع بحجة "عدم التدخل" كعذر يقدم لسكوت مصر، كما أننى لم أقتنع بمنطق يقول أن عوامل الجغرافيا السياسية GEOPOLITICS كانت تسمح لسوريا مثلاً، ولا تسمح لمصر، بدور إيجابى فى حل الأزمة اللبنانية.

إن الادعاء "بعدم التدخل" مردود عليه بدواعى المصير الواحد فى وسط معركة تخوضها الأمة فعلاً، ولا تنتظر الغد لتخوضها.

ثم أن التعلل "بالجغرافيا السياسية" وأحكامها مردود عليه بأن القبول بمثل هذا المنطق لا يضيع دور مصر فحسب، وإنما يضيع مصر كلها، من حيث أنه يعزلها عن بقية العالم العربى عزلاً كاملاً.

إن عامل "الجغرافيا السياسية" يظهر فى الأمة الواحدة إذا ضاع منها دور المحرك الرئيسى، ومصر هى المحرك الرئيسى فى المنطقة.

ولكى أشرح هذه النقطة أكثر، أقول:

إذا أخذنا بأحكام الجغرافيا السياسية، واستبعدنا حقيقة الأمة الواحدة والقوة الرئيسية المحركة فيها، فماذا نجد؟

* نجد شبه الجزيرة العربية وحدة جغرافية سياسية، وهى تشمل السعودية، واليمن الشمالى واليمن الجنوبى، وعمان، والإمارات العربية المتحدة، وقطر، والبحرين، والكويت..

* ونجد الهلال الخصيب وحدة جغرافية سياسية أخرى، وهى تشمل سوريا ولبنان والعراق والأردن وفلسطين.

* ونجد المغرب العربى وحدة جغرافية سياسية ثالثة، وهى تشمل المغرب والجزائر وتونس، وربما ليبيا.

* وأخيراً نجد وحدة جغرافية سياسية رابعة هى وادى النيل.

وبهذا المنطق: أين تكون مصر، ومن يبقى معها؟

يبقى السودان، وهو بحكم الجغرافيا السياسية ينجذب إلى شرق أفريقيا، بمقدار ما ينجذب إلى شمال وادى النيل!

ولست أعرف إذا كان ذلك ما نريده؟

ثم أذكر بشىء:

- لقد كان بين الأسس التى تم عليها حل الأزمة اللبنانية هو العودة إلى "اتفاقية القاهرة"، التى نظمت علاقات المقاومة الفلسطينية مع السلطة اللبنانية.

اسمها "اتفاقية القاهرة"، لأنها عقدت فى القاهرة، يوم كانت القاهرة: "مغامرة"!

كانت الخلافات إذن قبله، والخلافات مستمرة بعده.

ولربما تغيرت الخطوط، وتبدلت الصداقات والخصومات، وخفت موازين وثقلت موازين.

لكن الخلافات مستمرة، والصراع دائر.

بل لعلنا ننسب إلى جمال عبد الناصر فضل "تمدين" الخلافات العربية، فقد رفعها من مستوى ثارات قديمة بين الملوك والقبائل والعشائر والطوائف - فجعلها حركة جماهير، وقضايا مستقبل ومصير: استقلال سياسى - تحرر اجتماعى - نضال وحدوى - تأثير عالمى - موارد تعود إلى أصحابها - سيطرة الشعب على وسائل الإنتاج - تخطيط... تأمينات... تصنيع... تأميم... زرع صحارى - بناء سدود - إلى آخره... إلى آخره.

أى صوت كان هناك بالنداء على هذا كله أعلى من صوته؟ وأى حركة كانت هناك نحو هذا كله أقوى من حركته؟

من؟ وأين؟

105724557.jpg

ألام على هواك وليس عدلا ................ إذا أحببت مثلك أن ألاما

رابط هذا التعليق
شارك

اخي العزيز Arsen Loben ...

والله انا مش عارفة اقولك ايه. بس بجد إثرائتك للمنتدي في مواضيع لمصر لا لعبد الناصر وحديث المبادرة اكتر من رائعة. و حقيقي مش قادرة الاقي الكلام اللي اشكرك بيه. بس حقيقى الف مليون شكر، وربنا يكرمك ويديلك دايما كل الخير.

وكلام في سرك عشان ماحدش يخنقني... انا ناصرية خالص جدا يعني (وراثة بقى)

حقيقي الزعيم خالد الذكر (جمال عبد الناصر) زي مااستاذ حسنين كروم بيحب دايما يوصفه...اتظلم كتير جدا من الناس اللي بتقيم تجربتة من خلال عيوبها بس

لا تيأسن من لطف ربك

إن كنت تغدو في الذنـوب جليـدا ... وتخاف في يوم المعاد وعيـدا

فلقـد أتاك من المهيمـن عـفـوه ... وأفاض من نعم عليك مزيـدا

لا تيأسن من لطف ربك في الحشا ... في بطن أمك مضغة ووليـدا

لو شــاء أن تصلى جهنم خالـدا ... ما كان أَلْهمَ قلبك التوحيــدا

من شعــر الإمام الشافعي

siwa2cq6.jpg

رابط هذا التعليق
شارك

الحديث التاسع: النكسة.....1967

ثم يصلون إلى سنة 1967، وهزيمتها المؤلمة، يقولون:

- "والهزيمة... مسئوليته عن الهزيمة سنة 1967؟".

وأقول على الفور:

- إن جمال عبد الناصر مسؤول عمّا حدث سنة 1967، وقد قبل هو بتحمل كل المسئولية فيما جرى، وصارح بذلك شعبه وأمته، وكانت رغبتهما بعد ذلك معاً هى الطلب بأن يظل فى موقعه ويقود الحرب... لقد خسرنا معركة، ولكن الحرب مستمرة!

ولعلى أقول بعد ذلك أن مسئولية عبد الناصر، فى الدرجة الأولى، تنبع من سببين:

* السبب الأول: الخطأ فى حسابات عملية إغلاق خليج العقبة.

* السبب الثانى: الخطأ فى ترك المشير عبد الحكيم عامر يقود المعركة فعلاً، بينما هو - علمياً - لا يصلح لقيادتها، لأنه تحول فى الحقيقة عند رتبة الرائد، من ضابط إلى سياسى.

ومع ذلك، فلكى توضع مسؤولية جمال عبد الناصر فى إطارها العملى والتاريخى فإنه يتحتم علينا إلقاء نظرة واسعة على الصورة العامة للموقف السياسى والعسكرى، كما بدت أمامه وقتها.

... أولاً - أبدأ برؤيته العامة لمجرى الصراع العربى - الإسرائيلى.

كان جمال عبد الناصر حريصاً كل الحرص فيما يتعلق بالصدام المسلح مع إسرائيل لعدة أسباب:

1- كان يرى أن الصدام المسلح مع إسرائيل لابد فيه من حساب احتمالات التدخل الأمريكى، وهو احتمال قائم يستهدف فرض الهزيمة على العرب - إذا استطاع - أو سلبهم ثمار النصر - إذا استطاعوا - وإذن فإن نجاح الصدام المسلح فى رأيه كان مرهوناً بظرف دولى وعربى ملائم تكون فيه القوة الأمريكية مصابة بالشلل، أو يمكن إصابتها به.

2- كان رأيه أن القوات المسلحة المصرية تحتاج على الأقل إلى خمسة عشر عاماً تستوعب فيها سلاحها الذى حصلت عليه من الاتحاد السوفيتى، ولم يكن يقيس هذه المدة بتاريخ عقد أول صفقة سلاح سنة 1955، وإنما كان يقيس ابتداءً من سنة 1957 - ومن هنا، فقد كانت الفترة المحتملة للصدام المسلح فى تقديره هى الفترة الواقعة ما بين سنة 1972 وسنة 1975.

3- حتى يجىء هذا الوقت وتسنح فرصته، فقد كان جمال عبد الناصر يعتقد اعتقاداً راسخاً فى سياسة يسميها هو "سياسة السنطة وشعرة ذيل الحصان"، وهى تسميه مستمدة من حياة صعيد مصر وممارساته اليومية، وكان جمال عبد الناصر يشرح سياسته، فيقول:

"إن السنطة نوع من البثور يظهر على الجسم ويتكلس، وأهل الصعيد فى مصر يعالجونه بأن يجىء الواحد منهم بشعرة من ذيل حصان ويلفها حول النمو الدخيل على جسده، ثم يحكم شدها بحيث يحبس مرور الدم إليها، وتبدأ الإصابة بعد أيام تتجمد، ثم تبدأ فى الذبول، ثم تقع من تلقاء نفسها".

وكان رأى جمال عبد الناصر أن إسرائيل نمو دخيل فى وسط الجسد العربى، وأن مقاطعتها وإحكام الحصار من حولها وتشديد الضغط عليها كل يوم، سوف يؤدى إلى حبس الدم عن خلاياها، ومن ثم إلى ضمورها وسقوطها.

المهم أن نرفض التعامل معها باستمرار، المهم أن لا يخف حصارنا عنها طول الوقت، المهم أن تحس بضغطنا من حولها ليل نهار.. وحتى إذا اضطررنا بعد ذلك إلى استعمال القوة المسلحة، فإن استعمال القوة يجىء فى أكثر الظروف ملاءمةً.

وكانت له نظريته فى استعمال القوة المسلحة مع إسرائيل، كان يرى أن الظروف العالمية لا تعطى العرب فرصة تحقيق نصر حاسم نهائى فى معركة واحدة..

وهكذا ظل يتصور سلسلة من المعارك تحقق كل منها نصراً جزئياً - عسكرياً وسياسياً - ثم يكون من أثر تراكم هذه الانتصارات كلها أن يشعر المشروع الصهيونى فى فلسطين بأن لا أمل له فى البقاء.

... ثانياً - تصوره العام لمجرى الصراع سنة 1967.

مع بداية سنة 1967، فإن جمال عبد الناصر راح يتابع صورة التطورات فى الشرق الأوسط باهتمام مشوب بحذر شديد - لعدة أسباب:

1- كان يشعر أن علاقاته بالولايات المتحدة الأمريكية قد وصلت إلى نقطة عنف شديد عبر عنها قرار الرئيس الأمريكى "ليندون جونسون" بوقف بيع القمح الأمريكى إلى مصر.

2- لم يكن يستبعد، والأمر كذلك، أن تلجأ الولايات المتحدة إلى "الرادع الإسرائيلى"، كما فعلت بريطانيا وفرنسا فى حرب السويس سنة 1956.

3- كان يرى أن الظروف غير ملائمةً له عسكرياً بسبب وجود فرقتين من الجيش المصرى فى اليمن وقتها، وكان يقدر أنه إذا أرادت إسرائيل استغلال فرصة، فهذه هى الفرصة المتاحة لها، وكان قد حاول من قبل أكثر من مرة أن ينهى معركة اليمن، ولكن محاولاته جميعاً لم تصل إلى نتيجة، وتلك قصة أخرى على أى حال!

ومن المفارقات أن الملك حسين ملك الأردن بعث إليه فى ذلك الوقت برسالة مع الفريق عبد المنعم رياض، يحذره فيها من مؤامرة تستهدف جره إلى معركة فى ظروف غير ملائمة - وكان ذلك متفقاً مع إحساسه العام.

... ثالثاً - موقفه إزاء التهديد الموجه إلى سوريا.

عندما بدأ ليفى أشكول - رئيس وزراء إسرائيل فى ذلك الوقت - وتبعه إسحاق رابين - رئيس هيئة أركان حرب الجيش الإسرائيلى - يوجهان التهديدات الصريحة إلى سوريا، ويتحدثان علناً عن "الزحف على دمشق"، بدأ جمال عبد الناصر يتقصى حجم الخطر الموجه إلى سوريا..

وتصادف فى ذلك الوقت أن كان أنور السادات فى موسكو عائداً من رحلة فى "كوريا الشمالية"، فإذا بالرئيس "نيكولاى بادجورنى" يطلب إليه نقل رسالة إلى عبد الناصر عن الخطر الموجه إلى سوريا، وعن استعدادات إسرائيل لتوجيه ضربة إليها.

وتواترت معلومات عن حشد ما بين تسعة ألوية إلى أحد عشر لواءً أمام سوريا.

ثم تلقى جمال عبد الناصر من دمشق تقريراً بعث به السفير السورى هناك وقتها، وهو الأستاذ صلاح الطرزى، يقول: "أن مصادر موثوق بها أكدت له أن الهجوم على سوريا قد تحدد بالفترة ما بين 16 و22 مايو".

وهكذا واجهته ضرورة اتخاذ قرار، فلقد تأكدت أمامه احتمالات ضربة عسكرية موجهة إلى سوريا، ولم يكن فى مقدور مصر أن تقف مكتوفة اليدين.

(ولست أعرف ماذا كانوا يقولون عنه أو عن مصر لو أنه وقف ساكتاً، ولم يتحرك، وترك سوريا للغزو وحدها؟!).

... رابعاً - قراره بالحركة لمساعدة سوريا وتخفيف الضغط عنها.

كان عليه أن يتحرك قبل 16 مايو.

وفى يوم 13 مايو أصدر قراراً بحشد قوات مصرية فى سيناء تأهباً واستعداداً..

ونستطيع أن نتصور اتجاهات تفكيره فى تلك الفترة من خلال مقابلة بينه وبين "الدكتور إبراهيم ماخوس" وزير خارجية سوريا الذى طار للاجتماع به فى القاهرة يوم 16 مايو.

وبدأ الدكتور ماخوس يروى أمامه معلومات دمشق عن الحشود الإسرائيلية ونواياها، وعن تأكيدات السوفيت لهذه الحشود والتحذير منها.

ثم قال الدكتور ماخوس: "أن السوفيت أبلغوا السفير السورى فى موسكو بأنهم سوف يبذلون كل جهدهم لمساعدة سوريا فى أى شىء تتعرض له، حتى ولو اضطروا للتدخل العسكرى".

وبدأ جمال عبد الناصر يتكلم، وكان قوله بالحرف الواحد، نقلاً عن الوقائع الرسمية لتلك المقابلة:

"ليس واضحاً أمامى ما يستطيع السوفيت عمله لمساعدتكم. تقديراتنا أنهم سوف يعطون تأييداً معنوياً، ولكنى لا أرى فرصة لتدخلهم عملياً".

سوف يساعدون فى الأمم المتحدة، وربما وجهوا إنذاراً لأمريكا وإسرائيل، ولكن غير ذلك، ماذا يستطيعون؟.. كيف يتدخلون عملياً عبر تركيا أو إيران؟".

واستطرد جمال عبد الناصر:

- "إننا بحشد قواتنا فى سيناء أردنا أن نقوم بمظاهرة كبيرة، ولكى يكون من هذه المظاهرة رسالة لإسرائيل تجعلها تفكر مرة ثانية.

ولكنى أرجوكم أنتم فى سوريا أن تضبطوا أعصابكم، ولا تدفعوا الأمور إلى نقطة الخطر.

إننى لا أريد أن أقفل باب التراجع وراء إسرائيل. أريدهم أن يتراجعوا بهدوء، ولا أريد أن أجعل هذه العملية صعبة عليهم، فمن الخطر فى أوقات الأزمات أن تغلق وراء عدوك باب التراجع إذا لم تكن تريد الصدام الفورى معه".

واستطرد جمال عبد الناصر:

- "خطتى الآن أن أترك قوات الطوارئ فى شرم الشيخ وغزة.

لقد طلبنا سحبهم من الخط الواقع بين "طابا" و"رفح" لفتح خط المواجهة أمام تدخلنا، لو اضطررنا إلى ذلك.

لكن خروجهم من "شرم الشيخ" سوف يؤدى إلى تعقيدات كثيرة، ثم أن خروجهم من قطاع غزة ليس فى صالحنا، لأننا لا نستطيع الدفاع عن القطاع فى حالة نشوب عمليات.. من ناحية لأنه ليس لنا فيه قوات ثقيلة بحكم اتفاقيات الهدنة، ومن ناحية أخرى لأن القطاع لا يسمح بأى مناورة فى الحركة.

وأريدكم فى دمشق أن تعرفوا أن الموقف دقيق، وعلينا أن نعالجه بأعصاب باردة، وأنا أطلب منكم أن تساعدونى بالامتناع عن أى عمل استفزازى فى هذه الظروف الساخنة".

وخرج الدكتور إبراهيم ماخوس، ويلفت النظر أن جمال عبد الناصر استدعى بعده مباشرةً سفير الاتحاد السوفيتى فى القاهرة، وهو وقتها السفير "بويجداييف"، وقال له:

- "إنى أريدهم أن يعرفوا فى موسكو أننا أخذنا بعض التدابير العسكرية بناءً على ما أكدوه لنا من معلومات عن الحشود الإسرائيلية.. إن ما قالوه لأنور السادات كان العامل الأكثر تأكيداً لما كان لدينا من معلومات. وبالتالى، فإنى أريدهم فى هذه الفترة أن يتنبهوا إلى ما يجرى فى الشرق الأوسط، خصوصاً وهم يتحملون - أدبياً - جزءً كبيراً من مسئولية تطورات الحوادث".

... خامساً - قرار إغلاق خليج العقبة.

كان الطلب المصرى الأساسى هو إخلاء قوات الأمم المتحدة من خط المواجهة بين "طابا" و"رفح"..

ولكن "يوثانت" السكرتير العام للأمم المتحدة، بناءً على نصيحة من مساعده الأمريكى الدكتور "رالف بانش"، قال إن "عمل قوات الطوارئ هو مهمة سلام لا تتجزأ".

وبالتالى "فليس هناك مجال لسحب جزء من القوة وإبقاء جزء منها، لأن وجود القوة فى رأيه "مهمة " تؤديها بالكامل أو تتخلى عنها بالكامل.

وإذن فهى إما أن تبقى فى مواقعها كما هى، وإما أن تنسحب من جميع مواقعها، وهذا حق مصر على أى حال بمقتضى اتفاقها مع سلفه داج همرشولد سنة 1957".

ولم يكن أمام جمال عبد الناصر من حل إلا أن يطلب سحب القوة من كل مواقعها، وإلا فإن هذه القوة سوف تكون مانعاً بينه وبين أى عمل لنجدة سوريا.

وكان طلب خروج القوة كلها.

ووصلت وحدات الجيش المصرى إلى شرم الشيخ.

وطرحت حكاية خليج العقبة نفسها على الموقف.

يقفل الخليج أو لا يقفل فى وجه الملاحة الإسرائيلية؟

إن إغلاق الخليج حق مصرى بمقتضى قوانين السيادة والحرب.

ثم إن إغلاق الخليج أمام الملاحة الإسرائيلية كان مطلباً عربياً يلح به الكل على مصر، ولكن القرار لابد أن يصدر بعد دراسة مسئولة.

ودعيت اللجنة التنفيذية العليا لاجتماع طارئ، وطرح أمامها موضوع إغلاق خليج العقبة، وقررت اللجنة بإجماع الآراء إغلاق الخليج أمام الملاحة الإسرائيلية تمسكاً بحق السيادة، ونزولاً على مقتضيات حالة الحرب، واستجابةً لمطلب عربى ملح، ثم إقراراً بأمر واقع نشأ عن سحب قوة الطوارئ الدولية من كل سيناء.

اللجنة كلها - بإجماع الآراء - قررت، ولم يكن القرار انفرادياً من جمال عبد الناصر.

(الغريب أننى كتبت فى ذلك الوقت محذراً من مخاطر إغلاق خليج العقبة، قائلاً أن هذا القرار يعنى الحرب. ويومها اُتهمت علناً بالانهزامية، وبين الذين اتهمونى وقتها بعض الذين يتهمون جمال عبد الناصر اليوم بالتهور فى ذلك القرار!).

... سادساً - تقدير جمال عبد الناصر لاحتمالات الحرب.

فى ذلك الوقت كانت كل المعلومات تشير إلى أن اتجاه الحشود الإسرائيلية قد تغير، فلقد راحت القوات التى كانت فى شمال إسرائيل إلى جانب قوات أخرى - تندفع بأقصى سرعة إلى الجنوب.

واستدعى جمال عبد الناصر سفير الاتحاد السوفيتى مرة أخرى إلى مقابلته ليقول له:

- "أن الحشود كلها الآن على الجبهة المصرية.

لم يعد الخطر الإسرائيلى موجهاً إلى سوريا، وإنما هو الآن موجه إلى مصر".

وفى نفس الوقت كان تقدير جمال عبد الناصر كما يلى:

1- إنه سوف يبذل جهداً سياسياً مكثفاً لكى يحول دون اندلاع عمليات عسكرية.

2- إن نسبة احتمال نشوب عمليات عسكرية سوف تقل مع الوقت ومع نقل التركيز من المجال العسكرى إلى المجال السياسى.

3- إذا حدث ونشبت عمليات عسكرية فإن القوات المسلحة المصرية سوف تكون قادرة على خوض معركة دفاعية طويلة، إما على الخط الأول قرب الحدود الدولية، وإما على الخط الثانى فى وسط سيناء إذا اقتضى الأمر..

وإذا طالت المعركة الدفاعية فإن إسرائيل لا تستطيع تحمل استمرارها بوضع التعبئة العامة الكاملة.

4- إن نشوب عمليات عسكرية فى الشرق الأوسط سوف يخلق أزمة مواجهة عالمية، وذلك سوف يضغط بشدة من أجل وقف إطلاق النار وعودة القوات إلى مواقعها الأصلية.

وهكذا بدت المهمة الأولى أمام جمال عبد الناصر أن يتحرك سياسياً بأوسع ما يمكن.

... سابعاً - الحركة السياسية لجمال عبد الناصر وقتها.

فى تلك الظروف بدأ جمال عبد الناصر حركة سياسية، لعلها من أصعب ما قام به فى حياته، وكان يتحرك طول الوقت، وبأقصى ما يمكن من الفهم والحذر، وكان يشعر أنه فى سباق مع الزمن ومع الخطر.

وجاءته رسالة من الرئيس الأمريكى "ليندون جونسون" يناقش فيها تطورات الموقف معه، ثم يطلب إليه أن يبحث معه عن صيغة لمعالجة الموقف، ثم يقول فى نهاية الرسالة:

"أن الولايات المتحدة - وقوى أخرى - طلبت إلى السكرتير العام للأمم المتحدة يوثانت أن يطير إلى منطقة الأزمة، وأن يرى ما يمكن عمله على الطبيعة، وإنى أناشدكم أن تتعاونوا معه إلى أقصى حد ممكن".

ورد جمال عبد الناصر بأنه "سيبذل كل جهده ليفتح سبلاً أمام يوثانت، ولا يغلق أمامه طريقاً يمكن أن يؤدى إلى تخفيف حدة التوتر".

وتمكن جمال عبد الناصر من تجنيد كل جهد الجنرال ديجول الرئيس الفرنسى.

بعث إليه ديجول يرجوه أن لا يطلق الرصاصة الأولى.

ورد على ديجول بأنه لن يطلق الرصاصة الأولى.

ثم بعث إلى ديجول بملخص رسالة جونسون إليه، وأضاف إليها تأكيده بأنه سيبذل كل جهده للتعاون مع السكرتير العام للأمم المتحدة.

وحرك مجموعة عدم الانحياز كلها.

واستغل رصيده الضخم فى أفريقيا كواحد من مؤسسى منظمة الوحدة الإفريقية.

وحين جاء "يوثانت" إلى القاهرة، التقى به جمال عبد الناصر ومعه الدكتور محمود فوزى مستشاره للشئون الخارجية وقتها، والسيد محمود رياض وزير خارجيته وكان الاجتماع الحاسم مع يوثانت يوم 24 مايو.

وفى هذا الاجتماع بدأ جمال عبد الناصر يعرض تطورات الحوادث، ثم بدأ يعرض وجهات نظره، واستمر الحوار ساعات. ثم خرج يوثانت باقتراح محدد.

قال بالحرف:

- "سيادة الرئيس... نحن الآن نحتاج إلى وقت، ولذلك فإنى أفكر فى أن أطلب إلى جميع الأطراف أن يعلنوا "موراتوريوم" على "تصرفاتهم".

وسأله جمال عبد الناصر:

- ماذا تعنى "بموراتوريوم"؟

وقال يوثانت:

- "الامتناع عن الحركة.. تجميد الموقف على ما هو عليه..

أطلب منك مثلاً وقف إجراءات الحصار فى خليج العقبة.

أطلب من إسرائيل أن لا تتحدى الحصار.

وأطلب منك أن لا تفتش بواخر أطراف ثالثة.

وأطلب من كل الأطراف الثالثة أن لا تنقل بضائع استراتيجية إلى إسرائيل. أطلب تجميد الموقف".

وانتظر يوثانت ليرى أثر كلامه.

ولكن جمال عبد الناصر استأذنه فى أن يسمح له أن يتكلم بالعربية مع مساعديه: مستشاره الدكتور محمود فوزى ووزير خارجيته محمود رياض.. ودار حديث بين الثلاثة بالعربية، ويوثانت ينتظر.

والتفت جمال عبد الناصر إلى يوثانت وقال له:

- "إننى أريد أن أتعاون معك، إلى أقصى حد.

وإذا طلبت منى إعلان موراتوريوم فسوت أقبل، ولكن الأمر مرهون بقبول الأطراف الأخرى".

وقال يوثانت:

- لهذا فإنى لا أطلب ذلك منك الآن، وإنما سوف أطلبه بعد عودتى إلى نيويورك وبعد أن أتشاور مع كل الأطراف، وبالذات الدول الكبرى صاحبة العضوية الدائمة فى مجلس الأمن.

وسافر يوثانت.

ولم ينتظر جمال عبد الناصر ساكناً.

وإنما أصدر أوامره بتخفيف إجراءات الحصار عن خليج العقبة - إلا فيما يتعلق بالبواخر الإسرائيلية - وبتجنب أى حادث مفاجئ يمكن أن يفجره تطبيقها.

واصل اتصالاته مع ديجول.

وبعث وفداً خاصاً إلى موسكو.

وبعد أيام، وبالتحديد يوم 30 مايو جاءته الرسالة المنتظرة من يوثانت، وكان نصها - وأنا أنقل عن أوراق الأمم المتحدة - كما يلى بالحرف:

"سيادة الرئيس.

إننى أعرف من محادثاتى الأخيرة معكم ومع وزير الخارجية محمود رياض، أنكم تدركون تماماً الدوافع التى تدعونى إلى توجيه هذا النداء الشخصى والعاجل إليكم.

إنكم سوف تلاحظون أن ما أطلبه منكم ينبع فقط من رغبتى ومن مسئوليتى العميقة التى تدعونى إلى عمل كل شىء فى استطاعتى من أجل تفادى كارثة نشوب حرب جديدة فى الشرق الأوسط.

وخلال زيارتى للقاهرة فإن موقفكم وسياستكم فى مسألة خليج العقبة قد جرى إيضاحها لى، وأريد أن أركز على الأهمية الكبرى التى أعلقها على رد فعل إيجابى من جانبى لمناشدتى هذه لكم، بدون تأثير ضار على موقفكم أو سياستكم.

إننى أطلب وقتاً، ولو فسحة محدودة من الوقت، لكى أستطيع أن أعطى فرصة للمشاورات وللجهود الدولية التى تحاول أن تبحث عن مخرج من الموقف الحرج الراهن..

وأريد أن ألفت انتباهكم بصفة خاصة إلى ما قلته فى تقريرى إلى مجلس الأمن بتاريخ 26 مايو. إننى أرى أن إيجاد مخرج سلمى من هذه الأزمة يتوقف على فسحة من الوقت يمكن فيها تخفيف حدة التوتر من مستواه المتفجر الحالى.

وبناء على ذلك فإننى هنا أدعو جميع الأطراف المعنية إلى ممارسة ضبط النفس، وإلى تجنب أى أعمال عدائية يكون من شأنها زيادة التوتر..

وهدفى من ذلك أن أعطى مجلس الأمن فرصة لعلاج المشاكل التى تنطوى عليها الأزمة، والبحث عن حلول لها.

وإنى الآن أناشدك يا سيادة الرئيس، كما أناشد رئيس الوزراء أشكول وكل الأطراف المعنية إلى ممارسة الحذر عند هذا المنعطف الخطير.

وبالذات، وبدون طلب أى تعهدات منكم، أو حتى رد - فإنى أريد أن أعرب عن الأمل فى أن تمتنعوا خلال مدة أسبوعين من لحظة استلامكم لهذه الرسالة - عن أى تدخل فى الملاحة غير الإسرائيلية عبر مضايق تيران.

وفى هذا الخصوص فهل لى أن أخطركم - وفى كل الأحوال - أن لدى من الأسباب ما يجعلنى أفهم أنه فى الظروف العادية فإنه ليس متوقعاً أن تحاول أى باخرة إسرائيلية عبور مضايق تيران خلال مدة الأسبوعين المحددين.. بل إنى أستطيع أن أؤكد لكم، حسب أدق المعلومات لدى، بأنه خلال السنتين والنصف الأخيرتين لم تقم أى باخرة ترفع العلم الإسرائيلى بالمرور فى مضايق تيران.

وأستطيع أن أكرر لكم، يا سيادة الرئيس، أننى بصفة خاصة، وكذلك المجتمع الدولى كله بصفة عامة، سوف نقدر تقديراً كبيراً هذه المبادرة من جانبكم.

وأرجوكم أن تقبلوا يا سيادة الرئيس أصدق أمانى واحترامى الشخصى.

يوثانت

هذه البرقية - وهى تنشر الآن لأول مرة - كان لها تأثير كبير فى القاهرة، وكانت دراستها تفصيلاً تعطى إشارات واضحة:

1- إن هذه الرسالة لم تكن لتصدر عن يوثانت إلا وهى موضع اتفاق بين القوى الكبرى، وبالذات الولايات المتحدة.

2- إن التأكيد على عدم توقع مرور بواخر إسرائيل تتحدى الحصار معناه أن يوثانت كان على اتصال مباشر أو غير مباشر بإسرائيل.

3- إن حدة الأزمة ربما تتوقف عند الدرجة التى بلغتها الآن.

4- إن هناك أسبوعين قادمين من الانتظار قبل أن تتحرك الحوادث.

كانت هذه الرسالة بتاريخ 30 مايو.

ثم تأكد هذا كله برسالة الرئيس "جونسون" المباشرة إلى جمال عبد الناصر يرجوه فى مقابلة ممثل شخصى له، وهو "روبرت أندرسون"، الذى جاء بالفعل وقابل جمال عبد الناصر، ثم تم الاتفاق بينهما على رحلة يقوم بها نائب رئيس الجمهورية المصرى السيد زكريا محى الدين إلى واشنطن لمقابلة الرئيس "جونسون" والتباحث معه. ثم غادر "أندرسون" القاهرة، وبعث إلى جمال عبد الناصر ببرقية من روما يؤكد فيها أن الرئيس الأمريكى سوف يكون فى انتظار زكريا محى الدين صباح يوم الثلاثاء 6 يونيو!.

... ثامناً - ماذا حدث إذن بعد ذلك؟

كان من حق جمال عبد الناصر أن يستريح، وأن يتصور أن التوتر تخف حدته، والغريب أنه لم يسترح وإنما ذهب يوم الجمعة 2 يونيو ليحضر اجتماعاً للقيادة العامة للقوات المسلحة، يقول فيه:

- إنه يخشى من الأيام الثلاثة القادمة.

وكان فى تلك الفترة بين عاملين:

* عامل الاطمئنان على سير تطورات الحركة السياسية.

* عامل القلق على احتمالات ضربة إسرائيلية مفاجئة، ثم كان فى ذهنه أنه مهما كانت الظروف فإن القوات المسلحة قادرة على خوض معركة دفاعية طويلة النفس.

وما لم يكن يعرفه جمال عبد الناصر فى ذلك الوقت هو أن الولايات المتحدة - كما ثبت عملياً فيما بعد - كانت تتحرك بسياستين:

* سياسة فى وزارة الخارجية.

* وسياسة أخرى فى وكالة المخابرات المركزية.

كانت وزارة الخارجية تتعامل مع يوثانت... أو هكذا تقول!

وكانت المخابرات المركزية تتعامل مع المؤسسة العسكرية فى إسرائيل وهذا الآن مؤكد!

وجاء صباح يوم الاثنين 5 يونيو، واختلفت التطورات مع تقديرات جمال عبد الناصر، خصوصاً فيما يتعلق "بمعركة دفاعية ذات نفس طويل".

ووقع الخطئان القاتلان:

1- ضربة الطيران الإسرائيلى، والطريقة التى نجحت بها هذه الضربة.

2- قرار الانسحاب من سيناء، وقد صدر صباح 6 يونيو.

وأخفيت جسامة ضربة الطيران عن جمال عبد الناصر... ولم يعرف بقرار الانسحاب، إلا بعد صدوره بوقت طويل. ولا أريد أن أخوض هنا فى تفاصيل أكثر..

... تاسعاً - الهزيمة.

لقد نسينا عندما وقعت الهزيمة أن حربنا مستمرة.

1- كان شعورنا بالمهانة شديداً، ولهذا أسباب تبرره، ولكننا كان يجب أن ندرك أن بين أهداف أعداء العرب تلطيخ سمعة الجيش المصرى، وإقناع الشعب المصرى والأمة العربية أنه ليس فى مقدور أيهما أن يعتمد عليه. كان من أهدافهم أن يسقونا الشعور بالمهانة، وأن يترسب هذا الشعور بالمهانة إلى أعماق أعماقنا... وساعدناهم وشربنا.

لقد هزمت أمم قبلنا فى معارك، ولكنها لم تعتبر هزيمة معركة خسارة للحرب، طالما أنها تملك إرادتها.

لم تشعر أمريكا بالمهانة بعد "بيرل هاربور" وقيام السلاح الجوى اليابانى بتدمير كل الأسطول الأمريكى... وإنما شعرت بالتصميم.

ولم تشعر بريطانيا بعد الهزيمة الساحقة فى "دنكرك"... وإنما شعرت بالتصميم.

بل أن فرنسا التى استسلمت لهتلر.. استغلت مقاومة ضابط واحد رفض الهزيمة، وهو "ديجول"... واعتبرته ممثلاً لإرادتها، واعتبرت انتصار الحلفاء انتصاراً لها.

أما نحن، فلم نفعل ذلك.

كانوا يريدون أن يصدروا لنا المهانة... وكنا نحن على استعداد، وبشدة، أن نستوردها!

2- كان الشعور فى العالم العربى بخيبة الأمل شديداً - وكان له ما يبرره بطبيعة الحال - ولكن كان لا بد أن يتذكر الجميع أنه بداية ونهاية ليس هناك غير هذا الجيش المصرى فى الخط الأول - ومع جيوش عربية أخرى - يستأنف القتال.

3- الغريب أنه مع ظهور دور "التواطؤ" الأمريكى، فقد ظل اللوم يصب على مصر وقيادتها وجيشها بمنطق هؤلاء الذين "لا يقولون للضارب لا تضرب ولكن يقولون للمضروب لا تصرخ"!

... عاشراً - مسئولية جمال عبد الناصر.

وجمال عبد الناصر مسئول، ولا يمكن لأحد أن يعفيه من مسئوليته، بل ولم يقبل هو بديلاً عن الاعتراف بها كاملة، ولم يتمسح بشىء، ولا توارى خلف أحد.

وعندما يجىء وقت الحكم التاريخى عليه فى مسألة الهزيمة، فلابد أن توضع فى الاعتبار عوامل كثيرة:

1- ظروف الأزمة وتداعيها، وهل كان فى وسعه أن يتقاعس عن نجدة سوريا؟

2- قيادته للحركة السياسية فى الأزمة، والطريقة حاول بها تفادى الانفجار.

3- تمثيله للإرادة العربية فى الصمود بعد الهزيمة، وهذا فى حد ذاته من أمجد مواقفه، فالهزيمة الحقيقية هى هزيمة الإرادة، وليست الهزيمة هى التراجع عن أرض... خصوصاً وأن الصراع طويل ومستمر.

4- نجاحه فى إعادة بناء القوات المسلحة فى ظرف ستة شهور من الهزيمة.

5- عودته إلى ميدان القتال طبقاً لسياسة الدفاع - والردع - والتحرير، وقد بلغت عودته إلى ميدان القتال قمتها فى حرب الاستنزاف التى هى الجولة الرابعة فى الحرب العربية - الإسرائيلية.

6- استعداده وتخطيطه لمعركة التحرير.

7- ثم أن الهزيمة بكل مسئولياتها يجب أن توضع فى إطارها من كفاحه كله، فلم تكن معركة 5 يونيو هى معركته الوحيدة، وإنما كانت واحدة من معاركه... نجح فى بعضها، ولم ينجح فى البعض الآخر.

وبعد مئات السنين، وحينما يكتب التاريخ بشرف وأمانة، وبغير أحقاد وعقد، فإن التاريخ سوف ينصف جمال عبد الناصر حتى فى هزيمة سنة 1967... أبسط ما سوف يقال عنه:

أنه كان رجلاً... تحمل مسئوليته بشجاعة، وتقبل الحساب عنها فى كبرياء..

ومثل كرامة وإرادة أمة بأسرها فى يوم من أحلك أيامها... وكان وسط الظلام والعواصف والمؤامرات الدولية: إنساناً آمن بوطنه وأمته وبمثلهما العليا، وأعطى حياته لخدمة هذه المثل بشرف، وأصاب مرات وأخطأ مرات، لكنه حارب طول الوقت بإيمان ويقين، ولم يستسلم حتى النفس الأخير.. وكذلك يفعل الرجال.

105724557.jpg

ألام على هواك وليس عدلا ................ إذا أحببت مثلك أن ألاما

رابط هذا التعليق
شارك

الحديث العاشر: الصدام مع الولايات المتحدة الأمريكية

ولا يسكتون...

كلما ضاعت منهم حجةٌ جاءوا بغيرها، وكلما طاش لهم سهمٌ فى الفضاء أسرعوا إلى الجعبة يبحثون عن سهمٍ آخر ويصوبون!

- لقد بادر الولايات المتحدة الأمريكية بالعداء، ولم يعطها نفساً حلواً، ولا طالعها بوجهٍ مبتسم... ما لنا نحن والولايات المتحدة وهى القوة الأعظم القادرة على النفع والضرر... ثم ماذا كانت نتيجة عدائه لها غير انحيازها الكامل إلى جانب إسرائيل وغير ضغوطها علينا تشتد حتى كسرت لنا الضلوع؟!

ونسأل:

- هل فعل جمال عبد الناصر ذلك، وهل اندفع فعلاً كالثور الأحمق إلى معركة غير متكافئة؟

وتقول لنا نظرة واحدة على خريطة أحداث الشرق الأوسط منذ سنة 1952 أن ذلك لم يحدث... بل الغرابة أن ما حدث هو عكس ما يقولون.

لقد بدأ جمال عبد الناصر دوره على الساحة المصرية والعربية وهو يحسن الظن كثيراً بالولايات المتحدة الأمريكية ومبادئها وسياساتها، وكانت الورقة الأمريكية فى ظنه - ذلك الوقت - ورقة محترمة وقوية وحظها فى النجاح أقرب من حظوظ غيرها من أوراق لعبة الشرق الأوسط.

كانت الولايات المتحدة خارجة من الحرب العالمية ضد الفاشية فى مكانة الديمقراطية الكبرى، وكانت الأفلام الأمريكية تعطى صورة مغرية عن مجتمع جديد، ولم تكن هناك بعد وكالة مخابرات مركزية، ولا كان هناك ضغط بالمعونات أو بالحصار الاقتصادى أو بغارات الحرب النفسية. لم تكن صورة الأمريكى القبيح قد رُسمت بعد، ولا كان هناك "خليج خنازير" فى كوبا، أو مذبحة "ماى لاى" فى فيتنام.

وكانت القوة الأعظم الثانية - شريكة انتصار الحرب ضد الفاشية - وهى الاتحاد السوفيتى - ما زالت بعد تحت حكم ستالين.

وكانت بريطانيا هى عدو العرب فى المشرق... وفرنسا عدوهم فى المغرب.

وهكذا كان الخيار الأمريكى يفرض نفسه، لا على جمال عبد الناصر وحده، وإنما على معظم قيادات حركة الثورة الوطنية.

واستعمل جمال عبد الناصر الورقة الأمريكية فى الضغط على بريطانيا من أجل الجلاء، وحاول أن يحصل منها، بعد ثلاثة شهور من الثورة، على سلاح للجيش المصرى، وتلقى وعداً بذلك، ثم حدث تراجع عن الوعد... وقيل له فى تبرير ذلك بالحرف:

- لقد كانت قائمة طلباتكم من السلاح على مكتب الرئيس الأمريكى الجديد - دوايت آيزنهاور - وكان على وشك أن يبت فيها بالموافقة..

- ولكن ونستون تشرشل - رئيس وزراء بريطانيا - اتصل به تليفونياً وقال:

"هل صحيح أنك ستبيع سلاحاً لمصر؟".

وردّ عليه آيزنهاور:

- بأنه على وشك اتخاذ قرار.

وناشده تشرشل أن يؤجل، لأن جمال عبد الناصر يهدد بحرب شعبية فى منطقة القناة لإجبار الجيش البريطانى على الانسحاب.

ثم أضاف تشرشل:

"إنك لن ترضى أن تعطى للمصريين سلاحاً يقتلون به جنود الجيش البريطانى الذين كانوا تحت قيادتك فى الحرب العالمية الثانية".

وتردد آيزنهاور.

حتى ذلك الوقت - فبراير 1953 - كان جمال عبد الناصر يحسن الظن بالأمريكيين ويجد عذرهم فى الاستجابة لحلفائهم - خصوصاً على المستوى العاطفى - عذراً مقبولاً.

وصدق ما قالوه له، واستجاب لنبرة الود المشوبة بالأسف فى اعتذارهم له.

ومن ناحيتهم، فلست أعتقد أن الأمريكيين - فى ذلك الوقت - أحسنوا تقييم وتقدير جمال عبد الناصر، وثورته فى مصر، وصداها فى العالم العربى.

تصوروه انقلابياً من نوع ما عرفوا فى أمريكا اللاتينية أو غيرها..

ضابط شاب، يقفز على السلطة بالدبابة والمدفع، وفى اليوم الأول يعلن على شعبه آمالاً فى التغيير بلا حد..

ولكن اليوم الثانى يجىء، فإذا بطل الأحلام لا يغير، وإنما يتغير. يلبس رداء السلطة ثم يجمد الأمر الواقع ويثبته، وتذهب الأحلام إلى صحارى الضياع... سراباً رأته العيون لحظة، واتجهت إليه الأقدام فى شوق، فلم تجده حيث تصورته، ولم تعثر له على أثر!

ونستطيع القول بأن جمال عبد الناصر لم يقبل على الخيار الأمريكى متصوراً أن الطريق مفتوح والريح رخاء، فلقد قدر منذ البداية أن هناك أسباباً حقيقية لمشاكل مع الولايات المتحدة ترجع فى معظمها إلى ما رآه وقتها، ووصفه بتعبير "المأزق الأمريكى".

والمأزق الأمريكى، كما تصوره وشخصه وقتها:

أن الولايات المتحدة تجد مصالحها كلها مع العرب.

ولكن الولايات المتحدة ترتبط بإسرائيل بأكثر من سبب:

منها الاعتبارات العاطفية، ومنها التأثير الصهيونى فى الحياة الأمريكية، ومنها ما يعتقده راسمو السياسة فى واشنطن من أن صمام الأمن النهائى فى السيطرة على المنطقة هو إسرائيل.

كان يرى ذلك مأزقاً.. وتصور أنه إذا استطاع أن يساعد على إيجاد حل لهذا المأزق، أو حتى صيغة تعامل مقبول - إذن فإن الولايات المتحدة سوف تغلب مصالحها على أية اعتبارات أخرى، خصوصاً إذا نمت ثقة متبادلة بين الطرفين... بالتعامل الحر والحوار المفتوح وحسن النية المسبق.

وفوجئ جمال عبد الناصر بالتجربة، ووقائع التجربة مع الولايات المتحدة، وفى النهاية كانت له عبارة ترسم خيبة أمله فيها كلها، وكان يقولها فى ألم:

- على كل بقعة من جسمى كى بالنار، مما فعلوه بنا، أو حاولوه معنا!

ومع ذلك لا نسبق الوقائع.

* بدأت الواقعة - أو الموقعة - الأولى بين جمال عبد الناصر وبين الولايات المتحدة فى قضية الأحلاف، لوحوا له بأنهم سوف يساعدون فى إقناع الإنجليز بالجلاء، إذا هو انضم فى حلف دفاعى مع الغرب فى الشرق الأوسط.

وحاول أن يشرح وجهة نظره "لجون فوستر دالاس" وزير خارجية الولايات المتحدة عندما جاء إلى مصر فى ربيع سنة 1953.. قال له:

- "لا أتصور أن فى مقدورنا أن نقبل حلفاً دفاعياً تتحول به قوة الاحتلال من عدو إلى حليف، وبدلاً من العلم البريطانى على قواعد القناة، يرفع علم الحلف.

نحن نريد الاستقلال أولاً لكى تكون لنا إرادة حرة نقرر بها إذا كانت الأحلاف فى صالحنا، أو هى فى غير صالحنا.

وربما قلت لك من الآن أننا لا نراها فى صالحنا، فلست أفهم كيف ننضم إلى حلف ضد الاتحاد السوفيتى وهو بعيد عنا لم يبادرنا بعداء، ثم ننسى أن عداءنا الحقيقى هو مع هؤلاء الذين احتلوا أرضنا من أكثر من سبعين عاماً.

ثم إننى لا أعتبر أن الشيوعية خطر علينا، وإذا كانت خطراً فإن مقاومتها لا تكون بالأحلاف العسكرية، لأن السوفيت لن يهاجموا الشرق الأوسط بالجيش الأحمر، وإنما سوف يحاولون - إذا حاولوا - النفاذ من جهات داخلية ساءت أوضاعها بسبب التخلف والاستغلال والتبعية، ومن هنا فإن دفاعنا الحقيقى ضد الشيوعية يكون بالوطنية بمعناها الحقيقى بكونها خلاصاً من التبعية، وعملاً ضد التخلف، وعدلاً يجد فيه المواطن حياته وكرامته.

ومهما يكن فإنى أسلم بأنه قد تكون هناك أخطار علينا، وأول هذه الأخطار إسرائيل، ووسيلتنا فى مقاومة هذه الأخطار هى ميثاق الدفاع العربى المشترك، أما حلف للدفاع عن الشرق الأوسط، فإنى أخشى أننى فيه سوف أجد نفسى حليفاً لإسرائيل التى تعتبرها شعوبنا كلها عدوها الرئيسى فى هذه المرحلة!".

ولم يفهم جون فوستر دالاس.

وصدرت الإشارة بترك القاهرة جانباً، والاتجاه إلى بغداد لتكون نواة حلف الدفاع عن الشرق الأوسط، ثم بدأ الضغط على غير بغداد من عواصم الهلال الخصيب.

واضطر جمال عبد الناصر إلى أن يقاوم.

وقاوم حلف بغداد دون أن يسد طرقاً أو ينسف جسوراً تقطع المواصلات مع الولايات المتحدة.

* وبدأت الموقعة الثانية من قلب تلك الموقعة الأولى، فقد تصور "دالاس" أنه إذا استطاع أن يرتب لصلح بين مصر وإسرائيل، فإن ذلك سوف يزيل أكبر عقبات اشتراك مصر فى حلف بغداد.

وطارت بعثة فى السر إلى القاهرة، يرأسها "روبرت أندرسون" الذى كان وزيراً للخزانة مع آيزنهاور، والتقى مع جمال عبد الناصر، وعرض عليه رغبة الولايات المتحدة فى السعى بصلح بين مصر وإسرائيل، ولم يجادله جمال عبد الناصر، وإنما وضع أمامه شروطه، وكانت:

* حق شعب فلسطين فى تقرير مصيره على أرضه..

* ثم أن تطمئن مصر إلى أن الاتصال البرى بينها وبين بقية العالم العربى فى المشرق مفتوح، ولا يكون ذلك إلا بتراجع إسرائيل عن النقب.

وسافر أندرسون إلى إسرائيل ليقابل "بن جوريون" وعاد يقول لعبد الناصر:

- "إن بن جوريون ذعر عندما سمع اقتراحاته، فمعناها أن لا تكون هناك إسرائيل".

واستطرد أندرسون يقول:

- إن بن جوريون عرض اقتراحاً وجيهاً، وهو أن يلتقى مع جمال عبد الناصر وجهاً لوجه، وأن يجىء إليه هو فى القاهرة - أو أى مكان غيرها يحدده - سراً أو علناً، حسبما يختار.

ورفض جمال عبد الناصر قائلاً لأندرسون:

- لا أستطيع مقابلته لمائة سبب، على الأقل:

- أولها أنه إذا جاء لمقابلتى فى القاهرة فإننى لا أستطيع أن أضمن سلامته.. وإذا ذهبت للقائه خارج مصر، فما أظننى أستطيع العودة إليها".

ولم يفهم أندرسون... ولا فهم دالاس... ولا فهم آيزنهاور.

وبدأت الشكوك من الناحيتين.

* وجاءت الموقعة الثالثة حين ألحّ جمال عبد الناصر فى طلب السلاح من الولايات المتحدة، فلما أحس أنه لن يحصل على ما طلب، توجه إلى الاتحاد السوفيتى، ولم يعقد صفقة سلاح فقط، وإنما كسر احتكار السلاح فى المنطقة إلى الأبد.

وجن جنون دالاس وبعث إلى جمال عبد الناصر بإنذار شفوى:

- "إنه سوف يقطع المعونة الاقتصادية عن مصر (لم تكن هناك بعد معونة، وإنما كان هناك وعد بها).

- ثم إنه سوف يقطع كل تعامل أمريكى مع مصر.

- ثم إنه على استعداد لقطع العلاقات الدبلوماسية مع مصر.

- وأخيراً، فإنه على استعداد لأن يصل إلى حد فرض حصار بالأسطول السادس على الشواطئ المصرية، يمنع وصول السلاح السوفيتى إليها".

ورفض جمال عبد الناصر الإنذار، وقرر دالاس أن يرسل مساعده فى وزارة الخارجية "جورج آلين" بإنذار مكتوب.

وبعث جمال عبد الناصر إلى السفارة الأمريكية يقول:

إنه سوف يقابل جورج آلين، ولكنه إذا اشتم فى كلامه رائحة تهديد أو إنذار، فسوف يطرده على الفور من مكتبه.

وأدرك دالاس أنه أمام خصم مستعداً للمقاومة وقادراً عليها، فترك التهديد إلى الإغراء، وكان قوله:

- "ليكن.. إن الاتحاد السوفيتى يصدر لكم أدوات الموت.. وأما نحن فسوف نصدر لكم أدوات الحياة، وهكذا فقد قررنا مساعدتكم فى مشروع بناء السد العالى الذى تتحدثون عنه وتحلمون ببنائه".

ثم أبدى دالاس بعد فترة تخوفه من استمرار تدفق السلاح على مصر بحجة أن ذلك سوف يستنفذ مواردها ولا يستبقى منها شيئاً للسد العالى، وهكذا طلب وقف مشتريات السلاح من الاتحاد السوفيتى، ثم طلب وقف المقاومة ضد حلف بغداد.

ورفض جمال عبد الناصر.

وكان قرار دالاس بسحب عرض المساهمة فى تمويل السد العالى.

ورد عبد الناصر بتأميم قناة السويس.. وجاء العدوان البريطانى - الفرنسى - الإسرائيلى، ووقف العالم كله على حافة الهاوية.

واضطر دالاس بعد الإنذار السوفيتى إلى التعاون لفك الأزمة الخطرة.

ولكنه لم يغفر لجمال عبد الناصر ما فعل، وكانت تلك هى الفترة التى بحث فيها أمر جمال عبد الناصر فى اجتماع للمخابرات المركزية، وقال جون فوستر دالاس لشقيقه آلان دالاس.. وهو مدير المخابرات المركزية وقتها:

- "ألا تستطيع المخابرات تصفية مشكلة عبد الناصر".

وهز آلان دالاس رأسه، وبدأت وكالته ترسل فرق الاغتيال واحدة بعد واحدة لاصطياد جمال عبد الناصر.

* ثم الموقعة الرابعة... دالاس يحاول تنفيذ أهداف العدوان الثلاثى بوسائل أخرى.

الحصار الاقتصادى، ثم الحصار السياسى عن طريق عزل مصر بمشروع آيزنهاور، ثم الضغط على سوريا أكبر حلفائه بحكم دورها التاريخى فى الحركة القومية.

وأفلت عبد الناصر من الحصار الاقتصادى، ولم ينجح الحصار السياسى فى عزل مصر، وإنما سقط مشروع آيزنهاور، وبدأ التفكير فى غزو سوريا، وإذا قوة مصرية تذهب إلى سوريا، ثم إذا الوحدة تعلن، ثم إذا حلف بغداد ينهار فى بغداد، وجرى الأسطول الأمريكى فاقتحم الشواطئ اللبنانية، ثم اكتشف دالاس أن الولايات المتحدة لن تستطيع إرغام العالم العربى على الركوع بمجرد ظهور بحارة الأسطول الأمريكى السادس على رمال الشاطئ فى بيروت.

وأصبح الموقف شديد التوتر، واضطر دالاس إلى التراجع، ثم عاد آيزنهاور يحاول استرضاء عبد الناصر بشحنات من القمح الأمريكى لمصر، ولكن ما فى القلب بقى فى القلب!

* ومع بداية عصر جون كيندى - 1961- ورئاسته للولايات المتحدة الأمريكية - جرت الموقعة الخامسة.

بدأ كيندى بسياسة تدعو إلى ارتياد "الآفاق الجديدة"، وتصور أن الشرق الأوسط أفق من هذه الآفاق، يستطيع أن يترك عليه بصمات أصابعه، وبدأ مراسلات - استمرت طويلاً - مع جمال عبد الناصر.

وكانت أولى الرسائل عن العلاقات بين مصر وإسرائيل، وأفاض كيندى فى مزايا السلام إذا تحقق على الأرض المقدسة.

ورد جمال عبد الناصر بخطابه المشهور الذى قال فيه عن وعد بلفور "إن من لا يملك أعطى وعداً لمن لا يستحق" وضاعت بذلك حقوق شعب فلسطين.

واتصلت الرسائل ذاهبةً عائدة من واشنطن إلى القاهرة وبالعكس، واكتشف جون كيندى أن الأمر أعقد مما تصور، وصدرت الإشارة إلى المخابرات الأمريكية، فعادت تحاول ضد مصر، وهدفها فى ذلك الوقت كسر الوحدة بينها وبين سوريا.

وتحقق لها ما أرادت، وتصورت أن ضرب الوحدة فى سوريا سوف يعقبه انكسار النظام وسقوطه فى القاهرة.. ولكن جمال عبد الناصر كان يقاوم بشدة وضراوة رغم صدمة الانفصال.

* فى عصر كيندى أيضاً جاءت الموقعة السادسة.

مصر تبنى صناعة طائرات وصناعة صواريخ، وإسرائيل تشكو من نشاط علماء ألمان جاءت بهم مصر لمساعدتها فى مشروعها الطموح.

وكتب كيندى إلى عبد الناصر مستفسراً، ورد جمال عبد الناصر بقوله:

- أريد أن أكون واضحاً وعملياً.

إننا نحاول بناء صناعة طائرات، وبناء صناعة صواريخ، ولكن أمامنا وقتاً طويلاً لتصبح هذه الصناعات عماداً لتسليحنا.

إن هدفى منها بالدرجة الأولى فى هذه المرحلة، هو الحصول على تكنولوجيا عصر جديد.

(من الغريب أن البعض هاجموا جمال عبد الناصر فى صناعة الطائرات والصواريخ، واعتبروا ما صرف عليها فى ذلك الوقت تبديداً لأموال لا داعى لتبديدها.

ومرت الأيام، وجاء الوقت الذى أصبحت فيه هذه المصانع هى نصيب مصر العينى فى إقامة مؤسسة صناعات الأسلحة العربية، وقومت حين قومت فى أصول هذه المؤسسة بأكثر مما دفع فيها عند إنشائها).

ووجدت الولايات المتحدة أن ما قاله عبد الناصر ليس مدعاةً للطمأنينة، وإنما هو مدعاةً لمزيد من القلق... فأخطر من بناء الطائرات والصواريخ، أن تكون لدى مصر معرفة واستيعاب لتكنولوجيا عصر جديد.

وكانت إسرائيل لا تكف عن الشكوى لأن جمال عبد الناصر أغلق أمامها سوق السلاح فى بريطانيا التى اكتوت أصابعها بالنار فى السويس، ثم أغلق أمامها سوق السلاح فى فرنسا حين أنشأ خط علاقات مباشر بينه وبين الجنرال ديجول.

وقرر جون كيندى أن تدخل الولايات المتحدة لأول مرة فى دور بائع السلاح لإسرائيل، وهكذا عقد معها صفقة لعدد من بطاريات صواريخ "هوك".

وكتب إلى جمال عبد الناصر أسوأ رسالة فى سلسلة مراسلاتهما.

قال جون كيندى فى رسالته ما مؤداه أن الولايات المتحدة قررت تقديم شحنات أسلحة محدودة إلى إسرائيل، "وأنه إذا انتهزت مصر هذه الفرصة للقيام بحملة دعائية واسعة ضد الولايات المتحدة فى العالم العربى، فإن واشنطن سوف ترد على ذلك بإرسال المزيد من الأسلحة إلى إسرائيل!".

ولم يسكت جمال عبد الناصر - بالطبع - وبدأت حدة التوتر فى العلاقات تزداد.

* والموقعة السابعة فى عصر جون كيندى هى الأخرى.

كانت الولايات المتحدة مشغولة بأزمة الصواريخ فى كوبا، وقد وصلت هذه الأزمة إلى حدود خطرة تهدد بمواجهة نووية بين القوتين العظميين.

وفى تلك الساعات اتخذ القرار المصرى بالتدخل لنجدة ثورة اليمن.

وحين رفع كيندى عينيه عن أزمة الصواريخ، فوجئ بالوجود المصرى العسكرى فى جنوب شبه الجزيرة العربية.

وبذل جون كيندى فى البداية محاولات لكى تسحب مصر قواتها من اليمن، ثم تغيرت الإستراتيجية.

بدلاً من حث مصر أو تطمينها لسحب قواتها من اليمن، بدأت إستراتيجية أخرى تفرض على مصر أن ترسل جزءً كبيراً من قوتها إلى اليمن.

وهنا يظهر الدور الكبير الذى قامت به وكالة المخابرات المركزية الأمريكية فى تجنيد قوة مرتزقة من الأجانب يحاربون ضد مصر فى اليمن.

فى وقت من الأوقات بلغ عددهم اثنى عشر ألفاً.

واستطاعت المخابرات المركزية الأمريكية أن تحصل على مساعدة إسرائيل لهم، فقد تكفل الطيران الإسرائيلى بعمليات إسقاط المؤن والذخائر لهم فى مواقع محددة بالقرب من مكامنهم فى الكهوف وعلى الجبال وفى الوديان.

وأدى ذلك بالطبع إلى تعقيدات كثيرة، فلم تكن هذه المشكلة مشكلة دعاية أو سياسة.. أو اختلاف وجهات نظر، وإنما اصطبغ الخلاف بلون الدم.

وسقط كيندى فى مدينة "دالاس" - "تكساس" - برصاصات شاب مجهول هو "لى أوزوالد"..

* وخلفه "ليندون جونسون" ومعه الموقعة الثامنة.

وبعث جونسون إلى جمال عبد الناصر يطلب للولايات المتحدة حق الهيمنة على موازين السلاح فى المنطقة، بدعوى ضرورة تحديده، حتى لا يكون من تكديسه حافز لاستعماله حتى ضد نوايا الأطراف ورغباتهم.

وهكذا تقدم جونسون يطلب حق التفتيش على المفاعل النووى المصرى، وحق التفتيش على مصانع الطائرات والصواريخ المصرية.

وكان الطلب غريباً...

وكان الجو الذى صاحبه أشد غرابة.

وحين رفض جمال عبد الناصر كان الشد والجذب فى العلاقات المصرية - الأمريكية قد وصل إلى قرب درجة القطيعة.

* ثم كان جونسون أيضاً بطل الموقعة التاسعة.

فقد أحسّ أن جمال عبد الناصر يتحدى النفوذ الأمريكى فى المنطقة، ويرفض كل الطلبات الأمريكية، ويعبئ الجماهير العربية ضد السياسات الأمريكية.

ولم يكن جمال عبد الناصر يفعل ذلك نكايةً فى أمريكا، ولكنه كان يريد تثبيت وتدعيم قاعدة المقاومة العربية، بأن تكون الشعوب العربية كلها واعية بما يجرى، موجودة عن طريق هذا الوعى كطرف فى الصراع.

وقرر جونسون وقف مبيعات القمح لمصر، وفقاً لقانون ب. ل 480.

وجاء هذا القرار فى الوقت الذى يستطيع ضرره فيه أن يكون محسوساً.

جاء فى وقت بدأت تظهر فيه الآثار التضخمية لتنفيذ خطة السنوات الخمسة الأولى للتنمية الشاملة.

وجاء فى وقت تصاعدت فيه نفقات العمليات العسكرية فى اليمن.

وضرب جونسون ضربته، وكان ذلك فى نهاية سنة 1966.

* وفى منتصف سنة 1967 - يونيو بالتحديد - جاءت الموقعة العاشرة.

وكانت أكثر المحاولات شراسةً وأشدها عنفاً.

ولسوف تمر سنوات طويلة قبل أن يظهر الدور الذى قامت به الولايات المتحدة فى معركة يونيو 1967، ولكن الثابت من الآن أن مساعدة الولايات المتحدة لإسرائيل سارت فى طريقين متوازيين فى تلك الظروف:

... طريق رسمى علنى - سياسى بالدرجة الأولى - وقد تمثل فى الوعد الأمريكى الذى اتخذ فى مجلس الأمن القومى الأمريكى بأن تضمن الولايات المتحدة لإسرائيل أمرين:

* الأول، تفوق فى السلاح على كل الجيوش العربية.

* والثانى، ضمان أنه فى حالة قيام عمليات فإن الولايات المتحدة سوف تتدخل عسكرياً إذا كان هناك ما يوحى بوجود انتصار مصرى.

فإذا كان هناك انتصار إسرائيلى فإن الولايات المتحدة تضمن لإسرائيل أن لا يصدر قرار من الأمم المتحدة يفرض عليها الانسحاب من أراضٍ تكون قد احتلتها..

ثم أن الولايات المتحدة تضمن أيضاً أن لا يكون هناك ضغط يمارس دولياً على إسرائيل ما لم يقبل العرب بعقد الصلح معها أو إقامة السلام.

... وأما الطريق الثانى الذى مشت عليه المساعدة الأمريكية لإسرائيل، فقد كان طريقاً سرياً - وعسكرياً بالدرجة الأولى..

قامت به وتولت مسئوليته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، التى تكفلت بتقديم المعلومات عن أوضاع القوات المصرية، والتى اشترك أسطول طائراتها فى نقل الأسلحة والذخائر، والتى تولت تجنيد متطوعين للحرب مع إسرائيل، خصوصاً من جنوب أفريقيا وروديسيا.

وبعد هذه الموقعة، كان الغضب جامحاً فى العالم العربى، وقطع جمال عبد الناصر علاقات مصر مع الولايات المتحدة، وتبعته فى ذلك دول عربية عديدة، وبدأ نزوح الرعايا الأمريكيين من الشرق الأوسط، بينما جونسون فى ثورة عارمة على مشهد هذا "الخروج" الذى اعتبره مهيناً لأمريكا، وكان ذلك أبسط نوع من أنواع الاحتجاج على الاشتراك فى المؤامرة الكبرى.

برغم ذلك كله، لم يدع جمال عبد الناصر للغضب الشخصى سبيلاً إلى قراراته.

كان يدرك أن بين الأمة العربية وبين الولايات المتحدة تناقضاً أساسياً، ولكن الحذر فى إدارة هذا التناقض واجب.

وقدر جمال عبد الناصر أنه لا أمل فى فتح باب بينما جونسون فى البيت الأبيض، وهكذا لم تكد مدة رئاسته تنتهى ويفوز "ريتشارد نيكسون" بالرئاسة بعده، حتى انتهز جمال عبد الناصر الفرصة فبعث إلى نيكسون برسالة تهنئة.

ورد نيكسون بإرسال بعثة تقصى حقائق فى أزمة الشرق الأوسط، يرأسها "وليم سكرانتون" الذى عين أخيراً مندوباً دائماً للولايات المتحدة الأمريكية فى الأمم المتحدة..

وتعثرت بعثة سكرانتون وسقطت على الأرض لمجرد أنه أدلى بتصريح بعد عودته من مهمته فى الشرق الأوسط إلى واشنطن، قال فيه:

"أن الولايات المتحدة لابد لها أن تتبع سياسة متوازنة فى الصراع العربى - الإسرائيلى".

ولم ييأس جمال عبد الناصر، وإنما انتهز فرصة أخرى... هى فرصة وفاة "الجنرال آيزنهاور"، فبعث بالدكتور محمود فوزى على رأس وفد للعزاء فى "واشنطن"، وكلفه باستكشاف آفاق التفكير الأمريكى فى الأزمة.

وحتى بعد أن قامت طائرات الفانتوم بغاراتها على عمق مصر، وضربت مصنع أبو زعبل ومدرسة بحر البقر، قبل جمال عبد الناصر باستقبال "جوزيف سيسكو" مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشئون الشرق الأوسط وقضى ساعتين يتحدث معه.

ثم وقف فى عيد أول مايو سنة 1970 يوجه نداءً إلى الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون، يخيّره بين أحد أمرين:

أن يطلب إلى إسرائيل الانسحاب فوراً من الأراضى المحتلة..

أو أن يوقف عنها شحنات السلاح، لأن استمرار احتلالها للأراضى العربية مع استمرار تزويدها بالسلاح الأمريكى معناه أن الولايات المتحدة شريكة فى تثبيت هذا الاحتلال الإسرائيلى للأرض العربية".

وجاء الرد على شكل "مبادرة روجرز"، وقبلها جمال عبد الناصر ليعطى للرئيس الأمريكى فرصة، ولكى يعطى نفسه فى ذات الوقت فرصة لاستكمال بناء حائط الصواريخ على جبهة قناة السويس.

فى هذا كله كان جمال عبد الناصر يدرك مشكلتين:

* مشكلة التناقض بين العرب والولايات المتحدة، وهو تناقض له أسبابه العديدة والمتنوعة.

* وفى نفس الوقت، مشكلة اختيار الأسلوب الملائم لإدارة هذا التناقض فى ظل أوضاع القوة الدولية الراهنة.

* ومع ذلك جاءت الموقعة الحادية عشرة - والأخيرة حتى الآن - بين العرب وبين الولايات المتحدة، ولعلها كانت بعد سنة 1967 أعنف المواقع.

فى الوقت الذى استطاعت فيه الجيوش العربية على الجبهات العربية، وفى مقدمتها الجيشان المصرى والسورى، توجيه ضربة مفاجئة لإسرائيل فى أكتوبر 1973، سارعت الولايات المتحدة إلى نجدة إسرائيل، حتى وجد الرئيس أنور السادات نفسه، وعلى حد قوله، "يحارب الولايات المتحدة".

كانت الولايات المتحدة هى التى أعطت لإسرائيل - وسط المعركة - سلاحاً عبرت به قناة السويس من الشرق إلى الغرب، رداً على عبور الجيش المصرى من الغرب إلى الشرق!

ثم أتبعت الولايات المتحدة هذا العمل المكشوف بأعمال أخرى مستترة، استهدفت جميعاً إجهاض الموقف السياسى العربى، وتفريغه من كل قواه الضاغطة، إلى جانب تمزيق تماسك الجبهات العربية المحيطة بإسرائيل.

ألم يحدث هذا؟

حدث...

وكان جمال عبد الناصر فى مثواه الأخير منذ أكثر من ثلاث سنوات.

ولم يكن هناك يستفز الولايات المتحدة، أو يبادرها بعداء، أو يطالعها بوجهٍ عابس أو مبتسم!

105724557.jpg

ألام على هواك وليس عدلا ................ إذا أحببت مثلك أن ألاما

رابط هذا التعليق
شارك

الحديث الحادى عشر: عبد الناصر وفتح الأبواب للاتحاد السوفيتى

تظل هناك نقطة فى ادعاءاتهم على جمال عبد الناصر:

- "لقد فتح أبواب الشرق الأوسط أمام الاتحاد السوفيتى، وأدخله إلى المنطقة قوة تؤثر فى مقدراتها؟".

ونناقش هذه النقطة بموضوعية، ولعلى واحد من الذين يستطيعون مناقشتها دون أى حساسية، فلقد تصديت كثيراً لنقد السياسة السوفيتية فى المنطقة، وتعرضت مراراً لحملات مضادة من جانب أجهزة الإعلام السوفيتية، بل وصل الأمر إلى ما هو أكبر من ذلك:

وصل الأمر إلى حد أن "ليونيد بريجنيف" طالب بإبعادى عن الصحافة المصرية وتأثيرها السياسى على الرأى العام المصرى، وقد نقل طلب "بريجنيف" إلى القاهرة مع الوفد المصرى الذى حضر المؤتمر الرابع والعشرين للحزب الشيوعى السوفيتى، والتقى بسكرتيره العام "بريجنيف" قبل عودة هذا الوفد من موسكو إلى القاهرة..

بل أن الرئيس "نيكولاى بادجورنى" أعاد هذا الطلب على الرئيس أنور السادات فى أخر زيارة له للقاهرة، وكان الرئيس السادات بنفسه هو الذى أخبرنى بما طلبه منه بادجورنى، بل وفوضنى الرئيس السادات أن أناقش هذا الموضوع مع "بوريس باناماريوف" عضو المكتب السياسى السوفيتى، وكان يزور القاهرة فى صيف سنة 1971، فى أعقاب زيارة بادجورنى لها!

أعود إلى النقطة الأصلية فى هذا الحديث؟

- هل صحيح أن جمال عبد الناصر فتح أبواب الشرق الأوسط أمام الاتحاد السوفيتى، وأدخله إلى المنطقة قوة تؤثر فى مقدراتها؟

ونحاول الإجابة على هذا السؤال، وأسئلة أخرى تتفرع منه...

والإجابة على السؤال نفسه لا تحتاج إلى جهد كبير، ويمكن تلخيصها فيما يلى:

1- لقد كان الغرب هو الذى أدخل الاتحاد السوفيتى إلى المنطقة أول مرة فى هذا القرن، وليس جمال عبد الناصر.

حدث ذلك حين اتفقت بريطانيا مع الاتحاد السوفيتى على اقتسام احتلال إيران سنة 1941- اعترافاً من بريطانيا بأن الاتحاد السوفيتى حليف المعركة الكبرى ضد هتلر، له مصلحة أمن لا يمكن إغفالها فى منطقة الشرق الأوسط، وفى اتجاه الخليج العربى والمحيط الهندى بشكلٍ خاص.

ثم حدث ذلك حين جلس روزفلت مع ستالين فى "مؤتمر يالتا" سنة 1945 يقتسمان العالم ومناطق النفوذ فيه، كأن الكرة الأرضية أمامهما كعكه تحولها سكين الكبار إلى شرائح لكل منهما فيها نصيب يأخذه ويقر له الآخر.

2- فى مطلق الأحوال، فإن الاتحاد السوفيتى بعد الحرب العالمية الكبرى الثانية لم يكن فى حاجة إلى تشرشل أو إلى روزفلت ليعطيه دوراً عالمياً.

فقد كان دوره موجوداً على نحو أو آخر فى كل القارات وعلى كل المحيطات.

إن الاتحاد السوفيتى خرج من الحرب العالمية الثانية وهو واحدة من القوتين الأعظم، وكانت التطورات سنة بعد سنة منذ تلك الحرب تؤكد هذه الحقيقة وتجعل من الاثنين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى والتعاون بينهما والتنافس بينهما، أساساً للنظام الدولى المعاصر.

وإذن، فإن الاتحاد السوفيتى - الذى لم يكن فى حاجة إلى "تشرشل" و"روزفلت" - لم يكن أيضاً فى حاجةٍ إلى جمال عبد الناصر يفتح له أبواب الشرق الأوسط ويدخله إلى المنطقة.. بل لعل الاتحاد السوفيتى كان أقرب إلى التواجد فى المنطقة من الولايات المتحدة.. إن الولايات المتحدة كانت موجودة فيها بحكم المصالح وراء البحار البعيدة.

وأما الاتحاد السوفيتى فقد كان موجوداً فيها بحكم الجوار وراء الحدود القريبة والمباشرة فى بعض الأحيان.

3- وربما كان دور جمال عبد الناصر إزاء الاتحاد السوفيتى - والحال كذلك - هو أنه كان القائل للاتحاد السوفيتى:

- "لا تتعاملوا معنا من خلال أوصياء علينا فليس علينا أوصياء، ولا من خلال اقتسام مناطق النفوذ فلسنا ضمن مناطق النفوذ لأحد.. إذا أردتم أن تتعاملوا معنا فنحن على استعداد كطرف مستقل ومن الباب الأمامى".

وقد كان!

سؤال فرعى يتداعى بعد الإجابة على السؤال الرئيسى:

- ماذا استفدنا؟

والرد:

- ما أكثر ما استفدناه، ويمكن تلخيصه كله فى أننا أصبحنا أطرافاً فى حركة الصراع العالمى، ولم نعد، كما كنا من قبل، كمية مهملة على حافة هذا الصراع وحركته العامة الشاملة.

1- استطعنا أن نخرج من التبعية الكاملة لأحد المعسكرين الدوليين.

2- دخلنا تفاعلات الحرب الباردة بين المعسكرين، واستفدنا من موازينها لصالح قضايانا، وأنشأنا مع غيرنا تياراً مستقلاً - هو تيار عدم الانحياز - أثرنا به على قضية السلام والحرب والتنمية فى عالم النصف الثانى من القرن العشرين.

3- عندما تحولت تفاعلات الحرب الباردة إلى تفاعلات وفاق بين الكتلتين استفدنا من أحكام الوفاق - وكان فى استطاعتنا أن نستفيد أكثر - لكى تكون هناك تسوية عادلة لمشاكلنا، إذا كان هذا العالم حقيقة يريد السلام ويريد الوفاق مدخلاً إليه.

هذا فى مجال الحركة العالمية بشكل عام.

فإذا انتقلنا من التعميم إلى التخصيص، وركزنا أنظارنا على الشرق الأوسط، لوجدنا أن ما حدث فى مجال الحركة العالمية بشكل عام انعكس على المنطقة عملياً كما يلى:

1- إن جمال عبد الناصر استعان بدور السوفيت فى مواجهة الولايات المتحدة - على مهمة تصفية الاستعمار التقليدى فى المنطقة - استعان به سياسياً واستعان به عسكرياً، ولو بغير السلاح.

استعان به سياسياً فى مواجهته العظيمة مع الاستعمار فى حرب السويس منذ التأميم فى يوليو 1956 إلى بداية الغزو البريطانى - الفرنسى - الإسرائيلى فى آخر أكتوبر من نفس السنة.

وحين بدأ الغزو، وقاوم جمال عبد الناصر وحده حتى تحركت الموازين الدولية، كان الإنذار السوفيتى هو الذى حرك الضغط الأمريكى على حلفاء أمريكا فى الغرب، فاضطروا إلى التراجع دون أن يستعمل الاتحاد السوفيتى صواريخه.

ومثل هذا حدث تقريباً فى أواخر أكتوبر من سنة 1973.

2- إن جمال عبد الناصر استعان بالاتحاد السوفيتى على كسر احتكار السلاح المفروض على المنطقة، وكان السلاح السوفيتى هو السلاح الوحيد الذى وجده العرب فى أيديهم لمقاومة التوسع الإسرائيلى، ولمحاولة رد هذا التوسع بالقوة إلى مرحلة التقلص والانكماش..

كان السلاح السوفيتى هو السلاح الوحيد الذى وجدناه فى أيدينا سنة 1956.

وهو السلاح الوحيد الذى وجدناه فى أيدينا سنة 1967.

والسلاح الوحيد الذى وجدناه فى أيدينا سنة 1969 - حرب الاستنزاف.

والسلاح الوحيد الذى وجدناه فى أيدينا سنة 1973.

وإذا تساءل متسائل:

ماذا فعلنا بهذا السلاح سنة 1967؟

فإن الرد عليه هو:

إن الذنب لم يكن ذنب السلاح، وإنما كان ذنب قصورنا فى توجيهه.

والدليل على ذلك أن هذا السلاح الذى كان فى أيدينا هو نفسه السلاح الذى كان فى يد الثورة الفيتنامية، وصنعت به المعجزات أمام القوة الأمريكية بجلالة قدرها!

3- إن السلاح السوفيتى - حتى هذه اللحظة - هو السلاح الوحيد فى جيوش مصر وسوريا والعراق والجزائر واليمن الديمقراطية والسودان والصومال، ثم هو كل السلاح الذى تمسك به المقاومة الفلسطينية، وأخيراً فهو اليوم جزء هام من سلاح ليبيا والكويت، وغيرهما من الدول العربية.

4- بل إن محاولات الغرب لبيع السلاح إلى المنطقة - وبينها مصر الآن - تنبع أساساً من منطق "تقليل اعتماد مشتريه على الاتحاد السوفيتى".

وهكذا فإنه حتى حصولنا على سلاح من الغرب لم يكن ليحدث لولا علم الغرب أنه إذا لم يبع سلاحه للعرب فإن العرب لن يعوزهم الحصول على السلاح من غيره - من الاتحاد السوفيتى.

5- وهكذا نستطيع القول أن دخول السلاح السوفيتى إلى المنطقة غير الموازين فى الصراع العربى - الإسرائيلى.

وفوق ذلك فلقد أعطى لهذه المنطقة الغنية، والفادحة الغنى، قوة مسلحة تذود بها عن كنوزها، فليس هناك ما هو أكثر غواية للمطامع من كنز مباح لا يدافع عنه سلاح!

6- ولم تكن المساندة السوفيتية فى مواجهة الأزمات وحدها، سواء بإمدادات السلاح أو بالمواقف السياسية، وإنما تحمل الأرض العربية على ظهرها شواهد لا يمكن إنكارها من رموز التعاون العربى - السوفيتى: سد أسوان العالى - سد الفرات - مجمعات الحديد والصلب - ترسانات بناء السفن - مصانع بالمئات وبالآلاف - مفاعلات ذرية - محطات كهرباء، إلى آخره.

7- ولم تكن دعائم القوة المسلحة، ولا كانت دعائم القوة الاقتصادية، التى حصلنا عليها من الاتحاد السوفيتى، بثمن باهظ يثقل علينا عبئه.

كان السلاح - وما يزال - يباع لنا بسعر معقول، وكنا - وما زلنا - نحصل عليه بخصم على هذا السعر نسبته 25 فى المائة، وكانت الأقساط - وما زالت - على سنوات طويلة، بين اثنتى عشرة سنة وعشرين سنة، وكانت الفوائد لا تزيد على 2.5 فى المائة.

وبصفة عامة، وهذا تقدير الخبراء، فإن نسبة ثمن أى سلاح سوفيتى إلى مثيل غربى له هى بنسبة 1 للسلاح السوفيتى و3 للسلاح الغربى، فإذا أضيفت فوارق الفوائد (2.5 فى المائة فى السلاح السوفيتى وما بين 15 و18 فى المائة للسلاح الغربى) لأصبحت هذه الفوارق فادحة.

ونفس الوضع تقريباً فى اتفاقيات السلاح ينطبق على اتفاقيات إنشاء السدود وبناء المصانع وغيرها.

وسؤال فرعى آخر:

- هل قدم الاتحاد السوفيتى هذا كله من أجل عيون جمال عبد الناصر وإرضاءً لخاطره؟

والرد:

- إن الأمر كان أكبر من ذلك جداً، ولو حاولنا أن ندقق لوجدنا ما يلى:

1- إن الاتحاد السوفيتى بدأ علاقاته مع جمال عبد الناصر بالشك فيه على أساس التحليل الماركسى التقليدى لدور الجيوش فى المجتمعات، والجيوش فى المجتمعات قبل ثورة عبد الناصر كانت أداة لحفظ الأمر الواقع وحمايته وليست أداة لتغييره وتطويره..

وهكذا كان حكم الاتحاد السوفيتى ابتداءً يقضى بأنه: دكتاتور فاشيستى لا أكثر ولا أقل..

ثم فوجئ الاتحاد السوفيتى بظاهرة جمال عبد الناصر التاريخية: زعامة وطنية، قادرة على أن تمثل وتبرز إرادة قومية مستقلة وتقدمية، وسجلها فى معاداة الاستعمار قاطع واتجاهها إلى التنمية الشاملة واضح، ثم أن هذا كله يحدث فى منطقة حيوية بالغة الأهمية كالشرق الأوسط، خصوصاً بموقعه القريب وراء ظهر الاتحاد السوفيتى.

2- إن الاتحاد السوفيتى وجد جمال عبد الناصر يتعدى الحاجز الوطنى لمصر، ويتخطى النطاق القومى لأمته العربية ثم يذهب بعيداً وعميقاً - بعد السويس بالذات - لكى يطلق صيحة الحرية "أوهورو" فى أفريقيا كلها، فإذا نكروما فى غانا، وسيكوتورى فى غينيا، وموديبو كيتا فى مالى، وجومو كينياتا فى كينيا، ونيريرى فى تنزانيا، يبرزون على الساحة الإفريقية المظلمة فى وسط هالة التحرر المضيئة التى تشع من مصر عبد الناصر.

ويعبر أستاذ أفريقى رصين كالأستاذ "مزروى" عن الحقيقة فى عدد أخير من مجلة الشئون الخارجية قائلاً:

- "إذا كان يقال أن العرب شاركوا فى استعباد أفريقيا بتجارة الرقيق فى قرون مضت، فإن العرب قد كفّروا عن الخطيئة فى هذا القرن، حين جاءوا وراء جمال عبد الناصر لتحرير أفريقيا".

ثم تصل أبعاد الطاقة التحررية العظمى التى فجرها جمال عبد الناصر إلى أمريكا اللاتينية، ويسمع السوفيت من رجل مثل فيدل كاسترو يقول لهم - كما قال علناً:

- "لقد كان جمال عبد الناصر إلهاماً لثورتنا.. إذا كان فى استطاعته أن يتصدى لبريطانيا وفرنسا وإسرائيل فى السويس.. أفلا يكون فى استطاعتنا نحن أن نتصدى لحكم الدكتاتور باتيستا وأن نعلن الثورة المسلحة وننتصر؟".

3- وليكن أن الاتحاد السوفيتى وجد أن التيار التحررى الذى قاده جمال عبد الناصر يتلاقى مع أهدافه.

فالاستعمار الذى يتصدى له عبد الناصر هو نفسه القوة العظمى الثانية التى يتنافس معها الاتحاد السوفيتى.

ماذا فى ذلك؟

وأليس حقاً أن السياسة الدولية هى حركة بالاتفاق والاختلاف متغيرة لحماية مصالح دائمة لشعب أو لأمة أو لكتلة من الشعوب والأمم.. لقد تلاقت مصالحنا مع مصالح الاتحاد السوفيتى.

واستفادت الأمة العربية، واستفاد الاتحاد السوفيتى بطبيعة الحال.

وأليس هذا هو منطق التعامل الدولى ذاته؟ أو أننا نتصور أن نأخذ ولا يأخذ غيرنا؟!

سؤال يتداعى من هنا:

-... ولكن ماذا أعطى... هذه هى المسألة؟

ويندفع بعضهم - افتراءً على الله وتجنياً - ليقول:

- لقد أعطى استقلال مصر بهذا التواجد العسكرى السوفيتى الذى تركه فى مصر عندما رحل فى 28 سبتمبر 1970؟

وأستأذن فى وصف هذا السؤال بالكلمة المشهورة عن الرئيس السادات وهى كلمة: عيب!

ثم أشرح الأسباب:

1- إن جمال عبد الناصر تعامل مع الاتحاد السوفيتى من موقف الند للند، فقد كان يعرف أنه أمامهم يمثل أمة عربية بأسرها، لها إرادتها المستقلة، ولها مصالحها القومية فى منطقة من أهم مناطق الدنيا، وأقر الاتحاد السوفيتى بهذه الحقيقة، وإقرار زعمائه بها مسجل فى كل خطاب ألقوه أمامه...

بل إن عبد الناصر كان أمامهم أكبر من مجرد زعيم عربى، فقد كان رمزاً عالمياً للثورة الوطنية، ولعدم الانحياز، ولأمانى العالم الثالث كله وتطلعاته ونضاله.

2- حينما أخطأ الاتحاد السوفيتى، بعد ثورة العراق فى سنة 1958، فى فهم الحقيقة القومية، كان جمال عبد الناصر هو الذى تصدى لمعركة مع الاتحاد السوفيتى لم يسبق لها مثيل فى العالم الثالث كله، ولا لحقها مثيل بعد ذلك.

وفى بداية سنة 1959 كانت المعركة بين جمال عبد الناصر و"نيكيتا خروشوف" على أشدها، ووقف خروشوف فى المؤتمر الواحد والعشرين للحزب الشيوعى السوفيتى يهاجم عبد الناصر، ورد عبد الناصر من شرفة قصر الضيافة فى دمشق.

ولم يكن جمال عبد الناصر يريد أن يهزم الاتحاد السوفيتى أو يخرجه من الشرق الأوسط، ولكنه كان يريد أن يفرض عليه الحقيقة القومية فرضاً.

واستطاع عبد الناصر محاصرة الاتحاد السوفيتى فى الموصل فى شمال العراق، ولم يترك له حليفاً أو صديقاً فى المنطقة غير الحزب الشيوعى العراقى - كما كان وقتها - واضطر الاتحاد السوفيتى أن يرى الحقيقة ويسلم بها، وهى أن الأمة كلها وراء الرجل الذى استطاع التعبير عن حقيقتها القومية، وبدأ يتراجع.

وكانت ذروة التراجع مجىء نيكيتا خروشوف بنفسه إلى مصر سنة 1964 ليحضر احتفال إتمام المرحلة الأولى من بناء السد العالى، وليقدم لجمال عبد الناصر فى أسوان وسام "بطل الاتحاد السوفيتى"!

3- بعد سنة 1967 كانت سياسة جمال عبد الناصر بالغة الدقة إزاء الاتحاد السوفيتى.

* طلب خبراء سوفيت ومزيداً من الخبراء... لاعتقاده بأن الجيش المصرى يحتاج إلى تدريب مركز ومكثف ليتحرك بسرعة عبر مراحل إستراتيجية الحرب، وهى: الصمود والردع والتحرير.

* ترك جمال عبد الناصر للاتحاد السوفيتى، بعد صدور قرار مجلس الأمن، أن يتولى اتصالات تنفيذه مع الولايات المتحدة.

... ولم يكن بهذا يتخلى عن مسئوليته القومية، ولكنه كان يريد أن يعرف الاتحاد السوفيتى، وبالخبرة العملية، أنه لا أمل فى حل دبلوماسى، وأن الحل لن يجىء إلا عن طريق استخدام القوة.

* أعطى جمال عبد الناصر تسهيلات للأسطول السوفيتى فى ميناءى بورسعيد والإسكندرية.

... ولم يكن بذلك يعطى قواعد للاتحاد السوفيتى، وإنما أراد تشجيعه على زيادة أسطوله فى البحر الأبيض لتكون القوة النامية لهذا الأسطول فى البحر الأبيض رادعاً للأسطول الأمريكى الذى كان يعتبر احتياطياً إستراتيجياً لإسرائيل.

4- فى الزيارة السرية التى قام بها جمال عبد الناصر لموسكو فى بداية سنة 1970، وهى الزيارة التى زاد بعدها تواجد السوفيت فى مصر بحكم قبولهم لمسئوليات الدفاع عن العمق - كان جمال عبد الناصر يعرف ما يريده، وقد حصل عليه..

كان جمال عبد الناصر يريد أن يحمى قوات الجبهة ببطاريات الصواريخ المصرية، ولكن تركيزها جميعاً إلى الجبهة يترك العمق مكشوفاً أمام الغارات الإسرائيلية التى بدأت تستبيح سماوات مصر بطائرات الفانتوم.

وكان اشتراك السوفيت فى الدفاع عن العمق - حتى يتم تدريب أطقم مصرية كافية على الصواريخ الجديدة من طراز "سام 6" - حلاً وحيداً للمشكلة، وبغيره لم يكن هناك مفر من بعثرة طاقة مصر الصاروخية بين الدفاع عن الجبهة والدفاع عن العمق، والتأخر فى استيعاب صواريخ "سام 6" المضادة للطيران المنخفض.

وكان "بريجنيف" يعارض بشدة لأن اشتراك السوفيت فى هذه العملية يؤثر على الموازين الدولية، ويهدد الوفاق.

وكان ذلك مطلب من مطالب جمال عبد الناصر التى لم يصرح بها لمفاوضيه، فقد كان يريد أن يؤثر على الموازين الدولية، كما كان يريد تعطيل حركة الوفاق حتى تتحرك أزمة الشرق الأوسط.

وسارت الحوادث فى الطريق الذى رسمه جمال عبد الناصر:

* توقفت غارات العمق عندما أحس الإسرائيليون يوم الغارة على الفيوم - 18 إبريل - بوجود السوفيت.

* تحركت الولايات المتحدة وبعثت جوزيف سيسكو إلى القاهرة لاستطلاع رأى جمال عبد الناصر.

* توترت العلاقات بين القوتين العظميين.

* تقدمت الولايات المتحدة بمبادرة روجرز التى أشارت لأول مرة إلى الانسحاب من الأراضى العربية، على أساس قرار مجلس الأمن.

* استطاع جمال عبد الناصر إتمام بناء حائط الصواريخ الذى كان عاملاً حاسماً فى نجاح عبور قناة السويس بعد ذلك فى أكتوبر 1973.

* أمكن إعداد بطاريات مصرية مدربة على صواريخ "سام - 6".

تبقى نقطة هامة، ربما لا يعرفها كثيرون:

وهذه النقطة هى أن "بريجنيف" رجا جمال عبد الناصر أن يتم سحب الخبراء السوفيت المسئولين عن الدفاع عن العمق - قبل بدء المعركة - لأن وجودهم وقتها قد يثير تعقيدات لا حدود لها.

وافق جمال عبد الناصر.

وهكذا فإن سحب هؤلاء الخبراء قبل المعركة كان أمراً متفقاً عليه فى اجتماع موسكو فى أوائل سنة 1970.

أقول ذلك وقد كنت بنفسى واحداً من شهود هذا الاجتماع، وكنت رابع أربعة من المصريين حضروا الاجتماع النهائى لهذه المحادثات، وقد حضرها كل أعضاء المكتب السياسى السوفيتى وكل مارشالات الاتحاد السوفيتى، وكان المصريون الأربعة هم: جمال عبد الناصر، والفريق محمد فوزى، والدكتور مراد غالب، وأنا.

5- كان جمال عبد الناصر طول الوقت - وفى تلك الفترة الحرجة - شديد الحساسية لأى تجاوز يمكن أن يمس من قريب أو بعيد، فى الشكل أو المضمون، باستقلال مصر وحرية إرادتها:

* حين جاء الرئيس "نيكولاى بادجورنى" لمقابلة عبد الناصر فى شهر يونيو 1967، والنكسة بعد تنزف جراحها، أحس جمال عبد الناصر أن بادجورنى يطلب إنشاء مركز مستقل للأسطول السوفيتى فى الإسكندرية، ووجه جمال عبد الناصر كلامه إلى بادجورنى على الناحية المقابلة له من مائدة المحادثات، وقال له بهدوء وحزم:

- "تسهيلات للأسطول السوفيتى، نعم...

ولكن مركزاً مستقلاً، لا...

معناها أننى أقبل قاعدة سوفيتية فى الإسكندرية، حتى ولو كان هذا المركز مبنى واحداً من حجرة واحدة!".

* وفى مرة أخرى فى زيارة يوليو سنة 1970، دارت مناقشة أمامى بين بريجنيف وعبد الناصر... كان عبد الناصر يطلب خبراء سوفيت، وكان بريجنيف متردداً، ثم قال بريجنيف ضمن ما قاله من حجج:

- إننى أخشى أن يستغل وجود عدد من الخبراء السوفيت فى مصر وأن يقول بعضهم أن وجودهم نوع من الضغط أو التدخل فى شئون مصر.

وقال جمال عبد الناصر ببساطة:

- إننى أنا الذى أطلبهم بنفسى... وإذا أحسست فى يوم من الأيام أن وجودهم يشكل نوعاً من الضغط، أو احتمالاً بتدخلٍ منكم فى شئوننا الداخلية، فلن أتورع عن أن أطلب إلى الفريق فوزى أن يجمعهم كلهم على باخرة واحدة فى الإسكندرية ويشحنهم إليك بطريق البحر إلى "أوديسا". ولم أنس حتى الآن تعبير الدهشة المرتسم على وجه بريجنيف.

* ثم مسألة أخرى لا يصح أن تغيب عن بال أحد، تلك هى أن جمال عبد الناصر رفض باستمرار عقد معاهدة مع الاتحاد السوفيتى.

وكان قوله "لبادجورنى" يوماً بالحرف:

- " إننى على استعداد لعقد معاهدة معكم بشرط واحد هو أن تحاربوا معنا جنباً إلى جنب... إذا فعلتم ذلك أوقع معاهدة، وإذا لم تفعلوه - ولم تكونوا على استعداد له - فما بيننا الآن يكفى".

ولقد كان الرئيس السادات هو الذى عقد معاهدة مع الاتحاد السوفيتى بعد ذلك، وقد عقدها فى ظروف صعبة، فقد كان يشعر أنه مطالب بطمأنة الاتحاد السوفيتى بعد حوادث 15 مايو 1971، وتلك على أى حال قصة أخرى.

أستأذن هنا أن أسمح لنفسى بأن أختلف مع الذين يرون أن قرار الرئيس أنور السادات بإخراج الخبراء السوفيت من مصر كان قراراً استعيدت به السيادة المصرية على الأرض المصرية.

وأقرب الأشياء إلى الحقيقة أن هذا القرار كان ممارسةً لسيادة موجودة، ولم يكن استرداداً لسيادة مفقودة! لقد كفاه أن يخطر السفير السوفيتى بما يريد يوم 8 يوليو 1972، وأن يطلب تنفيذه فى ظرف عشرة أيام، ولم يناقشه السفير السوفيتى ولا ناقشه أحد فى موسكو.

وإنما قام كبير الخبراء السوفيت بإخطار وزير الحربية وقتها بأن قرار الرئيس مستجاب ومطاع، ثم وعده بتقديم تقرير يومى عن عملية ترحيلهم، وبدلاً من أن تتم فى عشرة أيام، تمت فعلاً فى ثمانية.

وإذن فهى لم تكن معركة سيادة أو معركة استقلال.

كان قرار ممارسة سيادة، وكان قرار ممارسة استقلال.

ثم لقد أضيف بعد ذلك أن أنور السادات ليس بحاجة إلى بطولات تختلق أو تلفق، فالرجل له من سجله ما يكفيه ويغنيه، وإذا لم يكن له غير قرار العبور لكفاه وأغناه!

ماذا بقى إذن من الدعاوى ضد جمال عبد الناصر فى أمر علاقاته بالسوفيت؟

لم يبق غير الترهات..

كان يقال مثلاً:

- هم ملحدون... وسلاحهم ملحد!

ولست أعرف إذا كان الإيمان يشع من عيون الأمريكيين.. ونور الحق يلمع من سلاحهم؟!

لكنى أعرف شيئا واحداً:

- أن السلاح "الملحد" الذى عبرنا به قناة السويس إلى الشرق...

أفضل ألف مرة من السلاح "غير الملحد" الذى عبرت به إسرائيل قناة السويس إلى الغرب!

105724557.jpg

ألام على هواك وليس عدلا ................ إذا أحببت مثلك أن ألاما

رابط هذا التعليق
شارك

الحديث الثانى عشر: نهاية المطاف

أصل إلى نهاية المطاف فى هذه السلسلة، وقد طالت عما قدرت لها، ولكن القضايا شدت بعضها بعضاً، وتداعت أحاديث من أحاديث!

وألخص فى الختام لكى يكون القصد واضحاً، والطريق مستقيماً:

1- إن جمال عبد الناصر كان تجربة هائلة فى حياة هذه الأمة العربية، وفى زماننا المعاصر كله.

ومثل كل تجربة هائلة - خصوصاً إذا كانت بالثورة - فإن التجربة تصبح حافلة، ذلك أنها بالثورة تواجه بدايات جديدة، ثم إنها تعطى للتحديات التى تطرح نفسها عليها إجابات مختلفة، وهذا مجال الصواب والخطأ.

وقد أصاب جمال عبد الناصر وأخطأ، واعتقادى أن الإيجابى فى تجربته يرجح السلبى بكثير، ومحصلة أى حساب أمين تعطيه أكثر مما تأخذ منه بفارق كبير لصالحه.

ويكفى لأى واحدٍ منا أن يلقى نظرة على خريطة المنطقة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وموازين القوى فيها، قبل جمال عبد الناصر وبعده، ليرى الحقيقة ظاهرة وناصعة.

وعندما توزن أخطاء تجربة فى مثل حجم تجربة جمال عبد الناصر، فإن هذه التجربة لا يمكن أن تقاس إلا بأهدافها هى، وإلا بظروفها هى، وإلا بالتحديات التى واجهتها هى، وإلا بالخيارات التى كانت مفتوحة أمامها، وإلا أصبح التقييم تعسفاً، وانحدر التاريخ إلى مستوى المؤامرة!

ثم إنه لا يستطيع أن يقضى فى مثل هذه التجربة، ولا حتى بالتقييم، هؤلاء الذين عادوا التجربة بمبادئها وحركتها وجماهيرها، فعادتهم هذه التجربة مبدأ وحركة وجماهير.

إن هؤلاء الأعداء لهم حق الكلام بالطبع، لا يخنقه أحد فى حناجرهم، ولكن كلامهم يكون من موقع العداء وليس من موضع القضاء، ويجب أن يكون هذا واضحاً لكى لا تختلط الصور.

إن المستعمرين الفرنسيين - ذوى الأقدام السوداء كما يسمونهم - لا يمكن أن يكونوا هم السلطة التى تقيم الثورة الجزائرية!

وحكومة "فيشى" التى استسلمت للألمان فى الحرب العالمية الثانية حاكمت "الجنرال ديجول" - الذى مثل إرادة الشعب الفرنسى لمقاومة النازى - وحكمت عليه بالخيانة العظمى، وطلبت رأسه حياً أو ميتاً، ولكن هذا الحكم كان مهزلة على هامش التاريخ ولم يدخل فى حسابه!

وبنفس المعيار، فإن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية - وهى الدافع الحقيقى وراء الحملة الضارية على عبد الناصر اليوم - ليست هى القاضى الذى يبحث قضية الديمقراطية فى عصر عبد الناصر.

هؤلاء الملوثة أيديهم بالجريمة الوحشية فى شيلى - مثلاً - حيث اغتيل الرئيس الشرعى سلفادور الليندى..

وحيث قتل فى الشوارع فى يوم واحد 25 ألفاً من المواطنين، وحيث اعتقل فى أسبوع واحد مائتا ألف من الناس وفق تقرير لجنة العدل الدولية - ليسوا قضاة الديمقراطية فى تجربة عبد الناصر أو غيره.

تجربة عبد الناصر ليست فوق النقد، بالعكس فإن نقدها بالتقييم مطلوب، لكن جامعة القاهرة مثلاً - مهما كانت أسباب قصورها - لا يمكن أن تحاكم من علب الليل فى شارع الهرم!

2- إن الحملة الضارية المعلنة ضد جمال عبد الناصر - بالباطل فى معظم ما تدعى به - لن تضره بشىء.

فهو كإنسان بعيد عن هذا كله، فى رحاب الله، لا يمسه من هذه الدنيا سوء.

وهو كتجربة ملك جماهير واسعة عاشتها معه وأعطته ما لم تعطه لأحد قبله، وما لم تعطه بعده لأحد، ولم تكن جماهيره عمياء ولا فاقدة لوعيها وهى تسير معه.. لقد وجدت فى حركته أمانيها الضائعة ووجدت فى كلماته تعبيراً عن رغباتها المضغوطة، ولم تكن العلاقة بين الاثنين علاقة الأمر والطاعة، وإنما كانت علاقة حوار حر، لأن مجاله عقول الناس وقلوبهم، وحيث لا سلطان لقوة على أعماق البشر إلا ما تشعر به وتقتنع.

وفى سياق هذا الحوار، فإن هذه الجماهير لم تتحفظ فى تأييدها له مرات، وتحفظت مرات أخرى، ورضيت عنه أحياناً، وعاتبته أحياناً أخرى، وغضبت عليه فى بعض المواقف، وغفرت له فى مواقف أخرى.

لقد أيدته بغير تحفظ مثلاً فى حرب السويس، ثم تحفظت بعد الانفصال.

ورضيت عنه فى ندائه للعدل الاجتماعى، وعاتبته فى تجاوز السلطة.

وغضبت عليه سنة 1967، وغفرت له فى حرب الاستنزاف سنة 1969.

وهكذا، وهكذا، علاقة حوار حر فى مسار تجربة تملكها جماهيرها.

ثم إن جمال عبد الناصر كتاريخ ملك أجيال قادمة تتاح لها الحقائق كلها، وتخلو نظرتها إلى الوقائع من انفعالات لحظة بعينها، سواء سادها الفرح أو سادها الحزن.

وكانت تلك على سبيل المثال - ومع اختلاف الظروف - قصة نابليون مع فرنسا.

لقد مات نابليون والهزيمة من حوله، ومات فى المنفى تحت ذل أعدائه.

ومضت سنوات وسنوات.

وعادت إليه فرنسا تضعه فى رأس القائمة من زعمائها الخالدين.

وأتذكر أديب فرنسا الكبير "أندريه مالرو" وهو يعقد هذه المقارنة بين "نابليون" و"عبد الناصر" ونحن معاً ذات يوم على مائدة غداء فى مطعم "لاسير" بباريس، وقال لى مالرو:

- "ليست المسألة هى النصر العسكرى أو الهزيمة العسكرية.. المسألة هى إرادة الأمة وتقديرها للبطل حين تجد نفسها فيه... ولقد وجدت أمتكم نفسها فى عبد الناصر بمقدار ما وجدت أمتنا نفسها فى نابليون مع اختلاف الظروف، وهذا هو الذى يبقى، وغيره تكنسه الأيام".

هكذا فإن الإنسان فى عبد الناصر مع ربه.

والتجربة لجماهيرها.

والتاريخ مسئولية أجيال قادمة.

وإذن فالحملة الضارية بعيدة عن أى تأثير حقيقى عليه، إنساناً أو تجربة أو تاريخاً.

3- إن هذه الحملة إذا أثرت فتأثيرها على النظام نفسه بعد عبد الناصر. إن الثورة لم تكن ثورتين، والنظام لم يكن نظامين، وهذا تعبير الرئيس أنور السادات نفسه.

والتأثير على النظام هنا يكون مزدوجاً:

* قسم منه فى نظرة النظام إلى نفسه.

* وقسم منه فى نظرة آخرين إليه: بالذات جماهيره فى الداخل والخارج.

وإذا تذكرنا أن الحملة الضارية الدائرة الآن هى حملة إدانة شاملة وليست عملية نقد موضوعى - إذن فإن التأثير المزدوج يمكن أن يحدث على النحو التالى:

* إن النظام إذا أثرت فيه الإدانة الشاملة يجد نفسه فى الموقف الصعب، موقف الخجل إزاء ماضيه.

وهو هنا لا يصحح ولا يقوم، ولكنه يغير ويقلب رأساً على عقب.

يبحث عن مبادئ غير المبادئ، ومواقف غير المواقف.

وهو بهذا يفقد الثقة بنفسه... ويظل يفقد ويفقد حتى يضيع منه.

إحساسه بشرعيته ذاتها.

* وإذا أثرت الإدانة الشاملة فى نظرة الآخرين إلى النظام - وبالذات جماهيره فى الخارج وفى الداخل - فماذا تفيده الثقة بالنفس، على فرض أنها بقيت لديه.. بقاؤه فى هذه الحالة مجرد مقدرة على التسلط، وهذه مرهونة بوقت، لأنه ليست هناك قوة تستطيع الاحتفاظ إلى فترة طويلة بفروع الشجرة إذا انفصلت عن جذورها.

والغريب أن بعضهم يحاول أن يحصر الإدانة الشاملة فى عصر جمال عبد الناصر، ويبرئ منها أنور السادات، وذلك ظلم لأنور السادات نفسه قبل ظلمه لجمال عبد الناصر، لأنه يسلبه بعضاً من أروع منجزات ثورة 23 يوليو التى هو اليوم وريثها الشرعى ورمزها الحى.

4- إن الإدانة الشاملة على هذا النحو المجنون بالحقد تأخذ أيضاً من مصر رصيدها كله لدى أمتها العربية.

فهذه الأمة أمامها خياران لا ثالث لهما:

* إما أن تصدق ما يقال فى مصر الآن، وإذن فإن حكمها سوف يكون شديد القسوة على مصر من سنة 1952 إلى سنة 1970.

* وإما أن ترفض تصديق ما يقال فى مصر الآن، وإذن فإن حكمها سوف يكون شديد القسوة على مصر من سنة 1970 إلى سنة 1976.

والمؤكد أن التيار الغالب فى الأمة العربية - بحس صادق وضمير مستنير - رفض تصديق ما يقال فى مصر الآن، ومع ذلك فإنه فى نفس الوقت - محبةً فى مصر واعتزازاً - رفض أن يكون حكمه الراهن عليها شديد القسوة.

واكتفت الأمة حتى الآن بنظرة التساؤل والدهشة والعتاب توجهها نحو ما يجرى فى مصر، تكاد لا تصدق حدوثه.

لم يبق زعيم عربى له قيمة إلا وتساءل واندهش وعاتب.

ولم تبق مؤسسة عربية لها قيمة إلا وتساءلت واندهشت وعاتبت.

ولم يبق شعب من شعوب الأمة العربية إلا هو الآن يضرب كفاً بكف.

ولقد سمعت من وفوداً كثيرة رسمية وغير رسمية، عالية المستوى وعادية المستوى، تعبيرات قاطعة فى دلالتها على ما تشعر به الأمة العربية.

* سمعتها بنفسى من هوارى بومدين فى الجزائر، يقول لى:

- "ما الذى تفعلونه بجمال عبد الناصر فى مصر الآن.. وأى شىء بقى يحفز أى إنسان عربى ليعطى عمره لأمته... لقد اختلفنا واتفقنا معه كثيراً، ولكننا لا نختلف ولا يختلف معنا أحد فى أنه كان أبرز عربى ظهر على الساحة هذا العصر.

وإذا كانوا يفعلون به ما نراه اليوم... فماذا يفعلون بغيره ممن لم يعطوا عطاءه، ولم يكن لهم مثل دوره، وإن حاولوا بكل ما فى وسعهم أن يجاهدوا ويناضلوا؟".

* قالها عبد الرحمن العتيقى وزير المالية الكويتى لوفد مصرى كان فى الكويت أخيراً:

- "إن آرائى كانت بعيدة عن آراء جمال عبد الناصر.

ولكن دعنا نكون صرحاء... إننى سمعت من بعضكم كلاماً عن التجربة الديمقراطية فى الكويت... وأقول لك بصراحة إن هذه التجربة ما كانت لتحدث لولا تأثير جمال عبد الناصر، فاتقوا الله فيه وفينا".

* بل قالها فى أحد القصور واحد من حملة السيوف لزائر مصرى كان يرافق الرئيس السادات فى رحلة عربية أخيرة له:

- "فى بعض هذه المناطق هنا ظل العبيد يباعون ويشترون فى الأسواق.

ولقد حصلنا على العتق والحرية عندما بدأ صوت جمال عبد الناصر ينفذ من أسوار القصور!".

واستطرد حامل السيف يقول:

- أخاف على أنور السادات منهم... أى ضمان أن لا يفعلوا به يوماً، ما يفعلونه بجمال عبد الناصر اليوم؟!"

ثم ألفت النظر إلى واقعتين حدثتا أخيراً فى نطاق جامعة الدول العربية..

تقدمت مصر بمرشح لرئاسة منظمة اليونيسكو العربية - منظمة الثقافة والفنون - وإسهام مصر فى ميادينها مشهور، وكان مرشح مصر لرئاسة هذه المنظمة رجلاً من أكفأ رجالها وأقدرهم على الخدمة العامة، وهو الدكتور محمد حسن الزيات. وجرت الانتخابات.

ونال الدكتور الزيات صوتاً واحداً، هو صوت مصر، وكانت بقية أصوات الدول العربية كلها لمرشح آخر.

وتكرر نفس المشهد فى منظمة التنمية الصناعية العربية، وكان المرشح لها وزيراً مصرياً سابقاً للصناعة، وكان ما حصل عليه - هو الآخر وللمرة الثانية - صوتاً واحداً هو صوت مصر.

كيف حدث أن أعرض الكل عن المرشح المصرى فى الحالتين؟ كيف حدث أن مصر لم تتنبه إلى الوضع، ولم تسحب مرشحها فى الحالتين من باب الحرص، أو حتى من باب المداراة؟

وأخشى أن التصويت فى الحالتين لم يكن من قلة الثقة بكفاءة رجلين قدمتهما مصر... بقدر ما كان نوعاً من العتاب بصفة عامة على مصر نفسها.

ولا أزعم أن السبب هو حملة الإدانة الشاملة على جمال عبد الناصر ولكنى أتصور أن هذه الحملة - إلى جانب عوامل أخرى - خلقت مناخاً معيناً من حول مصر، لا أظنه يتناسب مع قيمتها الحقيقية.

5- وليس رصيد مصر العربى هو ما يجرى تبديده الآن، وإنما هو رصيد مصر العالمى.

وأسأل على سبيل المثال:

- هل حاول أحد أن يتقصى أثر حملة الإدانة الشاملة ضد جمال عبد الناصر على أفريقيا؟

كل حركات التحرير فى القارة - وبغير استثناء - لم تعرف غيره زعيماً لحركة التحرر الشاملة ضد الاستعمار. حتى المستعمرات البرتغالية التى حصلت على استقلالها أخيراً: موزمبيق وأنجولا، بدأت نضالها هنا فى القاهرة وتحت حمايته.

وفى غير أفريقيا؟

فى أمريكا اللاتينية مثلاً؟

يلفت النظر حتى الآن أن الأنظمة التى تساندها الولايات المتحدة لا تخشى شيئاً مثلما تخشى حركات فى جيوشها يطلقون عليها اسم "الناصريون"!

ثم آسيا؟

هل تصدق الهند ما يقال الآن عن جمال عبد الناصر فى مصر؟

هل تصدق الصين؟

وأوروبا؟

أوروبا فى الشرق كلها ترفضه من موسكو إلى بلجراد، وبغير استثناء.

وأوروبا فى الغرب كلها تتابع ما يقال مجرد متابعة إخبارية.

حتى أمريكا؟

وكانت مجلة "تايم" الأمريكية هى التى نشرت أخيراً تحقيقاً صحفياً مليئاً بعلامات الاستفهام، تتعجب كلها كيف أن جمال عبد الناصر أرفع ما يكون مكانةً فى العالم العربى كله خارج مصر...

وأما فى مصر فإن سمعته يجرى تمريغها فى التراب؟!

6- وبعيداً عن هذا كله، فإن حملة الإدانة الشاملة بالطريقة التى تجرى بها الآن، يمكن أن تثير أسئلة فرعية فى مصر، وهى أسئلة فرعية اليوم ولكنها فى الغد يمكن أن تجىء بمضاعفات ليست فرعية.

سوف تبرز تساؤلات عديدة:

* هل هى محاولة لتكبيل إرادة الشعب المصرى فى "عقدة ذنب"، يوقعون فى روعه أن ما يصورون له حدوثه بالأمس جرى باسم الحرية والاشتراكية والوحدة.

وإذن تصرف جماهير الشعب نظرها عن هذه الأهداف.

فإذا كان هذا هو الثمن الذى دفع فيها كما يصورونه - إذن فإنه ثمن فادح إنسانياً، يستحيل دفعه لأى هدف مهما كان.

وإذن على الجماهير أن تسلم إرادتها، وعليها أن تقبل استغلالها، وعليها أن تنكفئ وراء أسوار العزلة عن أمتها؟

هل هذا هو المقصود أو المطلوب؟

وهل هو ممكن؟ سياسياً أو أخلاقياً؟

* ماذا لو فرغ صبر الناس وكان سؤالهم:

لقد اكتفينا من حكايات الماضى، ونحن نريد أن نسأل عن الحاضر والمستقبل؟

ثم إلى متى يصبح كل ما هو سلبى موروثاً مما قبل 15 مايو 1971، وكل ما هو إيجابى من معجزات ما تحقق بعد 15 مايو؟

إن كل حكم يصبح مسئولاً عن نفسه بعد فترة سماح معينة يستطيع فيها أن يتعلل بما ورث عن سابقه، وفترة السماح هذه عادة لا تطول عن سنة أو سنتين.

أليست مدة التخطيط فى العالم كله خمس سنوات فى العادة، تسأل فيها أى خطة عما حققته أو لم تحققه حساباً مستقلاً؟

أليست مدد الرؤساء تتراوح ما بين أربع سنوات، كما هى الحال فى أمريكا، إلى ست سنوات، كما هى الحال فى فرنسا، ثم يفترض بعد هذه المدة أن كل رئيس أخذ من الوقت ما يكفيه لكى يصنع ملامح عصره ويصبح مسئولاً عنها؟

* ما هو الخيار المفتوح أمام المؤمنين إستراتيجياً فى ثورة 23 يوليو، وفى جمال عبد الناصر، حتى وإن كانت لهم تحفظاتهم التكتيكية؟

هل يتحول هؤلاء إلى حركة تحت الأرض، ليس لها تنظيم يعبر عنها، وليس لها منابر مفتوحة تنطق باسمها؟

وهل تصبح الناصرية حركة رفض لنظام يقوم على ثورة عبد الناصر وتجربته؟

من يقول بذلك؟.. ومن يرضاه؟

7- ومع ذلك لنفتح الدفاتر.

ولنفتحها بأمانة وشرف، ولنحقق فى كل خط وزاوية، وليكن التحقيق عربياً شاملاً يتجاوز حدود مصر، فتجربة جمال عبد الناصر كانت تجربة عربية شاملة تجاوزت حدود مصر.

* لنحقق فى الرجل نفسه ونزاهته، وكل تصرف شخصى من تصرفاته، وهل كان عفاً فى كل ما أتى، أو أنه مال وانحرف؟

* لنحقق فى دعوته، وهل كانت تعبيراً أصيلاً عن ضمير الأمة، أو أنها كانت فرضاً فرض عليها بقهر السلطة؟

ولنسأل أنفسنا أى سلطة قهر كانت له على جماهير الأمة العربية خارج حدود مصر، وكانت هذه الجماهير البعيدة عن نطاق سلطته هى الاحتياطى الإستراتيجى لحركته؟

* لنحقق فى سياسته الخارجية، وهل استطاعت هذه السياسة أن تجعل من العرب قوة سياسية ضخمة تتصدر التيارات الفاعلة فى عصرها؟

كحركة الثورة الوطنية فى العالم، وحركة معاداة الاستعمار، وحركة التضامن الأسيوى - الأفريقى، ومنطق الاستقلال وعدم الانحياز، والاتجاه العام إلى مجتمع دولى يسوده السلام وتحكمه مبادئ القانون الدولى أو أن الرجل كان ضد التحرر وكان محالفاً للاستعمار داعية إلى الطغيان فى مجتمع الدول.

* لنحقق فى سياسته العربية، وهل كانت مع التاريخ أو كانت ضد التاريخ، وهل بادر أحداً بعداء أو أنه اضطر إلى معاداة من عادوه لأنهم وقفوا ضد التاريخ وحاولوا تعطيل مسيرة الأمة؟

* لنحقق فى سياسته الداخلية، فى صيغة تحالف قوى الشعب العامل كبديل لدموية الصراع الطبقى، وفى الاستجابة لتحديات مرحلة الانتقال من مجتمع متخلف اقتصادياً واجتماعياً، وفى الإجراءات التى اضطر إلى اتخاذها لتكون للمجتمع المصرى بداية سليمة على طريق الانتقال.

وليكن التحقيق شاملاً فى تجربه التصنيع فى مصر، وفى تجربة تطوير الزراعة، وفى تجربة بناء قطاع عام يقود عملية التنمية، وفى تجربة التخطيط لذلك كله، وهل بلغت نسبة التنمية الشاملة فى معظم سنوات عصره 6.7% سنوياً، وأى تجربة أخرى فى العالم الثالث غير تجربته بلغت هذا الحد من النجاح، رغم ما نعرف جميعاً من ضغوط الحوادث والظروف.

ليكن التحقيق شاملاً كذلك لسياسات التأميم، ولإجراءات الحراسة، حالة حالة، ولتنشر القوائم ومعها الأسباب.

وليكن التحقيق شاملاً أيضاً فى كل ما يقال عن عمليات الاعتقال، والفصل، والتعذيب، ودور المخابرات والمباحث.

وهل كانت مصر تحت حكمه صورة جديدة من ألبوم "العاصفة النازية"، أو أن هذه التجربة لم تعتمد العنف إلا فى أقل القليل وفى سبيل أكبر الكبير من المبادئ والأهداف، مع التسليم سلفاً باحتمال وجود تجاوز لابد من الحساب عنه والعقاب.

أزعم أن أى تحقيق منصف سوف يضع عبد الناصر حيث يجب أن يكون، وحيث وضعته جماهير الأمة العربية التى لم تكتف بالإعراض عما يجرى له فى مصر الآن - بل عزلت فلول الظلام التى حاولت أن تحاصر قبره وتنبشه، كما فعل فى تاريخ مصر القديم لصوص المقابر حتى فى أهرامات مصر الشامخة.

إن ما حدث فى مصر لعبد الناصر لم يحدث لزعيم وقائد فى أى بلد من بلدان العالم إلا إذا كان هناك انقلاب مسلح على نظامه.

ومثل هذا الانقلاب لم يحدث قطعاً.

وعلى فرض أن انقلاباً مسلحاً كان قد حدث، فإنى أشك فى أن حملة اليوم على الأمس كان يمكن أن تصل إلى هذا العنف.

ولم يكن من قبيل الأخطاء السياسية ما حدث، ولكنه كان أسوأ، فقد تعدى أخطاء السياسة إلى السقوط الأخلاقى... إلى نوع من الانتحار المعنوى.

وليست هذه هى مصر، ولا يمكن أن تكون هذه هى مصر... وهى بالفعل ليست مصر!

8- ثم أقول فى الختام: لقد كانت تجربة جمال عبد الناصر، بإيجابياتها وسلبياتها، تجربة مصرية عربية إنسانية أصيلة.

ومناقشتها حق، لكن إدانتها الشاملة على هذا النحو الذى يجرى فى مصر، وبالوسائل والأساليب التى يتم بها ذلك فى مصر، باطل لا يصح.

ويبقى اعتقادى أنه لا يصح غير الصحيح.

ثم أتوقف عند عبارة بدأت بها هذه السلسة من الأحاديث وتلك هى أننى لا أعطى لأحد حق اتهامه، ولا أعطى لأحد شرف تبرئته.

تلك كلها حقوق للجماهير... وللأمة... وللتاريخ.

105724557.jpg

ألام على هواك وليس عدلا ................ إذا أحببت مثلك أن ألاما

رابط هذا التعليق
شارك

انشئ حساب جديد أو قم بتسجيل دخولك لتتمكن من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل؟ سجل دخولك من هنا.

سجل دخولك الان
  • المتواجدون الآن   0 أعضاء متواجدين الان

    • لا يوجد أعضاء مسجلون يتصفحون هذه الصفحة
×
×
  • أضف...