اذهب إلى المحتوى
محاورات المصريين

كابوريا


elbana

Recommended Posts

أعلم أن الفيلم صُنِّف لدى العديدين على أنه فيلم خفيف وربما تافه ، ولكني هنا أود أن ألقي نظرة عليه عن كثب ، ربما استطعنا أن نكتشف معاً بعض التفاصيل الأكثر دقة .

تلقى العديد من المشاهدين فيلم (كابوريا) بسخرية واستخفاف نظراً للمذهب السينمائي الذي استخدمه خيري بشارة مخرج الفيلم في إخراج الفيلم ، وهو أسلوب الفانتازيا ، حيث دارت أحداث الفيلم في جو فانتازي حول شاب يدعى هدهد ، من حي فقير ولكنه يحمل في رأسه الكثير من الأحلام التي يعبر عنها بسذاجة طوال الفيلم ، وقد قص هدهد شعره على طريقة المارينز الأمريكية . وكان هدهد يمارس الملاكمة في مركز شباب الحي الفقير الذي يقيم فيه ، وهو شاب يحيا حياة بوهيمية حيث يسيح في الشوارع على غير هدى ويمضي معظم أوقاته مع أصدقاء له من نفس نوعيته ، ولا تحمل حياته هدفاً محدداً ولكن مجرد أحلام غير محددة المعالم ، حتى أنه حين زار بيت محبوبته ليخطبها من أبيها كان يأكل آيس كريم هو وأصدقاؤه ، وبالطبع طرده الأب لأنه لا يعمل ولا يمكن أن يتحمل المسؤولية وهو في هذا الوضع ، وكانت أفضل لحظات عمر هدهد هي تلك التي كان يمارس فيها الملاكمة وينتصر أمام محبوبته التي كانت تتفرج من نافذة عالية على حلبة الملاكمة .

ولكن على الرغم من الاستهتار الذي كان يغلف حياة هدهد وأصدقاؤه إلا أن أحداث الفيلم تظهر جودة معدنه في أكثر من موقف ، فحين تعرض أحد جيرانهم للطرد من مالك المنزل لعدم دفع الأجرة وألقى له المالك أثاث منزله في عرض الطري ، قام هدهد وأصدقاؤه بنجدة الرجل المطرود وأعادوا له أثاثه إلى منزله ولقنوا المالك درساً على تلك الفعلة ، وهو من الأمور التي كانت تمنح هدهد مكانة بين أهل الحي وتجعلهم يحبونه كثيراً .

وتنقلب حياة هدهد وأصدقاؤه رأساً على عقب حين كان مع أصدقائه في فجر أحد الأيام على متن فلوكة في عرض النيل يمرحون ويلهون كالعادة ، ولمحتهم من على سطح يختها الكبير رغدة السيدة الغنية التي ضجت من كثرة الملل الذي أصاب حياتها ، فأشارت إليهم أن يصعدوا إلى اليخت ، وصعد هدهد وأصدقاؤه ، وتعرفوا بها وحين علمت بأن هدهد ملاكم أقنعته بالدخول في مباريات ملاكمة مع آخرين لتتسلى هي وأقرانها من الأغنياء بالفرجة والمراهنة ، وبدأت السيدة الغنية تغازل هدهد ، وبدأت تغير من شخصيته وتحيله إلى ما يشبه الأراجوز سعياً وراء التسلية لا أكثر حيث غيرت ملابسه وألبسته كما يحلو لها ، وجعلته يغني في الحفلات الماجنة التي تقام كل ليلة على سطح اليخت ، ورغدة السيدة الغنية متزوجة من رجل هو (حسين الإمام) ولكن علاقتهما باردة وعلى غير ما يرام ومع ذلك لا يفكران في نقضها لارتباط مصالحهما ببعضها البعض . بينما تعيش في كنف رغدة وتحت قدميها فتاة هي (سحر رامي) تقوم بأداء كل ما يطلب منها من مهام مهما كانت متدنية أو قذرة ، وهي في الأصل من وسط يشبه وسط هدهد وهو الأمر الذي أصابه بالدهشة ، وتتطور الأحداث حين يدب الخلاف بين هدهد وأصدقاؤه بسبب الحياة التي رفضها بقيتهم وتمردوا عليها وتركوا هدهد وحده في اليخت وغادروا ، إلى أن تحدث مواجهة حول الأمر بين هدهد وأهل الحي الذي يصطفون في نوافذ منازلهم ويتبادلون وإياه الاتهامات ، فهم يتهمونه بأنه باع نفسه ، وهو يتهمهم بأنهم باعوه قبل أن يبيع هو نفسه ولم يساعدوه بينما ساعد هو معظمهم حين مروا بأزمات طاحنة .

المهم أن الأحداث تنتهي بعودة هدهد إلى حيه وأهله ومغادرة اليخت ، ليصعد على أكتاف زملائه الذين يشكلون من أجسادهم معبراً يتسلقه للوصول إلى نافذة محبوبته في مشهد النهاية .

والفيلم يتناول كما يبدو جلياً المشوار الذي قطعته مصر خلال القرن العشرين أو ربما نصفه الثاني منه حيث يصف الفيلم بوضوح المكانة التي تمعت بها مصر بين أهل المنطقة ، والتي تغلفت في الوقت ذاته من وجهة نظر المخرج بالكثير من السذاجة والبدائية في ممارسة الحياة السياسية وبالكثير من الارتجالية التي لا تصلح في عالم اليوم ، فإذا أردت أن تتزوج ، فعليك أن تعمل ، وإذا ذهبت لتتحدث في أمر الزواج فلا ينبغي أن تمسك في يدك بالآيس كريم وتأكله أنت وأصدقاؤك في موقف كهذا . ومن الأمور الدالة على السذاجة أيضاً تدخل هدهد فيما لا يعنيه أو فيما لا طائل من ورائه كما حدث في موقف الجار المطرود ، وهو إسقاط يشير إلى ما كانت تقوم به مصر في العهد الناصري من تدخل في اليمن وغيرها الأمر الذي استنزف الكثير من الموارد _ من وجهة نظر المخرج _ وعطل مصر عن الأخذ بأسباب التقدم والنمو لانشغالها بقضايا خارجية . وقد صور المخرج مصر في تلك المرحلة بشاب لا يدري ماذا يريد ، أو بمعنى أصح يريد أشياء ولكن لا يدري كيف يحققها على أرض الواقع ، فهدهد يردد دائماً (أنا في دماغي حاجات كبيرة .. أنا نفسي أوصل للأولمبية) ولكن كيف؟ لا يدري ، وهذا يصور حالة الزعامة الكاذبة التي كانت مصحوبة بانعدام الخبرة والحنكة السياسية التي كانت تشوب تصرفات البلاد في تلك الآونة .

ثم يأتي التطور الأهم في الأحداث حين استجابت مصر للمغازلة الأمريكية (السيدة الغنية في اليخت) وألقت بنفسها في أحضانها في السبعينيات التي تحولت فيها مصر إلى مسخ مشوه لا هو بالشرقي ولا هو بالغربي ، بل أضحت _ من وجهة نظر المخرج _ كالأراجوز الذي يرتدي ملابس مضحكة ويرقص ويغني ليضحك الأغنياء ، ويلعب دور الملاكم البطل ليتفرج عليه الأغنياء أيضاً عليه ويضحكون ويراهنون على من يشاؤون .

وهنا يصور المخرج العلاقة بين قطبي العالم (وقتها) تصويراً أقرب للصحة حين يشبههما بالزوجين (رغدة وحسين الإمام) الذين تجمعهما علاقة باردة خالية من العواطف ، بل وتشوبها الكراهية والتحدي في معظم الأحيان ، ولكنهما مع ذلك يفلان الإبقاء عليها استجابة لمقتضيات المصالح المتبادلة ، وقد تعمد المخرج أن يظهر كل من الزوج والزوجة تارة بملابس تحمل ألوان العلم الأمريكي ، وتارة بملابس تحمل أولون الاتحاد السوفيتي ، ليؤكد على أنه لا فارق كبير بينهما فيما يتعلق بنا نحن الصغار . وتلعب سحر رامي دور دولة باعت نفسها مبكراً وقبل أن توقع مصر اتفاقية كامب ديفيد .

ثم تأتي النتيجة الحتمية وهي الشقاق الكبير بين مصر وأشقائها والتي تمثلت في هجر أصحاب هدهد له وتركه في اليخت ، ومشاجرته مع أهل الحي التي فضحت الكثير وعبرت عن الكثير من الأمور التي حدثت في السبعينات بين مصر وبعض الدول العربية ، حيث تطايرت الاتهامات في كل اتجاه في مشهد يصور مدى المأساة التي يعيشها الوطن العربي .

ثم في النهاية ، يعود هدهد إلى حيه ، وإلى مدربه بعد أن يقتنع بأن مكانه هناك ، في إشارة واضحة إلى ما حدث في الثمانينات من عودة مصر إلى الجامعة العربية وإعادة العلاقات بينها وبين البلدان العربية .

ثم في النهاية ، محبوبة هدهد التي أظن أنها تعني هنا (فلسطين) الأسيرة التي تشبه الحلم البعيد هناك في أعلى النافذة ، حيث يصعد هدهد إلى النافذة على أجساد أهله وأشقائه ليصل إلى المحبوبة الأسيرة ، وهنا يؤكد المخرج على أن هذا الهدف لا يمكن أن يتحقق إلا بأعلى قدر من الاتحاد والتماسك ، وأنه يجب أن نشكل من أجسادنا جسراً قوياً نعبر عليه لتحقيق حلمنا في تحرير المحبوبة الأسيرة ، والمشهد هنا يشبه إلى حد كبير مشهد العبور في حرب أكتوبر التي كانت الجسور المائية أحد أبرز معالمها .

وأخيراً ، فإن القالب الذي اختاره خيري بشارة لفيلمه هو قالب كثيراً ما يلجأ إليه المخرجون في بلدان العالم الثالث الذي تتقلص فيه حرية التعبير إلى حد كبير مما يلجئ المخرجين وأهل الفن والرأي إلى اتباع الرمزية والفانتازيا في كثير من أعمالهم تجنباً للصدام مع السلطات . وقد كان خيري بشارة موفقاً إلى حد كبير في معظم أحداث الفيلم ، وإن كان هناك عدد كبير من المشاهدين لم يتمكن من فهم الرسالة المعنية إلا في فترات متأخرة ، ولكن هذا لا ينقص من قدر الفيلم بقدر ما يشير إلى مشكلة ضعف التذوق الفني بمجتمعاتنا .

رابط هذا التعليق
شارك

انشئ حساب جديد أو قم بتسجيل دخولك لتتمكن من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل؟ سجل دخولك من هنا.

سجل دخولك الان
  • المتواجدون الآن   0 أعضاء متواجدين الان

    • لا يوجد أعضاء مسجلون يتصفحون هذه الصفحة
  • الموضوعات المشابهه

    • 1
      كابوريا ولا أسهل ولا أبسط قليل من الملح عصير ليمون فلفل أسود وكمون وكسبرة مطحونة بصلة شرائح وليمونة شرائح الجميع فى قدر عميق يوضع على نار متوسطة لمدة 15 دقيقة على الأكثر وكل دقيقتين نقلبه بدون ما نفتح القدر بالهز .. يكون جاهز وهنا وعافية
×
×
  • أضف...