اذهب إلى المحتوى
محاورات المصريين

كيف تعمل الأفكار


مواطنين

Recommended Posts

هذا عرض لكتاب أرى الإطلاع عليه ضرورة، سواء لتنظيم الأفكار أو حماية الملفات العقلية من هجمات الفيروسات الفكرية. وقد نشر يوم التاسع من يناير الحالي بصحيفة الشرق الأوسط

كيف تعمل الأفكار:

How Ideas Work The Essay

ربما يكون الفكر العربي فوق المنطق، وربما يكون دونه. وسواء كان هذا أو ذاك فإنه لا يتقدم إلا به. هذه هي محورية المنطق في حياتنا الفكرية. وثمة منطق واحد للفكر لا "مناطق". هذه هي أهمية المنهج في أن يكون فكرنا منتجا. قليلون في التاريخ من حكموا أنفسهم بصرامة المنطق في كل ما قالوا وما فعلوا، وأقل منهم من فعل ذلك في حضارتنا الماضية والمعاصرة. ولذلك خفت موازيننا في ميدان المعرفة.

كتاب "كيف تعمل الأفكار: فكّر بيقين وتصرف بثقة" لمؤلفه كنت وورثينغتون، والصادر عن دار (No Nonsense Press Inc.)، يعيد الإعتبار للمنطق باعتباره ضرورة وجودية، أي باعتباره شرطا لوجود الإنسان وسعادته. ومثله مثل إيان راند، التي يشير إلى أهمية مساهمتها الفلسفية في أكثر من موقع من كتابه، ينطلق وورثنغتون من أرسطو، الاب الشرعي لعلم المنطق. ويقول أن أرسطو إهتم بالمنطق لأنه كان يتعامل مع عقله بالإجلال الذي يستحقه، وهو أمر علينا جميعا أن نتبعه فيه. وقد أرسى أرسطو قاعدة المنطق الصلبة عندما اكتشف قانون الهوية: وهو أن كل شيء له هوية متميزة، عن كل شيئ سواه. ولكن أرسطو إرتكب خطأين: الأول انه لم يوضح طبيعة المفاهيم بصورة كافية، والثاني أنه لم يفهم طبيعة التعميمات. وكانت نتيجة ذينك الخطأين أن الناس تعاملوا مع المنطق على الدوام بريبة وإستخفاف،بل وهجروه كليا في بعض الأحيان. الخطأ الأول حول طبيعة المفاهيم أجلته بصورة كلية إيان راند، في كتابها: مقدمة إلى المعرفة الموضوعية،

(An Introduction to Objectivist Epistemology)،

والخطا الثاني أجلاه هو شخصيا في كتابه هذا الذي نقدمه الآن إلى القراء. ولكن وورثنغتون لا يكتفي بإجلاء الخطا الثاني لارسطو، بل يحاول تقديم نظرية متكاملة حول كيفية عمل (كل) الأفكار. أي أنه يحاول أن يدخل إلى عالم العقل، فينظم مكوناته كلها، ويضعها في حزم متمايزة، ويحدد طريقة عملها، ويعطيك الفرصة، إن أردت، ألا تخلط بينها، لأن الخلط يعود عليك بعواقب وخيمة بالفعل. وهو مشروع بالغ الطموح، وربما يشوبه بعض الغرور، ولكنه مع ذلك واضح وضوح أغلب الحقائق الخطيرة. ويمكن تلخيصه في جملتين، لا هيغليتين ولا كانطيتين، لأن هذين ممن أفسدوا المنطق ونفروا منه، بل هما واضحتان وضوح نظرية أرخميدس، أو قانون نيوتن. البنية الفكرية تتكون من مفاهيم وأحكام ونتائج. تتولد المفاهيم عن طريقة معينة في تنظيم أشياء الواقع، وتتكون الأحكام عن طريقة معينة في تنظيم المفاهيم، وتتكون النتائج عن طريقة معينة في تنظيم الأحكام، والتي يمكن أن نسميها في هذه الحالة مقدمات. وتتمثل أهمية الكتاب في تطبيقاته لمقولاته النظرية، والنظرية اساسا تطبيق يا أهل النظريات التي لا تطبق!، على واقع الفكر، كما تتمثل طرافته في إستبانة الأخطاء الكبيرة التي نتجت عن الخلط بين هذه المكونات.

تكوين المفاهيم هو الإنفجار الأول في المعرفة الإنسانية، وهو يحدث للطفل عندما يتعلم إستخدام الكلمات التي تنقله من الوعي الحسي إلى الوعي الإدراكي، وتعطيه حرية غير محدودة، من حيث إحتمالاتها المفتوحة. وتنبثق المفاهيم عن الواقع وتشير إليه. فعندما يولد العقل، يكون، كما قال ارسطو تابولا رازا، أي ورقة بيضاء، تكتب عليها الحواس خطوطها الأولى. والحواس هي المنافذ الاساسية لعلاقة الإنسان بالواقع، إنها تزوده بالقاعدة التي تقوم عليها كل معرفة لاحقة، وهي أن الشيئ هو هو. تكوين المفاهيم هو منهج الإنسان في تنظيم أشياء الحس. إذ يعزل الإنسان خاصيتين متشابهتين أو أكثر ليكون منهما وحدة عقلية واحدة، ترمز لها كلمة محددة. المفهوم يشمل عددا غير محدود من الوقائع، بدء بتلك التي قام العقل بعزلها في البداية ونهاية بكل شبيهاتها في الماضي والحاضر والمستقبل. والتشابه هو المفتاح في هذه العملية. ولكن العقل الذي يعزل المتشابهات لا يحدد مواصفاتها، من حيث الكمية والحجم وغير ذلك، بل يترك المجال مفتوحا لإضافة اية قيمة. أي أن المفهوم شبيه هنا بالرمز في علم الجبر. فمع أنك يجب أن تعطي الرمز قيمة محددة، إلا أن تلك القيمة يمكن أن تكون مفتوحة، وتتسع باتساع الملكات التصورية لدى الإنسان.

آين راند تقول أن المفاهيم تعمل وفق نظام الملفات العقلية، مما يسمح لك بتخزين معرفتك، والإشارة إليها وإستدعائها عند الضرورة. ويحتوي كل ملف على كل الأشياء التي تملك خاصية معينة بينما يستبعد كل الأشياء التي لا تملك تلك الخاصية. كل ملفاتك العقلية هذه تقوم على مبدأ التمييز بين الاشياء ذات الخصائص المختلفة والجمع بين الأشياء ذات الخصائص المتشابهة. ولكن قليلين أولئك الذين يملكون ملفات دقيقة التنظيم. كما أن هذه الملفات معرضة دائما للهجوم، من فيروسات متجددة باستمرار ومن «هاكرز» بالغي المكر والذكاء. خذ مثلا مقولة دنغ هسياو بنغ الشهيرة: ليس المهم هو لون القطة، بل المهم هو مقدرتها على صيد الفئران. وهو قول صحيح لأنه يوضح أن لون القطة صفة غير جوهرية في صيد الفئران. ولكنه يريد أن يوحي من خلاله بأن نوع النظام الإجتماعي ليس جوهريا في تحصيل الثروة أو نيل الحرية. وهي مغالطة لا يمكن الدفاع عنها إلا بالمكر. وقد كان على دينغ، إذا كان يتوخى الحقيقة أن يقول: ليس المهم أن تكون القطة حبيسة أو طليقة، بل المهم أن تكون قادرة على صيد الفئران! وهو عبث محض كما ترى. ولكن هدف دينغ لم يكن هو الحقيقة، بل كان هدفه الهجوم على ملفاتك العقلية. وقد نجح الهجوم لدى عدد لا حصر له من أذكى البشر.

عملية تكوين المفاهيم توضح لنا أهمية التجريد، "فهو الطريقة التي تتكون عن طريقها المفاهيم، اي العملية الذهنية التي تفصل الخاصية المعينة عن حاملها، مركزة عليها، بدلا من التركيز على الحامل نفسه" (ص 39) وأنت تعلم أن الشيئ الحسي لا يمكن أن يوجد في موضعين في نفس الوقت، ولكن من خلال القوة غير العادية للتجريد، يمكنك أن توجد أماكن مختلفة له بطرق عديدة دون إفتراض وجوده المادي المباشر في تلك المواقع كلها.(ص 40)

الإنسان ليس أحد بصرا من الصقر، وليس أنفذ شما من الحوت، ليس أدق سمعا من الغزال، وليس الطف إحساسا من لقط. ولكنه يملك ما لا تملكه هذه الانواع كلها، وهو العقل الذي يكون المفاهيم. (ص 6)

عندما تكوّن مفاهيم جديدة من المفاهيم الحاضرة، فإنك ما تزال تمارس عملية التجريد، ولكنك تمارسها على مستوى أعلى. فأنت قد عزلت مسبقا بين الأشياء وخصائصها، لتكون مفاهيم على المستوى الأدنى من التجريد. ولكنك الآن تعزل الخصائص الجوهرية من غيرها، وبهذه الطريقة تكون مفاهيم على مستوى اعلى من التجريد. (مفهوم حيوان من مفاهيم كلب وقط وحصان، بالتركيز على الخصائص الجوهرية الجامعة بين هذه الأنواع)

مقدرتك على عزل الخصائص الجوهرية تمثل إنفجارا ثانيا في معرفتك. فمعرفتك تتراكم بسرعة خارقة عندما تجود عملية الضم والإبعاد عن طريق التركيز على الخصائص الجوهرية. وعملية التجريد على مستوى أعلى تمكنك من التحليق بعيدا عن المستوى الحسي، فتوغل في المستوى الإدراكي، ولكن إذا أغرتك هذه الحرية الآسرة فقررت أن تقطع الحبال التي تربطك بالواقع، فإنك تكون ببساطة قد ضعت. فمع أن التجريد هو وسيلتك للتحرر من الواقع الحسي، إلا انه ايضا هو طريق عودتك. وهذه العودة هامة دائما لتحقيق هدفين: الأول هو التأكد من سلامة العلاقة بين أحكامك والواقع، والثاني هو إزالة التناقضات بين أحكامك نفسها. وهما ظاهرتان فكريتان مترابطتان أشد الترابط. إذا لم تتطابق أحكامك مع الواقع فإنها تفقد أهميتها، وتصبح سرابا بدلا عن مشكاة. والواقع قابل للمعرفة، في تناقض صريح مع كانط، والتناقضات واجبة الإزالة وربما تكون أفضل بداية في إزالتها، هي نسف مقولته حول الشيئ في ذاته: والتي تقول في واقع الأمر أننا لا نبصر لأننا نرى، ولا نسمع لأننا نستقبل الأصوات، ولا نحس لأننا نشعر بالاشياء، ولا نشم لأننا نميز بين الروائح. اي إنها نوع من الهراء. الشيئ في ذاته نوع آخر من الهجوم على الملفات العقلية.

وبعد تكوين الأحكام إنطلاقا من المفاهيم، فإننا نكون قد استعددنا لمناقشة السببية، ثم الوصول أخيرا إلى أخطر أنواع المعرفة، وأبعدها أثرا وهي الإستنتاجات والفرضيات و النظريات.

وقد وجدت مناقشة ورثنغتون للسببية من أمتع فصول الكتاب،وهي على عكس ذلك لدى الكثيرين من المفكرين.

يحدد الكاتب علاقة السبب والنتيجة، باعتبارها علاقة السببية المكتملة. هذا يؤدي إلى ذاك، بصورة لا تؤدي الإستثناءات إلا إلى إثباتها. وإذا شئنا أن نجد له مكانا في تاريخنا الفلسفي فإنه ينحاز بصورة حاسمة إلى إبن رشد على حساب الغزالي. ومع أن ابا حامد لا ينفي السببية بإطلاق إلا انه يقلل من كفايتها مهددا بمسخها. وتلك قضية أخرى على كل حال. وبالنسبة إلى ورثنغتون، فإن السبب يجب أن يستوفي شرطين ليؤدي إلى النتيجة: هما الضرورة والكفاية. فالسحب ضرورية لحدوث المطر، ولكنها ليست كافية، ( أي يمكن أن تكون هناك سحب بلا مطر) والتهاب الزائدة الدودية كاف لحدوث الألم ولكنه ليس ضروريا، (أي يمكن أن يكون هناك سبب آخر.) اما إفراغ المركب لما يعادل وزنه من الماء، فهو أمر ضروري وكاف لطفوه على صفحة الماء. هذا هو السبب وتلك هي النتيجة.

هل كان طول أنف كليوباترا سببا كافيا لنشوء الإمبراطورية الرومانية؟ أم أن سبب نشوئها هو إسباغ الدستور الروماني حمايته على كل مواطنيها؟ هل الرق كان سببا كافيا لنشوب الحرب الأهلية الأميركية؟ وهل كان إطلاق المدافع من ولاية كارولاينا الجنوبية على "فورت صمتر" شيئا ضروريا لنشوب الحرب؟ أم أن التناقض في الدستور الاميركي الذي ينص على حرية الفرد، وعلى مشروعية الرق، في نفس الوقت، هو السبب في ذلك؟

ماذا عن القشة التي قصمت ظهر البعير؟ هل كانت كافية لقتل البعير الأسطوري؟ وما الفرق بين سقوط متوكل الهواري من الموقع المتآكل في سطح منزله، وسقوط سنمار من قمة القصر الذي شيده؟ وهل كان حلول القاضية ساندرا داي أوكونر، محل القاضي بوتر ستيورات، في المحكمة العليا الأميركية، عام 1981، سببا كافيا لوصفها بأنها قاتلة، لأنها أخلت بالتوازن المعادي لتنفيذ عقوبة الإعدام داخل المحكمة، لصالح تنفيذ العقوبة؟

في بحثك عن الإجابات لكل هذه الأسئلة يجب أن تنتبه إلى ضرورة أن السبب، ليكون سببا، يجب أن يستوفي شرطي: الضرورة والكفاية. وهذه العملية ليست سهلة كما تبدو، بل تحدث نتيجة نشاط عقلي مكثف، يتمثل في عملية تضييق المفاهيم وتوسيعها، والتمييز بين الجوهري وغير الجوهري فيها. كما أنها عملية مفتوحة للأخطاء. ويجب التنويه كذلك ان معالجة ورثنغتون لمنابع الخطأ الإنساني وكيفية مواجهته وتقويمه، تعد من أقوى نقاط الكتاب، ومن أكثرها فائدة لأمثالنا ممن لا يجيدون التعامل مع الأخطاء، لا من حيث الإعتراف بها، ولا من حيث منهج معالجتها، مع إسرافنا غير العادي في إرتكابها!!

والمنهج هو التنظيم التراتبي والتتابعي للخيارات الضرورية والكافية للوصول إلى هدف بعينه. وإتباع المنهج هو طريق نجاح الأفعال الإنسانية. لا يمكن دراسة الجبر قبل الحساب. وذلك يحدث بتحديد الأساسي والتمييز بينه وبين غير الأساسي. تحديد الأساسي مهم للأفعال الإنسانية لأنه يحدد لك نقطة البداية. عندما تعطس يجب أن تدير وجهك بعيدا عن الناس. هذا هو الشيئ الأساسي في الفعل الإنساني عند العطس. عندما تمرض تسعى للعلاج، عندما تجوع تأكل. ولكن كل هذا يقتضي منهجا. عبور الشارع يقتضي منهجا محددا هو النظر في كلا الإتجاهين.

عندما اختار الإنسان ان يصل إلى أهدافه دون منهج: لجأ إلى الحجامة لمعالجة الأمراض، وطعن صورة الحيوان للنجاح في صيده، وغرز الدبابيس في عين الصورة لإيذاء أعدائه، ورقص في الصحراء لجلب المطر، ونظم أساطير المياه لتفسير الظواهر الطبيعية، وحاول خلق العدالة بالمصادرة، وتوحيد الأمة بالشعارات، وتحرير فلسطين عن طريق غزو الكويت! هذا كله يشير إلى غياب المنهج، وإلى الخطأ في إستبانة حدود الإرادة الإنسانية. قال فرانسيس بيكون، لتسود الطبيعة عليك أن تطيعها، هذا هو المنهج العلمي. وقال المقهور على مر الدهور: لتنهض بالأمة وتوحدها، حررها من القيود ولا تقدها كالسوائم، هذا هو المنهج الإجتماعي والسياسي والأخلاقي.

يصل المرء إلى النتائج بتنظيم الأحكام، والتي يمكن أن نسميها الآن المقدمات، مثلما وصل إلى الأحكام بتنظيم المفاهيم. وهو ما يسمى بعملية الإستنتاج أو الإستدلال.

البرهان هو عملية إثبات النتيجة، أي ربط الفكرة بشواهدها. وكيف تصل الى النتيجة؟

إنك تبدأ بمقدمات، منها المقدمة العامة أو الشاملة، والتي تشمل كل وحدات المفهوم:

كل طلاب الصف إناث.

كل الناس فانون.

والمقدمة الشاملة هي نوع من المعرفة هامة لأية عملية إستدلال، وبدونها لا يمكن الوصول إلى أية نتيجة. القياس المنطقي يوضح هذه الحقيقة. المفكر توماس جيفرسون في القرن الثامن عشر حاول إثبات منطقية إعلان المستعمرات الأميركية إستقلالها عن إنجلترا. ومع أن تلك لم تكن أول ثورة يقوم بها الناس ضد الطغيان، إلا أن جيفرسون حاول أن يقيمها على أساس منطقي سليم وقاهر. وعندما صاغ جيفرسون إعلان الإستقلال فإنما أقامه أساسا على قياس منطقي. وجاءت صياغته على النحو التالي:

يقيم الناس الحكومات من أجل ضمان حقوقهم

هذه الحكومة (أي الحكومة البريطانية) فشلت في ضمان حقوق الأميركيين

إذن هذه الحكومة لا أساس لبقائها.

إكتشف جيفرسون هنا الوظيفة العامة للحكومات وهي ضمان حقوق الناس. ( جيفرسون لم يتحدث عن الحكومات العربية، فليطمئن ذوو الشأن!)

ولكن هل يمكن صياغة قاعدة أخرى مخالفة لقاعدة جيفرسون: مثلا:

يقيم الناس الحكومات لضمان مصالح الطبقات الحاكمة

هذه الحكومة تضمن مصالح الطبقات الحاكمة

إذن هذه الحكومة شرعية.

*

هذه الصيغة لا تقبلها الحكومات، لأن ضمان مصالح الحكام لا يتعزز إلا بادعاء خدمة الشعب، كما أنها لا تمثل شرعية لدى الشعب، إلا إذا كان شعبا من العبيد. وحتى هؤلاء الأخيرون ثاروا على أوضاعهم ومن أجل حقوقهم في الحياة والكرامة.

*

هناك مقدمات عامة يصل إليها المرء بالمشاهدة الحسية المباشرة:

كل طلاب الصف ذكور.

بمجرد النظر إليهم تصل إلى ذلك.

ولكن ماذا عن المقدمات التي لا يمكن إثبات صحتها بالمشاهدة الحسية:

كل طبيب مخ وأعصاب من الثدييات.

هذا تعميم لا يمكن إثباته بالمشاهدة الحسية لأن الأمر ينطوي على معاينة كل أطباء الأعصاب في العالم وإثبات أنهم من الثدييات.

هذه من المشاكل التي وردت في تاريخ الأفكار باعتبارها غير قابلة للحل. وقد عملت لعدة قرون على إشاعة عدم اليقين في المعرفة الإنسانية، وهو نفس الاثر الذي يمارسه الغزالي على الحضارة الإسلامية الآن في طعنه في كفاية السببية، دون إنكارها كليا. فالوقوف في هذا الفضاء بين اليقين وعدم اليقين هو الذي يشل العقل الإنساني.

إنك لا تصل إلى ذلك عن طريق الحس، بل عن طريق التجريد. والتجريد يحدث هنا على المستوى الأعلى الذي نصل إليه عن طريق تحديد الخصائص الجوهرية. إذا كانت العلاقة بين الصفة والموصوف، بين الحامل والمحمول، صحيحة، وقائمة، فإن المقولة العامة يمكن إثباتها

يوكليد قال إن الخطين المتوازيين لا يلتقيان. ليس لأنه أختبر كل الخطوط المتوازية الممكنة عقليا وواقعيا، ولكنه لأنه أنطلق من خاصية جوهرية في الخطين المتوازيين وهي أنهما لا يلتقيان.

وماذا عن التعميمات الهادية للفعل ا لبشري:

كل الناس يجب أن يكونوا أحرارا.

هل الحرية جوهرية للفعل الإنساني أم لا؟ هل يمكن للإنسان أن يمارس طبيعته كإنسان دون أن يكون حرا؟ هذا هو السؤال.

التعميمات ليست نتائج، إنها أحكام. بمعنى أنك لست مطالبا باختبار كل مكونات المقدمة العامة، إنك معني فقط بإثبات العلاقة الجوهرية بين الحامل والمحمول، بين الصفة والموصوف، فتصل إلى النتيجة. حتى أرسطو العظيم أخطأ في ذلك ولم يصححه المفكرون من بعده بل نحتوا خطأه في الصخر. وما يعتبره ورثنغتون مساهمة شخصية جوهرية من جانبه، في تاريخ المنطق، هو تصحيحه لهذا الخطأ الذي وقع فيه المعلم الأول العظيم. ويقول أن الطريقة الإحصائية هي المسؤولة عن هذه الأخطاء، عندما تؤخذ حرفيا وخارج نطاقها.

*

الإنتباه للعلاقات الجوهرية هو عصب المنطق كله، عندما تسقط شجرة في الغابة ولا يكون هناك شخص ليسمعها، هل تحدث صوتا؟

مشكلة طريفة. ولكن لا تصرف ذهنك إلى غير الجوهري فتتوه. إنتبه إلى الجوهري هنا: هل الأذن الإنسانية ضرورية لحدوث الصوت؟ أم أن الضروري لإحداث الصوت هو حركة الشجرة وهي تسقط وتحدث حركة محددة في الطبقة الهوائية المحيطة بها، إعتمادا على حجمها وسرعة سقوطها، وسرعة الريح... إلخ؟ ما هو الجوهري هنا؟

ليس الأذن الإنسانية بأية حال من الأحوال. إذا وجدت شجرة ساقطة، فاعرف أنها لحظة سقوطها، وإن كنت لم تسمعها، ولم يسمعها أحد سواك قد أحدثت صوتا.

الإنسان يعزز نتائجه بنوعين من الأدلة: الحقائق الموثوقة والمنهج السليم. إنه يربط إستنتاجاته بأدلتها في خطوتين. الخطوة الأولى يختبر فيها مقدماتها ويختبر الطريقة التي تعمل بها هذه المقدمات والعلاقات التي نظمت على أساسها: هل النتيجة تترتب على المقدمة بصورة صحيحة؟

صيغ القياس المنطقي (syllogism)، لتحقيق هذه الغاية. وهذا يكشف أن النتيجة تحتاج إلى مقدمتين على الأقل إحداهما عامة وشاملة. والثانية محدودة.

الخطوة الثانية هي التدليل على صحة المقدمات نفسها. المقدمة التي تستعصي على التدليل دائما هي المقدمة التعميمية. وهذه يدلل عليها كأحكام، وجمل مفيدة، وليس كنتائج، أي بتوضيح أن العلاقة بين الصفة والموصوف هي فعلا علاقة جوهرية وصحيحة وقائمة.

على هذا الأساس يمكن للإنسان أن يفكر بوضوح وأن يتصرف بثقة، أساسها اليقين المعرفي. فالأسطورة تحدثنا عن أن جحشا مات من الجوع لأنه لم يستطع أن يقرر بأية حزمة من القش يبدأ. وهذه مشكلة إنسانية تتعلق بالإختيار، خاصة عندما تتساوى أو تكاد قيمة الخيارات، سهولة أو صعوبة، أمام إنسان حر الأرادة، يمكن أن يختار هذا أو ذاك، مع مقدرته بالطبع على الإمتناع عن الفعل، واحتمال الموت في الحالة الأخيرة. اليقين المعرفي، الذي يحاول أن يزلزله أمثال هايزنبيرغ بمبدئه حول الشك المطلق، هو الذي يمكنك من الإختيار، بمعرفة الأساسي وا لجوهري، باستبانة المنهج السليم، والمبادئ المنطقية.

ويحاول ورثنغتون، كما حاولت قبله إين راند، أن تقيم على أساس المنطق نظاما إجتماعيا، هو الرأسمالية المنفلته «Lassez Faire». ولا يمكننا الدخول في تفاصيل ذلك هنا. فقط ننبه إلى أنه لا يتبع بنفس الصرامة المنطقية التي يدعيانها له.

هذا العرض حاول تحقيق مهمتين: الأولى إبراز أهم نقاط الكتاب. والثانية الحفز على قراءته. نجاح المهمة الأولى يتمثل في إستبانة ضرورة الثانية، وذلك لأن الثانية أهم بكثير من الأولى. وسيكون هذا شأن كل عرض أقدمه.

إنتهى

http://books.naseej.com/Detail.asp?InNewsItemID=154595

لا تُوجد مشاكل ..... بل تُوجد حلول بانتظار البحث والتطبيق

رابط هذا التعليق
شارك

انشئ حساب جديد أو قم بتسجيل دخولك لتتمكن من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل؟ سجل دخولك من هنا.

سجل دخولك الان
  • المتواجدون الآن   0 أعضاء متواجدين الان

    • لا يوجد أعضاء مسجلون يتصفحون هذه الصفحة
×
×
  • أضف...