اذهب الي المحتوي
محمد عبده العباسي

الصحفي المصري محمود حسني العرابي وكنابه المفقود

Recommended Posts

الصحفي المصري محمود حسني العرابي

وكتابه المفقود ..

=-=-=-=-=-

في العام 1923م كان الشاب محمود حسني العرابي ممن يتمتعون بثراء كبير ، كان يعيش في مدينة المحلة الكبري التي اختارها طلعت باشا حرب لأن ينشئ فيها أكبر نهضة صناعية عرفتها مصر في أوائل القرن العشرين ، ولكن حسني العرابي فضل العيش في الأسكندرية التي طاب له العيش فيها ، وهناك راح ينهل من معين عالم القراءة الساحر ، فخلبت عقله وشغلت باله ، ورأي نفسه يجد ضآلته في الأديب الروسي ليو تولستوي صاحب الطاقة الإبداعية في كتابة القصة القصيرة والرواية ، وأعجب به إعجاباً يفوق الخيال والوصف ، فراح يدون ثروته علي غرار ما فعل الرجل وكان أول منادٍ في شرقنا العربي بأسره بتلك المبادئ التي أرستها الثورة البلشفية في العام 1917م ، وهنا كان الصدام الأول له مع السلطات في مصر ، ففي الوقت الذي كانت القوي السياسية بأسرها تضع نصب عينيها قضية الإستقلال وخروج المحتل الغاصب من أرض الوطن والسعي نحو إقامة حياة دستورية ، فكانت الأمور التي ينادي بها العرابي لا تجد آذاناً صاغية ..

ولم ييأس العرابي بل ظل يبذل جهوداً مضنية عند العديد من الشباب يبثهم أمانيه وأحلامه لغرس المفاهيم والمبادئ وأسس بالفعل حزباً أسماه " الحزب الشيوعي المصري " وسعي بكل جهد إستمراره ..

كان ذلك في العام 1923م ، ورأت السلطات أن العرابي لم يكن من الخارجين عن القانون فحسب ، لا بل هو مارق عن الوطنية التي تلتهب بها صدور المصريين في تلك المرحلة ، ولم تجد السلطات بداً ولا ذريعة سوي إسقاط الجنسية المصرية عنه ثم نفيه خارج البلاد ..

ظن الجميع بأن العرابي سوف ينتهي به الأمر لاجئاً في البلاد التي آمن بمبادئها ، وبأنه سيجد الملاذ في موسكو ، لكنه خيب آمال الجميع حين اتجه نحو برلين عاصمة المانيا التي لم تتجزأ وقتها وكانت تحت سيطرة حلفاء الغرب منذ هزيمة الألمان في الحرب العالمية الأولي ..

خرج العرابي من وطنه لا يملك أي مال أو زاد سوي إيمانه القوي وثقته بنفسه ، ومن أجل أن يجد لنفسه موطأ قدم في البلاد الغريبة علم نفسه بنفسه اللغة الألمانية حتي أتقنها تماماً بل وفاق أهلها وعمل معلماً بأحد المعاهد يدرس اللغة العربية ويترجمها إلي تلاميذه بلغة وطنهم ..

وسرعان ما أحاطت به اللمم ، وضاق به الحال فهو رجل لا يحمل جنسية ولا يملك أوراقاً ثبوتية فالعمل في هذه البلاد لابد له من وثائق ..

ولم يجد العرابي مناصاً سوي ترك العمل ، وراح يتعلق بأهداب صاحبة الجلالة فعمل صحفياً من منفاه في المانيا وليس من القاهرة وطنه الأصلي ، وهناك أمضي قرابة أربعة عشر عاماً يزاول فيها مهنته المحببة ، وكان ملفتاً للنظر أن يزاول صحفي مصري عمله من برلين ، وبدأت الأزمات تلاحقه وتشتد عليه فظل كبش فداء لمطاردات السلطات هناك ..

وظلت الحياة تتقاذفه ، وأمواج بحارها العتية تقسو عليه فراح ينتقل من بلد لبلد ، ومن عمل لآخر حتي لاحت له شمس العودة للوطن مرة أخري وكان من ضمن فلول الفارين والهاربين من عواقب الحرب العالمية الثانية والتحق بالعمل بجريدة السياسة .

ويؤكد الصحفي الكبير الراحل حافظ محمود في كتابه " عمالقة الصحافة 1 " بأنه عمل مع العرابي في جريدة السياسة منذ أواخر سنة 1944 م حتي أواخر سنة 1951م ، ثم عمل معه لمدة عام آخر سنة 1955 م فلم يجده مرة ينبس ببنت شفة ما يوحي بأنه يساري أو يلحظ عليه أحد من ذلك شئ مما دفع حافظ محمود بحاسته الصحفية لأن يسأله عن سبب حذره ورد العرابي عليه رداً عبقرياً ينم عن أفق واسع وعقلية مستنيرة وواعية بمبادئها في بساطة وإخلاص شديدين :

ـ ليس هذا حذراً ، إنما هو اقتناع مني بأن العمل شئ والعقيدة شئ آخر ، وما أولئك الذين يتخذون من عقائدهم زينة إلا تجار بهذه العقائد .

فما كان من حافظ محمود إلا أن سأله :

ـ وماعقيدتك ؟

فأجاب علي الفور :

ـ أنا لست بغبغاناً " أي ببغاء " لأحد في الخارج ، إن عقيدتي من وإلي ضميري ، ولقد عشت حياتي الفكرية اليسارية في الخارج أربعة عشر عاماً فوقفت علي مالها وما عليها ، ماينفعنا وما لا ينفعنا ، وقد دونت هذا كله في كتاب ..

فسأله حافظ ـ وكان ذلك في العام 1955م ـ :

ـ هل سنقرأ هذا الكتاب قريباً ؟

فقال العرابي :

ـ هذا إذا مت قريباً ، فقد صممت علي ألا يُنشر هذا الكتاب إلا بعد موتي ليعلم من يقرأونه أنني قصدت بكل كلمة فيه وجه الله والوطن فقط.

ومات العرابي في صيف ذلك العام ، وراح حافظ محمود يسعي دأباً للبحث عن الكتاب فسأل ذويه فقالوا :

ـ إنه موجود ..

وانتظر الرجل علي مضض ولكن لم تظهر أية بادرة فسأل مرة أخري ، فقالوا :

ـ إنه مفقود ..

وهكذا يكون الفقد سبلاً لضياع كتاب هام كان بوسعه أن يميط اللثام عن فترة حاسمة من تاريخ نضالنا المصري ، ويظهر من بواطن الأمور ما نجهله ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد عبده العباسي

بورسعيد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

Join the conversation

You are posting as a guest. If you have an account, sign in now to post with your account.
Note: Your post will require moderator approval before it will be visible.

زوار
اضف رد علي هذا الموضوع....

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.


  • محاورات مشابهه

    • وفاة د محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف الأسبق

      شيخ الأزهر ناعيا زقزوق: وداعا الأستاذ والفيلسوف والفقيه والعالم العابد كتب:   سعيد حجازي وعبدالوهابً عيسي     10:12 م | الأربعاء 01 أبريل 2020 د. حمدي زقزوق نعى الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، الدكتور محمود حمدي زقزوق المفكر الإسلامي الكبير، والذي وافته المنية اليوم.وقال الإمام، في بيان له: فقد الأزهر اليوم

      في باب الإجتماعيات

    • على الحجار ... الصوت المصري الأصيل

      علي الحجار مطرب مصري من االأصوات المميزة جدا يختار كلماته و ألحانه بعناية تعالوا معا نبحر مع صوته الرائع نبذة عن علي الحجار من الويكبيديا   مطرب من أبرز جيل الثمانينيات والده الفنان إبراهيم الحجار جده على الحجار كان منشدا دينيا في بنى سويف وهو من مواليد إمبابه وحفظ القرأن الكريم وهو صغير السن, ثم تخرج في كليه الفنون الجميلة بـجامعة حلوان أشتهر بأغنيات صلينا الفجر فين، والعديد من الأغنيات عمل في المسلسلات التلفزيونيه منها رحله أبو العلا البشرى، يس وبهيه، أولاد الشوار

      في الفنون

    • تداعيات مباراة السوبر المصري ٢٠٢٠م

      اصدرت لجنة الانضباط عدة قرارات عقابية للاعبي الاهلي والزمالك  بعد مباراة السوبر المصري العقوبات والحيثيات الاهلي والزمالك زعلانين .... هل ترى أن العقوبات ظالمة أو مبالغ فيها أو غير مبررة

      في الرياضة

    • الصانع العظيم للــ د. مصطفى محمود رحمه الله ..

      مقال من جماله وروعته قرأته كذا مره وسأحتفظ به في مذكراتي لأعود له ليزيد ايماني بخالقي """ بقلم د.مصطفى محمود هل سأل أحدكم نفسه عن كمية السباكة داخل جسمه .. مجموع المواسير داخل العمارة التي هي بدنه ، بما فيه من آلاف الوصلات و المجاري التي يجري فيها الدم و البول و الطعام و الفضلات و عوادم التنفس و الهضم . هل يعلم أن طول مواسير الدم في جسمه تبلغ وحدها ثمانية آلاف ميل أي أطول بكثير من المسافة بين القاهرة و الخرطوم .. مواسير أكثر ليونة من الكاوتشوك ، و أكثر متانة من الحديد ، و أطول عمر

      في  فى الثقافة و العلم

×
×
  • اضف...