اذهب الي المحتوي
ArabHosters
Mohammad Abouzied

وثائق الصراع العربي الاسرائيلي

Recommended Posts

قرار المؤتمر الصهيوني العشرين بشأن مشروع بيل

1937

" يعلن المؤتمر أن مشروع التقسيم الذي عرضته اللجنة الملكية غير مقبول.

ويخول المؤتمر اللجنة التنفيذية الدخول في مفاوضات مع حكومة جلالته للتأكد من الشروط الدقيقة التي تقترحها لإقامة دولة يهودية. ولن يكون في مكنة اللجنة التنفيذية أو المنظمة الصهيونية، أن تلزم نفسها بشيء في مثل هذه المفاوضات، ويتحتم عليهما في حالة ظهور مشروع محدد لإقامة الدولة اليهودية، أن يعرضا هذا المشروع على مؤتمر صهيوني جديد، ينتخب لدراسة المشروع واتخاذ القرار بصدده "

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

بيان مجلس الحاخامات الأعلى لمنظمة اجودات إسرائيل العالمية عن سياسته " حول فلسطين "

1937

1 - يعلن مجلس الحاخامات:

( أ ) أن أرضنا المقدسة قد منحت لنا من قبل سيد العالم عن طريق ميثاق أبدي لكي نمارس في هذه الأرض قوانين وتعاليم التوراة ولكي نحيا في روح التوراة. وهكذا يرتبط الشعب اليهودي إلى الأبد بهذه الأرض بكل خلجات نفسه.

(ب) ولما كنا قد طردنا من أرضنا لما ارتكبناه من خطايا فإن الله قد وعدنا عن طريق أنبيائه المقدسين أنه سوف يحررنا مرة أخرى عن طريق المسيح. وإن الإيمان بهذا الوعد لهو أحد المبادئ الأساسية للعقيدة اليهودية وهو إيمان إجباري مفروض على كل شخص يهودي.

(جـ) وهكذا فإن حق الأمة اليهودية في أرضها المقدسة يمتد جذوره إلى توراتنا المقدسة وفي الضمانات التي أعطاها الأنبياء كرسل للرب.

( د ) أن قيام دولة يهودية ممكن في حالة واحدة وهى إذا ما اعترف بقانون التوراة دستورًا أساسيًا للدولة، وكان للتوراة السيادة فوق الإدارة (الحكومة).

(هـ) أن الدولة اليهودية إذا لم تكن قائمة على أساس التوراة فإنها ستعني إنكارًا للتاريخ اليهودي وإنكارًا للجهود الحقة للقومية اليهودية وسوف تحطم أساس الحياة القومية.

2 - إن مجلس الحاخامات يعلن بروح التوراة أن المفاوضات والقرارات التي تتخذ بخصوص مستقبل أرض إسرائيل، وهى إرث الشعب الإسرائيلي كله، لا يمكن اعتبارها شرعية ما لم يكن الممثلون الذين يقومون بهذه المفاوضات مفوضين من قبل اليهود الأرثوذوكس.

إن أية مفاوضات تتم دون اشتراك ممثلين لليهود الأرثوذوكس يعتبر تحديًا للعدالة وللأخلاق.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

مذكرة اللجنة العربية العليا إلى اللجنة الملكية

11 يناير سنة 1937

تقدم اللجنة العربية العليا بالنيابة عن عرب فلسطين هذه المذكرة إلى لجنتكم الملكية التي بسطت فيها القضية العربية الفلسطينية والتي تحتوي على الأسباب الأساسية لاضطرابات صيف السنة الماضية والاضطرابات المتوالية في فلسطين منذ سنة 1919.

إن أسباب الاضطرابات الأساسية تلخص بالأمرين الآتيين:

( أ ) حرمان العرب في فلسطين من التمتع بحقوقهم الطبيعية والسياسية.

(ب) إصرار الحكومة البريطانية على اتباع سياسة إنشاء وطن قومي يهودي في هذه البلاد العربية من شأنها في الواقع هدم الكيان العربي في البلاد وإيضاح ذلك كما يلي:

أولاً: إن القضية العربية في فلسطين هي قضية قومية استقلالية لا تختلف في جوهرها عن قضايا العرب في سائر البلاد العربية وليست هذه القضية حديثة بل ترجع إلى مدة طويلة قبل الحرب العامة.

لقد كان العرب يؤلفون جزءًا مهمًا من كيان الدولة العثمانية ومن الخطأ أن يقال إن العرب كانوا تحت نير عبودية الأتراك وإن حركتهم ومساعدة الحلفاء لهم إنما كانت ترمي إلى تحريرهم من ذلك النير فقد كانوا في الحقيقة يتمتعون في كيان الدولة العثمانية بجميع أنواع الحقوق التي كان يتمتع بها الأتراك، سياسية كانت أو غير سياسية وذلك بحكم الدستور العثماني الذي وضع أساس حكم واحد لجميع البلاد والعناصر التي كان يتألف منها كيان الدولة العثمانية.

وكان العرب يشاطرون الأتراك في جميع مناصب الدولة المدنية والعسكرية الرئيسية وغير الرئيسية، فكان منهم رؤساء وزارات ووزراء وقواد فيالق وفرق وسفراء وولاة ومتصرفون كما أنهم كانوا شركاء الأتراك في البرلمان العثماني بقسميه النواب والأعيان ممثلين فيه بعدد كبير من الأعضاء متناسب مع عدد نفوسهم وفقًا للدستور وقانون الانتخاب العثماني. وفوق ذلك فقد كانت البلاد العربية تدار بحكم يستند على مجالس إدارية منتخبة في الأقضية والألوية والولايات وعلى مجالس عمومية انتخابية للولايات والألوية المستقلة كالقدس والتي كانت تتمتع بصلاحيات واسعة في الإدارة والمالية والتعليم والعمران.

غير أن العرب كانوا بالرغم من ذلك كله يطمحون إلى استكمال سيادتهم القومية في بلادهم طموحًا يرمي إلى استعادة المركز الممتاز الذي كان للشعب العربي في القرون الغابرة والذي قدم فيه للحضارة الإنسانية خدمات عظيمة بادية الأثر في كل نواحي الحياة المدنية العالمية. فلقد اعتنق منذ زمن طويل رجالات العرب وشبانهم الذين كان منهم عدد كبير من فلسطين الفكرة الاستقلالية ونشروها بقوة في جميع أوساط البلاد العربية. ونشطت هذه الحركة نشاطًا عظيمًا منذ سنة 1908 (بعد إعلان الدستور العثماني) بنوع خاص إلى العمل في هذا السبيل. وتعرضوا في سبيلها إلى الاضطهادات الشديدة وتحمل التضحيات الجسيمة بالخاصة بعد عقد المؤتمر الأول في باريس سنة 1913 والذي كان مظهرًا عظيمًا من مظاهر هذه الحركة. وكان آخر هذه الأعمال قيام شريف مكة الشريف حسين حينئذٍ (الملك حسين) بثورته الكبرى باسم العرب متحالفًا مع بريطانيا العظمى سنة 1915 للوصول إلى تحقيق الغاية المنشودة وهى استقلال البلاد العربية.

ثانيًا: قطعت الحكومة البريطانية للملك حسين بصفته ممثلاً للعرب عهودًا تأيدت مرارًا تتضمن الاعتراف بقيام دولة عربية مستقلة وقد شملت هذه العهود فلسطين كما شملت سائر البلاد العربية في الدولة العثمانية.

وقد ادعى المستر ونستون تشرشل حينما كان وزيرًا للمستعمرات في سنة 1922 بأن فلسطين لم تكن داخلة ضمن هذه الحدود في الرسائل التي تبودلت بين الملك حسين والسير هنيري مكماهون دون ما جدوى إذ أن الاستثناءات التي لم يسلم بها في ذلك الحين الشريف حسين (الملك حسين) إنما أريد بها ما هو معروف اليوم بلبنان وذلك ثابت بدون أقل ريب بالدلائل الآتية:

1 - لقد أريد بهذه الاستثناءات عدم التعارض مع مدعيات فرنسا بمصالح خاصة في الأقسام الغربية من أقضية دمشق وحمص وحماه وحلب ولم يكن لفرنسا مدعيات إلا فيما يسمى اليوم لبنان.

2 - إن الاستثناءات تشمل الأقسام الواقعة غربي أقضية دمشق وحما - وحمص وحلب. وفلسطين ليست واقعة غربي هذه الأقضية.

3 - وأما ما ادعاه المستر تشرشل من أن المقصود من دمشق هو ولاية دمشق فخطأ من الأساس لأنه لم يكن هناك ولاية دمشق بل كانت دمشق عاصمة ولاية سوريا وتشتمل على قضاء واحد من عدة أقضية ضمن هذه الولاية. ولو أريد بقضاء دمشق ولاية سوريا التابعة لها أقضية شرق الأردن والتي تقع فلسطين في الغربي منها لما ذكرت أقضية حمص وحماه التي هي أيضًا أقضية داخلة في ولاية سوريا مثل قضاء دمشق. ولو عنيت فلسطين في هذا الاستثناء لذكر أيضًا أقضية السلط والكرك.

فالملك حسين استنادًا إلى العهود المذكورة قام بثورته الكبرى ودعا إليها العرب في مختلف البلاد العربية فكان متطوعو فلسطين من أول الوافدين الذين انضموا إلى جيوش الثورة العربية. وقد كانت الطيارات تلقي في فلسطين المناشير العديدة للدعوة إلى انضمام جنود وضباط العرب فيها إلى الثورة العربية فاشترك عرب فلسطين فيها بمقياس واسع وضباطًا وجنودًا لأجل تحقيق غايات الحركة العربية التي كانت ترمي إلى استقلال البلاد العربية ومنها فلسطين.

ثالثًا: وضعت الحرب أوزارها على أساس مبادئ الرئيس ولسن ومنها مبدأ تقرير المصير ولقد أصبح تنفيذ هذا المبدأ حقًا مقدسًا.

ولما تم النصر لجيوش الحلفاء أذاع اللورد اللنبي قائد جيوش الحلفاء في الشرق باسم الحكومتين البريطانية والفرنسية في تشرين الثاني 1918 في جميع مدن وقرى فلسطين وفي سوريا ولبنان بيانًا جاء فيه أن القصد من حركة الحلفاء هو تمكين أهل البلاد من تقرير مصيرهـم وإنشاء حكومات وطنية منهم وأنه لم يكن لفرنسا ولا لبريطانيا أي مقصد استعماري في هذه البلاد. وقد تلقى عرب فلسطين إذ ذاك هذا البيان بمثابة وثيقة عهد جديد مؤيد للعهود المقطوعة للملك حسين والمشار إليها آنفًا.

رابعًا: ثم عقد مؤتمر الصلح في فرسايل وكان أهم ما أنتجه هذا المؤتمر هو عهد عصبة الأمم وقد تأيد في هذا العهد مبدأ تقرير المصير ومبدأ الاعتراف باستقلال البلاد العربية المنسلخة عن الدولة العثمانية باعتبار أن سكانها العرب قد وصلوا إلى درجة من النضوج السياسي يجعلهم أهلاً للتمتع بالاستقلال بشرط أن يتلقوا الإرشاد والنصح لمدة مؤقتة من دولة عرفت بالدولة المنتدبة. وجعل لرأي أهل البلاد الاعتبار الأول في اختيارها.

وعلى أثر ذلك تقرر إيفاد لجنة دولية للبلاد العربية لاستفتاء سكانها، وجاءت اللجنة الأمريكية المعروفة بلجنة كراين - كنغ. وكانت نتيجة استفتاء هذه اللجنة برهانًا قاطعًا على رغبة أهل هذه البلاد بالاستقلال والحرية والوحدة السورية والعربية ورفض السياسة الصهيونية رفضًا باتًا.

خامسًا: وبالرغم من كل ذلك وبعد أن كان لعرب فلسطين كل الحق في كيان عربي مستقل فقد سلخت بلادهم عن سوريا وفرض عليها الانتداب البريطاني وأدمج وعد بلفور في صك الانتداب ثم بالرغم عما ذكر في هذا الصك من أنه مستند إلى المادة (22) من عهد عصبة الأمم فقد صيغ في قالب لوحظت فيه بالدرجة الأولى مصالح اليهود وقد جعل فيه للحكومة المنتدبة الحق المطلق في التشريع والإدارة ونص فيه على وجوب وضع البلاد في حالات إدارية وسياسية واقتصادية من شأنها تسهيل إنشاء الوطن القومي اليهودي. وقد سارت الحكومة البريطانية في إدارة البلاد طيلة التسع عشرة سنة الماضية على سياسة ترمي إلى إنشاء هذا الوطن اليهودي مهملة تمام الإهمال المحافظة على حقوق ووضعية العرب التي أخلت إخلالاً فظيعًا بحيث نزلت نسبتهم العددية التي كانت 93 % في بداية الاحتلال البريطاني إلى 70 % وبحيث خيب كل أمل لهم في الحكم الذاتي وبحيث حرموا من كل مشاركة في مرافق البلاد وبحيث أصبح كيانهم القومي مهددًا بالهدم والفناء وبحيث مكن اليهود من الاستيلاء على قسم كبير من أحسن الأراضي العربية وأخصبها وتشريد مزارعيها عنها ومحو القرى العربية فيها. هذا في حين أن البلاد العربية الأخرى المنسلخة عن الدولة العثمانية والمماثلة لفلسطين أي سوريا ولبنان والعراق قد قام لها منذ البدء حكم وطني ما لبث أن انتهى فيه عهد الانتداب وتثبتت العلاقة بينها وبين بريطانيا العظمى في العراق، وفرنسا في سوريا ولبنان على أساس معاهدة حلف وصداقة أخذت تتمتع بعدها هذه البلاد بحكم نفسها بنفسها.

فمن الطبيعي جدًا أن يعتقد عرب فلسطين الذين كانوا يأملون طوال السنين السابقة رجوع بريطانيا إلى إنصافهم. إن كل حائل يحول بينهم وبين حقهم المقدس بالاستقلال والمحافظة على كيانهم القومي في بلادهم إنما هو قائم على الظلم وإن من واجبهم أن يظلوا مناضلين بجميع الوسائل المشروعة التي لديهم إلى أن يزول هذا الظلم وإلى أن يصلوا بزواله إلى حقهم المقدس.

سادسًا: جاء في تصريح المستر ونستون تشرشل لسنة 1922 أن المانع الوحيد لتأسيس حكومة وطنية في فلسطين أسوة بالبلاد العربية الأخرى ليس كون أهل فلسطين أقل رقيًا وتقدمًا من سكان تلك البـلاد وإنما هو وعد بلفور. وفي هذا من الظلم والإجحاف مالا يحتاج إلى إسهاب إذ أنه لا يمكن أن يبرر ذو وجدان أيًا كان حرمان العرب في فلسطين من التمتع بحقهم المقدس بالحرية والاستقلال لا لذنب اقترفوه ولا لتقصير وقعوا فيه ولكن لأن الحكومة البريطانية وعدت اليهود بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين.

على أنه مهما قيل عن تصريح بلفور فإن الحقيقة الناصعة أنه تصريح باطل من أساسه لا يقوم على أي منطق ولا يستند إلى أي حق. فقد اضمحل كيان اليهود بفلسطين منذ تشتتهم قبل نحو ألف وتسعمائة سنة ولم يبق لهم فيها وجود إلا بضعة آلاف لم يعيشوا في البلاد آمنين مطمئنين على أرواحهم وعلى أموالهم إلا بعد الفتح العربي وبفضل التقاليد العربية السمحة. وقد استقر العرب في فلسطين منذ أكثر من ألف وثلاثمائة سنة واصطبغت بهم بالصبغة العربية ومازالوا هم أصحابها الشرعيين ومنهم تتشكل أكثريتها الساحقة. ولم يكن عدد اليهود الذين دخلوا طوال زمن الحكم العثماني وما قبله ووجدوا عند الاحتلال إلا نحو 50.000 يهودي أو 7 % من مجموع السكان عدد عظيم منهم أجانب.

سابعًا: يرمي وعد بلفور إلى غاية مبهمة ويحتوى على أمرين ثبت بالتطبيق أنهما متناقضان كل التناقض. أما أن غاية هذا الوعد مبهمة فلأنه بالرغم من المحاولات الرسمية العديدة لتفسيره لم يزد إلا إبهامًا، وأما أن الأمرين اللذين جاءا فيه والمتعلقين بإنشاء الوطن القومي اليهودي والمحافظة على حقوق ووضعية العرب متناقضان تمامًا فلان أقل نتيجة طبيعية لإنشاء هذا الوطن هو ضياع الحقوق والوضعية التي للعرب في البلاد.

غير أن الحكومة البريطانية التي حادت عن طريق الحق والوفاء بالعهود المقطوعة للعرب بارتباطها بوعد بلفور ظلت مستمرة في حيدها عن طريق الحق والعدل. وحاولت أن تجعل المستحيل ممكنًا بإنشاء وطن قومي يهودي في هذه البلاد العربية المحاطة بالأوقيانوس العربي من جميع الجهات والتي هي موضع الاهتمام العظيم للعالم العربي والإسلامي فأساءت إلى الحق والعدل وجعلت هذه البلاد المقدسة بلاد فتن دامية ليس من المستطاع أن تهدأ مادام الشذوذ عن الحق والعدل هو الأساس الذي تقوم عليه إدارتها. إن التاريخ لم يروِ حادثًا مثل هذا كما أن الإصرار على هذه السياسة ليس في مصلحة أي كان.

ثامنًا: إن اللجنة العربية العليا لا ترى فائدة كبيرة من الدخول في تفاصيل وأرقام واسعة لإثبات الإجحاف الذي أصاب العرب من الإدارة البريطانية وما لقيه اليهود ويلقونه من تعضيد وتحيز ومحاباة وتسليم للمرافق الحيوية في البلاد، وما هي الروح الاستعمارية والصهيونية المسيطرة على فروع الإدارة والتشريع وما يقترف في سبيل ذلك من أعمال وحوادث لا تقرها مبادئ الحق والعدل كما أن العرب لا يرون أية فائدة وأمل من إصلاح في إدخال تغييرات ثانوية لأن الداء إنما هو الأساس وما لم يعالج الأساس معالجة صحيحة وجريئة فان الداء يظل مستفحلاً والشر متفاقمًا.

أما هذه المعالجة الأساسية والصريحة فهي:

1 - العدول عن تجربة الوطن القومي اليهودي الفاشلة التي نشأت عن وعد بلفور، وإعادة النظر في جميع النتائج التي نتجت عنها والتي ألحقت أشد الأضرار والأخطار بكيان العرب وحقوقهم.

2 - إيقاف الهجرة اليهودية إيقافًا تامًا وفورًا.

3 - منع انتقال الأراضي العربية لليهود منعًا باتًا وحالاً.

4 - حل قضية فلسطين على الأسس التي حلت عليها قضايا العراق وسوريا ولبنان وذلك بإنهاء عهد الانتداب وعقد معاهدة بين بريطانيا وفلسطين تقوم بموجبها حكومة مستقلة وطنية ذات حكم دستوري تتمثل فيها جميع العناصر الوطنية ويضمن للجميع فيها العدل والتقدم والرفاه.

محمد أمين الحسيني

رئيس اللجنة العربية العليا.

فؤاد سابا

أمين السر.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

بيان سياسة حكومة صاحب الجلالة في المملكة المتحدة المرفوع من قبل وزير المستعمرات إلى البرلمان بأمر جلالته

يوليو سنة 1937

1 - لقد نظرت حكومة صاحب الجلالة في بريطانيا العظمى بناءً على أمر جلالته في التقرير الإجماعي الذي رفعته اللجنة الملكية لفلسطين ووجدت أنها توافق بصورة عامة على الحجج التي استندت إليها اللجنة والاستنتاجات التي توصلت إليها.

2 - إن حكومة جلالته الحاضرة والحكومات الأخرى التي سبقتها كانت قد اتخذت منذ قبولها الالتزامات الواردة في الانتداب كما اعترفت به اللجنة اعترافًا تامًا في بحثها التاريخي عن وجهة النظر التي ينطوي عليها ما قاله صك الانتداب نفسه بأن الالتزامات التي ارتبطت بها حكومة جلالته نحو العرب ونحو اليهود هي التزامات غير متضاربة مفترضة أن الشعبين سيوفقان بين أمانيهما القومية بفعل الزمن على وجه يمكن من إنشاء كتلة سياسية واحدة تديرها حكومة واحدة.

3 - وقد بنت حكومة جلالته سياستها على هذا الأمل بالرغم مما جابهته من الاختبارات العديدة المثبطة للعزائم خلال السبع عشرة سنة الماضية واغتنمت كل فرصة سنحت لها لإنماء روح التعاون بين العرب واليهود وعلى ضوء الاختبار والحجج التي أدلت بها اللجنة رأت حكومة جلالته نفسها مضطرة إلى الاستنتاج بوجود تضارب غير قابل التوفيق بين أماني العرب وأماني اليهود في فلسطين وأن هذه الأماني لا يمكن تحقيقها بموجب نصوص الانتداب الحالي وأن مشروعًا للتقسيم مبنيًا على الأسس العامة التي أوصت بها اللجنة يعتبر أحسن وأنجح حل للخروج من هذا المأزق وفي نية حكومة جلالته أن تشير على جلالته باتباع هذه الطريقة.

4 - ولذلك فإن حكومة جلالته تنوي بعد النظر بعين الاعتبار إلى الالتزامات الدولية المترتبة عليها بمقتضى المعاهدات الخالية وميثاق عصبة الأمم وسائر المواثيق الدولية أن تتخذ التدابير الضرورية والملائمة للحصول على حرية العمل في تنفيذ مشروع التقسيم، تأمل كل الأمل بأن يتيسر له نيل أكبر قسط من التأييد من الشعوب المختصة.

5- وريثما يوضع مشروع كهذا موضع العمل لا تنوي حكومة جلالته أن تتخلى عن المسؤولية المترتبة عليها فيما يتعلق بتوطيد السلام والنظام وحسن أداء الحكم في سائر أنحاء فلسطين وهي توافق بصورة عامة على ما قدمته اللجنة من التواصي فيما يتعلق بالأمن العام فإذا حدث أن نشبت اضطرابات خطيرة من جديد واتخذت شكلاً يتطلب تدخلاً عسكريًا فإن المندوب السامي سيفوض كافة السلطات المخولة له في سائر أنحاء البلاد بموجب مرسوم الدفاع عن فلسطين إلى القائد العام للقوات العسكرية.

6 - وفى الوقت الذي يعد فيه شكل مشروع للتقسيم تنوى حكومة جلالته - كتدبير مؤقت - أن تتخذ في القريب العاجل الإجراءات اللازمة لمنع معاملات انتقال الأراضي التي من شأنها أن تضر بذلك المشروع ثم إنه لما كانت المدة التي صدر بشأنها جدول العمال الحالي تنتهي في آخر تموز، ولما كان من الواجب الاحتياط للمدة التي تلي ذلك فإن حكومة جلالته تنوى أن تسمح بدخول عدد من المهاجرين اليهود من كافة الأصناف لا يتجاوز مجموعهم الثمانية آلاف شخص خلال الثمانية الأشهر التي تبتدئ في آب سنة 1937 وتنتهي في أذار سنة 1938 بشرط ألا يتجاوز ذلك قدرة البلاد على الاستيعاب.

7 - ولقد كانت حكومة جلالته في تأييدها لحل مشكلة فلسطين على أساس التقسيم متأثرة تأثيرًا عميقًا بما ينطوي عليه هذا الحل من الفوائد لكل من العرب واليهود فبواسطته ينال العرب استقلالهم القومي ويصبح في وسعهم أن يتعاونوا مع عرب البلاد المجاورة على قدم المساواة في سبيل تحقيق وحدة العرب ورقيهم. ويتخلصون نهائيًا مما يساورهم من الخوف من سيطرة اليهود عليهم ويزول ما أعربوا عنه من القلق حول مصير الأماكن المقدسة واحتمال وقوعها يومًا من الأيام تحت هيمنة اليهود.

وستتلقى الدولة العربية مساعدة مالية وافرة من كل من حكومة جلالته والدولة اليهودية. ومن جهة أخرى سيؤمن مشروع التقسيم إنشاء الوطن القومي اليهودي وينقذه من احتمال خضوعه لحكم العرب في المستقبل وسيتحول الوطن القومي اليهودي إلى دولة يهودية تملك حق الإشراف التام على الهجرة وسيتمتع رعايا تلك الدولة بنفس الوضع الذي يتمتع به رعايا الدول الأخرى ويتخلص اليهود أخيرًا من العيش " عيشة الأقليات " وبذلك يتحقق الهدف الأساسي للصهيونية. وبموجب المعاهدتين المقترح عقدهما تكون حقوق الأقليات في كل من الدولتين مضمونة ضمانًا مشددًا. وفوق كل ما سبق ذكره ستحل الطمأنينة والأمن محل المخاوف والشكوك وينال الشعبان على حد تعبير اللجنة " نعمة السلام التي لا تقدر بثمن ".

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

تقرير اللجنة الملكية لفلسطين

7 يوليو سنة 1937

لقد كانت اللجنة الملكية لفلسطين مؤلفة من الأعضاء التالية أسماؤهم:

جناب النبيل الأول بيل.

جناب النبيل السر هوراس رامبولد (نائب الرئيس).

السر لورى هاموند.

السر موريس كارتر.

السر هارولد موريس.

الأستاذ راجينالد كوبلاند. وقد قام بمهام السكرتارية المستر ج. م. مارتن.

وقد عينت اللجنة في شهر آب سنة 1936 وأنيطت بها الصلاحيات التالية:

التثبت من الأسباب الأساسية للاضطرابات التي نشبت في فلسطين في أواسط شهر نيسان والتحقيق في كيفية تنفيذ صك الانتداب على فلسطين بالنسبة لالتزامات الدولة المنتدبة نحو العرب ونحو اليهود والتثبت يعد تفسير نصوص الانتداب تفسيرًا صحيحًا مما إذا كان لدى العرب أو لدى اليهود أية ظلامات مشروعة ناجمة عن الطريقة التي اتبعت فيما مضى أو التي تتبع الآن في تنفيذ الانتداب والقيام لدى اقتناعها باستناد أية ظلامة من هذه الظلامات إلى أساس صحيح يرفع التواصي لإزالة تلك الظلامات ومنع تكرارها.

وفيما يلي خلاصة تقرير اللجنة:

الباب الأول - المشكلة

الفصل الأول: الاستناد التاريخي:

يتضمن هذا الفصل لمحة موجزة عن عهد اليهود القديم في فلسطين وعن الفتح والاحتلال العربي وتشتت اليهـود المشكلة اليهودية نحو الصهيونية ومعناها.

الفصل الثاني: الحرب والانتداب:

إن الحكومة البريطانية رغبة منها في نيل معاضدة العرب في الحرب الكبرى قطعت لشريف مكة في سنة 1915 وعدًا مآله أنه إذا قيض للحلفاء الغلبة والانتصار فإن القسم الأكبر من الولايات العربية التي كانت حينئذٍ مشمولة في الإمبراطورية العثمانية سيصبح مستقلاً ففهم العرب من هذا الوعد أن فلسطين ستكون داخلة في نطاق هذا الاستقلال.

وكي تتمكن الحكومة البريطانية من نيل معاضدة اليهودية العالمية أصدرت تصريح بلفور في سنة 1917 ففهم اليهود من هذا التصريح أنه إذا قيض النجاح لتجربة إنشاء الوطن القومي اليهودي وأم فلسطين عدد كاف من اليهود فقد يتطور الوطن القومي مع مرور الزمن وينقلب إلى دولة يهودية.

وعندما وضعت الحرب أوزارها وافقت دول الحلفاء والدول المنضمة إليها على العمل بنظام الانتداب كوسيلة لتنفيذ السياسة التي ينطوي عليها تصريح بلفور. وبعد مدة من الزمن أقرت عصبة الأمم والولايات المتحدة صك الانتداب على فلسطين. وهذا الصك نفسه يتناول في الدرجة الأولى التزامات معينة متساوية في الأهمية - وهى التزامات إيجابية فيما يتعلق بإنشاء الوطن القومي والتزامات سلبية فيما يتعلق بحماية حقوق العرب.

الفصل الثالث: فلسطين من سنة 1920 إلى سنة 1936:

وخلال السنوات الخمس الأولى من عهد الإدارة المدنية التي أسست في سنة 1920 شرع من الجهة الواحدة في إعداد المصالح العامة التي تناول تأثيرها أكثرية السكان العربية وشرع من الجهة الأخرى في إنشاء الوطن القومي اليهودي وقد نشبت اضطرابات في سنتي 1920 و1921 غير أنه في سنة 1925 تبادر للذهن أن الأمل بوصول العرب واليهود إلى توافق نهائي كان قويًا إلى درجة كبيرة مما أدى إلى إنقاص القوى المنوط بها المحافظة على النظام إنقاصًا كبيرًا، أظهر فيما بعد أن هذه الآمال لم تكن مستندة إلى أساس ذلك لأنه بالرغم من أن فلسطين على وجه الإجمال أصبحت أكثر رفاهية عن ذي قبل فإن الأسباب التي أدت إلى اضطرابات سنتي 1920 و1921 وهي مطالبة العرب بالاستقلال القومي واتخاذهم موقف العداء من الوطن القومي اليهودي لم يطرأ عليها أدنى تبدل أو تغيير والواقع أن وطأتها قد اشتدت من جراء العوامل الخارجية وهي تهافت يهود أوروبا على فلسطين وانتشار الروح القومية عند العرب في البلاد المجاورة.

وقد كانت هذه الأسباب هي بذاتها التي أدت إلى اضطرابات 1929 - 1933 ولم تحل سنة 1936 حتى كانت وطأة العوامل الخارجية قد اشتدت من جراء:

1 - المصاعب التي تعرض لها اليهود في ألمانيا وبولونيا والتي أسفرت عن زيادة الهجرة اليهودية إلى فلسطين زيادة كبيرة.

2 - توقع بلوغ سوريا ولبنان في القريب العاجل نفس الاستقلال الذي نالته العراق والمملكة السعودية ولقد كانت مصر في ذلك الحين على وشك الاستقلال أيضًا.

الفصل الرابع: اضطرابات سنة 1936:

لقد كانت هذه الاضطرابات (وقد تضمن التقرير وصفًا موجزًا لها) شبيهة بالاضطرابات الأربعة التي سبقتها وإن كانت أشد خطرًا وأطول أجلاً منها ولم يقتصر الهجوم فيها على اليهود وحدهم بل تناول حكومة فلسطين أيضًا كما كانت الحالة في اضطرابات سنة 1933 - وقد كانت الظاهرة الجديدة التي بدرت في هذه الاضطرابات الأخيرة الدور الذي لعبه ملوك العرب وأمراؤهم في البلاد العربية المجاورة في إنهاء الإضراب.

ولقد كانت الأسباب الأساسية لاضطرابات سنة 1936 كما يلي:

1 - رغبة العرب في نيل الاستقلال القومي.

2 - كرههم لإنشاء الوطن القومي اليهودي وتخوفهم منه.

وهذان السببان هما بذاتهما السببان اللذان أديا إلى الاضطرابات السابقة ولقد كانا على الدوام متصلين معًا بصورة لا تنفصم عراها. وهناك كثير من العوامل الثانوية الأخرى التي ساعدت على نشوب الاضطرابات نذكر أهمها فيما يلي:

1 - انتشار الروح القومية العربية خارج فلسطين.

2 - ازدياد هجرة اليهود منذ سنة 1933.

3 - الفرصة المتاحة لليهود بالتأثير على الرأي العام في بريطانيا.

4 - عدم ثقة العرب في إخلاص الحكومة البريطانية.

5 - فزع العرب من استمرار شراء الأراضي من قبل اليهود.

6 - عدم وضوح المقاصد النهائية التي ترمي إليها الدولة المنتدبة.

الفصل الخامس: الحالة الحاضرة:

إن الوطن القومي اليهودي قد خرج عن طور التجربة ولقد كان نمو سكانه مقرونًا بتطورات سياسية واجتماعية واقتصادية تطابق الأسس التي وضعت لها في بادئ الأمر والحدث الرئيسي هو ما طرأ على المدن والصناعات من التقدم والتوسع وهناك فرق جلي يسترعي الأنظار بين الصبغة الديمقراطية والعصرية الأوروبية في صميمها التي يصطبغ بها الوطن القومي وبين العالم العربي الذي يحيط به فالروح السائدة في الوطن القومي اليهودي هي ذات صبغة قومية شديدة، وليس ثمة مجال للامتزاج أو الاندماج بين الثقافة اليهودية والثقافة العربية والوطن القومي لا يمكن أن يكون شبه قومي، فشكل الحكم القائم في مستعمرات التاج لا يلائم أناسًا ديموقراطيين ومثقفين ثقافة عالية كجماعة الوطن القومي وحكومة كهذه من شأنها أن تغذي روح عدم الشعور بالمسؤولية غير المحمودة الأثر.

والوطن القومي يجنح إلى إسراع الخطى في تقدمه لا لمجرد رغبة اليهود في الفرار من أوروبا بل بسبب القلق السائد حول ما سيحل بفلسطين في المستقبل.

لقد ازداد عدد السكان العرب زيادة كبرى منذ سنة 1920 ونالوا بعض النصيب من رفاهية فلسطين المتزايدة. فكثير من أصحاب الأملاك من بينهم استفادوا من بيوع الأراضي ومن استثمار الأثمان التي جنوها من بيعها استثمارًا ناجحًا والفلاحون هم أسعد حالاً على وجه العموم مما كانوا عليه سنة 1920 ويرجع بعض الفضل في هذا التقدم الذي ناله العرب إلى ما دخل فلسطين من رؤوس الأموال اليهودية والى العوامل الأخرى ذات الصلة بنمو الوطن القومي. ولقد استفاد العرب بصورة خاصة من الخدمات الاجتماعية التي لم يكن ليتسنى إيجادها بالمقياس الموجودة فيه الآن بدون الإيرادات المستمدة من اليهود.

غير أن هذه الفائدة الاقتصادية التي جناها العرب من الهجرة اليهودية ستقل إذا استمرت، شقة الخلاف السياسي بين العنصرين على الاتساع.

إن روح القومية عند العرب شديدة القوة كما هو الحال عند اليهود وقد ظل ما يطلبه الزعماء العرب من تأسيس حكومة ذاتية وطنية وقفل باب الوطن القومي اليهودي ثابتًا لم يطرأ عليه تغيير منذ سنة 1920 والروح القومية عند العرب كالروح القومية عند اليهود يغذيها النظام التعليمي ونمو حركة الشبان. ولقد كان للمعاهدة الإنجليزية المصرية والمعاهدة الفرنسية السورية اللتين عقدتا مؤخرًا تأثيرهما في إذكاء هذه الروح. إن شقة الخلاف بين العنصرين هي في حالتها الحاضرة واسعة وستستمر على الاتساع فيما لو ظل الانتداب الحالي معمولاً به.

إن وضع حكومة فلسطين بين الشعبين المتنافرين ليس بالوضع الذي تحسد عليه فهنالك هيئتان متنافستان هما اللجنة العربية العليا المتساندة مع المجلس الإسلامي الأعلى من جهة والوكالة اليهودية المتساندة مع المجلس الملي اليهودي من الجهة الأخرى وهاتان الهيئتان تستطيعان اكتساب ولاء العرب واليهود الطبيعي أكثر مما تستطيعه حكومة فلسطين والجهود الصادقة التي بذلتها الحكومة لمعاملة كلا العنصرين بدون تحيز لم تؤدِ إلى تحسين العلاقات بينها. كما أن سياسة استمالة المقاومة العربية لم تنجح ولقد أثبتت حوادث السنة الماضية أن الاستمالة لا تجدي نفعًا.

إن الشهادات التي أدلى بها زعماء العرب واليهود كانت متضادة كل التضاد ولم تترك أملا في إمكان التوفيق بين وجهتي نظر الفريقين. وقد كان الحل الوحيد للمعضلة الذي تقدمت به اللجنة العربية العليا هو تشكيل حكومة عربية مستقلة في الحال وأن يترك لهذه الحكومة أمر معاملة الأربعمائة ألف يهودي الموجودين في البلاد على الوجه الذي تستصوبه. والجواب على ذلك أن الثقة بحسن نية الحكومة البريطانية لن تزداد في أية ناحية من أنحاء العالم فيما لو سلم الآن أمر الوطن القومي للحكم العربي.

وقد أكدت الوكالة اليهودية والمجلس الملي اليهودي أن في الإمكان حل المعضلة عن طريق تطبيق الانتداب بحذافيره تطبيقًا حازمًا على أساس مطالب اليهود، وذلك بألا يوضع قيد جديد على الهجرة وألا يكون هناك ما يمنع صيرورة اليهود أكثرية في فلسطين مع مرور الزمن. والجواب على ذلك أن مثل هذه السياسة لا يمكن تنفيذها إلا باللجوء إلى القوة ثم إنه ليس من المحتمل أن يورط الرأي العام البريطاني أو الرأي العام لليهودية العالمية نفسه في اللجوء إلى استعمال القوة على الدوام إلا إذا اقتنع بعدم وجود وسيلة أخرى لأداء العدالة.

الباب الثاني - تنفيذ الانتداب

لقد بحثت اللجنة بحثًا مستفيضًا فيما يمكن عمله لتنفيذ الانتداب طارقة كل النواحي الواحدة بعد الأخرى سعيًا وراء فسح المجال لتوطيد دعائم السلام في المستقبل وقد أدرجت نتائج تحقيقها هذا في القسم الثاني من التقرير وشرحت المشاكل التي تواجه مختلف فروع إدارة الدولة المنتدبة كما شرحت ظلامات العرب واليهود تحت كل باب.

وفيما يلي المقررات الرئيسية التي توصلت إليها اللجنة:

الفصل السادس: الإدارة:

إن الموظفين الفلسطينيين الذين هم في خدمة الحكومة يحسنون العمل في الأوقات الاعتيادية أما في أوقات الاضطرابات فلا يعتمد عليهم وينبغي ألا يكون ثمة تردد في الاستغناء عن خدمات الذين يرتاب في إخلاصهم أو عدم تحيزهم.

أما فيما يتعلق بالموظفين البريطانيين فالملاك (الكادرو) هو أصغر من أن يسمح بتشكيل خدمة مدنية منهم لفلسطين وحدها. وعلى ذلك يترتب على الإدارة أن تستمر على الاستعانة بموظفي المستعمرات غير أن مدة الخدمة الاعتيادية في فلسطين يجب ألا تقل عن سبع سنوات وينبغي صرف العناية الفائقة في اختيار الموظفين وتدريب الذين يقع الخيار عليهم تدريبًا تمهيديًا.

إن اللجنة تعترف بالمشاق التي تعانيها الإدارة البريطانية التي كانت مسوقة منذ البدء على العمل تحت ضغط شديد دون أن تتسنى لها فرصة للتفكير الهادئ فهنالك مركزية زائدة عن الحد والصلة الموجودة بين الرئاسات العليا للدوائر وإدارة الألوية غير وافية بالمرام.

إن ظلامات العرب واليهود ومطالبهم فيما يتعلق بالمحاكم لا يمكن التوفيق بينها وهي تكشف القناع عن التنافر العنصري الذي يتخلل فروع الإدارة بأجمعها. ومما يزيد في صعوبة إيجاد نظام قضائي يتفق واحتياجات شعوب فلسطين المختلطة وجود لغات رسمية ثلاث وأيام عطلة أسبوعية ثلاثة وأعياد رسمية ثلاثة ونظم قانونية ثلاثة. أما فيما يتعلق بالشكوك التي تخامر اليهود حول كيفية تعقيب الدعاوى الجنائية. فاللجنة تلفت النظر إلى الصعوبات التي تجابه دائرة النيابة في بلاد تكثر فيها شهادات الزور، ويتعذر فيها الحصول على البيانات في كثير من الدعاوى. وهي ترى أن البغضاء المستحكمة بين العنصرين وعلى الأخص عند وقوع الأزمة قد أثبتت أن لها تأثيرها السيئ في أعمال تلك الدائرة. واللجنة توصي بأن يكون محامي الحكومة الأول بريطانيا.

ومن الضروري إنجاز تعبيد طرق يافا - حيفا بما أمكن من السرعة.

ولا بد من القيام بتحقيق آخر بواسطة أحد الخبراء للفصل فيما إذا كانت البلاد في حاجة إلى مرفأ ثانٍ عميق المياه. ويفضل بناء هذا المرفأ فيما لو تقرر بناؤه في مكان متوسط بين يافا وتل أبيب بحيث يكون في متناول كل من البلدين على السواء.

ليس ثمة فرع من فروع الإدارة لا تتدخل به الوكالة اليهودية غير أن الوكالة لا يصح أن تكون موضعًا للانتقاد بسبب ذلك فالمادة الرابعة من صك الانتداب تخولها حق إبداء المشورة والتعاون مع الحكومة في كل أمر من الأمور التي تمس مصالح السكان اليهود تقريبًا وهي تشكل حكومة موازية تقوم إلى جانب حكومة الدولة المنتدبة والمركز الممتاز الذي تتمتع به يزيد في حدة خصومة العرب.

لقد كانت اللجنة العربية العليا مسؤولة لدرجة كبيرة عن مواصلة الإضراب في السنة الماضية وتحديد أجله ويجب أن يتحمل مفتي القدس بصفته رئيسًا لهذه اللجنة قسطه الوافر من المسؤولية ومن سوء الحظ أنه لم يكن في الإمكان منذ سنة 1929 القيام بأي عمل لوضع انتخابات المجلس الإسلامي الأعلى ومركز رئيسه على أساس نظامي فالوظائف التي جمعها المفتي في نفسه واستعماله لتلك الوظائف قد أدى إلى إنشاء حكومة عربية ضمن حكومة ويمكن وصفه بأنه رئيس حكومة موازية ثالثة وقد بحثت اللجنة في اقتراح يرمي إلى إنشاء وكالة عربية واسعة النطاق مؤلفة من ممثلي البلاد العربية المجاورة ومن ممثلي عرب فلسطين لحفظ التوازن مع الوكالة اليهودية فإذا ظل الانتداب الحالي قائمًا فلابد من البحث في مشروع كهذا.

الفصل السابع: الأمن العام:

على الرغم من أن نفقات الأمن العام قد ارتفعت من 265.000 ج في سنة 1923 إلى ما يتجاوز 862.000 جنيه في سنة 1935 -1936، (وإلى 2.230.000 جنيه في سنة 1936 – 1937 وهي السنة التي وقعت فيها الاضطرابات) فمن الثابت أن الواجب الأولى وهو الواجب الذي يفضي بالمحافظة على الأمن العام لم يُؤَدَّ.

وإذا حدث أن نشبت الاضطرابات مرة أخرى بشكل يتطلب تدخل السلطات العسكرية فيجب ألا يكون ثمة تردد في تطبيق الأحكام العرفية على البلاد بكاملها تحت إشراف عسكري غير مجزأ. ومن مثل تلك الحالة ينبغي تجريد الأهالي من السلاح وإقامة هيئة فعالة على الحدود لمنع التهرب والهجرة غير المشروعة وتسرب الأسلحة وإذا لم يعمد إلى نزع السلاح فيجب الاحتفاظ بالبوليس الإضافي كقوة مدربة للدفاع عن المستعمرات اليهودية.

لقد كانت الاستخبارات خلال الإضراب غير مرضية. إن أكثرية ضباط البوليس الفلسطيني في دائرة التحقيقات الجنائية مخلصون كل الإخلاص لعملهم أما أفراد البوليس الذين ينتمون إلى الرتب الدنيا كغالبية أفراد البوليس في الأقضية فهم ليسوا ممن يعتمد عليهم عند وقوع الاضطرابات وإن كانوا نافعين في أوقات السلم. وسيكون من الخطر بمكان عظيم تعريض البوليس العربي في فلسطين على مثل ذلك التوتر العصبي الذي عرض له في الصيف المنصرم.

ينبغي تعيين ضباط بريطانيين في المناطق " المختلطة ".

ويجب أن يكون هناك بوليس احتياطي مركزي ومحلي ومن الأمور الأساسية أيضًا أن تكون هناك قوة كبيرة متحركة من الفرسان سواء أكان ذلك عن طريق تشكيل قوة من الدرك أو عن طريق زيادة أفراد البوليس البريطاني الخيالة.

عقب اضطرابات سنة 1929 لم ينفذ حكم الإعدام إلا في ثلاثة أشخاص من القتلة بينما أحكام الإعدام المبرمة بلغت 27 حكمًا. وفي سنة 1936 بلغت حوادث القتل التي تم التبليغ عنها 260 حادثة وأدين 67 شخصًا ولم يحكم بالإعدام على أحد. إن معاقبة المجرم بسرعة وإنزال العقاب الملائم به هو عامل أساسي في حفظ القانون والنظام.

لقد بلغ مجموع ما فرض من الغرامات المشتركة في المدة الواقعة بين سنة 1929 وسنة 1936 - 60.000 جنيه غير أنه لم يجمع منها لغاية هذا التاريخ سوى 18.000 جنيه وإذا كانت الغاية أن يكون للغرامات المشتركة أثر رادع فمن الواجب قصرها على المبلغ الذي يمكن جمعه وإقامة قوة من البوليس التأديبي في القرية أو المدينة على نفقة أهلها إلى أن تدفع الغرامة.

إن العقوبات المنصوص عليها في قانون المطبوعات والإجراءات التي اتخذت بمقتضى القانون المذكور ليست كافية. فمن الواجب سن قانون يقضي بإيداع تأمين (ديبوزيتو) نقدي يمكن مصادرته وبفرض عقوبة الحبس ودفع الغرامة ويجب أن ينص القانون أيضًا على مصادرة المطبعة.

وهناك ضرورة ماسة لإنشاء ثكنات للبوليس في بعض المدن وإقامة بيوت لكل الأفراد المتزوجين منهم.

إن إيرادات فلسطين لا يمكن أن تفي بجميع ما تتطلبه التدابير المقترحة من النفقات وسيستلزم الأمر أن تدفع حكومة جلالته في المملكة المتحدة إعانات سخية لتلك الغاية. أما الأثر الفوري لهذه التدابير فسيكون توسيع شقة الخلاف بين العرب واليهود مقرونًا ذلك برد فعل يتخطى أثره حدود فلسطين ويتجاوزها إلى أبعد منها بكثير.

الفصل الثامن: الشؤون المالية:

لم تكن الخزينة حتى السنين الأخيرة تبيح القيام بإصلاح واسع النطاق في الشؤون والخدمات الاجتماعية فإن تراكم وفر كبير في الخزينة أمر انفردت به السنين الأربع الأخيرة التي بدأت بسنة 1932. ولقد كان ثمة ما يبرر اتخاذ موقف التحفظ والتؤدة في إجراء الإصلاحات المشار إليها. أما الاستنتاج بأن هذا الوفر الكبير ناشئ عن تقتير لا موجب له في الصرف فهو أمر لم يؤيده التحليل الدقيق لأن الوفر بأجمعه مثقل بالرهون إلى درجة لا يبقى منه معها إلا ما يزيد قليلاً على المقدار المعقول لسد الذمم الحالية.

وإذ توقف تدفق رؤوس الأموال على فلسطين وهو الأمر الذي تمتاز به اقتصاديات فلسطين بصورة خاصة فليس هناك ما يستدعي أن يكون زوال هذه الخبرة الاستثنائية مؤديًا إلى وقوع البلاد في الفاقة وإن كان ذلك قد يؤدي إلى خفض مستوى المعيشة إلى درجة ما ريثما تستقر اقتصاديات البلاد على أساس جديد. غير أن إمكان خروج رؤوس الأموال من فلسطين في حالة ركود الحالة الاقتصادية فيها ركودًا طويل الأمد هو أمر لا يمكن تجاهله بالكلية.

وبالنظر لعدم وجود إحصاءات وافية يتعذر التثبت من درجة صحة الشكوى التي تقدم بها العرب بأن حماية الصناعات يعود جل فائدتها على اليهود ويقع جل أعبائها على عاتق العرب والمأمول أن تتمكن إدارة الإحصاءات الجديدة عن قريب من التحقيق في مسألة توزيع الضرائب وأن تفرض الضرائب الجديدة على أساس مجموع عبء الضرائب التي ستقوم البلاد بحملة لا بالنسبة لما تحدثه الضرائب من التأثير في أية صناعة خاصة من الصناعات.

وليس هناك مجال للجدل في حاجة البلاد إلى زيادة صادراتها وإيجاد أسواق لما تنتجه من الأثمار الحمضية الآخذة في التزايد من سنة إلى أخرى وقد وجدت اللجنة بعد إمعان النظر في الوسائل المختلفة التي يمكن اتخاذها لتذليل الصعوبات الناجمة عن سياسة عدم التمييز في التفرقة المنصوص عليها في المادة (18) من صك الانتداب أن أحكام تلك المادة أصبحت لا توافق الزمن الحاضر. فإذا لم تعدل تلك المادة فإن فلسطين ستستمر على تحمل الخسائر من جراء القيود التي تعيق التجارة الخارجية ولذلك ينبغي فتح باب المفاوضات بدون إمهال لوضع تجارة فلسطين على قاعدة أعدل من القاعدة التي هي عليها الآن.

الفصل التاسع: الأراضي:

إن خلاصة من التشاريع المتعلقة بالأراضي التي سنت خلال الحكم المدني تكفي لإظهار ما بذلته الحكومة المنتدبة من الجهود لتنفيذ تعهداتها في هذا الباب. واللجنة تلفت النظر إلى الصعوبات الخطيرة المحيطة بالقانون الذي اقترحت حكومة فلسطين سنه لحماية صغار الملاك.

ومن الواجب تعديل دستور فلسطين وتعديل صك الانتداب أيضًا إذا لزم الأمر بصورة تفسح مجالاً لسن قانون يخول المندوب السامي سلطة منع انتقال الأراضي إلى اليهود في أية منطقة معينة وذلك كي يصبح في قيد الإمكان تنفيذ التعهد الذي يقضى بحفظ حقوق العرب ووضعيتهم. وريثما تتم عمليات المساحة والتسوية ترحب اللجنة بمنع بيوع قطع الأراضي المنعزلة والصغيرة المساحة إلى اليهود. على أنها ترجح اللجوء إلى مشاريع أوسع مما سبق لإعادة تنظيم الملكية تحت إشراف الحكومة وهي تبحث الاقتراح القائل بتشكيل شركات خاصة للمنافع العامة لتتولى القيام بمشاريع عمرانية كهذه خاضعة لبعض القيود.

وينبغي تعيين لجنة من ذوي الخبرة لسن قانون للأراضي وقد أوصت اللجنة بلزوم الإسراع في عمليات التسوية (التي تحتاج إليها البلاد حاجة ماسة) وتحسين الأصول التي تسير عليها عمليات التسوية.

إن النظام الحالي لمحاكم الأراضي من شأنه أن يساعد على البطء في سير الدعاوى وريثما تتم عمليات المساحة والتسوية يجب تأليف محكمتين أو ثلاث محاكم أراضٍ مستقلة عن المحاكم المركزية بحيث تكون كل منها برئاسة قاضٍ بريطاني منفرد.

لقد استفاد المزارع القروي بصورة عامة لغاية يومنا هذا مما قامت به الإدارة البريطانية من الأعمال ومن وجود اليهود في البلاد. إلا أنه ينبغي اتخاذ أقصى ما يمكن من الحيطة لتأمين حفظ حقوق المستأجرين والمزارعين العرب في حالة وقوع بيوع أراضٍ أخرى وعلى ذلك يجب ألا يسمح بانتقال الأراضي (إلى اليهود) إلا حينما يمكن استبدال الزراعة الواسعة بالزراعة الكثيفة. وليس من المنتظر أن تتسع المناطق الجبلية لأية زيادة كبيرة تحدث في عدد سكان القرى. ولذلك يجب على الحكومة ألا تعمد في الوقت الحاضر ولا بعد مضي عدد كبير من السنين إلى تسهيل حشد اليهود في المناطق الجبلية بوجه عام.

إن عدم كفاية الأراضي يعود إلى تكاثر السكان العرب أكثر مما يعود إلى ابتياع الأراضي من قبل اليهود. ولا يمكن التسليم بما يدعيه العرب من أن اليهود قد حصلوا على قطعة زائدة من الأراضي الجيدة فكثير من الأراضي المغروسة الآن بأشجار البرتقال لم تكن عند ابتياعها إلا كثبان رمال أو مستنقعات غير مزروعة. ومن الأمور اللازمة إصدار تشريع يقضي بإناطة المياه السطحية في المندوب السامي. واللجنة توصي بزيادة عدد الموظفين الذين يقومون بالتنقيب والبحث عن المياه وبزيادة التجهيزات الموضوعة تحت تصرفهم بغية التوسع في الري. وهي تحبذ المشروع الموضوع لإعمار منطقة الحولة.

واللجنة تدرك تمام الإدراك ضرورة القيام بتحريج الأراضي على مقياس واسع ولزوم وضع برنامج بعيد الأمد لإنشاء الغابات ولكن بالنظر لما استنتجته من قلة الأراضي الميسورة للسكان الزراعيين في الجبال لا يسعها أن توصي ببرنامج ينطوي على إخراج المزارعين من الأراضي بمقياس واسع إلا إذا وفرت لهم أرضًا زراعية أخرى أو أوجد لهم عمل مناسب على الأرض. وعلى أنه إذا أخذت البلاد كمجموع فإن قسمًا كبيرًا من أرضها يصلح للتحريج وليس للزراعة واللجنة تحبذ القيام بمشروع يرمي إلى تحريج سفوح التلال الكثيرة الانحدار منعًا لانهيار تربتها ومنع الري في الأراضي الصالحة للتحريج وإنشاء غابات للقرى حيثما أمكن لمنفعة المزارعين المجاورين لها.

الفصل العاشر: الهجرة:

لقد ازدادت مشكلة الهجرة خطورة من جراء عوامل ثلاثة وهي:

1 - القيود الشديدة التي فرضتها حكومة الولايات المتحدة على الهجرة إلى بلادها.

2 - استلام الحكومة الوطنية الاشتراكية لمقاليد الحكم في ألمانيا.

3 - ازدياد الضغط الاقتصادي على اليهود في بولونيا.

إن بقاء عنصر وافر الذكاء والنشاط مدعمًا بمقادير كبيرة من الأموال على اصطدام متواصل مع شعب متواطن في البلاد يعتبر فقيرًا بالنسبة إلى ذلك العنصر ويختلف عنه من حيث مستوى الثقافة قد يؤدي مع الزمن إلى رد فعل خطير. وإن مبدأ الاستيعاب الاقتصادي الذي مؤداه أن يتوقف مقدار الهجرة إلى البلاد على أساس قدرة البلاد الاقتصادية على استيعاب المهاجرين دون أن يكون لغير هذه الاعتبارات الاقتصادية شأنه في ذلك هو مبدأ غير ملائم في الوقت الحاضر وهو يضرب صفحًا عن بعض العوامل التي تنطوي عليها الحالة مما لا يسع السياسة الحكيمة أن تتجاهله أو تهمله. فمن اللازم أن يحسب للعوامل السياسية والاجتماعية والنفسية حسابها في هذا الشأن وينبغي على حكومة صاحب الجلالة أن تضع حدًا سياسيًا أعلى للهجرة اليهودية. وهذا الحد السياسي الأعلى يجب أن يحدد بـ 12.000 في السنة للسنوات الخمس المقبلة.

الفصل الحادي عشر: شرق الأردن:

إن مواد صك الانتداب المتعلقة بالوطن القومي اليهودي لا تسري على شرق الأردن. واحتمال توسيع الوطن القومي عن طريق هجرة اليهود إلى شرق الأردن يتوقف على افتراض وجود الوفاق بين اليهود والعرب. غير أن مقاومة العرب للهجرة اليهودية ليست أقل شدة في شرق الأردن منها في فلسطين ولا يسع حكومة شرق الأردن إلا أن ترفض تشجيع الهجرة اليهودية إزاء المقاومة الشعبية التي تجابه تلك الهجرة.

الفصل الثاني عشر: الصحة العامة:

لقد لخصت ظلامات اليهود في هذا الفصل بأنها عبارة عن شكواهم من عدم صرف الحكومة المنتدبة لمقادير كافية من المال على مساعدة المصالح الصحية التي أنشأوها من أموالهم الخاصة. فالمال الذي يصرف على أية مصلحة من المصالح يؤخذ حتمًا من حساب مصلحة أخرى وقد يغرب عن الذهن أحيانًا أن فلسطين لا تزال فقيرة بالنسبة إلى غيرها بالرغم من تقدم الوطن القومي من الوجهة الاقتصادية والمسألة بمجموعها توضح صعوبة إنشاء المصالح في دولة واحدة لشعبين اثنين يختلفان اختلافًا بينًا من حيث مستوى المعيشة.

الفصل الثالث عشر: الأشغال العامة والمصالح الأخرى:

إذا كان المفروض أن توزع الوظائف بين العنصرين بالنسبة لعدد أفراد كل عنصر منهما فإن الحكومة قد حافظت على هذه النسبة بقدر الإمكان في الخدمة المدنية عمومًا بالرغم من أن سرعة تزايد العنصر اليهودي قد جعلت هذا الأمر من الصعوبة بمكان.

وفي فلسطين حيث تختلف أجور العمال العاديين من العرب واليهود ويكثر تقلب الأجور يستحيل جعل الاستخدام في الأشغال العامة موقوفًا دائمًا على أساس نسب ثابتة بين العنصرين واللجنة لم تتقدم بأية توصية فيما يتعلق باستخدام اليهود وغير اليهود في دوائر الحكومة وفي الأشغال العامة والمصالح الأخرى وهي تشير إلى الصعوبات الناجمة عن استحكام روح التنافر بين العنصرين والاختلاف بين مستوى معيشتهما والفرق بين معدل الأجور والصعوبات الأخرى الناشئة عن أيام العطل الثلاثة المختلفة. وتعرب عن اقتناعها بأن الحكومة قد عالجت الحالة بسعة صدر وأن القول بأن موقف الحكومة من استخدام اليهود لا ينطوي على العطف قول لا يستند إلى أساس.

الفصل الرابع عشر: المسيحيون:

إن مصلحة المسيحيين الدينية فيما يتعلق بالأماكن المقدسة لا تقل شأنًا عن مصلحة اليهود أو المسلمين. ومسيحيو العالم لا يسعهم أن يقفوا موقف عدم المبالاة فيما يتعلق بإنصاف ورفاهية إخوانهم بالدين في البلاد المقدسة.

1 - المذكرة المتضمنة ظلامات الطائفة العربية الأرثوذكسية وشكايتهم من الموقف الذي وقفته الحكومة بترك الأمور تجري في مجراها قد وصلت متأخرة لدرجة حالت دون درسها بالتفصيل غير أن اللجنة تشير إلى ما قامت به اللجنة الحالية المعينة بمقتضى قانون البطريركية الأرثوذكسية لسنة 1928 من الإصلاح الناجع في مالية البطريركية والى البحث الذي جرى بين الحكومة والبطريركية والعلمانيين حول إعادة تنظيم الشؤون الداخلية للبطريركية من جديد بما فيه تشكيل مجلس مختلط وتلك المسائل لا تزال موضع نظر الحكومة.

وقد أشارت اللجنة إلى مسألة اشتغال الموظفين المسيحيين في أيام الآحاد بسبب محافظة اليهود الدقيقة على السبت واللجنة تميل إلى الموافقة على أن الوضع الحاضر يلقي على كاهل الموظفين المسيحيين عبئًا زائدًا من العمل ويضر بالنفوذ الروحي للكنيسة المسيحية.

أما في المسائل السياسية فقد ربط المسيحيون العرب مقدراتهم بمقدرات إخوانهم المسلمين.

الفصل الخامس عشر: قانون الجنسية واكتساب الجنسية الفلسطينية:

أما فيما يتعلق بظلامة أولئك العرب الذين غادروا فلسطين قبل الحرب (الذين يقال إن عددهم يبلغ 40.000) بنية العودة إليها فيما بعد ثم لم يتمكنوا من الحصول على الجنسية الفلسطينية فاللجنة تقترح أن تمنح الجنسية الفلسطينية لمن يستطيع أن يثبت منهم عدم انقطاع صلته الشخصية بفلسطين واستعداده لتقديم تأكيد رسمي صريح بنيته العودة إلى البلاد هذا إذا لم تمنح الجنسية الفلسطينية إلى جميع هؤلاء. أما فيما يتعلق باليهود فالتشريع الحالي يفي بالالتزام الوارد في صك الانتداب حول هذا الموضوع. غير أن اليهود لم يقدموا على الاستفادة من الفرصة التي أتيحت لهم لاكتساب الجنسية الفلسطينية والسبب في ذلك هو أن مصلحتهم الأساسية مرتبطة بالشعب اليهودي نفسه.

أما الإخلاص لفلسطين وحكومتها فمن الأمور الثانوية في نظر الكثيرين منهم.

واللجنة لا تؤيد النقد الموجه إلى حصر حق التصويب في الانتخابات البلدية في الفلسطيني الجنسية. فمن المرغوب فيه جدًا أن يصبح جميع الأشخاص الذين ينوون الإقامة الدائمة في فلسطين فلسطيني الجنسية. وتوفر هذا الشرط في الناخبين هو حافز مباشر من شأنه أن يحمل أولئك الأشخاص على السعي لاكتساب الجنسية الفلسطينية.

الفصل السادس عشر: المعارف:

من دواعي الأسف ألا تكون الإدارة قد فعلت أكثر مما فعلته في سبيل نشر المعارف فالتعليم يجب ألا ينظر إلى أهميته من حيث هو تعليم فقط إذ أن ما يبذل لتحسين حالة الفلاح المادية لن يقيض له النجاح إلا إذا تلقى الفلاح تربية عقلية كافية تمكنه من الاستفادة من التعليم الفني. وبالنظر لعدم كفاية الاعتمادات الحالية المخصصة لتعليم العرب فيرتب على الإدارة أن تعتبر أن النصيب الذي يستحقونه من الخزينة العامة لهذه الغاية هو الثاني في الأهمية بعد الاعتمادات المخصصة للأمن العام ومع ذلك فإن الأمر الذي يفوق تأثيره السيئ نقص المدارس العربية هو الطابع القومي المحض الذي تصطبغ به مدارس كل من الشعبين وليس في وسع اللجنة أن تجد علاجًا لهذا الأمر على الإطلاق. قد يكون المثل الأعلى لنظام التعليم في هذه البلاد جعل ذلك النظام نظامًا واحدًا ثنائي القومية للعنصرين معًا. غير أن ذلك يتعذر تحقيقه بموجب صك الانتداب الذي يخول كلاً من الشعبين حق صيانة مدارسه الخاصة لتعليم أبنائه بلغته الخاصة. ونظام المدارس العربية واليهودية المعمول به الآن يزيد حتمًا في توسيع شقة الخلاف بين العنصرين وسيظل ذلك شأنه في المستقبل. أيضًا يجب تشجيع التعليم المختلط حيثما أمكن ذلك أي في المدارس الفنية والصناعية التي تنشأ حديثًا مثلاً. أما بصدد ما يطالب به اليهود من زيادة مقدار الإعانة التي تمنح لمدارسهم فاللجنة ترى أنه ليس هناك ما يبرر زيادة هذه الإعانة مهما كانت تلك الزيادة مرغوبًا بها في ظروف أخرى إلا بعد أن يكون قد صرف على ترقية التعليم لدى العرب مبالغ تفوق كثيرًا ما صرف عليه لغاية الآن بحيث يصبح مستوى التعليم عندهم موازيًا لمستوى التعليم عند اليهود. إن مدى ما حمل اليهود أنفسهم من الضرائب في سبيل نشر التعليم هو صفة من أحسن الصفات التي يمتاز بها الوطن القومي اليهودي. ومثل هذه المساعدة التي يقدمها الإنسان لنفسه حرية بكل تأييد.

ولكن هذا التأييد يجب ألا يأتي عن طريق تغيير النسبة الحالية بين الإعانة المنوحة لليهود والمبالغ المصروفة على العرب بل ويجب أن يكون نتيجة لزيادة مجموع المبالغ المصروفة على التعليم.

والتباين بين نظام التعليم عند اليهود وبين نظام التعليم عند العرب أكثر ما يكون بروزًا في درجات التعليم العليا. فلليهود جامعة من طراز عالٍ والعرب ليس لديهم جامعة وليس في وسع الطبقة المثقفة من شبانهم أن يتموا تعليمهم إلا إذا حملوا أنفسهم عبء السفر إلى الخارج وإذا وضع المشروع الذي يرمي إلى تأسيس جامعة بريطانية في الشرق الأدنى على بساط البحث من جديد فيجب أن ينظر بمنتهى الإمعان في إمكان إنشاء تلك الجامعة في جوار القدس أو حيفا.

الفصل السابع عشر: الحكم الذاتي:

إن نظام الحكم الذاتي الحالي الذي تمارسه (المجالس المحلية) في مناطق القرى يشتمل على نقصين أولهما فقدان المرونة وثانيهما المركزية التي لا موجب لها، ولابد من القيام بمحاولة لتقوية المجالس المحلية القليلة التي لا تزال موجودة في مناطق القرى العربية غير أن اللجنة لا تحبذ في الوقت الحاضر إعادة تشكيل المجالس المنحلة أو تشكيل مجالس جديدة إلا إذا كان ذلك مقرونًا بطلب جدي. ولا يمكن أن يعود توسيع الحكم الذاتي في القرى بفائدة فعالة إلا بعد أن تكون التدابير المتخذة للتعليم الأولى قد أثمرت ثمرها بفعل الزمن.

أما عيوب نظام البلديات الحالي فهي:

1 - فقدان روح التشبث في البلدان المتأخرة عن غيرها.

2 - القيود الموضوعة على تشبثات البلديات المتقدمة على غيرها بموجب القانون الذي جعل جميع البلديات خاضعة على السواء لإشراف الحكومة والإدارة المتركزة ويرجع السبب في عدم الاهتمام الذي يبديه سكان المدن في أكثر المجالس البلدية إلى تحديد السلطات والمسؤوليات.

إن لمدينة تل أبيب مشكلاتها الخاصة وهي مشكلات فذة ناشئة عما حصل في سكانها من التزايد العجيب خلال السنوات الخمس الأخيرة فالأهداف التي وضعها سكان تل أبيب نصب أعينهم فيما يتعلق بالخدمات الاجتماعية هي بحد ذاتها موضع التقدير وقد أظهر دافعو الضرائب استعدادًا يحمدون عليه لتحمل عبء الضرائب الباهظة بغية الوصول إلى تلك الأهداف ولقد واجهت المدينة صعوبات استثنائية وتمكنت بدرجة كبيرة من التغلب على تلك الصعوبات دون أن تتأثر وضعيتها المالية تأثيرًا خطيرًا.

ومن الضروري سن قانون جديد يقضي بتصنيف البلديات وأهم المجالس المحلية تصنيفًا جديدًا وتقسيمها إلى أصناف مختلفة بحسب اتساعها وأهميتها.

وفي هذه الحالة يمكن تغيير مدى السلطة والاستقلال الممنوحين للمجالس بحيث يكون ذلك ملائمًا لكل صنف على حدته. فالسلطات الممنوحة للصنف الأول من البلديات بموجب القانون الحالي هي غير وافية ومن الضروري توسيعها.

ويجب استقدام شخص خبير في مسائل البلديات للاستعانة به على وضع صيغة القانون الجديد وتحسين واتساق العلاقات التي تربط بين الحكومة والبلديات سيما في البلدان الكبيرة على أن يتناول عمله بصورة خاصة إزالة أسباب التأخير الذي يحصل في الوقت الحاضر في تصديق ميزانيات البلديات.

ومن الضروري أن ينظر على الفور وبعين العطف في حاجة مدينة تل أبيب إلى قرض كبير.

إن الصلة العادية التي تقوم عادة بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية هي في فلسطين غير ممكنة التحقيق.

الفصل الثامن عشر: مؤسسات الحكم الذاتي:

إن الآمال التي كانت معقودة في سنة 1922 على التقدم بخطوات سريعة نحو الحكم الذاتي قد أصبحت أبعد منالاً من ذي قبل؛ فالحائل الواقف في سبيل تحقيقها وهو موقف العرب العدائي من الوطن القومي قد اشتدت وطأته مع الزمن بدلاً من أن تخف.

إن الزعماء اليهود قد يرضون بتشكيل مجلس تشريعي على أساس المساواة بين العرب واليهود غير أن اللجنة مقتنعة بأن هذه المساواة ليست حلاً عمليًا تطبق تطبيقًا فعالاً أو أن تدوم طويلاً وعلى كل فإن الزعماء العرب لن يقبلوا بها واللجنة لا توصي بالقيام بأية محاولة لبعث الاقتراح المتعلق بتشكيل مجلس تشريعي من جديد غير أنه لما كان من المرغوب فيه أن يكون لدى الحكومة وسيلة منتظمة فعالة تستعين بها في سبر غور الرأي العام فيما يتعلق بسياستها فاللجنة ترحب بتوسيع المجلس الاستشاري عن طريق ضم أعضاء غير موظفين إليه ومن الممكن أن يشكل هؤلاء الأعضاء أغلبية المجلس وأن ينتخبوا انتخابًا. ويكون في وسع هؤلاء الأعضاء عرض ما يودون عرضه بقرارات يتخذونها في المجلس ولكنهم لا يعطون صلاحية تخولهم إقرار أو رفض الميزانية أو التدابير التشريعية الأخرى غير أن العرب ليس من المحتمل أيضًا أن يقبلوا بهذا الاقتراح.

ومن المسلم به أن عرب فلسطين يصلحون لحكم أنفسهم كعرب العراق أو سوريا ثم إن يهود فلسطين يصلحون لحكم أنفسهم بأنفسهم كأي شعب منظم مثقف من شعوب أوروبا. غير أنه بالنظر لكون هذين الشعبين خاضعين معًا لانتداب واحد فمنح الحكم الذاتي لكليهما معا أمر غير عملي. إن الانتداب لا يمكن تنفيذه تنفيذًا تامًا ولا إنهاء أجله بصورة مشرفة عن طريق استقلال فلسطين كوحدة غير مجزأة إلا إذا كان في الإمكان تسوية النزاع القائم بين العرب واليهود.

الفصل التاسع عشر: الاستنتاجات والتواصي:

لقد أجملت اللجنة في هذا الفصل ما توصلت إليه من الاستنتاجات الوارد بيانها في هذا الباب من التقرير ولخصت ظلامات العرب واليهود والتواصي التي تقدمت بها لإزالة الظلامات المشروعة منها. وقد أضافت اللجنة إلى ذلك أن التواصي التي تقدمت بها هي ليست تلك التواصي التي تقتضيها الصلاحيات التي أنيطت بها فهي لن " تزيل " الظلامات ولن " تمنع تكررها " غير أنها أفضل المسكنات التي تستطيع اللجنة أن تصفها للداء الذي تعاني فلسطين آلامه وهي لا تخرج عن كونها مسكنات ليس إلا ولا يمكنها أن تستأصل شأفة هذا الداء فهو مؤصل إلى درجة حملت اللجنة على الجزم في الاعتقاد بأن الأمل الوحيد بشفائه لا يأتي إلا عن طريق إجراء عملية جراحية.

الباب الثالث - إمكان الوصول إلى تسوية دائمة

الفصل العشرون: ضغط الظروف:

لقد أعادت اللجنة تلخيص المشكلة الفلسطينية في هذا الفصل وذلك أن الحكومة البريطانية مدفوعة بضغط الحرب العالمية كانت قد قطعت بعض الوعود للعرب واليهود بقصد نيل معاضدتهم. وقد علق كل من الفريقين بعض الآمال على هذه الوعود.

إن تطبيق نظام الانتداب بوجه الإجمال وصك الانتداب بصورة خاصة على فلسطين ينطوي على الاعتقاد بأن الالتزامات التي تعهدت بها الدولة المنتدبة نحو العرب واليهود قد يثبت مع الزمن بأنها قابلة للتوفيق بالنظر لما سيحدثه الرخاء المادي الذي تجره الهجرة اليهودية إلى فلسطين عمومًا من التأثير الطيب على العرب الفلسطينيين لكن هذا الاعتقاد لم يتحقق وليس ثمة أمل بتحقيقه في المستقبل.

غير أن الشعب البريطاني لا يستطيع التنصل من التزاماته بناءً على هذا السبب وبغض النظر عن هذه الالتزامات فإن الأحوال القائمة في فلسطين ما زالت تتطلب بذل جهود مضنية من قبل الحكومة المسؤولة عن رفاهية البلاد.

وفيما يلي بيان للأحوال القائمة في البلاد:

لقد نشأ نزاع مستعصي الحل بين شعبين مختلفي القومية يقيمان معًا ضمن الحدود الضيقة لبلاد صغيرة واحدة. وليس لهذين الشعبين أساس مشترك يجمع بينهما فأمانيهما القومية لا يمكن التوفيق بينها إذ أن العرب يطمحون إلى إحياء عصر العرب الذهبي واليهود يرغبون في إظهار ما يمكنهم أن يقوموا به من جليل الأعمال عندما يعادون إلى البلاد التي ولدت فيها الأمة اليهودية وليس في آمال الفريقين القومية ما يسمح بدمجهما معًا في خدمة دولة واحدة.

ولقد أخذت وطأة هذا النزاع تشتد تدريجيًا منذ سنة 1920، وسيكون ذلك شأنها في المستقبل أيضًا.

والأحوال السائدة في فلسطين ولا سيما أنظمة التعليم القائمة فيها تعمل عملها في تقوية الروح القومية لدى الشعبين وكلما ازداد عدد الشعبين وازدادت رفاهيتهما عظمت أمانيهما السياسية وازدادت خطورة النزاع القائم بينهما بسبب ما يحيط المستقبل من الإبهام. فهناك سؤال مآله " من الذي سيحكم فلسطين في النهاية ؟ " وفي غضون ذلك تستمر العوامل الخارجية على عملها بقوة متزايدة فهناك من الجهة الواحدة سوريا ولبنان اللذان ستنالان سيادتهما القومية في أقل من ثلاث سنوات وبنوالهما ذلك يزاد مطلب العرب الفلسطينيين في نيل نصيبهم من الحرية التي تتمتع بها بلاد العرب الآسيوية بأسرها بشدة وقوة ومن الجهة الأخرى ليس من المنتظر أن يقل الضيق الذي يعانيه اليهود في أوروبا أو أن تخف المخاوف التي تساورهم كما أن أثر الاستنجاد بحسن نوايا الشعب البريطاني وعطفه على الإنسانية لن يفقد شيئًا من شدته. ثم إن حكومة فلسطين التي هي الآن على شكل لا يصلح لحكم العرب المثقفين واليهود الديموقراطيين ليس في مقدورها أن تتطور مع الزمن إلى شكل من أشكال الحكم الذاتي كما وقع في البلاد الأخرى وذلك لأنه ليس ثمة شكل من أشكال هذا الحكم من شأنه أن يضمن العدالة لكل من العرب واليهود وعلى هذا ستبقى الحكومة غير تمثيلية وعاجزة عن إزالة الظلامات المتضاربة التي يشكو منها هذان الشعبان المستاءان المجردان من المسؤولية اللذان هما تحت حكمها.

وفى مثل هذه الأحوال لا يمكن توطيد دعائم السلام في فلسطين تحت ظل الانتداب إلا باللجوء إلى القمع ذلك لأن القمع يستلزم إقامة مصالح للمحافظة على الأمن تستنفد من باهظ النفقات ما يحول دون التوسع في الخدمات التي ترمي إلى تأمين " رفاهية السكان وتقدمهم " بل قد يؤدي إلى إنقاص تلك الخدمات وتخفيضها أما الموانع الأدبية التي تلازم القمع فلا تحتاج إلى برهان ولا حاجة للتدليل على ما يكون له من رد فعل غير مرغوب فيه على الرأي العام خارج فلسطين. وبالإضافة إلى ذلك فإن القمع لن يحل المشكلة بل يؤدي إلى تفاقم الشحناء ولن يساعد على إنشاء دولة واحدة في فلسطين تحكم ذاتها بذاتها.

وليس من السهل السير في طريق القمع المظلمة إذا لم يكن من المأمول مشاهدة نور النهار في آخر تلك الطريق.

إن الشعب البريطاني لن يحيد عن مهمة الاستمرار على حكم فلسطين بمقتضى الانتداب إذا كان الشرف يقضي عليه بذلك غير أن له ما يبرره إذا هو بحث عن طريقة أخرى تمكنه من القيام بواجبه ثم إن بريطانيا لا تود أن تجحد التزاماتها. غير أن موطن الصعوبة هو ثبوت عدم إمكان التوفيق بين هذه الالتزامات ومما يزيد في ألم هذا التضارب وقعًا أنه لو أخذ كل التزام من هذه الالتزامات على حدته لوجد أنه يتفق مع ميول بريطانيا ومصالحها فارتقاء الحكم الذاتي في العالم العربي من الجهة الواحدة يتفق والمبادئ البريطانية. والرأي العام البريطاني يعطف كل العطف على ما يمني به العرب أنفسهم لإحياء عصر جديد من الوحدة والرفاهية في العالم العربي ولقد كانت المصلحة البريطانية مرتبطة على الدوام باستتباب السلام في الشرق الأوسط، وفي استطاعة السياسة البريطانية أن تثبت أن لها تاريخ صداقة غير منفصمة العرى مع العرب. ومن الجهة الأخرى إن صداقة بريطانيا للشعب اليهودي هي صداقة تقليدية قوية. ومن مصلحة بريطانيا الإبقاء على ثقة الشعب اليهودي بالقدر الممكن.

إن دوام النظام الحالي سيؤدي تدريجيًا إلى إقصاء هذين الشعبين اللذين يرتبطان مع بريطانيا برباط الصداقة التقليدية.

ولا يمكن حل المشكلة بمنح العرب أو اليهود كل ما يصبون إليه وإذا سئل من من الشعبين سيحكم فلسطين في النهاية؟ فجواب هذا السؤال يجب أن يكون: " لا هذا ولا ذاك " فليس ثمة سياسي منصف يسعه أن يفكر في تسليم الأربعمائة ألف يهودي الذين سهلت الحكومة البريطانية دخولهم إلى فلسطين بموافقة عصبة الأمم إلى الحكم العربي أو في تسليم مليون من العرب إلى الحكم اليهودي فيما لو أصبح اليهود الأغلبية في البلاد.

غير أنه وإن كان ليس في مكنة أي هذين العنصرين أن يتولى حكم فلسطين بأسرها بإنصاف فقد يكون في إمكان كل عنصر منهما أن يحسن الحكم في قسم منها.

ولا ريب في أن فكرة التقسيم قد بحث فيها فيما مضى كحل للمشكلة إلا أنه يغلب على الظن أن هذه الفكرة قد أهملت في السابق باعتبار أنها غير عملية فالتقسيم تلازمه بدون شك مصاعب جسيمة غير أنه إذا درست هذه المصاعب درسًا دقيقًا فلن تبدو بأنها مما يتعذر التغلب عليه شأن المصاعب التي ينطوي عليها بقاء الانتداب أو أي تدبير آخر، فالتقسيم يفسح مجالاً لتوطيد السلام في النهاية الأمر الذي لا يتيحه أي مشروع آخر.

الفصل الحادي والعشرون: نظام المقاطعات:

في الإمكان تجزيء فلسطين تجزئة سياسية أقل شمولاً من التقسيم وذلك بتقسيمها على النحو المتبع في الحكومات التي تسير على نظام الاتحاد إلى ولايات ومقاطعات تتمتع كل منها بالحكم الذاتي فيما يتعلق بالمسائل المماثلة للهجرة وبيوع الأراضي والخدمات الاجتماعية وفي هذه الحالة تكون الدولة المنتدبة في مقام الحكومة المركزية أو حكومة الاتحاد وتهيمن على العلاقات الخارجية والدفاع والجمارك وما شاكل ذلك.

ونظام المقاطعات هذا جذاب لأول وهلة لأنه يحل بحسب الظاهر المشاكل الكبرى الثلاثة وهي مشكلة الأراضي ومشكلة الهجرة ومشكلة الحكم الذاتي غير أن مواطن الضعف فيه ظاهرة جلية ففي الدرجة الأولى أن سير أنظمة حكومة الاتحاد يتوقف على وجود مصالح أو تقاليد كافية لتأمين بقاء التوافق بين الحكومة المركزية وبين المقاطعات أما في فلسطين فسينظر كل من العرب واليهود إلى الحكومة المركزية كهيئة أجنبية دخيلة. وفي الدرجة الثانية أن العلاقات المالية بين الحكومة المركزية والمقاطعات قد يؤدي إلى بعث التنافر القائم حاليًا بين العرب واليهود من جديد وذلك فيما يتعلق بكيفية توزيع الوفر الذي قد يحصل في إيرادات الحكومة المركزية أو بتعيين المبلغ الذي يترتب على كل مقاطعة من المقاطعات أن تدفعه لسد ما قد يقع في ميزانية الحكومة المركزية من العجز ثم إن فتح باب الهجرة اليهودية على مصراعيه في المقاطعة اليهودية دون قيد أو شرط قد يؤدي إلى لزوم التوسع فيما تنشئه الحكومة المركزية من الخدمات على حساب المقاطعة العربية. وفي الدرجة الثالثة أن واجب المحافظة على القانون والنظام ذلك الواجب الكبير النفقات سيبقى موكولاً إلى الحكومة المركزية. وفى الدرجة الرابعة أن نظام المقاطعات لا بد له كمشروع التقسيم من أن يسفر عن إبقاء أقلية من كل عنصر في المنطقة التي سيهيمن عليها العنصر الآخر. وحل هذه المعضلة يتطلب اللجوء إلى تدابير جريئة لا يصح التفكير فيها إذا كان ثمة أمل بتوطيد دعائم السلم النهائي في البلاد.

ومشروع التقسيم يفسح المجال لمثل هذا الأمل بينما أن نظام المقاطعات لا يؤمن ذلك. ويمكن أن يقال بالدرجة الأخيرة إن نظام المقاطعات لا يحل مسألة الحكم الذاتي القومي فلن يشعر العرب ولا اليهود بأن أمانيهم السياسية قد تحققت لمجرد منحهم الحكم الذاتي في المقاطعات.

وبالإيجاز أن نظام المقاطعات تلازمه جل المصاعب التي تعترض مشروع التقسيم إن لم يكن كلها دون أن تتوفر فيه الفائدة الكبرى المتوفرة في التقسيم ألا وهي احتمال الوصول إلى سلم نهائي.

الفصل الثاني والعشرون: مشروع التقسيم:

بالرغم من أنه لا ينتظر من اللجنة أن تعمد إلى القيام بالتحقيق الإضافي المطول الذي يتطلبه وضع الأسس الضرورية لمشروع التقسيم بإسهاب إلا أنه من العبث أن تتقدم بمبدأ التقسيم هذا دون أن تضعه في قالب جوهري محسوس إذ من الواجب كما يظهر جليًا أن يقام الدليل على أن في الإمكان وضع خطة تفي بأهم ما تتطلبه الحال.

1- نظام المعاهدات:

ينبغي إنهاء أجل الانتداب المفروض على فلسطين واستبداله بنظام معاهدات يتفق مع السابقة التي درج عليها في معاهدتي العراق وسوريا.

ويجب وضع انتداب جديد للأماكن المقدسة يكفل تحقيق الغايات المحددة في الفقرة (2) أدناه.

وينبغي أن تعمد الدولة المنتدبة إلى المفاوضة مع حكومة شرق الأردن وممثلي عرب فلسطين من جهة ومع الجمعية الصهيونية من الجهة الأخرى لعقد معاهدة تحالف مع كل من الفريقين. وفي هاتين المعاهدتين يعلن عن تشكيل حكومتين مستقلتين ذواتي سيادة خلال أقصر مدة تسمح بها الأحوال - أحدهما دولة عربية تضم شرق الأردن مع ذلك القسم من فلسطين الذي يقع إلى الجانبين الشرقي والجنوبي من الحد الذي اقترحناه في الفقرة (3) أدناه والأخرى دولة يهودية تضم ذلك القسم من فلسطين الذي يقع إلى الجانبين الشمالي والغربي من الحد المذكور.

وتتعهد الدولة المنتدبة أن تؤيد الطلب الذي قد تتقدم به أي الحكومتين العربية أو اليهودية للانضمام إلى عصبة الأمم.

وتتضمن المعاهدتان ضمانات مشددة لحماية الأقليات في كل من الدولتين ونصوصًا تتعلق بما سيشار إليه في الفقرات التالية من الشؤون المالية وغيرها وتلحق بهما قوانين عسكرية تتعلق بإقامة القوى البحرية والعسكرية والجوية والمحافظة على المواني، والطرق والسكة الحديدية واستعمالها وحماية خط أنابيب الزيت وما شاكل ذلك من الأمور.

2 - الأماكن المقدسة:

إن تقسيم فلسطين لابد له أن يكون خاضعًا للشرط الأساسي التالي وهو المحافظة على قداسة القدس وبيت لحم وتأمين الوصول إليهما بحرية وطمأنينة لمن شاء من كافة أنحاء العالم.

تلك " أمانة مقدسة في عنق المدنية " بأوسع ما في الانتداب من معنى وهي ليست أمانة شعوب فلسطين فحسب بل أمانة الجماهير الوفيرة في البلاد الأخرى التي تنظر إلى أحد هذين المكانين أو كليهما معًا كمكانين مقدسين.

ولذلك ينبغي وضع صك انتداب جديد بحيث تكون غايته الرئيسية حسن القيام بهذه الأمانة وتخطيط حد لمنطقة خاصة تشمل هذين المكانين المقدسين بحيث تمتد حدودها من نقطة شمال القدس إلى نقطة جنوب بيت لحم وأن ييسر لهذه المنطقة أمر الاتصال بالبحر بواسطة ممر يمتد من شمال طريق يافا الرئيسية إلى جنوبي السكة الحديدية شاملاً مدينتي اللد والرملة ومنتهيًا في يافا.

إن حماية الأماكن المقدسة هي أمانة دائمة فذة في نوعها وغايتها وهي غير واردة في المادة (22) من ميثاق عصبة الأمم واجتنابًا لسوء الفهم يمكن القول بصراحة إن هذه الأمانة لن ينتهي أجلها إلا متى رغبت عصبة الأمم والولايات المتحدة في ذلك وأنه في الوقت الذي يكون فيه من واجب القيم على تلك الأمانة العمل على رفاه وترقية السكان المحليين المختصين فليس في النية أن يصبح أولئك السكان مع مرور الزمن شعبًا يحكم نفسه بنفسه حكمًا ذاتيًا تامًا.

ويجب إبقاء الضمانات المتعلقة بالحقوق التي تملكها الجماعات المختلفة في الأماكن المقدسة وبحرية الوصول إلى تلك الأماكن (كما تنص المادة 13 من صك الانتداب الحالي) وبمسألة المرور في منطقة الانتداب وعدم التمييز في المسائل المالية والاقتصادية وغيرها وفقًا لمبادئ نظام الانتداب. ولا تطبق السياسة التي ينطوي عليها تصريح بلفور ولن يكون ثمة مجال للبحث في حفظ التوازن بين ادعاءات العرب إزاء اليهود أو بالعكس لأن كافة سكان المنطقة سيعاملون على قدم المساواة. وتكون " اللغة الرسمية " الوحيدة لغة الحكومة المنتدبة ويكون المبدأ الأساسي الذي تسير عليه الإدارة إقامة حكم تقويم عادل بغض النظر عن المصالح الطائفية.

ومما يتفق وعواطف المسيحيين في العالم أجمع جعل هذا الانتداب شاملاً أيضًا للناصرة وبحر الجليل (بحيرة طبرية) فينبغي أن يعهد للدولة المنتدبة بإدارة الناصرة وأن تخول السلطة التامة للمحافظة على قداسة مياه وشواطئ بحيرة طبرية.

ويجب أن يلقى على عاتق الدولة المنتدبة أيضًا عبء المحافظة على الأوقاف الدينية وعلى الأبنية والمقامات والأماكن الواقعة في أراضى كل من الدولتين العربية واليهودية والمقدسة لدى العرب واليهود. وللقيام بنفقات الحكومة المنتدبة ينبغي أن تمكن تلك الحكومة من الاستحصال على بعض الإيرادات سواء عن طريق فرض رسوم جمركية أو ضرائب مباشرة أخرى سيما على سكان المدن الكبرى الكثيري العدد والمطردي النمو المعهودة إدارتهم إليها غير أن هذه الإيرادات قد لا تفي لسد نفقات الإدارة العادية وفي مثل هذه الحالة ترى اللجنة أن البرلمان سيكون على كل حال مستعدًا لتخصيص المبالغ اللازمة لسد العجز.

3 - الحدود:

إن المبدأ الطبيعي الذي ينبغي أن يتبع في تقسيم فلسطين هو فصل المناطق التي اشترى اليهود الأراضي فيها واستوطنوها عن المناطق التي كل سكانها أو معظمهم من العرب. وهذا المبدأ يشكل أساسًا عادلاً وعمليًا للتقسيم على شرط أن تُرَاعى فيه روح الالتزامات البريطانية وذلك:

1 - بأن يترك مجال معقول ضمن حدود المملكة اليهودية لنمو السكان والاستعمار.

2 - وأن تُعْطَى الدولة العربية تعويضًا معقولاً لقاء ما تفقده من الأراضي والإيرادات. إن كل اقتراح للتقسيم لن يجدي نفعًا إذا لم يتضمن إشارة ولو تقريبية إلى كيفية حل المسألة الحيوية التي تلازم الموضوع كله وهي مسألة الحدود. وكحل للمشكلة نقترح فيما يلي خطًا تقريبيًا للحدود باعتبار أنه اقتراح عملي وعادل معًا على أنه ينبغي على كل حال تعيين لجنة حدود لتخطيط الحدود بصورة قطعية.

يبدأ الحد من رأس الناقورة ويسير محاذيًا الحدود الشمالية والشرقية الحالية لفلسطين حتى يصل بحيرة طبرية ومن ثم يقطع البحيرة ويتصل بملتقى نهر الأردن بالبحيرة ويسير محاذيًا مجرى النهر إلى أن يبلغ نقطة تبعد قليلاً عن بيسان من جهة الشمال ثم يخترق سهل بيسان ويسير محاذيًا الحافة الجنوبية لوادي (جزرائيل) ثم يخترق مرج ابن عامر لغاية نقطة تقع بالقرب من مجدو (تل المتسلم) ومن ثم يخترق سلسلة جبال الكرمل في جوار طريق مجدو (تل المتسلم) وبعد أن يتصل الحد بالسهل الساحلي على هذه الصورة يسير جنوبًا محاذيًا الحد الشرقي لذلك السهل ثم ينحرف غربًا مجتنبًا طولكرم إلى أن يتصل بممر (القدس - يافا) على مقربة من اللد. وفي جنوب الممر يستمر سيره محاذيًا حد السهل الساحلي إلى أن يبلغ نقطة تقع على بعد 10 كيلو مترات جنوبي رحوبوت ومن ثم ينحرف إلى الغرب حتى البحر.

وفيما يلي بعض الملاحظات والتواصي المتعلقة بالحدود المقترحة والمسائل المتفرعة عنها:

1 - لا يمكن أن يرسم حد يفصل العرب بأجمعهم وكافة الأراضي التي يملكونها عن اليهود بأجمعهم وكافة الأراضي التي يملكونها.

2 - لقد ابتاع اليهود قطعًا وافرة من الأراضي في سهل غزة وبالغرب من بئر السبع واستحصلوا على حق الخيار بابتياع قطع أخرى في تلك المنطقة والحدود المقترحة من شأنها أن تحول دون الانتفاع بتلك الأراضي لتوسيع الوطن القومي اليهودي من الجهة الجنوبية ومن الجهة الأخرى ستكون الأراضي اليهودية في الجليل وبالأخص أراضي منطقة الحولة (التي تهيئ فرصة حرية بالذكر للإعمار والاستعمار) داخلة ضمن المنطقة اليهودية.

3 - إن الحدود المقترحة تستلزم إدخال أراضي الجليل الجبلية الواقعة بين صفد وسهل عكا في المنطقة اليهودية. وهذا القسم من فلسطين هو الجزء الذي احتفظ اليهود بمقام لهم فيه منذ بدء تشتتهم حتى هذا اليوم بدون انقطاع تقريبًا إن لم يكن اتصال وعواطف اليهودية العالمية بأجمعها متعلقة كل التعلق بمدينتي صفد وطبرية (المقدستين) ثم إن يهود الجليل كانوا فضلاً عن ذلك يعيشون بسلام ومودة مع جيرانهم العرب حتى الآونة الأخيرة. وقد أظهر فلاحو الجليل خلال سلسلة الاضطرابات التي حصلت في البلاد أنهم أقل انقيادًا للتحريض السياسي من فلاحي منطقتي السامرة واليهودية اللتين تتمركز فيهما روح القومية العربية. ولقد حدث في مدن طبرية وصفد وحيفا وعكا (المختلطة السكان) احتكاك متفاوت الدرجات منذ نشوب الاضطرابات، في العام المنصرم ولذلك فمن أكبر العوامل التي تضمن نجاح مشروع التقسيم في مراحله الأولى وتساعد بصورة خاصة على تنفيذ الضمانات التي ستتضمنها المعاهدات بشأن حماية الأقليات أن توضع هذه المدن الأربع مدة من الزمن تحت إدارة الدولة المنتدبة.

4 - إن مدينة يافا هي في جوهرها مدينة عربية ويجب أن تكون جزءًا من الدولة العربية.

أما اتصالها بالدولة العربية فلا تلازمه أية صعوبة لأن حق المرور من ممر يافا - القدس سيكون مباحًا للجميع. على أن هذا الممر يجب أن يكون له منفذه الخاص إلى البحر ولذلك يجب أن تستملك شقة ضيقة من الأرض لهذه الغاية وأن تخلى هذه الشقة في كل من الجانبين الشمالي والجنوبي للمدينة.

5 - بالرغم من أنه سيكون في إمكان الدولة العربية الاتصال بالبحر المتوسط في كل من يافا وغزة فمن مصلحة التجارة والصناعة العربية أن تكون مدينة حيفا التي تملك المرفأ العميق الوحيد في البلاد في متناول الدول العربية أيضًا من أجل الغايات التجارية ولذلك يجب أن تشتمل المعاهدة اليهودية على نص يضمن حرية نقل البضائع (في الاستيداع) بين الدولة العربية وحيفا.

وعلى هذه الصورة أيضًا يجب أن تشتمل المعاهدة العربية على نص يضمن حرية نقل البضائع (في الاستيداع) في السكة الحديدية ما بين الدولة اليهودية والحدود المصرية.

ويسري هذا المبدأ نفسه على مسألة الاتصال بالبحر الأحمر من أجل الغايات التجارية؛ فقد يظهر مع مرور الزمن أن استعمال ذلك المنفذ إلى الشرق يعود بفائدة جزيلة على الصناعة والتجارة العربية واليهودية على السواء وبالنظر لهذا الاحتمال ينبغي أن تترك منطقة خاصة في الجهة الشمالية الشرقية من شاطئ خليج العقبة تحت إدارة الدولة المنتدبة وأن تتضمن المعاهدة العربية نصًا يضمن حرية نقل البضائع بين الدولة اليهودية وتلك المنطقة.

ويجب أن تنص المعاهدتان أيضًا على توفير مثل هذه التسهيلات لنقل البضائع بين منطقة الانتداب وحيفا وبين الحدود المصرية وخليج العقبة.

4 - الإعانة المالية بين الدولتين:

إن مقدار ما يدفعه الشخص الواحد من اليهود لخزينة فلسطين يفوق ما يدفعه الشخص الواحد من العرب. وذلك مما مكن الحكومة أن تنشئ مصالح عامة للعرب تفوق في مستواها ما كان في إمكانها أن تنشئه في غير هذه الحالة وعلى ذلك يكون من نتائج التقسيم أن المنطقة العربية من الجهة الواحدة لن تستفيد فيما بعد من مقدرة المنطقة اليهودية على دفع الضرائب ومن الجهة الأخرى:

1 - يكتسب اليهود حق سيادة جديدة في المنطقة اليهودية.

2 - تكون تلك المنطقة حسب الحدود التي ذكرناها أكبر مساحة من المنطقة الحالية التي تضم أراضي اليهود ومستعمراتهم.

3 - يتخلص اليهود مما هم ملزمون به الآن من المساعدة على زيادة رفاهية العرب خارج تلك المنطقة. ولذلك يقترح أن تدفع الدولة اليهودية إعانة مالية للدولة العربية عندما يوضع مشروع التقسيم موضع التنفيذ ولقد كان لمثل هذه التسويات المالية العادلة سوابق حديثة العهد عندما تم فصل السند عن بومباي وفصل بورما عن إمبراطورية الهند. فجريًا على تلك السوابق يجب تعيين لجنة مالية لدرس مقدار هذه الإعانة المالية وتقديم تقرير بذلك.

ويترتب على اللجنة المالية أن تنظر أيضًا في كيفية تقسيم ديون فلسطين العامة التي تبلغ الآن نحو أربعة ملايين ونصف مليون جنيه بين الدولتين العربية واليهودية وفي المسائل المالية الأخرى وأن تعطي قرارها بشأنها وينبغي عليها أيضًا أن تعالج مسألة التلغرافات والتلفونات في حالة وقوع التقسيم.

5 - إعانة الحكومة البريطانية:

إن الإعانة المالية التي ستقدمها الدولة اليهودية للدولة العربية سيكون من شأنها تقويم الاتزان المالي في فلسطين. غير أن المشروع يشتمل على إدخال شرقي الأردن في الدولة العربية. وقدرة شرق الأردن على دفع الضرائب محددة جدًا وإيراداتها لم تكن كافية لسد مصاريف الإدارة فمنذ سنة 1921 حتى هذا اليوم ما فتئت شرق الأردن تتلقى إعانات مالية من الحكومة البريطانية. وقد بلغ مجموع هذه الإعانات 125.300جنيهًا أي بمعدل 7.800 جنيهًا في السنة. وقد منحت شرقي الأردن أيضًا بعض الإعانات لسد نفقات قوة حدود شرقي الأردن وأقرضت مبلغ 60.000 جنيه لمساعدة منكوبي الزلزال وتوزيع البذار على المزارعين.

ويجدر ألا يتم التنازل عن الانتداب على شرقي الأردن إلا بعد أن يضمن بقدر المستطاع عدم توفر مستوى الإدارة فيها بسبب نقص الأموال اللازمة لسد نفقاتها ومن الإنصاف أن يطلب إلى الأمة البريطانية أن تساهم في هذا المضمار أيضًا لتسهيل الوصول إلى تسوية. إن دوام الانتداب الحالي لابد له من أن يحمل الخزينة البريطانية عبئًا متكررًا مطرد التزايد فإذا كان التقسيم سيؤول إلى توطيد السلام فالمبالغ المنفقة في سبيل تنفيذه وتحقيقه ستكون بدون ريب قد أنفقت في محلها.

وبقطع النظر عن هذه الاعتبارات نعتقد أن الأمة البريطانية ستوافق على دفع مبلغ كبير مرة واحدة بدلاً مما هي ملزمة بدفعه الآن سنويًا بغية تنفيذ التزاماتها واستتباب السلام في فلسطين.

وفي حالة تنفيذ مشروع المعاهدة يجب أن يطلب إلى البرلمان بأن يوافق على دفع منحة للدولة العربية قدرها مليونا جنيه.

6 - التعريفة الجمركية والمرافئ:

بما أن كلاً من الدولتين العربية واليهودية ستكون دولة مستقلة ذات سيادة فسيعود لكل منهما أمر تقرير التعريفة الجمركية في بلادها. وينطبق هذا الأمر على الحكومة المنتدبة أيضًا مع مراعاة نصوص الانتداب.

ومن المحتمل أن تتضارب السياستان اللتان ستسير عليهما الدولتان العربية واليهودية في مسألة التعريفة الجمركية ولذلك فمن أكبر العوامل التي تخفف من صعوبة الموقف وتضمن مصلحة الفريقين أن يتفق كلاهما على فرض رسوم جمركية واحدة على أكبر عدد ممكن من أصناف البضائع وأن تدمج الحكومة المنتدبة إيراداتها الجمركية مع إيرادات إحدى الدولتين أو كلتيهما معًا إذا كان ذلك ممكنًا.

ويجب أن يكون من النقاط الأساسية في نظام المعاهدات المقترح عقد اتفاق تجاري يرمي إلى تقرير تعريفة جمركية واحدة على أكبر عدد من أصناف البضائع المستوردة وتسهيل تبادل البضائع بالقدر المستطاع بين المناطق الثلاث المختصة.

7 - الجنسية:

إن جميع الأشخاص القاطنين في منطقة الانتداب (بما فيها حيفا وعكا وصفد وطبريا والمنطقة الخاصة في خليج العقبة ما دامت هذه الأماكن تحت إدارة الحكومة المنتدبة) والذين يعتبرون الآن أشخاصًا يتمتعون بالحماية البريطانية يظلون محتفظين بحالتهم الشخصية هذه. وفيما عدا هؤلاء يصبح جميع الفلسطينيين من رعية الدولة التي يقطنون في أراضيها.

8 - الخدمة المدنية:

ويلوح لنا أنه من المحتمل أن تحتاج حكومتا الدولتين العربية واليهودية في حالة وقوع التقسيم إلى استخدام قسم كبير من الموظفين العرب واليهود الذين كانوا مستخدمين في إدارة الانتداب السابقة بينما يخفض عدد الموظفين البريطانيين خفضًا محسوسًا فحقوق جميع هؤلاء الموظفين بما في ذلك حقهم في الحصول على التقاعد والمكافأة يجب أن تظل مضمونة بكاملها وفقًا للمادة (28) من الانتداب الحالي وهذه المسألة ينبغي معالجتها من قبل اللجنة المالية.

9 - الامتيازات الصناعية:

إن الاتفاقات المعقودة مع حكومة فلسطين بشأن ترقية وحماية الصناعات (كالاتفاق المعقود مع شركة البوتاس المحدودة) ينبغي في حالة وقوع التقسيم أن تستلمها حكومتا الدولتين العربية واليهودية وأن تقوما بتنفيذها. ويجب أن تشتمل المعاهدات على الضمانات اللازمة بهذا الشأن. كما أن محطة التوليد الكهربائية في جسر المجامع يجب أن تضمن سلامتها على هذا المنوال.

10 - تبادل الأراضي والسكان:

إذا أريد أن يكون للتقسيم أثره الفعال في الوصول إلى تسوية دائمة فيجب ألا يكون تطبيقه مقتصرًا على رسم حدود وتأسيس دولتين. ومن الواجب أن يشرع آجلاً أو عاجلاً في تبادل الأراضي وأن يشرع أيضًا في تبادل السكان بقدر المستطاع.

ويجب أن تنص المعاهدتان على أنه إذا أراد أحد أفراد العرب ممن يملكون أرضًا في الدولة اليهودية أو أحد أفراد اليهود ممن يملكون أرضًا في الدولة العربية أن يبيع أرضه وما عليها من الأشجار والمحصولات فتكون حكومة الدولة المختصة ملزمة بشراء تلك الأرض والأشجار والمحصولات بثمن تقرره الحكومة المنتدبة إذا لزم الأمر. وينبغي ضمانة قرض بمبلغ معقول لتلك الغاية إذا استوجبت الضرورة ذلك. أما الناحية السياسية لمشكلة الأراضي فهي أهم شأنًا من ذلك وبالنظر لعدم إجراء إحصاء للنفوس منذ سنة 1931 يتعذر تقدير عدد سكان المنطقة العربية واليهودية تقديرًا يصح الركون إليه. على أن تقديرًا تقريبيًا أُجْري لهذا الغرض بين أن المنطقة المخصصة للدولة اليهودية (باستثناء مناطق المدن التي ستبقى تحت إدارة الانتداب مدة من الزمن) يقيم فيها الآن ما يقرب من 235000 نسمة من العرب في حين أن المنطقة المخصصة للدول العربية لا يوجد فيها سوى 1250 نسمة من اليهود تقريبًا غير أنه يوجد نحو 12500 من اليهود في القدس وحيفا مقابل 85000 من العرب. ومن الجلي أن وجود هذه الأقليات هو أعظم العقبات التي تقف في سبيل تنفيذ مشروع التقسيم تنفيذًا مقرونًا بالسهولة والنجاح فإذا أريد أن تكون هذه التسوية تسوية نهائية لا شائبة فيها وجب أن تجابه هذه المشكلة بجرأة وأن تعالج بحزم وهي تدعو إلى إبداء أقصى حد من الحنكة السياسية من قبل جميع ذوي الشأن.

وإننا نجد سابقة لتبادل السكان فيما تم بين اليونان والأتراك عقب الحرب اليونانية التركية سنة 1922. فقد عقدت الحكومتان اليونانية والتركية ميثاقًا يقضي بنقل الرعايا اليونان الذين ينتمون للمذهب الأرثوذكسي ويقيمون في تركيا إلى بلاد اليونان وبنقل الرعايا الأتراك من المسلمين المقيمين في بلاد اليونان إلى تركيا على أن يتم هذا النقل جبرًا وتحت إشراف عصبة الأمم. وقد كان عدد الذين تناولهم هذا النقل كبيرًا إذ أن عدد الذين نقلوا على هذه الصورة لم يقل عن 1.300.000 نسمة من اليونان و400.000 نسمة تقريبًا من الأتراك. غير أن ما بذل من الحزم والنشاط في تنفيذ هذه المهمة أدى إلى إتمام عملية الاستبدال بكاملها في نحو ثمانية عشر شهرًا من ربيع سنة 1923 ولقد كانت النتيجة التي أسفر عنها هذا الاستبدال مبرورة للجرأة التي أبداها رجال السياسة من اليونان والأتراك.

ولقد كانت الأقليات من اليونان والأتراك قبل إجراء هذا الاستبدال مصدرًا دائمًا للتهيج والقلق.

أما الآن فقد أصبحت العلاقات القائمة بين اليونان والأتراك على درجة من الود والصداقة لم يسبق لها أن سادت بين البلدين فيما مضى.

وقد حدث عندئذٍ أن كان في شمال اليونان أرض زراعية فائضة عن الحاجة ميسورة لإسكان الرعايا اليونان الذين نزحوا عن تركيا أو في الإمكان تهيئتها لذلك الغرض عاجلاً. أما فلسطين فليس فيها مثل تلك الأراضي في الوقت الحاضر.

فهناك ضمن الحدود المقترحة للدولة اليهودية مجال متسع لإسكان اليهود الذين يقيمون الآن في المنطقة العربية أو من الممكن فسح هذا المجال لهم في القريب العاجل غير أن المشكلة الكبرى تدور حول العرب الذين يتناولهم النقل والذين يفوق عددهم عدد اليهود كثيرًا. فبينما يمكن إسكان البعض من هؤلاء العرب في الأراضي التي يخليها اليهود فلا مندوحة عن إيجاد أرض أوسع كثيرًا لإسكانهم جميعها. والمعلومات الميسورة لدينا تحدو بنا إلى الأمل بأن القيام بمشاريع كبيرة للري وخزن المياه وتعمير شرق الأردن وبئر السبع ووادي الأردن (الغور) قد يسفر عن إسكان عدد يفوق كثيرًا عدد السكان الموجودين الآن في هذه المناطق.

ولذلك ينبغي فحص هذه المناطق وتقدير ما يمكن أن يُجْرَى فيها من مشاريع الري والعمران بالسرعة الممكنة. فإذا ظهر بنتيجة هذا الفحص أن في الإمكان توفر مساحات واسعة من الأراضي لإسكان العرب المقيمين في المنطقة اليهودية فعندئذ يبذل أقصى ما يمكن من الجهد للوصول إلى اتفاق بشأن تبادل الأراضي والسكان. وبالنظر للتنافر القائم الآن بين العنصرين ولما يعود به تضييق مجال الاحتكاك بينهما في المستقبل من الفائدة الجلية للطرفين يؤمل أن يبدي الزعماء العرب واليهود ما أبداه الأتراك واليونان من الحنكة السياسية السامية وأن يتخذوا قرارًا جريئا كالقرار الذي اتخذه هؤلاء.

ثم إن نفقات القيام بمشروع الري والعمران المقترح قد تفوق ما ينتظر أن تتحمله الدولة العربية وهنا أيضًا سيكون الشعب البريطاني مستعدًا لمديد المعونة للوصول إلى تسوية فإذا كان في الإمكان وضع اتفاق لنقل الأراضي والسكان نقلاً اختياريًا أو غير اختياري فينبغي أن يطلب إلى البرلمان الموافقة على منح إعانة لسد نفقات هذا المشروع.

وإذا تم الاتفاق على إنهاء أجل الانتداب وعقد المعاهدات على أساس التقسيم فلابد من أن تكون هناك فترة انتقال قبل أن يوضع النظام الجديد موضع التنفيذ وفي غضون هذه المدة يظل الانتداب الحالي الدستور الذي تسير عليه إدارة فلسطين غير أن التواصي الواردة في الباب الثاني من التقرير بشأن ما يجب عمله في ظل الانتداب الحالي قد وضعت على افتراض دوام ذلك الانتداب مدة غير محدودة من الزمن ولا يصح تطبيقها على ما يقع على الحالة من التغيير فيما لو طبق مشروع التقسيم.

وفيما يلي التواصي الموضوعة لدور الانتقال:

1 - الأراضي: يجب اتخاذ التدابير لمنع شراء الأراضي من قبل اليهود في المنطقة العربية (أي في المنطقة المقترحة لإنشاء الدولة العربية) ولمنع شراء الأراضي من قبل العرب في المنطقة اليهودية (أي المنطقة المقترحة لإنشاء الدولة اليهودية).

ويجب أن تتم تسوية ملكية الأراضي الساحلية الواقعة في المنطقة اليهودية خلال سنتين.

2 - المهاجرة: يجب أن تفرض على الهجرة اليهودية قيود إقليمية بدلاً من العمل بالحد " السياسي الأعلى " وألا يسمح بهجرة اليهود إلى المنطقة العربية. وبما أن الهجرة اليهودية المقيدة على هذا الوجه ليس من شأنها أن تؤثر في المنطقة العربية وبما أن الدولة اليهودية ستصبح في القريب العاجل مسؤولة عن نتائج تلك الهجرة فمن الواجب أن يقرر مقدارها على أساس قدرة الاستيعاب الاقتصادية لفلسطين باستثناء المنطقة العربية منها.

3 - التجارة: يجب أن يفتح باب المفاوضات بدون تأخير بغية التوصل إلى تعديل المادة الثامنة عشرة من الانتداب ووضع تجارة فلسطين الخارجية على أساس أعدل من الأساس التي هي عليه الآن.

4 - المجلس الاستشاري: يجب توسيع المجلس الاستشاري إذا أمكن عن طريق تعيين ممثلين للعرب واليهود فيه أما إذا رفض أي فريق منهم العمل فيبقى المجلس على حالته الحاضرة.

5 - الحكومة المحلية: يجب إصلاح نظام البلديات والاستعانة على ذلك برأي رجل من أصحاب الخبرة.

6 - المعارف: ينبغي بذل مجهود جدي لزيادة عدد المدارس العربية وإعطاء " المدارس المختلطة الكائنة في المنطقة التي ستدار بموجب الانتداب الجديد كل معاونة والنظر في إمكان إنشاء جامعة بريطانية لأن هذه المعاهدة فد تلعب دورًا هامًا بعد التقسيم في تقريب التوفيق النهائي بين العنصرين.

الفصل الثالث والعشرون: الخاتمة:

بالنظر للموقف الذي وقفه ممثلو العرب واليهود عند أداء الشهادات ترى اللجنة أنه ليس من المحتمل أن يقبل أي فريق منهما لأول وهلة بالاقتراحات المعروضة للتوفيق بين مطالبهما المتضاربة فالتقسيم معناه أن كلاً من الفريقين لا يمكنه أن ينال كل ما يصبو إليه. وهو يعني أيضًا أن العرب سيضطرون إلى الموافقة على أن يخرج من سيادتهم منطقة من البلاد استوطنوها أجلاً طويلاً وسبق لهم أن بسطوا سلطانهم عليها مدة من الزمن وأن اليهود سيضطرون إلى الاكتفاء بأقل من أرض إسرائيل التي سبق لهم أن حكموها ومنوا أنفسهم بحكمها ثانية. غير أنه يلوح أن كلاً من الفريقين سيدرك بعد إمعان النظر والتفكير أن فوائد التقسيم تفوق مساوئه. فإنه وإن لم يحقق لكل فريق كل ما يتمناه فهو يسهل له نيل ما هو في أشد الحاجة إليه ألا وهو الحرية والاطمئنان.

ويمكن تلخيص الفوائد التي يجنيها العرب من مشروع التقسيم على أساس اقتراحاتنا كما يلي:

1 - ينال العرب استقلالهم القومي ويصبح في وسعهم أن يتعاونوا على قدم المساواة مع عرب البلاد المجاورة لتحقيق وحدة العرب ورقيهم.

2 - يزول نهائيًا ما يساورهم من الخوف من " اكتساح " اليهود لهم واحتمال خضوعهم في النهاية للحكم اليهودي.

3 - ثم إن تقييد حدود الوطن القومي اليهودي تقييدًا نهائيًا ضمن حدود معينة ووضع انتداب جديد لحماية الأماكن المقدسة بضمانة عصبة الأمم سيزيل بصورة خاصة كافة ما يساور البعض من المخاوف بأن تصبح الأماكن المقدسة يومًا من الأيام تحت هيمنة اليهود.

4 - ومقابل ما يخسره العرب من البلاد التي يعتبرونها بلادهم تتلقى الدول العربية إعانة مالية من الدول اليهودية. وتنال أيضًا بسبب تأخر أحوال شرق الأردن منحة قدرها مليونا جنيه من الخزينة البريطانية وإذا تيسر الوصول إلى اتفاق لتبادل الأراضي والسكان تُعْطَى الدولة منحة أخرى تستعين بها على تحويل ما يستطاع تحويله من الأراضي غير القابلة للزراعة إلى أراضٍ منتجة يستفيد منها الزراع والدولة على السواء.

أما فوائد التقسيم لليهود فيمكن تلخيصها كما يأتي:

1 - أن التقسيم يؤمن إنشاء الوطن القومي اليهودي وينقذه من احتمال خضوعه في المستقبل للحكم العربي.

2 - أن التقسيم يمكن اليهود من أن يعتبروا الوطن وطنهم الخاص بأوسع معنى وذلك لأن التقسيم يحوله إلى دولة يهودية ويصبح في وسع رعايا هذه الدولة أن يدخلوا من اليهود العدد الذي يعتقدون هم أنفسهم بإمكان استيعابه وبذلك يحققون هدف الصهيونية الرئيسي ألا وهو وجود أمة يهودية متمكنة في فلسطين تمنح رعاياها نفس الوضع الشخصي الذي تمنحه سائر الأمم في العالم لرعاياها وبذلك يتخلصون أخيرًا من العيش " عيشة الأقلية ". إن التقسيم يفسح مجال الأمل للعرب واليهود معًا بنيل نعمة العيش في ظل السلام الأمر الذي يتعذر توفره في أي مشروع آخر وهو بدون شك جدير بأن يضحي الفريقان بعض التضحية في سبيل تحقيقه إذا كان في الإمكان أن يقضي على الخصومة التي بدأت مع الانتداب عن طريق إنهاء أجل ذلك الانتداب فهذه الخصومة ليست من الضغائن الطبيعية أو القديمة العهد والعرب لم يكونوا طيلة تاريخهم مجردين من كره اليهود فحسب بل إنهم برهنوا على الدوام على أن روح التساهل متأصلة في عروقهم.

فإذا أخذنا بعين الاعتبار ما لاحتمال إيجاد ملجأ في فلسطين من القيمة لآلاف اليهود المضطهدين فهل تكون الخسارة التي يتكبدها العرب من جراء التقسيم على فداحتها فوق ما يستطيع السخاء العربي أن يتحمله؟ إن أهل البلاد هم ليسوا وحدهم الذين يجب أن يحسن حسابهم في هذه المسألة وفي غيرها من المسائل الكثيرة المتعلقة بفلسطين فالمشكلة اليهودية ليست أقل شأنًا من المشاكل العديدة الأخرى التي تعكر صفو العلاقات الدولية في هذه الأوقات العصيبة وتقف حائلاً في سبيل السلام والرفاهية فإذا كان في إمكان العرب أن يساعدوا على حل هذه المشكلة محتملين في سبيل ذلك بعض التضحية فإنهم لا يكسبون بذلك ثناء اليهود فحسب بل ثناء العالم الغربي بأسره.

لقد سبق لرجال السياسة العرب أن رضوا بالتنازل عن فلسطين صغيرة لليهود بشرط أن تكون بقية آسيا حرة. غير أن هذا الشرط لم ينفذ في ذلك الحين وهاهو الآن على وشك التنفيذ. ففي غضون أقل من ثلاث سنوات تصبح كافة المنطقة العربية الواسعة الواقعة خارج فلسطين بين البحر المتوسط والأوقيانوس الهندي مستقلة كما أن القسم الأكبر من فلسطين سيصبح مستقلاً أيضًا إذا نفذ مشروع التقسيم.

أما فيما يتعلق بالأمة البريطانية فمن المحتم عليها أن تحترم بكل ما في وسعها من قوة الالتزامات التي أخذتها على عاتقها نحو العرب ونحو اليهود مدفوعة إليها بمقتضيات الحرب فهي لم تقدر صعوبات المهمة التي ألقيت على عاتقها تمام التقدير عندما أدرجت هذه الالتزامات في صك الانتداب ولقد حاولت التغلب على تلك الصعوبات غير أن الجهود التي بذلتها في ذلك السبيل لم تكن دائمًا مقرونة بالتوفيق وقد ازدادت هذه الصعوبات حتى أنه يكاد يتعذر التغلب عليها الآن.

والتقسيم ينطوي على احتمال شق طريق بين هذه الصعوبات والوصول إلى حل نهائي لهذه المعضلة من شأنه أن يؤمن حقوق العرب واليهود ويحقق أمانيهم ويؤدي إلى تنفيذ الالتزامات التي ارتبطت بها الدولة المنتدبة نحوهم قبل عشرين سنة إلى أقصى حد ممكن في الأحوال السائدة في الوقت الحاضر.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

بيان اللجنة العربية العليا حول مشروع اللجنة الملكية بتقسيم فلسطين

8/ 7/ 1937

بحثت اللجنة العربية العليا فيما نشر من تقرير اللجنة الملكية وسياسة الحكومة البريطانية المتضمنين تقسيم البلاد وذلك بوضع الأماكن المقدسة تحت انتداب بريطاني دائم وإنشاء دولة يهودية في أخصب قسم من البلاد وأهمها بما فيها أقضية حيفا وعكا وصفد وطبريا وحشد العرب فيما تبقى من الأراضي الجبلية ومدينة يافا. ولما كانت هذه البلاد لا تخص عرب فلسطين فحسب بل العالمين العربي والإسلامي قاطبة وكانت تسير في الأزمات بإرشاد وتعضيد أصحاب الجلالة والسمو ملوك العرب وأمرائهم وزعماء الأمم الإسلامية وهيئاتها. ولما كانت هذه السياسة تناقض مطالب العرب وحقوقهم فاللجنة ترى في هذا الموقف العصيب الذي تواجهه البلاد أن تبادر حالاً بالاتصال بهم كما ترى من واجبها التشاور مع أصحاب الرأي من هيئات البلاد ورجالاتها في السياسة التي يقتضي السير عليها.

واللجنة العربية العليا ترجو من الشعب العربي الكريم المؤمن بحقه الثابت على مطالبه ألا يؤخذ بالإغراء وزخرف القول وأن يظل محافظًا على عهده وميثاقه الوطني وأن يحتفظ برباطة جأشه ورزانته وسكينته واثقًا كل الثقة من الفوز في النهاية بحقه وغايته.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إلى جناب النبيل مالكولم ماكدونالد عضو مجلس العموم ووزير المستعمرات لجلالته مقدمة لتقرير لجنة التقسيم " وودهيد " وخلاصة عن التقرير نفسه

1 - لقد تم تعيننا في شهر أذار الماضي من قبل سلفكم جناب النبيل و. ج. أ. أورمسبى غور (وهو الآن اللورد هارليك) وكانت شروط اختصاصنا التي نشرت في الكتاب الأبيض (رقم 5634) بتاريخ 4 كانون الثاني سنة 1938 كما يلي:

بعد النظر بعين الاعتبار إلى مشروع التقسيم المبينة تفاصيله في الفصل الثالث من تقرير اللجنة الملكية ومع تخويلنا ملء الحرية في اقتراح تعديلات لذلك المشروع بما في ذلك تغيير المناطق الموصى بإبقائها تحت الانتداب.

وبعد النظر بعين الاعتبار في أية بيانات تتقدم بها الجماعات في فلسطين وشرق الأردن، لقد عهد إلينا:

1 - أن نوصي بحدود فاصلة بين المنطقتين العربية واليهودية المقترحتين وحدود المناطق الخاصة الواجب الاحتفاظ بها بصورة دائمة أو مؤقتة تحت الانتداب البريطاني على أن يكون من شأن تلك الحدود:

( أ ) أن تنطوي على أمل معقول في أن تنشأ في النهاية دولة عربية ودولة يهودية تستطيع كل منهما أن تسد نفقاتها بذاتها مع توفر أسباب الطمأنينة الوافية.

(ب) وألا تستوجب إلا إدخال أقل عدد ممكن من العرب والمشاريع العربية في المنظمة اليهودية والعكس بالعكس.

(جـ) وأن تمكن حكومة جلالته من تحمل تبعات الانتداب التي أوصت بها اللجنة الملكية في تقريرها بوجوب اضطلاعها بها بما في ذلك الالتزامات التي تفرضها المادة (28) من صك الانتداب فيما يتعلق بالأماكن المقدسة.

2 - أن نبحث في المسائل الاقتصادية والمالية التي ينطوي عليها التقسيم مما يترتب اتخاذ قرارات بشأنها وأن تقدم تقريرًا بذلك على أن يشتمل بحثنا وتقريرنا المشار إليهما على:

( أ ) بيان ما يصيب كل منطقة من هذه المناطق من موجودات فلسطين العامة وديونها العامة وسائر الالتزامات المالية التي تحملتها إدارة فلسطين بصورة مشروعة أثناء مدة الانتداب المشار إليها في المادة الثامنة والعشرين من صك الانتداب بالقدر الذي يكون فيه ذلك ضروريًا.

(ب) الوسائل التي تؤمن احترام الالتزامات المالية المشار إليها آنفًا احترامًا كليًا وفقًا للمادة الثامنة والعشرين من صك الانتداب.

(جـ) إدارة مصالح سكك الحديد والمرافئ والبريد والبرق والتليفون.

(د) التدابير المتعلقة بالنقد.

(هـ) إدارة الجمارك والتعريفات الجمركية.

(و) المسائل المتعلقة بميزانيات مختلف الإدارات التي ستشكل في المناطق.

(ز) المحافظة على حقوق موظفي الحكومة وفقًا لأحكام المادة الثامنة والعشرين من صك الانتداب.

(ح) معالجة الامتيازات الصناعية وغيرها من الامتيازات.

(ط) إمكان إجراء تبادل اختياري في الأراضي والسكان واحتمال إيجاد متسع آخر للاستيطان عن طريق تحسين الأراضي وعمرانها وذلك سدًا لاحتياجات الأشخاص الذين يرغبون في الانتقال من منطقة إلى أخرى.

(ى) وضع ضمانات وافية لحقوق الأقليات الدينية والعنصرية في كل من المنطقتين المخصصتين للعرب واليهود بما في ذلك حماية الحقوق الدينية والأملاك.

لم نعقد أي اجتماع لسماع الشهادات قبل مغادرتنا لندن في اليوم الحادي والعشرين من شهر نيسان لأننا كنا حريصين على إرجاء أخذ الشهادات التي تتهيأ لنا الفرص للحصول شخصيًا على بعض المعلومات عن فلسطين وللسبب نفسه لم نعقد جلستنا الأولى إلا بعد مرور بضعة أسابيع على اليوم السابع والعشرين من شهر نيسان وهو اليوم الذي وصلنا فيه إلى القدس.

ولقد تمكنا خلال هذه المدة من زيارة مختلف أنحاء البلاد ومن تكوين فكرة عامة عن طبيعتها الأمر الذي عاد علينا بأجل الفوائد في أعمالنا التي تلت ذلك.

وقد رأينا في الواقع أن نوع التحقيق الذي سنقوم به يحتم علينا أن نطلع بأنفسنا على أحوال البلاد أتم اطلاع تبيحه لنا المدة الميسورة لنا، ولذلك قمنا بطوافنا أنحاء فلسطين وشرق الأردن خلال شهر أيار والقسم الأول من شهر حزيران، وقد أثبتنا الرحلات التي قمنا بها في الخريطة رقم (2).

2 - لقد قضينا في شرق الأردن تسعة أيام تمكنا خلالها من تكوين فكرة عامة عن القسم الأكبر في المنطقة الزراعية في تلك البلاد ونود أن نغتنم هذه الفرصة للإعراب عن عظيم تقديرنا للحفاوة التي لقيناها من صاحب السمو الأمير عبد الله ومن حكومة شرق الأردن وللاعتراف بجميل المعتمد البريطاني اللفتننت كولونيل السير هنري كوكس للترتيبات الفائقة التي أجراها لرحلاتنا إذ مكنتنا من مشاهدة القسم الأعظم من البلاد خلال المدة القصيرة الميسورة لنا.

4 - ولدى وصولنا إلى القدس اتخذنا الترتيبات اللازمة لنشر بلاغ أعلنا فيه أن الأشخاص الذين يودون الحضور أمامنا يملكون مطلق الحرية في أداء شهاداتهم بصورة علنية. على أننا لم نتسلم في الواقع إلا طلبين اثنين أعرب فيهما مقدماهما عن رغبتهما في أداء الشهادة بصورة علنية. وقد عقدنا في القدس خمسًا وخمسين جلسة لسماع الشهادات وكان عدد الجلسات العلنية منها اثنتين فقط أما الجلسات الأخرى فكانت سرية.

ولدى عودتنا إلى لندن عقدنا تسع جلسات كانت كلها سرية. ولم يتقدم أي شاهد من العرب لتأدية الشهادة أمامنا.

5 - لقد غادرنا فلسطين في اليوم الثالث من شهر آب عن طريق حيفا وتريستا واستأنفنا عقد جلساتنا في لندن في اليوم الخامس عشر من ذلك الشهر. وقد استمرت أعمال العنف في فلسطين بعد سفرنا منها وازدادت شدة عن ذي قبل ولم يفت عن أذهاننا فقط أننا سنكون حَريَّيْن بأشد اللوم إذا أسفر أي تأخير أو إمهال منا عن إطالة حالة الشك وعدم الاستقرار السائدة الآن في فلسطين دون مبرر. وقد أعلمتمونا أنتم أيضًا أن حكومة جلالته حريصة جد الحرص على تسلم تقريرنا في أقرب وقت ممكن. ولذلك قررنا أنه من المستطاع اجتناب التأخير والإمهال إذا أرجأنا درس بعض المسائل المتعلقة بموضوع تحقيقاتنا إلى وقت آخر.

فهناك عدد من المسائل رأينا أن درسنا لها في هذه المرحلة لا يسفر عن أية فائدة وذلك إما لأن هذا الدرس ينطوي على تأخير لا مبرر له دون أن يؤثر في القرارات الأساسية التي أدرجناها في تقريرنا أو لأن درسها بصورة مفصلة لا يمكن الشروع فيه قبل تقرير الأسس الرئيسية لمشروع تقسيم معين. والمسائل التي أرجأنا بحثها إلى وقت آخر تشتمل على النقاط التالية التي أشير إليها خصيصًا في القسم الثاني من شروط اختصاصنا:

( أ ) تعيين نصيب كل منطقة من المناطق من الموجودات العامة.

(ب) الترتيبات المتعلقة بالنقد.

(جـ) المحافظة على حقوق موظفي الحكومة.

خلاصة تقرير اللجنة:

نرى لزامًا علينا أن نبسط الغايات التي ترمي إليها شروط اختصاصنا حسب رأينا كيما نوضح الشكل الذي سنقدم فيه استنتاجاتنا. فالصلاحيات المخولة لنا تقضي علينا أولاً أن نوصي بحدود الدولتين العربية واليهودية ومناطق الانتداب المقترح إنشاؤها بحيث تتوفر في تلك الحدود بعض الشروط وثانيًا أن نقوم بدراسة الشؤون الاقتصادية والمالية التي ينطوي عليها التقسيم وأن نقدم تقريرًا بذلك. ولقد ذكر صراحة في الكتاب الذي أرسله سلفكم إلى المندوب السامي بتاريخ 23 كانون الأول سنة 1937 بشأن شروط اختصاصنا أن المهام المنوطة بنا في العمل كلجنة فنية أي الاقتصار على تعيين الحقائق والنظر مفصلاً في إمكان تطبيق أي مشروع من مشاريع التقسيم وكذلك " تقديم اقتراحات لمشروع مفصل للتقسيم إلى حكومة جلالته " وقد ورد في الكتاب المذكور بعد تعيين شروط اختصاصنا أن حكومة جلالته هي التي تقرر ما إذا كان مشروع التقسيم الذي سنعرضه كنتيجة لأبحاثنا عادلاً وعمليًا على أنه لم يطلب إلينا أن نقدم تقريرًا في عدالة التقسيم أو إمكان تطبيقه بصورة عامة. وقد ذهب معظمنا في تأويل التعليمات كما يلي:

1 - أن حكومة جلالته ترغب في أن نقدم لها على كل حال أفضل مشروع للتقسيم نستطيع تقديمه وإذا رأينا أن ذلك المشروع لا تتوفر فيه بعض الشروط أو أنه غير عملي فهي تريد منا أن نقول ذلك وأن نبين الأسباب التي تدعونا إلى ذلك الرأي.

2 - أنه لا يطلب منا وليس من حقنا أن نناقش مبدأ التقسيم بصورة عامة من حيث كونه مطابقًا للعدالة أو الضمير ذلك أننا عينا كهيئة فنية ونرى أن خير ما نقدمه من المساعدة لحكومة جلالته هو أن نعني بألا تتأثر آراؤنا في المسائل الفنية بأية آراء نكون قد كوناها كأفراد بشأن المبدأ الذي ينطوي عليه التقسيم.

ثم إننا نود أن نبين بتأكيد أن مسألة " قابلية التطبيق " هي مسألة تحتاج إلى أخذ ورد ولا يمكن الإعراب عن رأى نهائي فيها دون أن تؤخذ بعين الاعتبار مسائل أخرى كالنتائج التي تنشأ عن رفض التقسيم وعدالة الحلول التي قد تقدم بدلاً منه وقابليتها للتطبيق وقد أخرجت هذه المسائل من نطاق اختصاصنا.

لقد أتينا في الفصل الحادي عشر والرابع عشر تحت عنوان المشروع (ج) على وصف أفضل مشروع للتقسيم تمكنا من استنباطه. وسنلخص الآن في عناوين مختلفة النقاط الرئيسية التي نرى لزامًا على حكومة جلالته أن تنظر إليها بعين الاعتبار لدى تقريرها فيما إذا كان هذا المشروع عادلاً وعمليًا أم لا وسنبين آراءنا بشأن كل نقطة من تلك النقاط.

حجم الدولة اليهودية:

لقد أعربت لجنة الانتدابات الدائمة عن الرأي التالي في تقريرها الذي رفعته إلى مجلس عصبة الأمم في دورته الثانية والثلاثين غير الاعتيادية.

" ولذلك يشترط في أي حل كيما يكون مقبولاً ألا يؤدي إلى حرمان العرب إلا من أقل عدد ممكن من الأمكنة التي يعلقون عليها أهمية خاصة إما لوجود منازلهم الخالية فيها أو لدواعٍ دينية ويشترط فيه أيضًا أن تكون المناطق المخصصة لليهود متسعة وخصبة وملائمة للمواصلات البحرية والبرية إلى درجة يتسنى معها تحسين تلك المناطق تحسينًا اقتصاديًا واسع النطاق وجعلها بالتالي قابلة للاستيطان المحتشد السريع ".

وتدل الحقائق التي أتينا عليها في تقريرنا على أن هذه الغايات لا يمكن التوفيق بينها فإذا كان المراد أن ينتزع من العرب أقل عدد ممكن من منازلهم وأن تشتمل الدولة اليهودية على أصغر عدد ممكن من العرب وحسب ما جاء في شروط اختصاصنا فإن الدولة اليهودية لا يمكن أن تكون دولة كبيرة ولا يمكنها أن تشتمل على مناطق قابلة للتحسين والاستيطان بالمعنى الذي رمت إليه لجنة الانتدابات الدائمة فهل يجعل هذا الأمر وحده مشروع التقسيم الذي اقترحناه غير قابل للتطبيق؟ وإننا لا نرى هذا الرأي ما دام في الإمكان تهيئة السبيل لاستمرار هجرة خاضعة للمراقبة إلى معظم المناطق التي نقترح الاحتفاظ بها تحت الانتداب البريطاني وتحسين تلك المناطق بغية إفساح المجال لاستيطان اليهود فيها استيطانًا خاضعًا للرقابة أيضًا. ولكن هذا الأمر يتطلب إرصاد مصروفات وافرة من الخزينة العامة لتحسين المناطق المنتدب عليها وإنشاء الخدمات الأخرى فيها وهذه المصروفات (ونقترح ألا تتجاوز مليون جنيه للخدمات غير المتكررة ومبلغًا لا يزيد عن 75.000 جنيه سنويًا للخدمات المتكررة لمدة عشر سنوات فقط) لا يمكن الحصول عليها إلا من حكومة المملكة المتحدة ذلك أن حكومة المناطق المنتدب عليها ستكون على كل حال عاجزة عن موازنة ميزانيتها وسنبحث في تأثير هذا الأمر فيما يلي باعتباره جانبًا من المشكلة المالية العامة التي ينطوي عليها التقسيم.

أما حجم الدولة اليهودية المقترحة من حيث كونه عاملاً يتوقف عليه أمر الأسواق الأهلية المقترحة لأصحاب المصانع من اليهود فسنبحث فيه على حدة.

موقوف العرب واليهود:

لقد ذكرنا فيما سبق أن السكان العرب في فلسطين سيقفون كما نعتقد موقف عداء مستحكم من التقسيم مهما كان شكله وإننا موقنون أن المشروع الذي أوصت به اللجنة الملكية من شأنه أن يؤدي إلى نشوب ثورة عامة لا يمكن إخمادها إلا بإجراءات عنيفة طويلة الأمد. ولكن لا ندري ماذا يكون موقف العرب من المشروع (ج) فقد كان من رأي أحد الشهود الرسميين الذين استطلعنا آراءهم بشأن المشروع (ج) قبيل مغادرتنا فلسطين في أوائل شهر آب أن العرب سيقاومون بالعنف كل مشروع للتقسيم مهما كان شكله ولم يكن في وسع أحد من هؤلاء أن يقول إن العرب سيقبلون بالمشروع بهدوء وطيبة خاطر.

الأقلية العربية في الدولة اليهودية:

لقد افترضت اللجنة الملكية أن الوسائل اللازمة ستتخذ لنقل معظم السكان العرب الموجودين في الدولة اليهودية نقلاً إجباريًا إذا اقتضى الأمر وبموجب مشروع توافق عليه كلتا الدولتين. ولكن سلفكم بين في كتابه المؤرخ في 23 كانون الأول سنة 1937 أن حكومة جلالته لم توافق على اقتراح النقل الإجباري وقد رأينا نحن أنه يستحيل علينا أن نفترض أن مشكلة الأقلية يمكن حلها بنقل السكان نقلاً اختياريًا وأن حراجة الموقف التي يسفر عنها ذلك الأمر هي السبب الأكبر في حملنا على رفض مشروع اللجنة الملكية الذي يكاد يكون بموجبه عدد العرب الذين يقطنون أراضي الدولة اليهودية مساويًا لعدد اليهود فيها. غير أنه قد يقال إذا كان من الخطأ من حيث المبدأ وضع نحو من 300.000 عربي ضد إرادتهم تحت سيطرة اليهود السياسية حسب مشروع اللجنة الملكية فكيف يكون صوابًا وضع 50.000 عربي على هذه الصورة بمقتضى المشروع (ج)؟ إنه لمن الصعوبة بمكان كبير تقدير الناحية الأدبية لهذه المسألة فلو توبع الجدل فيها إلى آخر حدود المنطق لقضت هذه الحجة على التقسيم بالمرة إذ يستحيل تخطيط حدود من شأنها ألا تدخل أحدًا من العرب في الدولة ولكن مما لا يمكن تصوره أن اللجنة الملكية لدى تحبيذها التقسيم أو أن حكومة جلالته لدى قبولها به كأفضل حل يُرْجَى لهذه المشكلة اعتبرت هذه الحقيقة في نفسها كافية للقضاء على أي مشروع للتقسيم. وشروط اختصاصنا تنطوي في الواقع على أن حكومة جلالته كانت قابلة بإدخال عدد من العرب في الدولة اليهودية وعدد من اليهود في الدولة العربية وإن كانت تود أن يكون هذا العدد أقل ما يمكن في كلتا الحالتين. ولذلك يلوح أنه من المسلم به أن هذه المسألة هي مسألة أخذ ورد أكثر منها مسألة مبدأ ولذلك إذا نظرنا إلى المواقف من هذه الناحية نرى أنه ليس ثمة من داعٍ يبرر لنا رفض المشروع (ج) لكونه يحتم اشتمال الدولة اليهودية على 50.000 نسمة من العرب.

الدفاع:

إن الدولة اليهودية حسب المشروع (ج) على الرغم من صغرها تؤلف مجموعة متراصة يسهل الدفاع عنها كأحسن ما تكون عليه أية دولة يسفر عنها تقسيم فلسطين ولكن السلطات العسكرية قد أقنعتنا بأنه لا يوجد غير نهر الأردن حد يصلح لأن يكون خطًا عسكريًا مرضيًا إذا أخذت أساليب الحروب الحديثة بعين الاعتبار فجل ما يمكن عمله بمقتضى أي مشروع للتقسيم هو تعيين خط يمكن الدفاع عنه عسكريًا ضد غارات الأشخاص المسلحين بالبنادق والمدافع الرشاشة ولا يمكن اعتبار الحد المرسوم في المشروع (ج) صالحًا لضمان السلامة الكافية للمناطق المقترحة إلا من وجهة النظر هذه. والضمانة الحقيقية الوحيدة لأي جزء مقتطع من فلسطين هي أن يعيش مع الجزء المجاور له بسلام وصداقة وقد كنا في بدء عهدنا بالتحقيق نعلق أملاً معقولاً على إمكان وضع مشروع للتقسيم يؤدي إلى هذه النتيجة ولكن الحوادث التي جرت في الأشهر الأخيرة لابد أن يحسب حسابها لدى تقدير العواقب التي يحتمل أن يسفر عنها تنفيذ أي مشروع من مشاريع التقسيم بصورة فعلية.

الإدارة:

من البديهيات المسلم بها التي لا تحتاج إلى جدل أن المصالح التي يمكن تقسيمها تقسيمًا تامًا كالمعارف مثلاً ستقل الفائدة منها بعد التقسيم بالنسبة للأموال التي تنفق عليها كما أن مصالح المواصلات التي تؤمن الاتصال بين المناطق الناتجة عن التقسيم أو داخل تلك المناطق كالسكك الحديدية والبريد والبرق ستكون بمجموعها أقل كفاية وأكثر نفقة من ذي قبل. أما ما يتعلق بالحرية الشخصية للتنقل بين المناطق المختلفة فلا مفر من فرض بعض القيود على الأشخاص الذين يعتبرون الآن فلسطينيي الجنسية حتى ولو عمل بالشروط التي أوصينا بها في الفصل الرابع عشر كما أن مقدار الإزعاج والنفقة مما سيتحمله الفرد والدولة في سبيل مراقبة ذلك على أي شكل من الأشكال يكون كبيرًا. وأخيرًا سيكون قيام الدولتين العربية واليهودية كحاجز بين منطقة القدس الخاصة والمنطقتين الأخيرتين من الأراضي المنتدب عليها مصدرًا للصعوبات الإدارية ولكن هذه الصعوبات ليست مما لا يمكن تذليله ولا يمكن اعتبارها بحد ذاتها كافية لجعل المشروع (ج) غير عملي.

المالية:

أما مسألة المالية فهي من المصاعب الرئيسية الكبرى. وقد أدى بنا البحث في الفصل الثامن عشر إلى أنه يستحيل إنشاء دولة عربية تكون قادرة على سد نفقاتها بذاتها مهما كانت الحدود التي توصى بها. فالتخمين الذي أعده لنا مدير مالية فلسطين ورضينا به بعد أن أدخل عليه بعض التعديلات وهو أقرب شيء يمكن الوصول إليه لتقدير ميزانية كل إدارة من الإدارات المختلفة المنصوص عليها في المشروع (ج) يشير إلى عجز سنوي في ميزانية الدولة العربية (بما فيها شرق الأردن) يبلغ مقداره 610.000 جنيه تقريبًا وعجز سنوي في ميزانية المناطق المنتدب عليها يبلغ مقداره 460.000 جنيه في السنة تقريبًا ويشير في الوقت ذاته إلى وفر سنوي في ميزانية الدولة اليهودية يبلغ 600.000 جنيه تقريبًا باستثناء نفقات الدفاع لكل من تلك المناطق. وقد وجدنا أنه لا يمكن تكليف الدولة اليهودية بتقديم إعانة مباشرة إلى الدولة العربية كما أنه ليس من الممكن ولا من الإنصاف إنشاء دولة عربية تقل إيراداتها عن مصروفاتها بمبلغ كبير كهذا ونستنتج من ذلك أنه أريد تنفيذ التقسيم فلا يبقى مناص من تكليف البرلمان بتقديم إعانة للدولة العربية على وجه من الوجوه بحيث تكون تلك الإعانة كافية لتمكين الدولة العربية من موازنة إيراداتها بمصروفاتها.

وبالإضافة إلى ذلك تكون حكومة المملكة المتحدة بحكم العرف المتفق عليه مضطرة لمساعدة المناطق المنتدب عليها على موازنة ميزانيتها وسيدخل في تلك المساعدة مبلغ قدره 175.000 جنيه في السنة تقريبًا للإنفاق على أعمال التحسين والعمران في المناطق المشار إليها في الفقرة (2888). وهذا يعني أن التقسيم سيكلف المكلف في المملكة المتحدة نفقة سنوية مقدارها 1.250.000 جنيه فلسطيني على وجه التقريب باستثناء نفقات الدفاع. ومن الجهة الأخرى ستتمكن الدولة اليهودية من توقع وفر في ميزانيتها يقرب من 600.000 جنيه في السنة بقطع النظر عن نفقات الدفاع. ويمكننا أن نقول بصورة عامة إن هذه النتائج ستبقى على هذا الشكل تقريبًا بموجب أي مشروع للتقسيم يمكن التفكير فيه.

وغني عن البيان أن مثل هذه الحالة لا يمكن للخزينة البريطانية أن ترضى عنها ولكن قبل إصدار القرار في عدم صلاحية التقسيم بالمرة بناءً على هذا الاستنتاج يجب أن ينظر في مقدار ما تكلف فلسطين المكلف البريطاني في الأحوال الحاضرة. إن أكثريتنا ترى أنه لا يمكن إجراء مقارنة صحيحة بين نفقات التقسيم وبين ما يحتمل أن يكون عليه الوضع المالي في فلسطين دون تقسيمها على فرض أن الأمن قد استرد فيها وأن الأحوال رجعت إلى مجراها الطبيعي. ومما لا شك فيه أنه من الميسور إحلال السلم بفلسطين في يوم واحد بناءً على شروط معينة أما إذا كانت تلك الشروط لا تنطوي على إحداث انقلاب تام في الكيان المالي والاقتصادي من شأنه أن يستلزم تخفيض المستوى الحالي للخدمات تخفيضًا فعالاً لموازنة الدخل بالخرج فتلك مسألة أخرى بالمرة. ولذلك لا تصح مقارنة نفقات التقسيم إلا بالنفقة التي تدفعها المملكة المتحدة في الأحوال الحاضرة. وتقدر هذه النفقة بما يتراوح بين مليونين ونصف مليون جنيه وبين ثلاثة ملايين جنيه في سنة 1938 وغني عن البيان أنه على الرغم من استحالة التنبؤ بطول المدة التي ستظل فيه نفقاتنا بهذا المقدار فالاستعاضة عن الوضع الحاضر بمشروع يكلف الخزينة البريطانية دفعات سنوية مستمرة قد تبلغ 1.250.000 جنيه في السنة باستثناء نفقات الدفاع ليس من الضروري أن يخرج المشروع من نطاق البحث بالمرة لأسباب مالية إذا ظهر أن ذلك المشروع قابل للتطبيق من نواحٍ أخرى. ولكن إذا أجيز دفع المبلغ على أن تفرض الرقابة المالية التي تفرض عادة على كل بلاد تابعة للإمبراطورية تنال إعانة مالية منها فلا يمكن اعتبار الدولة العربية دولة مستقلة وإننا لم نتمكن من استنباط وسيلة من شأنها أن تذلل هذه الصعوبة لو قدمت الإعانة المذكورة مباشرة كمنحة.

المصالح الاقتصادية:

1 - التعريفات وإدارة الجمارك:

لقد تبين لدى البحث في حدود المناطق المقترحة بمقتضى شروط اختصاصنا أن جعل المناطق المنتدب عليها وحدة سياسية منفصلة هو أمر أساسي لأي مشروع لتقسيم يمكننا التوصية به. ولكن جعل تلك المناطق وحدة منفصلة فيما يتعلق بالتعرفة الجمركية سيكون ضربة قاضية على اقتصاديات الدولة اليهودية التي يجب عليها توسيع صناعاتها بغية إيجاد العمل لعدد عديد من المهاجرين الجدد ذلك أن الدولة اليهودية تستطيع أن تأمل تحقيق ذلك دون أن تضمن لمنتجاتها سوقًا أوسع من السوق التي يؤلفها سكان تلك الدولة وحدهم كما أن بقاء الدولة العربية من الناحية الاقتصادية يتوقف على إيجاد سوق خارج أراضيها لتصريف ما تستطيع تصديره من الحاصلات الزراعية التي تنتج منها كمية كبيرة تفيض عن حاجاتها وخاصة القمح. فنستنتج من ذلك أنه لابد من وجود نوع من الاتفاق الجمركي ما بين المناطق المنتدب عليها وكل من تينك الدولتين. وإنه لا يفي في الحقيقة بحاجات الدولة اليهودية والمناطق المنتدب عليها إلا اتحاد جمركي تام وتجارة حرة متحدة في التعرفة في حين أن وجود ما يماثل هذه الترتيبات بين الدولة العربية والمناطق المنتدب عليها يعتبر أمرًا مرغوبًا فيه كثيرًا ولو لم يكن أساسيًا. إن مقتضيات الدولتين العربية واليهودية قد تختلف والحق يقال اختلافًا جوهريًا من حيث التعرفة إذ يحتمل أن تفضل الدولة العربية

التي أغلب سكانها من المزارعين فرض تعرفة متوسطة من أجل الإيرادات مع حماية حبوبها وحاصلاتها الزراعية الأخرى إلى درجة لا تقل عن درجة الحماية الحالية في حين أن اليهود يحتمل أن يأخذوا بسياسة التعرفات المرتفعة لحماية صناعاتهم وأن يعملوا على حفظ سعر القمح أو بالأحرى سعر الحاصلات الزراعية على وجه العموم في أدنى درجة ممكنة ولكننا على الرغم من ذلك نعتقد أن بين الدولتين والمناطق المنتدب عليها من الأسس المشتركة ما يكفي لتوحيد التعرفة وأن حاجة كلتا الدولتين إلى اتخاذ تعرفة موحدة هي حاجة ماسة إلى الدرجة القصوى إذ أنه دون هذه التعرفة الموحدة لا يمكن تأمين البقاء الاقتصادي لإحداهما أو التوسع الصناعي للأخرى بمقتضى المشروع (ج).

ثم إنه يبدو لنا أن إنشاء اتحاد جمركي من شأنه أن يتيح الفرصة لتخفيف العبء المالي الذي سيلقى على عاتق حكومة جلالته بسبب التقسيم ولو كان ذلك التخفيف جزئيًا ونرى أن إيجاد سوق مضمونة لليهود في سائر أنحاء فلسطين يبرر دفعهم مقابل ذلك إعانة خاصة للإيرادات تقيد لحساب الدولة العربية مما يخفف العبء الذي تضعه هذه الدولة على عاتق المكلف البريطاني وقد وجدنا أنه إذا طبقت القاعدة التي وضعناها في الفصل الحادي والعشرين واستعملت الأرقام التخمينية للميزانية التي قدمها لنا مدير المالية وأوردناها في الفصل الثامن عشر فينتظر أن ينقص هذا الترتيب صافي الكلفة التي يتحملها المكلف البريطاني نحو 175.000 جنيه في السنة الأولى أي أنه ينقصها من 1.250.000 جنيه إلى نحو 1.075.00 جنيه وهذه الزيادة في موارد الدولة العربية يرجع بعضها إلى المناطق المنتدب عليها التي سيزداد العجز في ميزانيتها من جراء ذلك بمبلغ يربو على 100.000 جنيه (وهذا العجز ستغطيه الخزينة البريطانية) ولكن يرجع القسم الأكبر منه إلى الدولة اليهودية التي سيبقى في ميزانيتها مع ذلك وفر يبلغ نحو 400.000 جنيه بقطع النظر عن نفقات الدفاع.

ويستحسن وضع الدولة العربية المالي بهذا المقدار أيضًا غير أن ميزانيتها سيظل فيها عجز بمقدار 334.000 جنيه والطريقة الوحيدة التي نستطيع اقتراحها لتغطية هذا العجز هي إعادة توزيع حصة الدولة العربية والمناطق المنتدب عليها المشتركة من واردات الجمارك توزيعًا تحكميًا بحيث يغطي العجز على حساب مناطق الانتداب وهذا يعني بالطبع زيادة الإعانة التي ستقدمها المملكة المتحدة إلى المناطق الواقعة تحت الانتداب بهذا المقدار غير أن القاعدة التي اقترحناها في الفصل الحادي والعشرين (المادة ب - الفقرة 473) تنص على إمكان إجراء تخفيضات تدريجية في هذا العبء الإضافي الذي سيقع على عاتق الخزينة البريطانية إذا ازداد الوفر الصافي في إيرادات الاتحاد الجمركي.

وتنص القاعدة نفسها أيضًا على إمكان نيل الدولة العربية بعض النصيب من أية زيادة في إيرادات الجمارك تنشأ عن توسع التجارة وازدياد الرخاء في باقي فلسطين ومن رأينا أن إحدى الحجج الرئيسية التي يمكن أن يدلى بها ضد التقسيم أن كل مشروع من مشروعات التقسيم يبنى على أساس إدخال أصغر عدد ممكن من اليهود والمشروعات اليهودية في المملكة العربية والعكس بالعكس وعلى إيجاد منطقة القدس الخاصة وممرها يحتم ترك القسم الأعظم من الثروة التي يملكها العرب في فلسطين خارج الدولة العربية وبذلك تحرم بصورة خاصة من الموارد الطبيعية والممتلكات المصطنعة والثروة الموروثة ويحتمل أن تظل بلادًا فقيرة كل الفقر ويصبح تأخرها النسبي بارزًا إذا أسفرت مشروعات التحسين والعمران المقترحة في المشروع (ج) عن تحسن كبير في أحوال العرب المادية في المناطق المنتدب عليها. ولذلك فإنه يرحب بأي ترتيب ينطوي على إدخال بعض الزيادات في إيرادات تلك الدولة بحيث لا تكون تلك الزيادة على شكل مساعدة من دولة أجنبية مع ما تتطلبه تلك المساعدة من الإشراف المالي.

ويلوح أن الحاجة لن تتطلب الإشراف المالي بموجب هذا الترتيب إذ أن حسابات الدولة العربية ستسوي نفسها بنفسها بموجب القاعدة (ب) المبسوطة في الفصل الحادي والعشرين ولذلك يبدو لنا أن مثل هذا الترتيب يساير شوطًا بعيدًا في تذليل الصعوبات المالية الملازمة للتقسيم ويهيئ في الوقت نفسه الاستقرار الاقتصادي اللازم لكلتا الدولتين العربية واليهودية.

غير أننا لأسباب دستورية وجدنا نفسنا لسوء الحظ عاجزين عن التوصية بإنشاء اتحاد جمركي إلا على شروط تضمن الغلبة لرغبات الدولة المنتدبة في وضع سياسة التعرفة وحيث أن هذا يتعارض مع منح الاستقلال المالي للدولتين العربية واليهودية فقد اضطررنا إلى التخلي عن فكرة إنشاء اتحاد جمركي بين دولتين مستقلتين كحل للمشاكل المالية والاقتصادية الناشئة عن التقسيم.

2 - التأثير الذي قد تحدثه سياسة الهجرة التي تتبعها الدولة اليهودية في أنحاء فلسطين الأخرى:

إن هذه الناحية من نواحي المشروع (ج) التي نرى من الضروري لفت الأنظار إليها بوجه خاص لما يترتب عليها من نتائج اقتصادية ومالية. إن من الصعوبة بمكان عظيم أن يتنبأ الإنسان بالمستقبل الاقتصادي للدولة اليهودية لأن ذلك المستقبل سيتوقف على مزيج من العوامل الاقتصادية والسياسية والعنصرية والعاطفية. وقد سلم الشهود اليهود بأن الدولة اليهودية يجب عليها أن تتوقع المصاعب واجتياز فترات من الضيق إذا اتبعت سياسة فعالة للهجرة ولكننا نرى أنهم كانوا يميلون إلى الإنقاص من شدة التقلبات الاقتصادية التي يحتمل أن تتعرض لها الدولة اليهودية حين تأخذ على عاتقها كدولة مستقلة جميع المسؤولية المتعلقة بالهجرة وقد أكد لنا هؤلاء الشهود أنفسهم مدفوعين برغبتهم الشديدة في إيضاح سياسة الدولة اليهودية المستقبلة بهذا الشأن أن عدد العمال المهاجرين الذين يسمح بدخولهم في أي وقت معين لا بد من تقديره على أساس العدد الذي ينتظر إيجاد عمل له والموارد المتيسرة للإنفاق على هذا العمل. ونحن لا نشك في أن تلك اللحظة هي ما ينوي الزعماء انتهاجه ولكن يساورنا كثير الشك في مقدرتهم على المحافظة على هذه القاعدة الصارمة إزاء الضغط الشديد الذي يوجه إلى الدولة الحديثة لقبول مئات الألوف من اليهود المضطهدين الذين سيطلبون ملجأ في الدولة اليهودية كحق من حقوقهم القومية.

ومما لا شك فيه أنه حالما تنشأ الدولة اليهودية تصبح المسؤولية كلها في هذه الأمور ملقاة على عاتق اليهود وإن من مغريات التقسيم الخاصة في الواقع أن يتولى اليهود أنفسهم منذ ذلك الحين معالجة هذا الموضوع المتنازع فيه مع ما هو عليه من الأهمية العظمى. وهذه الحجة تنطوي على الافتراض بأن الدولة اليهودية هي وحدها التي ستتعرض للمخاطر المتصلة باتباع سياسة فعالة للهجرة كما أنها هي وحدها التي ستجني فوائدها غير أنه ليس من المحقق أن يثبت الاختبار صحة هذا الافتراض مهما كانت الظروف التي ستقام فيها الدولة اليهودية. ثم إنه إذا نفذ المشروع (ج) الذي يتحتم معه عقد اتحاد جمركي بين المناطق الثلاث مع كل ما يشتمل عليه ذلك من العلاقات المالية والاقتصادية فمن المؤكد أن حكومتي الدولة العربية والمناطق المنتدب عليها لا يسعهما أن تنظرا دون مبالاة إلى حدوث انهيار اقتصادي في الدولة اليهودية فإذا وقع شيء من ذلك فلا مفر من أن ينال النظام الاقتصادي والميزانية في تينك المنطقتين ضرر فادح مما يجره ذلك الانهيار من العواقب.

فالحالة إذن كما يلي: إذا أنشئت دولة يهودية واضطلعت تلك الدولة بالمسؤوليات المطلقة بشأن سياسة الهجرة، فلا بد في رأينا من التسليم باحتمال حدوث ضائقة اقتصادية فائقة الخطورة. وقد قال أولئك الشهود اليهود أنفسهم في معرض الجدل إن الضائقات إذا حدثت لا تدوم إلى الأبد وإن من المعقول توقع استرداد الدولة اليهودية رخاءها في النهاية كما حدت في بلاد أخرى ومما لا ريب فيه على كل حال أن الطائفة اليهودية ترى أن كفة الفوائد ترجح على كفة المخاطر مهما عظمت. أما حكومة جلالته فالمسألة التي تعنيها في هذه القضية هي هذه هل تكون الأخطار التي تصيب السكان العرب وحكومة المناطق المنتدب عليها من وراء ذلك الحكومة البريطانية من جراء التقسيم بالغة إلى درجة تجعل الشروع في التقسيم أمرًا غير حكيم؟ وجواب ذلك فيما يتعلق بالعرب هو أنه إذا كان من المحتمل أن يتعرضوا لضرر من جراء حدوث ضائقة من الدولة اليهودية فإنهم سينتفعون أيضًا حين تكون تلك الدولة في رخاء وفي الواقع أن هذا الأمر هو من أركان القاعدة التي افترضناها في الفصل الحادي والعشرين.

ثم إنه إذا رُئي أن ميل الدولة اليهودية الاقتصادي قد يكون متجهًا في طريق يؤدي إلى زيادة الثروة والرخاء على مرور الزمن فمن المحتمل أن يؤدي اتصال العرب الاقتصادي بالدولة اليهودية في نهاية الأمر إلى نفعهم أكثر من ضررهم وتنطبق الحجة نفسها إلى حد كبير على حكومة المناطق المنتدب عليها وعلى الحكومة البريطانية إذ أنهما كلتيهما لا تستطيعان أن تتوقعا التمتع بالفوائد التي تأتى بها القواعد المقترحة دون أن تكونا مستعدتين لقبول ما يلازمها من الأخطار. ولكن الخطر لا يتوقف بالكلية على قبول هذه القواعد ولو أن عواقبه ستكون أبلغ إذا قبلت تلك القواعد. فالخطر في رأينا ملازم للتقسيم مهما كان شكله وتختلف درجته باختلاف الشكل الذي يتخذه، وعلى حكومة جلالته قبل اتخاذ قرار في كون المشروع (ج) أو أي مشروع آخر للتقسيم عمليًا أن تسائل نفسها عما إذا كانت مستعدة للدخول في ترتيب يحتمل بمقتضاه أن تتضرر النظم الاقتصادية والمالية للجماعتين التي تتحمل مسؤولية مالية تامة تجاه إحداهما ومسؤولية جزئية تجاه الأخرى تضررًا مؤقتًا على كل حال من جراء سياسة تتبعها دولة مجاورة لأسباب عنصرية في جوهرها وليس لحكومة جلالته شيء من الرقابة عليها.

3 - الحاجة إلى أعمال إضافية يعمل فيها مزارعو الدولة العربية بعض الوقت تكملة للدخل الذي يجنونه من زراعتهم:

لقد أشرنا في الفصل العاشر إلى أهمية حيفا كمورد لأعمال إضافية يستخدم فيها الفلاحون الذين ليس لهم أراضٍ أو الذين لا يستطيعون كسب الرزق الكافي من أراضيهم سواء أكانت إقامتهم العادية في المناطق المنتدب عليها أم في الدولة العربية أم اليهودية ولكن حيفا ليست المورد الوحيد لمثل هذا الاستخدام في الوقت الحاضر ففي جهات السهل الساحلي تنشأ الحاجة إلى العمل الإضافي في (بيارات) بساتين الأثمار الحمضية خلال موسم القطاف الذي يبتدئ في شهر تشرين الأول وينتهي في شهر نيسان ويجذب من القرى العربية عمالاً مؤقتين.

وحتى في أيامنا الحالية لا يزال الرخص النسبي في الأجور العربية يؤدي إلى إقبال أصحاب الأعمال اليهود إقبالاً محسوسًا على استخدام العمال العرب بالرغم مما يحاوله المتحيزون من جعل العمل في المزارع اليهودية مقصورًا على العمال اليهود دون سواهم. ويجب ألا ننسى أن العرب يملكون نحوا من 56.000 دونم من مجموع الأراضي المغروسة بالأشجار الحمضية في الدولة اليهودية المقترحة وقد قال لنا الشهود اليهود إن هجرة العمال العرب الوقتية إلى الدولة اليهودية ستحظر. وليس في وسعنا أن نعين عدد العمال العرب الذين يستخدمون استخدامًا وقتيًا في بيارات البرتقال والذين ستقع أماكن إقامتهم خارج الدولة اليهودية وليس لدينا إحصاءات بهذا الشأن. ولكننا نعتقد أننا لا نبالغ إذا قلنا إن كثيرين من سكان القرى العربية الواقعة خارج تلك الدولة سيحرمون بعد التقسيم هم وعائلاتهم من وسيلة هامة من الوسائل الإضافية لكسب الرزق وسيكون لفقدهم ذلك المورد من الرزق أثر خطير في حالتهم الاقتصادية..

4 - ازدياد السكان:

تبين لنا في الفصل الثالث أنه بالنظر لمعدل الزيادة الطبيعية الخارقة للعادة الذي ازداد به عدد السكان العرب تحت حكم الانتداب يمكن منذ الآن القول بأن الحالة الاقتصادية لهؤلاء السكان ستتعرض في المستقبل للخطر ما لم يحدث أحد التطورات التالية: كارتفاع مستوى الزراعة بحيث تصبح الأرض قادرة على أن تعيل عددًا أكبر من السكان أو ازدياد الأعمال الصناعية وبذلك تتاح الفرصة للاستخدام الثانوي أو تحديد عدد العائلة (تحديد المواليد) أو النزوح عن البلاد وإذا نفذ التقسيم تظل الحالة الاقتصادية في الدولة العربية مهددة بالأخطار نفسها ويقل في الوقت نفسه احتمال وقوع أي تحسن في تلك الحالة لدى وقوع أي أمر من الأمرين الأولين المذكورين ويحرم العرب بعد التقسيم من فرصة إيجاد عمل إضافي في الدولة اليهودية كما أن وقوع تحسن في مستوى الزراعة سيكون بعيد الاحتمال إذ لن يتيسر بعد التقسيم المال اللازم لمثل هذا التحسين. ثم إنه ليس من المحتمل أن يلجأ العرب إلى تحديد المواليد أو أن يقل معدل الزيادة الطبيعية في سكان الدولة العربية من جراء أي ارتفاع محسوس في معدل الوفيات ينشأ عن تخفيض مستوى الخدمات الإدارية تخفيضًا كبيرًا. وفى الواقع أنه إذا أرغمت الدولة العربية على الاعتماد على مواردها الخاصة اعتمادًا كليًا ولم يقدم أحد من سكانها على المهاجرة فقد يتوقع حصول ارتفاع في معدل الوفيات مع مرور الزمن بسبب التزاحم على وسائل المعيشة. ولكنه يحتمل قبل ذلك أن يؤدي هذا التزاحم المتزايد إلى حمل فضلة السكان على الاعتماد أكثر فأكثر على مناطق الانتداب المجاورة في سبيل إيجاد عمل إضافي لهم وسيتوقف مقدار هذا العمل الإضافي من حين إلى آخر على مقدار رؤوس الأموال التي يأتي بها المهاجرون اليهود إلى تلك المناطق وبالتالي على التقلب بين الرخاء والضيق الناشئ عن سياسة الهجرة اليهودية بوجه عام.

نخرج من هذه الملاحظات بالاستنتاجات التالية:

( أ ) ليس هنالك من سبب يدعو إلى الافتراض بأن المعدل الحالي للزيادة الطبيعية في عدد السكان المسلمين في الدولة العربية سينخفض بعد التقسيم إلا إذا وقعت مجاعة حقيقية وأسفرت عن زيادة معدل الوفيات.

(ب) وبسبب هذه الزيادة المستمرة في عدد السكان ستصبح الحالة الاقتصادية في الدولة العربية إذا تركت وليس لها سوى مواردها الخاصة على شفا الخطر ويزداد خطرها بمرور الزمن.

(جـ) وذلك من شأنه أن يضاعف الحاجة إلى تهيئة السبيل لإيجاد عمل إضافي للسكان العرب الزائدين في المناطق المنتدب عليها.

(د) ولكن هذا العمل لا يمكن تهيئته بمقدار كافٍ إلا بواسطة رؤوس الأموال اليهودية التي يأتي بها المهاجرون اليهود إلى المناطق المنتدب عليها. ولذلك فإن من صالح العرب أنفسهم إفساح المجال لهذه الهجرة بل والعمل على تشجيعها على أن تكون خاضعة للإشراف الذي اقترحناه في الفصلين الثالث عشر والرابع عشر ويلوح لنا أننا لا نخالف الواقع إذا قلنا إن العرب المقيمين خارج الدولة اليهودية سيجابهون في حالة توقف إعمار المناطق المنتدب عليها من جراء إيقاف الهجرة مشاكل اقتصادية أشد هولاً من المشاكل التي يحتمل أن يجابهوها لو فسح المجال لاستمرار الهجرة مقيدة بالشروط المقترحة في ذينك الفصلين.

(هـ) ومن المحتمل كما أشرنا في الفقرة (501) أن يؤدي تشابك العلاقات الاقتصادية القائمة بين الدولة العربية والمناطق المنتدب عليها من الجهة الواحدة والدولة اليهودية من الجهة الأخرى ذلك التشابك الذي لا مندوحة عنه بعد التقسيم إلى رد فعل سيئ في الدولة العربية ومناطق الانتداب عندما يحدث الضيق المحتوم في الدورة الاقتصادية للدولة اليهودية التي ستجابه حالة رخاء يعقبها أزمة. وكلما ازداد اعتماد الدولة العربية على المناطق المنتدب عليها من الناحية الاقتصادية ازداد خطر ذلك التأثير على حكومة المناطق المنتدب عليها وبالتالي على حكومة المملكة المتحدة نفسها.

وإذا نظرنا إلى جميع هذه الأمور بعين الاعتبار لا نجد بدًا من القول إننا غير قادرين على التوصية بحدود للمناطق المقترحة من شأنها أن تنطوي على أمل معقول بإنشاء دولة عربية وأخرى يهودية تكون كل منهما في النهاية قادرة على سد نفقاتها بذاتها مادمنا ملزمين بعدم تجاوز شروط اختصاصنا. ولكننا لا نعتقد أن إنهاء تحقيقنا بمجرد استنتاج سلبي يتفق ورغباتكم أو الصالح العام.

ولذلك رأينا أن نسير في طريقنا خطوة أخرى وإن كنا نتجاوز بذلك شروط اختصاصنا من إحدى نواحيها.

ولذلك فإنا نرى الآن أن حكومة جلالته قد ترى بدلاً من إهمال فكرة التقسيم بالمرة على اعتبار أنه غير عملي أن من الملائم أن تشترط لتنازلها عن الانتداب الحالي الذي لا يجوز إدخال تغيير عليه إلا بموافقة عصبة الأمم أن تكلف الدولتان العربية واليهودية بالدخول في اتحاد جمركي مع المناطق المنتدب عليها وفقًا للشروط التالية:

1 - تدير الحكومة المنتدبة مصلحة الجمارك لجميع فلسطين.

2 - تقرر الحكومة المنتدبة السياسة المالية للجمارك حسبما تستصوب بعد التشاور مع ممثلي كل من الدولة العربية والدولة اليهودية وبعد النظر بعين الاعتبار إلى مصالح ( أ ) جميع المناطق المشمولة بهذا الاتحاد و(ب) خزينة المملكة المتحدة ما دامت حكومتها تدفع إعانة مالية لتسديد العجز في ميزانية حكومة أي قسم من فلسطين. ويجب أن ينطوي هذا الترتيب على أن الحكومة المنتدبة لن تسير السياسة المالية للاتحاد على وجه ينيل التجارة البريطانية معاملة ممتازة.

3 - من النواحي الأخرى تكون الترتيبات المالية ما بين المناطق المختلفة مطابقة للقاعدتين ( أ ) و(ب) المقترحتين في الفصل الحادي والعشرين مع مراعاة التعديلات التي قد يقرر إدخالها فيهما عن طريق المفاوضة بين حكومة جلالته وممثلين عن العرب واليهود.

ومما لا ريب فيه أن الدول التي تنشأ خاضعة لمثل هذه الشروط وتكون محرومة من حق تقرير سياستها المالية لا تكون بالطبع دولاً ذات سيادة واستقلال بالمعنى الذي قصدته اللجنة الملكية. وكذلك لا نستطيع أن نعتبر حتى الترتيب الذي يوضع على هذا الأساس موضعًا لرضاء خزينة حكومة جلالته رضاء تامًا لأن الحسابات التي أجريناها ليست على كل حال سوى حسابات تقديرية مبنية على الحدس واستمرار أية قاعدة تتفق عليها ينبغي أن يعتبر أمرًا غير محقق كما أن المبلغ الذي لابد من مطالبة البرلمان بتخصيصه كإعانة لتسوية العجز في ميزانية المناطق المنتدب عليها (بما في ذلك ما دعوناه " بالحصة الإضافية " للدولة العربية) سيزيد في بادئ الأمر على مليون جنيه. وخير ما نرجوه هو التوصل إلى وضع ترتيب يمكن من تقديم هذه الإعانات على وجه يكون أقل مما يمكن تعرضًا لاعتراضات الدستورية كما سبقت الإشارة إلى ذلك في الفصل الحادي والعشرين ومما لا شك فيه أن ترتيبًا كهذا من شأنه أن يزيد في احتمال وقوع الخطأ الذي وصفناه في الفقرة (500) وهو أن كل أزمة اقتصادية تحل في الدولة اليهودية من جراء سياسة الهجرة اليهودية قد يمتد أثرها إلى الدولة العربية والمناطق المنتدب عليها ويؤدي إلى إحداث أسوأ تأثير في أنظمتها المالية والاقتصادية ولكن إذا أريد اللجوء إلى التقسيم لا بد من قبول هذا الخطر عظم أم صغر فهذا الخطر ليس بالإمكان إزالته بالمرة بيد أننا مع مراعاة هذه التحفظات نرى أنه يمكن أن يقال الآن بأن الاحتياجات المالية والاقتصادية للدولتين العربية واليهودية قد وفيت على وجه مُرْضٍ ونرى أنفسنا مستعدين للقول مع اعتبار التحفظات الآنفة الذكر إن الحدود التي أوصينا بها في المشروع (ج) تنطوي على أمل معقول بأن تنشأ دولة عربية وأخرى يهودية تكون كل منهما في النهاية قادرة على سد نفقاتها بذاتها. وعندما يبقى على حكومة جلالته أن ترى رأيها إذا اعتبرت مشروع التقسيم الذي عرضناه عادلاً وعمليًا من النواحي الأخرى في أفضلية قبول المسؤولية المالية التي يتضمنها أم رفض التقسيم بالمرة واللجوء إلى طريقة أخرى بدلاً منه.

وقبل ختام هذا الفصل من تقريرنا نضيف ملاحظتين وجيزتين:

1 - إذا قررت حكومة جلالته أن ترتيبًا كهذا من شأنه أن يهيئ حلاً مرضيًا لمشاكل التقسيم المالية والاقتصادية كان في ذلك ما يغري على السير خطوة أخرى ووضع حل مشابه لهذا الحل بشأن بعض المشاكل الإدارية التي ألمحت إليها في سياق بحثنا وإذا احتفظت الدولة المنتدبة بإدارة المواصلات بين المقاطعات - من سكك حديدية وبريد وتلغراف (بما في ذلك التليفونات) ولو كان ذلك خلال خمس سنوات في بادئ الأمر فإننا نرى أن هذا يكون بلا ريب أنفع للجمهور من تقسيم تلك المصالح بين ثلاث إدارات. ولكننا ندرك أنه ليس من الممكن لأسباب سياسية أن تخص مصلحة الإذاعة اللاسلكية بمنطقة واحدة إلا باتفاق الدول ذات الشأن.

2 - وإذا أريد وضع اصطلاح لوصف الإجراء الدستوري الذي اقترحناه فقد تكون عبارة (التحالف الاقتصادي) وافية بالمرام. وقد استعمل هذا الاصطلاح فعلاً شاهد يهودي درس الموضوع دراسة خاصة. ولما سئل ذلك الشاهد نفسه لماذا لا يرضى بأن تقام الدولتان طبقًا لمشروع التقسيم ومن ثم يترك لهما أمر الدخول في تحالف اقتصادي إذا رغبتا في ذلك أجاب قائلا: " إنني موقن بأن ذلك سيكون عبارة عن سياسة انتحار فأول أمر لابد من وقوعه حتمًا هو أن تتجه الدولة العربية نحو دمشق وبغداد بدلاً من اتجاهها نحو القدس وحيفا ". وهذا تعليق حافل بالمعاني.

ونحن لا نود مطلقًا عرقلة حركة تؤدى إلى تقوية الاتحاد بين الدولة العربية والأقطار العربية الأخرى ولكننا موقنون بأنه إذا حدث شيء من ذلك كان في صالح الدولة اليهودية أن يفسح لها المجال للانضمام إلى تلك الحلقة السياسية والاقتصادية نفسها.

ويبدو لنا أن من فوائد المشروع الذي اقترحناه قبل قليل أن تنفيذ مثل هذا الترتيب إذا سبقه ضم المناطق التي تتألف منهما فلسطين وشرق الأردن في اتحاد جمركي يكون أسهل بكثير منه إذا كانت منفصلة اقتصاديًا هذا إذا كانت الحالة السياسية تواتي مثل هذا التطور. على أن الفطنة تقضي بأن يسار في الأمر بتؤدة على سبيل التجربة وأن يشجع الفرقاء على التعاقد على اتفاق اقتصادي كخطوة أولى أما الانتقاد الذي كثيرًا ما وجه ضد التقسيم من أنه سير إلى القهقرى لدى اعتباره مجرد سياسة نظرية ففيه ما فيه من القوة، ولسنا نجرؤ على التنبؤ بأن التحالف الاقتصادي سيؤدي في النهاية إلى حلف سياسي ولكن ذلك إن وقع لن يكون موضعًا للدهشة والاستغراب وفي الوقت ذاته نعتقد أن كلاً من اليهود والعرب قد يشعرون بعد ما حدث في العام الماضي من نزاع مُضْنٍ مرير بالميل إلى تحبيذ مشروع يقضي ببقاء فلسطين وحدة غير مجزأة في جهة واحدة على الأقل أي أن تظل مرتبطة باتحاد جمركي ونظام مشترك للمواصلات.

الخاتمة:

وفي وسعنا الآن أن نلخص الموقف فنقول إن مسألة كون التقسيم قابلاً للتطبيق على اعتبارات عملية وسياسية فالاعتبارات العملية تتعلق بصورة خاصة بالمالية والاقتصاد. والصعوبات الإدارية كبيرة ولكن إذا توفرت الإدارة لإيجاد حل لا يمكن أن يقال إنها لا تذلل. غير أن الصعوبات المالية والاقتصادية التي وصفناها في هذا الفصل وهى من نوع لا نستطيع معه أن نجد ضمن نطاق شروط اختصاصنا حلاً ممكنًا لتذليلها ولكننا بدلاً من أن نقر بعجزنا عن استنباط أي مشروع عملي اقترحنا في الفقرة (506) شكلاً معدلاً للتقسيم على إدارة شؤونهما المالية أنه يصلح بعد مراعاة بعض التحفظات لأن يكون أساسًا للتسوية إذا كانت حكومة جلالته مستعدة لتحمل ما ينطوي عليه من التبعة المالية الكبرى.

وبعد ذلك تبقى الصعوبات السياسية. إننا لا نستطيع أن نتجاهل أن أحد الفريقين أو كليهما يمكن أن يرفض التقسيم مهما كان شكله. وليس من واجبنا باعتبارنا لجنة مهمتها البحث في الحقائق أن نشير بما يقتضي عمله في تلك الحال.

ولكن احتمال قبول الفريقين بتسوية معقولة لا يزال قائمًا. ومع أنه لا يسعنا أن نعتمد على إمكان ذلك فقد أوردنا المقترحات التي أدرجناها في هذا الفصل آملين أن تكون أساسًا لتسوية تأتى عن طريق المفاوضة.

بيان من قبل حكومة جلالته في المملكة المتحدة 9 تشرين الثاني سنة 1938

كانت اللجنة الملكية التي ترأسها المرحوم الإيرل بيل قد نشرت تقريرها في شهر تموز سنة 1937 واقترحت حلاً لمعضلة فلسطين بواسطة مشروع للتقسيم تنشأ بموجبه دولة عربية مستقلة وأخرى يهودية بينما تحتفظ بالمناطق الأخرى تحت إدارة الدولة المنتدبة. وقد أعلنت حكومة جلالته في المملكة المتحدة في بيان خطتها السياسية الذي أصدرته على أثر نشر تقرير اللجنة الملكية موافقتها العامة على الحجج التي أدلت بها اللجنة الملكية والاستنتاجات التي توصلت إليها وأعربت عن رأيها أن مشروع للتقسيم يقوم على الأسس العامة التي أوصت بها اللجنة الملكية قد يكون فيه أفضل وأنجح حل للمأزق.

وقد وضع اقتراح اللجنة الملكية على ضوء المعلومات التي كانت متيسرة في ذلك الحين وما اعترف به بصورة عامة أن من الواجب إجراء تحقيق مفصل قبل أن يتسنى اتخاذ قرار فيما إذا كان مثل هذا الحل سيثبت كونه عمليًا. وقد كان هذا الاقتراح موضع البحث فيما بعد في البرلمان وفي اجتماعات لجنة الانتدابات الدائمة ومجلس عصبة الأمم وهيئة اللجنة الملكية وتلقت حكومة جلالته عندئذٍ تفويضًا بأن تبحث فيما إذا كان من الممكن تطبيق مبدأ التقسيم تطبيقًا عمليًا. ثم أعربت حكومة جلالته في رسالة وجهها وزير المستعمرات إلى المندوب السامي بتاريخ 23 كانون الأول سنة 1937 عن رغبتها في القيام بالتحقيقات الإضافية الضرورية لوضع مشروع آخر يكون أكثر دقة وأعم تفصيلاً وذكر في تلك الرسالة أن القرار النهائي لا يمكن وضعه بعبارات عامة مجردة وأن القيام بتحقيق آخر قد يهيئ المواد اللازمة للحكم عند وضع الأسس لأفضل مشروع ممكن للتقسيم فيما إذا كان ذلك المشروع عادلاً وعمليًا.

وقد أوضحت تلك الرسالة أيضًا مهام واختصاص اللجنة الفنية التي انتدبت لزيارة فلسطين وتقديم اقتراحات لحكومة جلالته بعد قيامها بالتحقيق المقتضى فيما يتعلق بهذا المشروع المفصل.

إن حكومة جلالته قد تلقت الآن تقرير لجنة تقسيم فلسطين بعد أن قامت هذه اللجنة بالتحقيقات التي انتدبت لها بمقتضى الدقة والكفاءة وجمعت من المواد ما قد يكون عظيم القيمة لدى استزادة البحث في الخطة السياسية.

وقد نشر تقرير اللجنة الآن مع خلاصة للاستنتاجات التي توصلت إليها. ومما هو جدير بالذكر أن الأعضاء الأربعة قد أوصوا برفض مشروع التقسيم الذي رسمته اللجنة الملكية بإجماع الرأي. وقد تضمن التقرير بالإضافة إلى مشروع اللجنة الملكية البحث في مشروعين آخرين أشير إليهما بالمشروع (ب) والمشروع (ج) وقد حبذ أحد أعضاء اللجنة المشروع (ب) بينما أن عضوين آخرين من أعضائها أحدهما الرئيس اعتبر المشروع (ج) خير مشروع للتقسيم يمكن للجنة استنباطه بموجب شروط اختصاصها. أما العضو الرابع فقد وافق على المشروع (ج) باعتباره أفضل مشروع يمكن استنباطه بموجب شروط اختصاص اللجنة ولكنه اعتبر كلا المشروعين غير عمليين. ومما أوضحه التقرير أن ميزانية الدولة اليهودية قد تنجلي عن وفر ضخم بموجب أي مشروع من المشروعين في حين أن ميزانية الدولة العربية (بما فيها شرق الأردن) وميزانية مناطق الانتداب قد تنجلي عن عجز كبير.

أما التوصية التي تقدمت بها اللجنة الملكية وقالت فيها بوجوب دفع الدولة اليهودية إعانة مالية إلى الدولة العربية مباشرة فقد ردتها لجنة التقسيم باعتبار أنها غير عملية. ومن رأي اللجنة أن إنشاء اتحاد جمركي بين الدولتين العربية واليهودية ومناطق الانتداب من الأمور التي لا مفر منها لأسباب اقتصادية.

وقد بحثت اللجنة في إمكان إيجاد حل للمشاكل المالية والاقتصادية التي ينطوي عليها التقسيم بواسطة مشروع يبنى على مثل هذا الاتحاد. ومن رأيها أن كل مشروع كهذا لا يتفق مع منح الاستقلال المالي للدولتين العربية واليهودية وتوصلت إلى الاستنتاج أنه لو كان من المترتب عليها أن تتمسك بحرفية شروط اختصاصها لما وجدت مناصًا من أن تقرر أنها لم تتمكن من الإيصاء بحدود للمناطق المقترحة من شأنها أن تنطوي على أمل معقول بإنشاء دولة عربية وأخرى يهودية تكون كل دولة منهما قادرة في النهاية على سد نفقاتها بذاتها.

وقد قر رأى حكومة جلالته بعد إنعام النظر والتدقيق في تقرير لجنة التقسيم أن هذا التحقيق الإضافي قد أظهر أن الصعاب السياسية والإدارية والمالية التي ينطوي عليها الاقتراح القائل بإنشاء دولة عربية مستقلة وأخرى يهودية مستقلة هي عظيمة لدرجة يكون معها هذا الحل للمعضلة غير عملي.

ولذلك فإن حكومة جلالته ستواصل الاضطلاع بمسؤولياتها في حكم فلسطين بأجمعها وهي تواجه الآن مشكلة إيجاد وسائل أخرى تمكنها من تلافي ما تطلبه الحالة الشاقة التي أتت اللجنة الملكية على وضعها وتكون متفقة مع الالتزامات المترتبة عليها نحو العرب ونحو اليهود. وتعتقد حكومة جلالته أن هذه الوسائل ليس من المتعذر إيجادها.

لقد تسنى لحكومة جلالته أن تدرس المعضلة درسًا وافيًا على ضوء تقرير اللجنة الملكية وتقرير لجنة التقسيم ومن الجلي أن الوصول إلى تفاهم بين العرب واليهود هي من أثبت الأسس لإقامة دعائم السلام والتقدم في فلسطين. إن حكومة جلالته مستعدة بادئ ذي بدء أن تبذل جهدًا أكيدًا لترويج مثل هذا التفاهم. وتحقيقًا لهذه الغاية تنوي أن توجه الدعوة في الحال إلى ممثلين عن عرب فلسطين والدول المجاورة من الجهة الواحدة وعن الوكالة اليهودية من الجهة الأخرى للتداول معهم في أقرب فرصة ممكنة في مدينة لندن حول السياسة المقبلة بما فيها مسألة الهجرة إلى فلسطين. أما فيما يتعلق بتمثيل عرب فلسطين في هذه المباحثات فإن حكومة جلالته يجب أن تحتفظ لنفسها بحق رفض قبول الزعماء الذين تعتبرهم مسؤولين عن حملة الاغتيال والعنف.

وتأمل حكومة جلالته أن تساعد هذه المباحثات التي ستُجْرَى في لندن إلى الوصول إلى اتفاق حول السياسة المقبلة المتعلقة بفلسطين غير أنها تعلق أهمية كبرى على الوصول إلى قرار بهذا الشأن في القريب العاجل فإذا لم تسفر مباحثات لندن عن الوصول إلى اتفاق خلال مدة معقولة من الزمن فإن حكومة جلالته تتخذ قرارها الخاص على ضوء درسها للمعضلة ومباحثات لندن تم تعلن السياسة التي تنوي اتباعها.

ولن يغرب عن بال حكومة جلالته لدى النظر في سياستها ووضع أسسها الصفة الدولية التي ينطوي عليها الانتداب الذي عهد به إليها والالتزامات المترتبة عليها في ذلك الصدد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

رد اللجنة العربية العليا على تقرير لجنة وودهيد وبيان الحكومة البريطانية

15/ 11/ 1938

اطلعت اللجنة العربية العليا على الخلاصة الرسمية لتقرير لجنة التقسيم وعلى بيان الحكومة البريطانية الذي أذيع يوم 10 تشرين الثاني سنة 1938.

تقرير لجنة التقسيم:

1 - وأما تقرير لجنة التقسيم فقد جاء أسوأ خاتمة لسياسة اللجان الفاشلة ومن دواعي الأسف الشديد والعبث بالأفهام أن ذلك التقرير يعتبر فلسطين وهي البلد المقدس والوطن العربي الصميم والرقعة الصغيرة من الأرض قابلة لكل ما اشتمل عليه من تمزيق وتقطيع ومسخ وتشويه ومنح وتوزيع. على أن هذه القابلية كانت عند لجنة التقسيم نفسها نظرية محضة فلما وصلت إلى تحديد الحدود وتعيين التخوم وقعت في حيرة وارتباك وحسبنا أن مشروع التقسيم هذا قد ولد ميتًا حتى أن الحكومة البريطانية نفسها انتهت بعد التدقيق وإنعام النظر إلى أن إنشاء دولتين في البلد الواحد هو حل غير عملي.

واللجنة العربية العليا تأسف أشد الأسف لتأخر الحكومة البريطانية في الاقتناع بهذه الحقيقة التي كانت واضحة منذ اليوم الأول ونتساءل بحرارة وألم من هو المسؤول عن هذه المصائب والويلات التي نزلت بالبلاد بسبب سياسة الحكومة التي أدت إلى مثل فكرة التقسيم؟ ومن هو المسؤول عن سياسة النار والحديد وأعمال التخريب والتدمير التي نكبت بها البلاد في هذا السبيل؟ وهل ستظل فلسطين بعد هذا كله عرضة لمثل تلك البرامج الخطرة التي تبتكرها المخيلات الصهيونية والاستعمارية فتندفع الحكومة البريطانية لتنفيذها؟.

إن هذه النتيجة العقيمة الفاسدة لسياسة التقسيم إنما أدت إليها تلك المقدمات الباطلة وهي محاولة خلق حق لليهود في فلسطين العربية وإنشاء وطن قومي يهودي في صميم الوطن العربي. فإن كل ما يُبْنَى على الباطل فهو باطل وكل محاولة أخرى لترويج باطل اليهود على حساب حق العرب لن يكون مصيرها في النهاية إلا مثل هذا المصير الفاشل.

بيان الحكومة البريطانية:

2 - وأما بيان الحكومة البريطانية فإن الشعب العربي يقابل بارتياح عدول بريطانيا عن سياسة تقسيم فلسطين واقتناعها بأن هذا التقسيم غير عملي وهو يرجو أن تكون قد اقتنعت بأنه غير عادل أيضًا، وأقلعت نهائيًا عن التفكير في أي شكل من أقسام التقسيم أو ما يماثل التقسيم مما كان موضوع البحث في وقت من الأوقات.

والشعب العربي يبدى ارتياحه أيضًا إلى أخذ الحكومة البريطانية بخطة المفاوضة واقتناعها بأن قضية فلسطين يجب أن تحل سياسيًا لا حربيًا والى اشتراك الأقطار العربية لحل قضيته التي طال عليها الأمد ويعتبر ذلك إقرارًا بالحقيقة الثابتة من أن قضية فلسطين هي قضية عربية عامة غير أن اللجنة العربية العليا تستغرب وتستنكر إقصاء الحكومة البريطانية لسوريا ولبنان من الدعوة إلى المفاوضات مع كونهما شديدتي الارتباط والاتصال بفلسطين وقضيتها متذرعة بحجة أنهما تحت الانتداب في حين أنها وجهت الدعوة إلى حكومة شرق الأردن التي هي تحت الانتداب البريطاني.

3 - واللجنة العربية العليا لا تقر الحكومة البريطانية على قولها في بيانها " إنها تواجه مشكلة إيجاد وسائط لحل القضية تكون متفقة مع الالتزامات المترتبة عليها نحو العرب واليهود " لأن الشعب العربي لا يعترف بشرعية التزامات بريطانيا نحو اليهود لأنها قائمة على الغضب والعدوان ولأنها التزامات على حساب الغير.

إن اللجنة الملكية البريطانية أثبتت في تقريرها أن التزامات بريطانيا نحو العرب أو اليهود هي التزامات متناقضة ولا يمكن التوفيق بينها. وتابعتها الحكومة البريطانية على هذا القول في بيان خطتها السياسية التي صحبت إعلان التقرير وفي تصريحات ممثلها في " عصبة الأمم " فالعودة الآن إلى محاولة التوفيق بين تلك الالتزامات المتناقضة لا يمكن أن تؤدي إلى نتيجة وتعليق حل القضية على هذا التوفيق إنما هو تعليق على المحال وضرب جديد من التعقيد والإشكال. وإن الشعب العربي لا يمكن أن يوافق على اعتبار الالتزامات البريطانية لليهود القائمة على الغصب الباطل أساسًا في قضيته ولا على اعتبارها أساسًا في هذه المفاوضة.

4 - وتقول الحكومة البريطانية إن الوصول إلى تفاهم بين العرب واليهود هو من أثبت الأسس لإقامة دعائم السلام والتقدم في فلسطين واللجنة العربية العليا ترى أن هذا التفاهم لا يمكن أن يتم ما دام اليهود متشبثين بأطماعهم الباطلة في فلسطين فإذا كان المقصود من التفاهم أن يعيش اليهود بين العرب براحة وسلام فإن ذلك ميسور لهم على أساس الميثاق القومي للشعب العربي الذي هو وحده صاحب الحق الشرعي في بلاده. أما دعوى اليهود في هذا الوطن فهي باطلة لا تستند إلى أساس صحيح ولا تقوم على غير الأوهام والخيالات ولا يؤيدها غير الحراب البريطانية وإن القول الفصل في قضية كهذه يجب أن يكون للحق والعدل فحسب.

5 - تعلن الحكومة البريطانية في بيانها عزمها على دعوة ممثلين عن الشعب العربي الفلسطيني والدول العربية المجاورة إلى لندن للمفاوضة في سياسة فلسطين المقبلة دون أن تعين أساسًا لتلك المفاوضة. فاللجنة العربية العليا تقول بهذه المناسبة إن للعرب ميثاقًا يتلخص في منع الهجرة اليهودية منعًا باتًا وأن يستبدل بالانتداب معاهدة تنشأ بموجبها حكومة وطنية مستقلة.

وهذا الميثاق قد أيدته الهيئات والمؤتمرات والحكومات العربية ولا يمكن للعرب أن يتراجعوا عنه لأنه الضمان الوحيد لكيانهم وحقهم الشرعي في بلادهم ولأنه مستوحى من طبيعة ذلك الحق الشرعي فضلاً عن كونه يشتمل على أقصى ما يمكن من التسامح مع اليهود. وقد جرت العادة أن أية مباحثة لحل قضية ما يجب أن تعين أسسها قبل توجيه الدعوة ولا سيما في قضية كقضية فلسطين فيها دعوى باطلة ما يزال أصحابها اليهود يغذون أنفسهم بالأحلام والمطامع ويستندون فيها إلى القوة الغاشمة والدعاية المضللة.

وتأسف اللجنة أشد الأسف ألا ترى في بيان الحكومة البريطانية شيئًا من هذا يدعو إلى الطمأنينة والأمل وتخشى أن يكون هذا الإيهام عاملاً في عقم نتيجة الدعوة وفشل المفاوضات وأن يكون مقصودًا منها الآن لتنفرد الحكومة البريطانية بفرض الحل الذي تريده هي والذي يخشى أن يكون سببًا في طول عهد الشقاء الذي يخيم على ربوع البلاد المقدسة.

وأما بشأن دعوة الحكومة البريطانية الوكالة اليهودية للمفاوضة في السياسة المقبلة فإن الشعب العربي لا يوافق على اعتبار اليهود طرفًا في قضيته ولا يدخل وإياهم في مفاوضة على مصيره.

6 - وقد أعلنت الحكومة البريطانية في بيانها احتفاظها لنفسها بحق رفض قبول زعماء العرب الذين تعتبرهم مسؤولين عن حملة الاغتيال والعنف فاللجنة العربية العليا تبادر إلى إعادة ما أشارت إليها مرارًا من أن مسؤولية الاضطرابات أولاً وآخرًا إنما تقع في الحقيقة على الحكومة البريطانية وسلطاتها في فلسطين. فالشعب العربي لم يطلب إلا حقه الطبيعي في بلاده. والسلطات البريطانية هي التي كانت في كل موقف من مواقف مطالبته بهذا الحق تعتدي عليه وتحاول سحقه وتصم أذنيها عن سماع أنينه وصراخه وتستفزه بتصرفاتها الهوجاء وسياستها العوجاء فليس من المنطق والحق في شيء أن يتحمل هو أو يتحمل زعماؤه مسؤولية الاضطرابات التي دفع إليها دفعًا لأن الحكومة البريطانية لم تترك له وسيلة أخرى لإعلان استنكاره لتلك التصرفات والسياسة المنكرة التي أريد بها تسليط شذاذ الآفاق عليه وإذلاله في وطنه وإجلاؤه عنه في النهاية.

هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن اللجنة تتساءل عمن تقصد الحكومة البريطانية أن يكونوا ممثلين لعرب فلسطين من غير أعضائها ومفوضيها على حين تعلم الحكومة البريطانية حق العلم أن الشعب العربي أولى ثقته الغالية هذه اللجنة وحدها للدفاع عن حقه والعمل على تحقيق ميثاقه وأنه لا يوجد في فلسطين أية هيئة أخرى أو أفراد يستطيعون أن يدعوا تمثيل الشعب العربي في هذا الموقف كما أن اللجنة واثقة كل الثقة أن الحكومة البريطانية لن تجد من يتقدم إلى إجابة دعوتها مزودًا بأية ثقة من الشعب. واللجنة ترى أن في إعلان الحكومة البريطانية ذلك تعقيدًا آخر للقضية لأنها تريد أن تحول دون تمثيل عرب فلسطين تمثيلاً صحيحًا وصادقًا في مفاوضات يتعلق بها مصيرهم. وقد أثبتت الحوادث والتجارب في فلسطين وغيرها عقم هذا الأسلوب وبعده عن الحقيقة والصواب دائمًا.

فإذا كانت الحكومة البريطانية ترغب رغبة صادقة في حل هذه القضية وإنهاء عهد الشقاء والقلق في فلسطين فيجب عليها أن تنفض يدها عن الأساليب التي مارستها إلى الآن في معالجتها لهذه القضية وأن تواجه ما فيها من حقائق وأن تسلك سبيل الرشد والصواب وذلك بإعلانها قبول الميثاق العربي أساسًا للحل المقبل ومنع الهجرة اليهودية منعًا باتًا تمهيدًا للمباحثات وعدم استرسالها في الاتهامات وتحميل المسؤوليات جزافًا وعدم إصرارها على حرمان الشعب العربي من اختيار ممثليه الذين أولاهم ثقته وعهد إليهم بالدفاع عن حقوقه.

7 - وأخيرًا تصرح الحكومة البريطانية بأنها إذا لم تسفر مباحثات لندن عن الوصول إلى اتفاق فإن حكومة جلالته تتخذ قرارها الخاص. فاللجنة العربية العليا تلاحظ من الآن أن الحكومة البريطانية قد جعلت لهذه المباحثات مقدمات من شأنها تعقيد القضية فإذا تعذر الوصول إلى اتفاق فإن المسؤولية فيها تعود عليها وعلى اليهود واللجنة تعلن للعالم من الآن أنه في حالة كهذه لا يمكن للشعب العربي أن يقر أي حل يفرض عليه فرضًا بالقوة الغاشمة ولا يوصله إلى حقه الصريح، وسيظل في كل حال متمتعًا بالعطف والتأييد من العالمين العربي والإسلامي حتى يصل إلى حقه الكامل مؤيدًا بتوفيق الله القوي العادل.

8 - وبهذه المناسبة ترى اللجنة العربية العليا أن تعيد نشر الميثاق القومي العربي مرة أخرى فيما يلي:

أولاً: الاعتراف بحق العرب في الاستقلال التام في بلادهم.

ثانيًا: العدول عن تجربة إنشاء الوطن القومي اليهودي.

ثالثًا: إنهاء الانتداب البريطاني وأن يستبدل بمعاهدة مماثلة للمعاهدة البريطانية العراقية والمعاهدة البريطانية المصرية والمعاهدة الفرنسية السورية بموجبها تنشأ في فلسطين دولة ذات سيادة.

رابعًا: وقف الهجرة اليهودية وبيع الأراضي لليهود وقفًا تامًا والعرب على استعداد لمفاوضة الحكومة البريطانية مفاوضة تقوم على أسس مقبولة للاتفاق على الشروط التي تحفظ بها المصالح البريطانية المعقولة والاتفاق على الضمانات الضرورية للمحافظة على جميع الأماكن المقدسة وتأمين حقوق زيارتها وحماية جميع الحقوق المشروعة للسكان اليهود أو غيرهم من الأقليات في فلسطين.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

النص الكامل للبيان الذي ألقاه وزير المستعمرات في مجلس العموم

24 تشرين الثاني سنة 1938

أود أن أستهل بياني اليوم بالإعراب عن شكري لحضرات الأعضاء المحترمين في كافة أرجاء المجلس لما أظهروه من روح الصبر وضبط النفس وهم يرقبون حالة فلسطين المحزنة تزداد سوءًا شهرًا عد شهر. إنني أعلم أنه كان من السهل عليهم آن يضجروا وزير المستعمرات في وقت الأسئلة أو أن يلفتوا النظر بحدة وغضب إلى بعض وجوه الحالة بتقديم اقتراحات ولكن الأعضاء المحترمين أحجموا عن إتيان هذه الأمور ولم يكن إحجامهم هذا مبعثًا عن عدم اهتمامهم بما هو في فلسطين. فالمجلس يقدر المسؤوليات المترتبة عليه نحو فلسطين كما يقدر المسؤوليات المترتبة عليه نحو سائر أنحاء العالم ولكني أظن أن وقوف حضرات الأعضاء المحترمين هذا الموقف إنما يرجع إلى تقديرهم للمصاعب الخاصة والحالة الدقيقة التي نجابهها في تلك البلاد وإني لأرجو أن يكون في وسعي أن أناشد حضرات الأعضاء في أصيل هذا اليوم ونحن على أبواب الشروع في المحادثات مع ممثلي العرب واليهود في لندن أن يسيروا في هذه المناقشة سيرًا مقرونًا بالحكمة بحيث لا تخرج كلمة من أفواههم من شأنها أن تضير الآمال المعقودة على نجاح هذه المباحثات والخروج منها في النهاية باتفاق عربي - يهودي.

لقد كان من المتعذر خلال الأشهر الماضية بذل جهود إنشائية لتهدئة الحالة في فلسطين، وهذا مما يؤسف له كل الأسف ولكنه كان أمرًا لا مناص منه. فقد كان علينا أن ننتظر تقرير لجنة وودهيد ولذلك حصرنا كل اهتمامنا في بذل الجهود المادية لإعادة الأمن والنظام إلى تلك البلاد وقد حدث خلال أيام البطالة في الصيف التي لم يكن للعمال ما يشغلهم فيها في الحقول أن تمت حملة الاغتيال والعنف التي أشهرها الإرهابيون فأصبحت بمثابة ثورة عربية منظمة واسعة النطاق ضد السلطة البريطانية وتقوم القوات العسكرية وقوات البوليس الكبيرة الموجودة الآن تحت تصرف الحكومة بتوطيد سلطة الحكومة في جميع أنحاء البلاد بثبات وحزم. فقد أخرج الثوار منذ بضعة أسابيع من مدينة القدس القديمة وأخليت المدينة منهم. وأعيد توطيد سلطات الإدارة في مدينة يافا واحتلت جيوشنا أسوار مدينة أريحا ثانية دون نفخ الأبواق وأصبحت مدينة غزة ثانية تحت سيطرة الحكومة وفي هذا الأسبوع أخرجت العناصر المعادية من بئر سبع. فعملية إرجاع الأمن والنظام تسير في جميع أنحاء البلاد سيرًا مقرونًا بالثبات والمشقة.

إننا نعلم جميعًا أن بعض الدعاة من ذوي الأغراض قد أخذوا يكيلون التهم الشنيعة جزافًا لجنودنا وإنني أطلع على الشيء الكثير من هذا القبيل في وزارة المستعمرات ولكن لم يسبق لي قط أن وقفت على بينة تثبت هذه التهم بل على العكس من ذلك إن العالم بأجمعه يعلم أن احتلال مدينة القدس القديمة الذي جرى منذ بضعة أسابيع كان مثالاً للطريقة التي يستطيع فيها الجنود البريطانيون أن يقوموا بمنتهى النجاح بعملية عسكرية دقيقة في وسط جماعة من الأهلين المدنيين بصورة مستوفية للمبادئ الإنسانية بأكملها.

ولكن المشكلة الحقيقية في فلسطين ليست مشكلة عسكرية بل هي مشكلة سياسية. إن في استطاعة جيوشنا أن تعيد النظام إلى نصابه ولكنها لن تستطيع أن توطد أركان السلام. فذلك أمر يترتب على الحكومة وعلى هذا المجلس الاضطلاع به. إن بسط المشكلة القائمة في فلسطين هو أمر في غاية السهولة وقد أتت لجنة بيل على بيانها بصورة باهرة في تقريرها ولا حاجة لتغيير أية كلمة أو حرف من تحليل المعضلة كما ورد في تلك الوثيقة القيمة. إن فلسطين بلاد صغيرة ولكنها تعد عظيمة القدر من الناحية الروحية. فالصبغة الروحية التي تتصف بها لا تدانيها فيها أية بلاد أخرى في العالم؛ فهي تضم بعض الأماكن المقدسة للديانات العالمية الثلاث العظمى. ولكنها في غاية من الصغر من حيث المساحة وإن كانت تربتها خصبة وتعطي أثمارًا وافرة فإن أكثر أراضيها صخرية أو جبلية ومعظمها صحراوات مجدبة. تلك هي حالة هذا المسرح الصغير التي تمثل عليه اليوم فاجعة من أعظم الفواجع. والميدان يشتمل على فريقين متنازعين - فلنبدأ باليهود أولاً. إن فلسطين كانت موطنًا لهم منذ ألفي سنة ولكنهم منذ ذلك الزمن فرقوا وشتتوا في جميع أنحاء المعمورة. إنهم شعب لا بلاد له ولكن كثيرًا منهم استحث خطاه خلال السنوات العشرين الماضية راجعًا إلى فلسطين مستندًا إلى أحكام صك الانتداب الذي أيدته أكثر من خمسين دولة وعهد فيه إلى بريطانيا العظمى بإدارة البلاد. ولست اعتقد أن في وسع أي منصف أن يدعى أن بريطانيا العظمى لم تقم خلال هذه السنوات العشرين بما تقتضيه عليها التزاماتها من تسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين فمنذ سنة 1922 دخل فلسطين ما يزيد على ربع مليون يهودي واستوطنوها وكانت أعمالهم فيها موجبة للإعجاب فقد حولوا كثبات الرمال إلى بساتين للبرتقال وساروا في زراعتهم ومستعمراتهم شوطًا بعيدًا حتى أبلغوها الأراضي الجرداء الواقعة على الحدود. وبنوا مدينة جديدة تضم نحو 140 ألف نسمة في مكان لم يكن فيما مضى سوى شاطئ مقفر. ولا يستطيع الإنسان أن يتكهن عن المدى الذي كان من الممكن أن تبلغه أعمالهم لو كانت فلسطين خالية من السكان وسلمت إليهم بكاملها. إن اليهود الموجودين في فلسطين يقيمون فيها بناءً على حق وليس كمنة. أما الآن وقد أصبحوا عرضة للاضطهاد في أوربا الوسطى فإن رغبتهم في العودة إلى موطنهم الخاص قد تضاعفت مائة مرة عن ذي قبل. ولم تبلغ مأساة أي شعب من الشعوب التي لا وطن لها ما بلغته مأساة اليهود في هذا الأسبوع كما أن عطف مواطنينا وتلهفهم لصنع كل ما في وسعهم لمساعدة اليهود المضطهدين لم تبلغ قط مثل ما بلغته اليوم. ولكني آمل ألا ندع سبيلاً لشعور الاستقطاع الذي يملأ نفوسنا من جراء الكارثة التي جر إليها هذا الشعب فنمكن ذلك الشعور من التأثير على حكمنا الهادئ المنصف على المشكلة الصعبة في فلسطين اليوم.

وأراني مضطرًا إلى الإدلاء بكلمة على سبيل التحذير فإننا عندما وعدنا بتسهيل إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين لم نكن نتوقع قط أن يحدث هذا الاضطهاد الشديد في أوربا إننا لم نقطع على أنفسنا عهدًا يجعل تلك البلاد موطنًا لكل شخص يود أن ينجو من تلك الكارثة العظمى ولو أن فلسطين كانت خالية من شعب آخر بالمرة لما كان في استطاعة تربتها الفقيرة أن تعيل أكثر من جزء صغير من مجموع اليهود الذين يودون الفرار من أوربا. إن مسألة اللاجئين في أوربا الوسطى لا يمكن تسويتها على حساب فلسطين بل يجب أن تحل في ميدان أوسع كثيرًا من ذلك الميدان. وفي استطاعة فلسطين أن تساهم بالطبع في هذا المضمار وهي تقوم بنصيبها الآن فالمهاجرون اليهود يفدون إليها في هذه الأيام أسبوعًا بعد أسبوع بمعدل ألف مهاجر في الشهر على الرغم من الاضطرابات القائمة فيها. غير أن الوكالة اليهودية يهمها بطبيعة الحال نظرًا للحوادث الأخيرة أن تزداد الهجرة إلى فلسطين ازديادًا عظيمًا. وقد قابلت يوم اثنين مندوبين عن الوكالة المذكورة باحثًا في هذا الأمر فطلبت إليهما أن يقدما إليَّ مقترحاتهما الكاملة مزودة بالتفاصيل الدقيقة. وفي صباح هذا اليوم استلمت تلك المقترحات وستكون بالطبع موضع اهتمامي الدقيق كما أنني سأستنير برأي المندوب السامي بشأنها. غير أنني أرى لزامًا على أن أقول هذه الكلمة المخلصة على كل حال إن الحكومة كثيرًا ما اتهمت بأنها لا تسير على نور خطة سياسية معينة في فلسطين أو بأنها تضع سياسة لها ثم لا تلبث أن تحيد عنها وتغيرها.

لقد أعلنت الحكومة منذ مدة قليلة المرحلة التالية التي قَرَّ رأيها على اتباعها في سياستها وهذه السياسة تقوم على إجراء محادثات مع العرب واليهود في لندن ونحن عازمون على السير في عقد هذا المؤتمر. ولا يسعنا الآن أن نفعل شيئًا من شأنه أن يضير الآمال المعقودة على انتهاء تلك المحادثات بالنجاح والتوفيق فمن خير اليهود أنفسهم أن تكون السياسة المقبلة في فلسطين مبنية ما أمكن على اتفاق واسع المدى.

أما الشعب الآخر الذي يشمله هذا النزاع المرير في فلسطين فهو الشعب العربي. لقد عاش العرب في تلك البلاد منذ قرون عديدة ولم يؤخذ رأيهم عندما صدر وعد بلفور ولا عندما وضعت صيغة صك الانتداب. وقد كانوا خلال السنوات العشرين التي تلت الحرب الكبرى يرقبون هذا الاحتجاج السلمي الذي يقوم به شعب غريب ويرفعون عقيرتهم بالاحتجاج الصاخب بين الآن والآخر فقد شاهدوا تسرب أراضيهم من أيديهم وانتشار المستعمرات اليهودية انتشارًا مطرد الازدياد، في صميم البلاد. واضطروا إلى الاعتراف بتفوق ذلك الشعب عليهم في النشاط والمهارة والثروة، فأخذت تساورهم المخاوف. ففي سنة 1933 دخل فلسطين 30.000 يهودي وفي سنة 1934 دخلها 42.000 يهودي ثم بلغ عدد من دخلها منهم سنة 1935: 61 ألف شخص فتساءل العرب في عجب متى تقف هذه الهجرة الواسعة النطاق وهل ستقف يومًا ما عند حد أم تبقى مستمرة بلا نهاية؟ حتى أصبحوا يخشون أن يؤول مصيرهم في بلاد آبائهم وأجدادهم إلى الخضوع لسيطرة هذا الشعب الجديد النشيط من النواحي الاقتصادية والسياسية والتجارية.

فلو كنت أنا عربيًا لتولاني الذعر أيضًا. وإذا كان لنا أن نصل يومًا إلى إدراك كنه هذه المشكلة وقدر لنا أن نقوم بنصيبنا في إيجاد حل موفق لها وجب علينا أن نضع أنفسنا لا في موضع اليهود فحسب بل موضع العرب أيضًا.

إنني أعلم أن عددًا كبيرًا من الناس يعتبرون هذا الثوران العربي مجرد احتجاج تقوم به جماعة من العصابات وإنه لصحيح أن في عداد أولئك العرب الذين اشتركوا في الاضطراب برغبة طائفة ممن لا يحجم عن ارتكاب أسوأ الجرائم فالمذبحة التي مات فيها الأبرياء في طبريا وما قاموا به في عدد من الميادين التعسة الأخرى قد لوثت قضيتهم. ومن الحق أن يقال أيضًا إن كثيرين من المتصلين بهؤلاء إنما أتوا ذلك بفعل الإرهاب، ولكن في الحركة العربية ما يفوق ذلك بكثير. وإني أرى أن من واجب هذا المجلس المعروف بقدرته على تفهم الشعوب الأخرى أن يقدر أن الكثيرين من المشتغلين بالحركة العربية الفلسطينية إنما يشتغلون فيها بحافز من الشعور الوطني الصادق. ومهما بلغ بهم الخطأ ومهما بلغ بهم الضلال في الاسترشاد فإن الكثيرين منهم قد اضطروا إلى ركوب المخاطر والمجازفة بأرواحهم في سبيل بلادهم. (إنني أعلم أن الرواية لا تقف عند هذا الحد فهنالك أشياء أخرى كثيرة لابد من ذكرها إن أردنا أن نأتي على وصف تام وعادل للحالة. فهنالك سلسلة من الحقائق لها على الخصوص مكان كبير من الأهمية لا أرى مندوحة عن ذكرها. فإن أولئك الذين فكروا - قبل عشرين سنة - في إمكان تسهيل إنشاء وطن قومي لليهود كانت تحدوهم فكرة سامية وقد تحققت هذه الفكرة في هذه السنوات العشرين الأولى فبرزت للعيان على صورة عمل إنشائي باهر غير أنني أسائل نفسي في عجب أحيانًا: هل قيض لجميع أولئك الذين وضعوا أسس ذلك العمل الإنشائي العظيم أن يعلموا الحالة على حقيقتها في ذلك الزمن أي في سني 1917، 1918، 1919. كما أتساءل أيضًا في عجب هل كان هؤلاء يدرون حينذاك أنه بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط يقيم ما يزيد على 600.000 نسمة من العرب؟ أنا على ثقة من أنهم لم يكونوا ليعلموا على كل حال أن السكان العرب سيزدادون ازديادًا سريعًا بسبب اليهود وبسبب قدومهم إلى البلاد. فقد جاء اليهود وجاءوا معهم بالمال وأشغال العمران التي زادت في أسباب المعيشة والخدمات الصحية الحديثة التي لم تقتصر منافعها على اليهود فحسب بل تجاوزتهم إلى العرب أيضًا تفسح المجال لأفراد الناس حتى يعمروا طويلاً ويعيشوا في طمأنينة وازداد عدد السكان العرب في فلسطين ازديادًا سريعًا منذ سنة 1922 إذ كانوا يبلغون 600.000 نسمة فأصبحوا اليوم 990.000 نسمة وهذه الزيادة لا ترجع إلى هجرة الأشخاص من خارج البلاد بل تعزى كلها تقريبًا إلى النمو الطبيعي. وقد يكون من واجبي أن أضيف إلى ذلك أن الحسابات التقديرية تدل على أن مجموع السكان العرب في فلسطين البالغ عددهم الآن 990.000 سيكون مليونًا ونصف مليون خلال السنوات العشرين القادمة.

إن هذه السلسلة الباهرة الهامة من الحقائق تؤدي بنا إلى تكوين فكرتين: فمن شأنها بادئ ذي بدء أن تؤدي إلى قلب ما يقدر لعدد اليهود الذين يمكنهم أن يستوطنوا فلسطين دون إلحاق ضير بحقوق العرب ووضعهم. ولكن لهذه الحالة كما قلت ناحيتين فالناحية الأخرى منها هي أنه ليس بمستطاع للعرب أن يقولوا إن اليهود يجلونهم عن بلادهم وإني أعتقد أنه لو لم يدخل فلسطين يهودي واحد بعد سنة 1918 لكان عدد السكان العرب لا يزال حول 600.000 نسمة وهو الرقم الذي كان يستقر عليه عددهم في عهد الحكم التركي فبسبب مجيء اليهود وما جلبوه من الخدمات الصحية الحديثة والفوائد الأخرى يعيش الآن فريق من الرجال والنساء لولاها لكانوا في عداد الأموات.

وبسبب هذه الخدمات أيضًا أخذ أطفالهم يكبرون وتقوى أجسامهم ولولاها لما تنشق البعض منهم نسيم الحياة. لم تكن فائدة وعد بلفور مقصورة على اليهود فإن العرب جنوا منه فائدة كبرى فلعرب فلسطين أن ينكروا ذلك ما شاءوا ولكنهم جنوا بطبيعة الحال فائدة جليلة من وعد بلفور، وإني أعلم ألا فائدة ترجى من الإصرار على إقناع العرب بهذه الحجة فكلهم يعيرونها آذانًا صماء وعيونهم لا تبصر مشهد التحسن التدريجي الذي يتناول حياة شعبهم؛ لأنهم يفكرون في شيء آخر. إنهم يفكرون في حريتهم ويخشون أنه إذا استمرت الحال على هذا المنوال فإنهم سيخضعون في النهاية من الوجهة السياسية لسيطرة أبناء الوطن القومي اليهودي النشطين الجادين المستمرين في الازدياد.

إنني أقول إن من الواجب علينا نحن الشعب البريطاني أن يكون آخر شعب في العالم لا يدرك شعور العرب بهذا الشأن ذلك أننا نحن أنفسنا لن نحجم عن التضحية بالفوائد المادية حين نرى حريتنا مهددة. إنه لا يسعنا أن نضع اليهود تحت سيطرة العرب في فلسطين ولكننا ما لم نستطع أن نزيل المخاوف التي تساور العرب من أن يصبحوا تحت سيطرة اليهود فسيتحتم علينا أن نجابه شعبًا مرتابًا معاديًا ينتشر في منطقة واسعة الأرجاء من الشرق الأدنى وأن نضطر إلى إبقاء قسم كبير من جيشنا في فلسطين إلى أجل غير محدود. إن علينا التزامين خطيرين نحو الشعبين في فلسطين فنحن ملزمون بتسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين في أحوال ملائمة وتشجيع حق اليهود في الأراضي من الجهة الواحدة كما أننا ملزمون بأن نؤمن عدم إلحاق الضرر بحقوق العرب ووضعهم من الجهة الثانية. فكيف يمكننا التوفيق بين هذين الالتزامين بصورة عادلة سليمة ؟ هذه هي المشكلة التي لابد لنا من حلها. وهذا هو اللغز الذي يجب علينا أن نحله ونجد جوابًا له. إن لجنة بيل قد أوصت بتقسيم البلاد شافعة توصيتها بحجة منطقية وأن يفصل العرب عن اليهود لدرجة ما وأن تحقق رغبة كل منهما في الحكم الذاتي في أنحاء مختلفة من فلسطين مع إبقاء الأماكن المقدسة تحت الانتداب كمنطقة خاصة وهذا المجلس لم يلزم نفسه قط بإقرار تلك السياسة ولكن الحكومة قد قبلت بها مبدئيًا باعتبارها خير حل يرجى منه الخروج من ذلك المأزق. ولكنه كان لابد من إجراء تحقيق آخر للتثبت من إمكان تطبيق هذا المبدأ فأوفدت لجنة وودهيد إلى فلسطين للقيام بذلك التحقيق ومكثت هذه اللجنة في القدس مدة ثلاثة أشهر معرضة للأخطار وجابت البلاد من أقصاها إلى أقصاها يصحبها دومًا حرس مسلح وقد كانت قامت بما وكل إليها بشجاعة وبمنتهى الدقة والكفاءة. وقبل مدة وجيزة قدمت اللجنة تقريرها فتبين منه بوضوح أن التقسيم كما اقترحته لجنة بيل هو غير عملي كما تبين منه أيضًا أنه لو أردنا أن نقسم فلسطين إلى دولة يهودية ودولة عربية ومنطقة انتداب لانجلت ميزانية الدولة اليهودية عن وفر عظيم في كل سنة، بينما ميزانية الدولة العربية وميزانية الانتداب ستنجلي كل منهما عن عجز كبير عامًا بعد عام. وقد قالت اللجنة في تقريرها إن شروط اختصاصها لا تبيح لها أن توصي بحدود للمناطق المقترحة من شأنها أن تسفر عن أمل معقول بإمكان إنشاء دولة عربية وأخرى يهودية تكون كل منهما قادرة على سد نفقاتها بذاتها. وإني أعتقد أن ذلك مما يوجب الثناء على أعمال اليهود باعتبار أن الذين يعيشون وراء المستعمرات اليهودية لن يستطيعوا أن يحافظوا على نظام الحكم وعلى الخدمات الاجتماعية التي اعتادوها دون مساعدة اليهود المستمرة. فهذه الحالة أيضًا تقضي قضاءً مبرمًا على الاقتراح القائل بتقسيم فلسطين إلى دولتين ذواتي سيادة. ولذلك لم تتوان حكومة جلالته في إقرار هذا الأمر؛ فقر رأيها ألا يُعْطَى اليهود أي قسم من فلسطين لمد سيطرتهم عليه وألا يُعْطَى أي قسم آخر للعرب لمد سيطرتهم عليه. ولذلك أعلنت الحكومة بأنها ستواصل الاضطلاع بمسؤولياتها التي أشار إليها صديقي النبيل مستر تشرشل عندما قابلته في رواق البرلمان عقب إسناد وزارة المستعمرات إلى فلقد قال لي مرة إذ صادفني أصيل ذات يوم " لا تقسيم بل ثبات " غير أنه يترتب علينا أن نجد وسائل أخرى لتلافي ما تتطلبه الحالة غير المرضية القائمة في فلسطين ولقد لقيت مساعدة كبرى من عدد من المراسلين لدى بحثي هذه المعضلة فعشرات الرسائل ترد على وفي كثير منها حلول لهذا المشكل. ولكني أذكر أنني تلقيت رسالة تقترح نفس الاقتراحات التي تقترحها أية رسالة أخرى. وكثير من الرسائل لم تتضمن أي اقتراح بالمرة بل إن مرسليها كانوا يصرخون يائسين " هل ثمة حل لهذه المعضلة المخيفة؟ " أجل هنالك حل ولكني لا أعتقد أن تبعة ذلك الحل يجب أن تُلْقَى على عاتق الحكومة وحدها بل ينبغي أيضًا أن تُلْقَى على الفريقين الآخرين ذوي الشأن في هذه المسألة أي العرب واليهود، فعلى كل منهما أن يساهم في هذا السبيل وعلى كل منهما أن يبدي شيئًا من التسامح نحو الآخر، فإذا ما أظهروا رغبة في إجراء ذلك فعندئذ يعود السلام إلى البلاد ويعم الرفاء كلا الشعبين في فلسطين. وإني أعلم أن من الصعوبة بمكان كبير أن تخف حدة المرارة التي نمت بطبيعة الحال في كل جانب من الجانبين خلال الشهور التي تناولتها أعمال العنف وسفكت فيها الدماء.

وقد يخيل للمرء أن من المتعذر في الوقت الحاضر الوصول إلى أي اتفاق، ولكن الحكومة تعلق أملاً كبيرًا على تفاهم العرب واليهود إلى درجة تحفزها لبذل الجهود الجبارة للوصول إلى ذلك التفاهم.

إنه ليس من المتعذر على الأفراد العاديين من الشعبين العربي واليهودي أن يعيشا معًا مرتضين جنبًا إلى جنب في فلسطين، فكثير منهم قد فعل ذلك في أماكن عديدة في فلسطين حتى خلال الأوقات العصيبة هذه.

وليس من الصعب على زعماء العرب واليهود أن يصلوا إلى اتفاق فيما بينهم، فلقد مرت قبل عشرين عامًا برهة ظهر فيها أن مثل هذا الاتفاق لم يكن ممكنًا فحسب بل في حيز الوجود. فلقد عبر عندئذٍ الدكتور وايزمان بالنيابة عن الجمعية الصهيونية نهر الأردن وقابل الأمير فيصل في سرادقه المضروب في الصحراء يحيط به مضيفوه العرب وبعد أشهر وقع هذان الرجلان اتفاقًا يتعلق بفلسطين.

فإلى مثل هذه الصلة بين العرب واليهود نود أن نعود الآن. ولذلك اقترحت الحكومة إجراء المباحثات في لندن وستُجْرَى هذه المباحثات بادئ ذي بدء بين الحكومة وممثلي العرب من جهة، وبينها وبين ممثلي اليهود من جهة ثانية ولكننا نأمل أن تتطور هذه المحادثات بعد أمد قليل إلى مباحثات تُجْرَى بين الفرقاء الثلاثة مجتمعين حول مائدة مشتركة. إن الحكومة ستدخل المباحثات بطبيعة الحال مرتبطة بالالتزامات المترتبة عليها بموجب صك الانتداب نحو العرب ونحو اليهود ونحو البرلمان ونحو الولايات المتحدة بأمريكا.

ولكننا لن نحاول أن نمنع ممثلي العرب أو ممثلي اليهود من الإدلاء بحججهم الموجبة لتغيير صك الانتداب، وستكون المباحثات شاملة ومقرونة بمنتهى الصراحة وإنني متأكد من أن المجلس لن يترقب مني ونحن لا نزال في هذا الموقف أن أزيد على ما قلت فيما يتعلق بالسياسة التي ستنتهجها الحكومة خلال هذه المباحثات وآمل أن تتاح لنا فرصة الشروع في هذه المباحثات بلندن خلال الأسابيع القليلة المقبلة. فإذا تعذر الشروع فيها قبل عيد الميلاد فالأمل أن يشرع فيها في أوائل شهر كانون الثاني على الأكثر إذ لا مندوحة من إنهاء حالة عدم الاستقرار هذه بوجه السرعة الممكنة ومن الأهمية بمكان كبير إقرار السياسة التي ستتبع وإعلانها بصورة جلية واضحة ولهذا السبب إذا لم تسفر المباحثات التي ستُجْرَى في لندن عن نوع من التفاهم بين الفرقاء الثلاثة خلال مدة معقولة من الزمن فإن الحكومة ستتخذ عندئذٍ قرارها على ضوء درسها للمشكلة وعلى ضوء تقرير لجنة بيل وتقرير لجنة وودهيد والمباحثات نفسها أيضًا. ثم تعلن السياسة التي تنوي اتباعها في المستقبل.

إن حضرات الأعضاء المحترمين يواجهون في هذه الأيام مشاكل سياسية مختلفة تتراكم علينا يومًا بعد يوم ولكني أشعر دائمًا أن مشكلة فلسطين تختلف عن غيرها. فالمشاكل الأخرى تدور حول أمور تتعلق بفن الحكم وهو أصعب الفنون جميعًا. ولكني عندما أحاول معالجة تلك المشاكل أشعر بطبيعة الحال كما يشعر الأعضاء المحترمون بلذة فائقة.

أما مشكلة فلسطين فليس فيها شيء من ذلك قط. وما هي عليه من التعقيد يجعلنا نواجه أخطر تجربة لبيان مقدرتنا على الحكم ولكن في هذه المشكلة أكثر مما ذكرت. فإنني عندما أبحث في مشكلة فلسطين أشعر برهبة وإجلال، إذ أن ذاكرتي لا تعي زمنًا لم أسمع فيه عن فلسطين ولا أتخطر وقتًا لم تُقَص فيه عليَّ أحاديث الناصرة والجليل والقدس وبيت لحم ومهد السلام.

لقد عهد إلى هذا المجلس خلال تاريخه الطويل الحافل بودائع نبيلة ولكن لم توكل إليه وديعة أقدس من إعادة الأمن والطمأنينة إلى ربوع الأراضي المقدسة

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

قرار مؤتمر الهيئة البرلمانية لحزب العمال

1939

إن هذا المؤتمر يؤيد الموقف الذي اتخذته الهيئة البرلمانية لحزب العمال ضد سياسة الحكومة بشأن فلسطين (الكتاب الأبيض لسنة 1939). لقد أعلنت الهيئة أن الكتاب الأبيض بفرضه حالة الأقلية على اليهود وبخروجه على مبدأ الاستيعاب الاقتصادي الذي يتحكم بالهجرة اليهودية. ويجعل دخول اليهود متوقفًا على رضاء العرب، وبتحديد الاستيطان اليهودي على الأرض، يناقض التعهدات التي اشتمل عليها وعد بلفور والتي نص عليها في صك الانتداب. إن سياسة الكتاب الأبيض تمثل استسلامًا آخر للعدوان، وتقدم مكافأة للعنف والإرهاب، وهي نكسة للقوى التقدمية لدى العرب واليهود، كما أنها تفرض قيودًا لا تحتمل على الهجرة اليهودية في الوقت الذي يقسم الاضطهاد العنصري بلاد العالم الأخرى إلى بلاد تحرم على اليهود دخولها وبلاد تستحيل عليهم الحياة فيها. وإن هذا المؤتمر يؤكد ثانية التأييد التقليدي الذي توليه حركة العمال البريطانيين من أجل إعادة إنشاء وطن قومي للشعب اليهود في فلسطين. وتعترف بأن فوائد جُلَّى للجماهير العربية قد نجمت عن الهجرة والاستيطان اليهوديين. وإن هذا المؤتمر لمقتنع بتوفر إمكانية التعاون السلمي المستمر بين الشعبين العربي واليهودي في فلسطين تحت ظل الانتداب وسياسة وعد بلفور.

إن هذا المؤتمر يطلب من الحكومة أن تتجاوز عن سياسة الكتاب الأبيض وتعيد فتح أبواب فلسطين للهجرة اليهودية وفق قدرة البلاد على الاستيعاب الاقتصادي.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

مذكرة عن عهود بريطانيا العظمى للعرب

22 فبراير سنة 1939

للمسألة جانب تاريخي يرجع إلى ما قبل الحرب حين كانت فرنسا تطلب حقوقًا خاصة لها في سوريا في حالة انحلال الدولة العثمانية.

وقد لقي ما طلبته فرنسا اعترافًا إلى حد كبير من بريطانيا العظمى في تصريح من السير ادوارد حين أعلنه رئيس الوزارة الفرنسية في مجلس الشيوخ الفرنسي في 21 ديسمبر 1912.

كانت كلمة " الشام " في تلك الأيام تطلق على كل منطقة سورية، التاريخية والجغرافية أي على البلاد الواقعة بين طوروس وشبه جزيرة سيناء وكانت مؤلفة من جزء من ولاية حلب، وولاية بيروت، وولاية سوريا، وسنجق لبنان، وسنجق القدس. وكانت تشمل ذلك الجزء الذي نزع فيما بعد، وصار تحت الانتداب باسم فلسطين.

ومع أن بريطانيا العظمى قبلت في سنة 1912 القول بأن سوريا منطقة نفوذ فرنسي إلا أن هناك رأيًا بدأ ينشأ في بعض الدوائر البريطانية، ومؤداه أنه في حالة انحلال الدولة العثمانية يجب أن يبذل جهد لفصل سوريا الجنوبية ابتداء من شمالي حيفا وعكا لتكون وحدة قائمة بنفسها وواقعة تحت النفوذ البريطاني ومما يعرفه الذين عرفوا اللورد كتشنر أنه كان شديد التعلق بهذه الفكرة وأنه بثها في الدوائر الرسمية قبل الحرب.

(ملحوظة: الكولونيل س. ف. نيكوكوم والكولونيل السير فيفيان جبرايل كانا متصلين باللورد كتشنر في هذا الموضوع، وقد يستطيعان أن يؤديا الشهادة فيه).

بأمر اللورد كتشنر قام الكابتن - الكولونيل الآن - نيوكوم، بمسح شبه جزيرة سيناء عسكريًا في سنة 1913 وجاءت نتيجة هذا المسح مؤيدة لرأى اللورد كتشنر بأن سوريا الجنوبية - شمالاً إلى حيفا وعكا، وجنوبًا إلى خليج العقبة - ضرورية للإمبراطورية البريطانية، سياسيًا وحربيًا في حالة انحلال الدولة العثمانية.

وكان هذا الرأي هو المس

يطر على سياسته في علاقاته مع العرب، فلما قامت الحرب اتصل بالشريف حسين، واتخذ تدابير أخرى مع المصالح المختلفة في الحكومة البريطانية، وفي جملتها وزارة الهند وحكومة الهند، محاولاً أن يقنعها بأن من المرغوب فيه مقاومة مطالبة فرنسا بسوريا كلها، نظرًا لأهمية سوريا الجنوبية والاسكندرون للإمبراطورية البريطانية في المستقبل.

وفي مارس 1915 - وبإيعاز اللورد كتشنر - ألف رئيس الوزارة لجنة للبحث في موضوع المصالح البريطانية في الدولة العثمانية، والمعتقد أن اللورد كتشنر أدلى بأقواله أمام هذه اللجنة.

والمعروف على كل حال أن اللجنة كما جاء في تقرير اللجنة الملكية لفلسطين - قررت في يونيو 1915 وجوب انتزاع سوريا الجنوبية وإخراجها من منطقة النفوذ الفرنسي.

هذا الجانب التاريخي، له أهمية أساسية لفهم ما تلاه، فإنه لما بعث الشريف حسين بكتابه الأول في يوليه 1915 إلى السير هنري مكماهون كانت الحكومة البريطانية قد تلقت تقرير اللجنة بضرورة الفصل بين سوريا الشمالية وسوريا الجنوبية، عند النظر فيما تطلبه فرنسا من أراضي الدولة العثمانية ويجب أن تقرأ التحفظات التي وضعها السير هنري مكماهون في كتابه المؤرخ في 24 أكتوبر 1915 على ضوء الموقف السائد في وزارة الخارجية البريطانية في ذلك الوقت. وفي كل المكاتبات يحاول السير هنري مكماهون أن يبين للشريف حسين أن الأجزاء الوحيدة من سوريا التي ترغب بريطانيا العظمى أن تخرجها من منطقة الاستقلال العربي هي تلك الأجزاء التي تشعر بريطانيا العظمى أنها ليست حرة للتصرف فيها بدون " إساءة إلى مصالح حليفتها فرنسا ". وقد عبر السير هنري مكماهون عن هذا التحفظ بألفاظ أخرى في كتابه المؤرخ في 14 ديسمبر 1915 فقال إنه " فيما يتعلق بولاية حلب وبيروت قد أخذت حكومة بريطانيا العظمى علمًا بملاحظاتكم، ولكن لما كانت مصالح حليفتنا فرنسا متصلة بالموضوع، فإن المسألة ستتطلب درسًا وعناية، وسنكتب إليكم في الموضوع مرة أخرى في الوقت المناسب. وكذلك الشريف حسين كان في كل مكاتباته يعتبر أن الأجزاء الوحيدة من سوريا المعينة بالاستثناء هي المناطق الساحلية الشمالية من سوريا، أي لبنان والساحل. وقد فهم أن بريطانيا تريد أن تحتفظ بهذا الجزء لا لسبب سوى المطالب الفرنسية. أما سوريا الجنوبية فما كان يمكن أن تكون جزءًا من المنطقة المحتفظ بها، لأن بريطانيا العظمى لم تكن فقط غير راغبة في إدخالها في منطقة النفوذ الفرنسي، بل كانت تريد أن تدخلها في منطقة الاستقلال العربي أي في دائرة النفوذ البريطاني في المستقبل.

ودرس النصوص يؤيد هذا التفسير من عدة وجوه. ويجب أن نوجه النظر إلى أن السير هنري مكماهون لم يحدد قط منطقة الاستقلال العربي بألفاظه هو، وإنما كان الذي فعله هو أن يقبل الحدود التي اقترحها الشريف حسين جملة وكما هي، فيما عدا بعض التحفظات، ويستخلص من ذلك أنه ما لم يثبت أن فلسطين كان منصوصًا عليها بصراحة، أو حتى ضمنيًا في هذه التحفظات، فإنه يجب عدها داخلة في المنطقة التي اقترحها الشريف حسين، والتي قبلها السير هنري مكماهون جملة. وليس في المكاتبات كلها أي ذكر لفلسطين أو سوريا الجنوبية أو لأي قسم إداري من سوريا يمكن أن يفهم أنه المقصود به ما يعرف الآن بفلسطين. ومع أن هناك أجزاء خصصت بالاستثناء من منطقة الاستقلال العربي التام، فإنه ليس ثم أية إشارة ولو غير مباشرة أو ضمنية، إلى ذلك الجزء من سوريا الذي كان يطلق علية في التقسيم الإداري العثماني، اسم سنجق القدس.

وقد قيل كلام كثير عن التفسيرات الممكنة للمعنى الصحيح لكلمة " ولاية " واستعمال هذه الكلمة في المكاتبات كلها يدعو إلى الشرح. إن لفظ "ولايت" هي الصيغة التركية للكلمة العربية " ولاية " والمقصود بها في اللغة العربية إقليم أو منطقة أو قسم بدون أي دلالة إدارية معينة. أما في اللغة التركية فقد استعيرت الكلمة العربية للدلالة على أقسام إدارية معينة من الدولة العثمانية لها حدود وتخوم. وفي المكاتبات التي نحن بصددها والتي دارت باللغة العربية، استعملت كلمة " ولاية " العربية، وهي لا تقابل دائمًا وفي كل حالة كلمة " ولايت " التركية. فمثلاً يذكر النص العربي (ولاية مرسين) و(ولاية الاسكندرون) و(ولاية دمشق) و(ولاية حمص) و( ولاية حماة) مع أنه لم تكن هناك في أي عهد من عهود التاريخ أقسام إدارية يطلق عليها هذا الوصف، فهذه العبارات لا يكون لها معنى إلا إذا أخذنا بالمدلول العربي لكلمة " ولاية " العربية، وهو القسم أو المنطقة بدون أية إشارة إلى حدود إدارية.

إن الترجمة الإنجليزية التي وزعها وفد المملكة المتحدة تستعمل كلمة (ولاية) العربية بصيغتها التركية في جميع المكاتبات. وهذا خطأ في الترجمة، ولا مسوغ له لسبب آخر، فقد كانت كتب السير هنري مكماهون تصدر عن دار المندوب السامي بالقاهرة بالعربية، وهذا النص العربي الذي كان يصدر عنها هو ترجمة عن الأصل الإنجليزي، وفي الأصل الإنجليزي استعملت كلمة " قسم " أو " منطقة " كما هو ظاهر من الكتاب الأبيض الصادر في 1922 ومن تقرير لجنة فلسطين الملكية (الفصل الثاني الفقرة الخامسة) فإذا استطاع وفد المملكة المتحدة أن يرى وسيلة لإثبات كلمة " قسم " أو " منطقة " في مواضعها بدلاً من " ولايت " التركية في النص الإنجليزي، فإن هذا يزيد الاضطراب الذي لا داعي له.

وتذهب الحكومة البريطانية إلى أن فلسطين كانت مستثناة منهما وأنه يشملها ما قاله السير هنري مكماهون للشريف حسين من أنه ستُسْتَثْنَى " أجزاء من سوريا واقعة إلى الغرب من مناطق دمشق وحمص وحماة وحلب " وقد أعلن المستر ونستون تشرشل هذا الرأي في سنة 1922 لما قال بصفته وزيرًا للمستعمرات: إن كلمة منطقة يجب أن تعد معادلة لكلمة " ولايت " وإنه لما كانت " ولاية دمشق " تشمل ذلك الجزء من سوريا الذي يعرف الآن باسم شرق الأردن - الواقع شرقي نهر الأردن – فإنه ينتج من ذلك أن ذلك الجزء من سوريا - المعروف الآن باسم فلسطين - والواقع غربي نهر الأردن كان أحد الأجزاء المحتفظ بها في عبارة السير هنري مكماهون.

ولكن مراجعة النص تثبت أن هذه الحجة لا تنهض؛ ذلك أن كلمة منطقة في عبارة السير هنري مكماهون لا يمكن أن يكون المقصود بها أن تكون معادلة لكلمة " ولايت " لأنه لم يكن هناك وجود لشيء اسمه " ولاية دمشق " أو " ولاية حمص " أو" ولاية حماة " وإنما كانت هناك ولاية واحدة لسوريا عاصمتها دمشق، وقسمان صغيران إداريان كانت حمص وحماة من بلدانهما الكبرى. ولا معنى لعبارة السير هنري مكماهون إلا إذا فهمنا من كلمة المنطقة ما يفهم عادة أي الجهات المجاورة للمدن الأربع، فيكون تحفظه مقصورًا على جزء يمتد من صيدا إلى الاسكندرون، وهو جزء واقع إلى الغرب من الخط المتصل الذي يتكون من هذه المدن والإقليم المتاخم لها.

وأشار السير هنري مكماهون في كتابه الثالث المؤرخ في 13 ديسمبر إلى المناطق التي أراد استثناءها فذكر " ولايتي حلب وبيروت " ولو أنه كان يفكر في فلسطين ويريد استثناءها، لزاد على ذلك عبارة، مثل " وسنجق القدس ". وكونه لم يفعل ذلك يؤيد القول بأن الأجزاء الوحيدة من سوريا التي كانت النية في ذلك الوقت الاحتفاظ بها لفرنسا هي المناطق الساحلية من سوريا الشمالية.

وأخيرًا اشتمل الكتاب الثاني الذي بعث به السير هنري مكماهون إلى الشريف حسين، على التعهد، وفيه يذكران بريطانيا العظمى تعترف للعرب بالاستقلال في كل المناطق الواقعة داخل الحدود التي اقترحها شريف مكة، والتي يسع بريطانيا فيما يتعلق بها أن تتصرف بحرية بدون إضرار بمصالح حليفتها فرنسا. وفي هذا الكتاب، والكتاب الذي تلاه في 14 ديسمبر، مع استثنائه لمناطق معينة من سوريا، بضرورة مراعاة بريطانيا العظمى مصالح فرنسا. ويخلص من هذا أنه إذا وجدت بريطانيا العظمى في نهاية الحرب أنها حرة في التصرف فيما يتعلق بأي جزء كانت ترى أنها مضطرة إلى الاحتفاظ به من أجل فرنسا، فإن التحفظ يفقد دواعيه ومسوغاته وكل قوة كانت له، حينما وضع. وينتج من هذا أن الجزء الذي لا يدخل في دائرة المصالح الفرنسية - كما حدث فيما يتعلق بفلسطين - يجب أن يبقى لعدم وجود اتفاق آخر على خلاف ذلك في منطقة الاستقلال العربي، التي اقترحها الشريف حسين وقبلتها بريطانيا العظمى.

وهنا، يجب أن نشير إلى اختلاف مهم بين النص الإنجليزي الرسمي والنص العربي لكتاب السير هنري مكماهون، المؤرخ في 14 ديسمبر 1915 فإن السير هنري عند كلامه على استثناء ولايتي حلب وبيروت، يقول: إن لحليفتنا فرنسا مصالح " فيهما كلتيهما ". والكلمتان المحصورتان بين أقواس غير موجودتين في النص الإنجليزي الرسمي. ولكنهما موجودتان في النص العربي الذي تلقاه الشريف حسين، وقيمة هذين اللفظين أنهما يدلان على أن السير هنري مكماهون لم يكن يفكر إلا في هاتين الولايتين، وأنه لا يمكن أن يكون قد فكر في منطقة ثالثة خارج ولايتي حلب وبيروت.

وقد صرح السير هنري مكماهون في رسالة منه إلى جريدة التيمس نشرتها له بتاريخ 23 يوليه 1937 بأنه لما قطع العهد للشريف حسين لم يكن يقصد أن تكون فلسطين داخلة في منطقة الاستقلال العربي، وأن كل شيء في ذلك الوقت كان من شأنه أن يحمله على الاعتقاد بأن الملك حسين كان يدرك تمامًا أن فلسطين ليست داخلة في التعهد.

وهذا التصريح الذي أفضى به السير هنري مكماهون لا يثبت على الفحص فإن وظيفة السير هنري كانت وظيفة وسيط مكلف بمهمة، هي أن ينفذ السياسة التي رسمها رؤساؤه الرسميون وإبلاغها إلى الشريف حسين، طبقًا للتعليمات الصادرة إليه من وزارة الخارجية، ولم تكن وظيفته رسم هذه السياسة وحتى لو كان من الجائز أن يرجع المرء إلى النية المستورة وراء العبارة لإبطال المعنى الصحيح العادي لهذه العبارة أو تشويهها، فليست نية السير هنري هي التي يعول عليها، ويرجع إليها، بل نية الوزير المسؤول - وهو في هذه الحالة وزير الخارجية وبتعليماته كان السير هنري مكماهون يعمل. فإذا جاز إدخال النيات في الحساب على الرغم من المعنى الجلي للألفاظ المستعملة، فإن من الواجب الرجوع في تبين هذه النية إلى ما عسى أن يكون موجودًا بين محفوظات وزارة الخارجية، لعل شيئًا منها يكشف عن نيات الوزير. وهنا ما يشير إلى هذه النية في خطاب ألقاه الفيكونت جرى اوفالودين بمجلس اللوردات في 27 مارس 1923. وقد ألحقت الفقرات الخاصة بموضوعنا من هذا الخطاب بمذكرتنا، وأردفت بالملاحظات التي أدلى بها اللورد باكماستر يومئذ، وقد بين الفيكرنت جرى أنه يشك شكًا جديًا في صحة التفسير الذي تأخذ به الحكومة البريطانية لمدى التعهدات التي قطعها للعرب، ووزير الخارجية في سنة 1915.

ونغض هنيهة عن النيات المستورة، ونتناول النص نفسه، فسنرى أن الألفاظ التي استعملت في المكاتبات لا يمكن تفسيرها إلا بان فلسطين لم تكن مستثناة - لا بصفة مباشرة ولا بصفة غير مباشرة - من منطقة الاستقلال العربي. وعبارة " ولايات دمشق الشام وحمص وحماة وحلب " كما ورد في (الفقرة 13) لا يمكن أن يكون لها غير معنى واحد هو الأقاليم المجاورة لهذه المدن، ومن البديهي أيضًا أن الشريف حسين فهم أن " الأجزاء من بلاد الشام " التي سيحتفظ بها هي الواقعة في الغرب مباشرة من هذه المدن الأربع ليس إلا. في كتابه المؤرخ في 15 نوفمبر سنة 1915، يذكر ولايتي حلب وبيروت " وسواحلهما " وفي كتابه في أول يناير 1916 يصف المناطق المقترح إخراجها بأنها " الجهات الشمالية وسواحلها " وفي نفس الكتاب يقول: " عند أول فرصة تضع فيها أوزار هذه الحروب سنطالبكم بما نغض الطرف عنه اليوم لفرنسا في بيروت وسواحلها " وفضلاً عن ذلك فإن السير هنري مكماهون نفسه يشير في كتابه المؤرخ في 30 يناير 1916 إلى الأجزاء من بلاد الشام التي ستستثنى بكلمتي " الجهات الشمالية " ويدل بذلك على أنه في ذلك الوقت على الأقل لم يكن يخالف الشريف حسين في اعتبار التحفظات سارية فقط على المناطق الساحلية الشمالية من سوريا.

وهناك أخيرًا دليل مستمد من عمل الشريف حسين نفسه فيما بعد، فيما يتعلق بفلسطين وهو يثبت أنه كان دائمًا يعتقد أن هذا الجزء من سوريا - فلسطين - باقٍ في نطاق الاستقلال العربي. فما كاد يصدر تصريح بلفور حتى بادر إلى إرسال احتجاج إلى الحكومة البريطانية، طالبًا إيضاحًا عن هذا التصريح. فهذا العمل وغيره مما فعله الشريف حسين قد يعد خارجًا عن اختصاص اللجنة التي لا يتناول عملها إلا درس مكاتبات مكماهون ولكن هذه حقائق تاريخية وعلى ضوئها يتبين أن ما صرح به السير هنري مكماهون في جريدة التيمس يفقد قوته بل يبدو عديم المعنى.

والقول بأن الحكومة البريطانية كانت تنوي فعلاً إخراج فلسطين من منطقة النفوذ الفرنسي، وإدماجها في نطاق الاستقلال العربي (أي في منطقة النفوذ البريطاني في المستقبل)، هذا القول تؤيده التدابير التي اتخذت في فلسطين في أثناء الحرب. فقد ألقى البريطانيون آلافًا من النشرات على كل أنحاء فلسطين، وهذه النشرات كانت عبارة عن رسالة من الشريف حسين من ناحية، ورسالة من القيادة البريطانية من ناحية أخرى، ومؤدى الرسالتين أنه عقد اتفاق بريطاني عربي يكفل استقلال العرب، وأن الفريقين يطلبان من أهالي فلسطين أن يعدو الجيش البريطاني الزاحف جيشًا حليفًا جاء لتحريرهم، وأن عليهم أن يقدموا له كل مساعدة وقد أنشئت تحت إشراف السلطة العسكرية البريطانية في فلسطين مكاتب لتجنيد المتطوعين لقوات الثورة العربية. وفى سنة 1916 ومعظم سنة 1917 كان من الواضح أن موقف الضباط العسكريين والموظفين السياسيين التابعين للجيش البريطاني قائم على اعتبار أن فلسطين ستكون جزءًا من البلاد العربية التي ستقوم فيها بعد الحرب حكومات مستقلة متحالفة مع بريطانيا العظمى.

وفي الختام نقول: إن النص الإنجليزي لمكاتبات مكماهون، وهو الذي وزعه الوفد البريطاني بصفة خصوصية على الوفود العربية، فيه أخطاء في الترجمة يؤثر بعضها في المعنى تأثيرًا محسوسًا فمن المرغوب فيه للمصلحة العامة مراجعة الترجمة قبل أن يذاع النص على الجمهور.

(الإمضاء)

ج. انطونيوس

السكرتير العام للوفود العربية.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

بيان رئيس القضاة البريطاني بشأن البيانات التي ألقاها أعضاء اللجنة العرب

23 فبراير سنة 1939

أصغى رئيس القضاة بعناية واهتمام إلى البيانات التي ألقاها في الجلسة الأولى - التي عقدتها اللجنة - أعضاء اللجنة العرب، وفيها يشرحون الآراء التي يعتنقها العرب عامة فيما يتعلق بالتفسير الصحيح لما يسمى " مكاتبات مكماهون - حسين " وقد قرأ بعد ذلك بمثل تلك العناية وذلك الاهتمام المذكرة التي قدمها إليه المستر أنطونيوس في الجلسة نفسها.

ونظرًا لقصر الوقت الميسور لإعداد المذكرة الحالية قد توجد بعض نقط في بيانات العرب أو في مذكرة المستر أنطونيوس لم يتناولها الكلام على وجه التخصيص، ولكن المرجو مع ذلك أن تكون هذه المذكرة كافية في إيضاح الآراء التي نأخذ بها حكومة جلالته فيما يتعلق بالمكاتبات التي هي موضوع الدرس.

ويعرف أعضاء اللجنة أن جميع الحكومات التي توالت على المملكة المتحدة من سنة 1915 فصاعدًا تمسكت بالرأي القائل بأن السير هنري مكماهون قصد بمكاتباته مع شريف مكة في سنة 1915 وسنة 1916 وخاصة بكتابه المؤرخ في 24 أكتوبر 1915 أن تترك المنطقة المعروفة الآن باسم فلسطين، خارج دائرة الاستقلال العربي، وأن المكاتبات المذكورة لم يكن لها يومئذٍ ولا يمكن أن يكون لها الآن أي معنى آخر.

على أن من الضروري لفهم موقف حكومة جلالته، النظر في جميع الظروف المحيطة بالموضوع وعدم الاقتصار على ألفاظ المكاتبات نفسها.

ويجب أولاً، وفوق كل شيء، أن نذكر المركز الفريد الذي كان لفلسطين يومئذٍ، والذي لا يزال لها الآن باعتبارها أرضًا مقدسة لا في نظر المسلمين وحدهم، بل في نظر المسيحيين واليهود أيضًا، وباعتبارها بلادًا تُعْنَى بها وتهتم لها كل الدول الأوروبية والأمريكية. وهذا الاعتبار أهم عند المسيحيين واليهود منه عند المسلمين. لأن هذه البلاد تعد عند أصحاب الديانتين الأوليين الأرض المقدسة الرئيسية، بل الوحيدة على حين أنها عند المسلمين تلي الحجاز في المقام، وليس من المبالغة أن يقال: إن مقام فلسطين عند المسيحيين واليهود يعادل مقام مكة والمدينة عند المسلمين.

وفضلاً عن ذلك فإن فلسطين ما كان يمكن أن تعد أرضًا عربية صرفًا حتى في سنة 1915، وصحيح أن أحد الناطقين بلسان العرب قال إنها على العكس كانت " عربية صرفًا " على خلاف الجهات الساحلية إلى الشمال، وإن هذا عامل يجب إدخاله في الحساب عند تقدير الظروف المحيطة. ولكن يجب أن يذكر أنه بغض النظر عن الأهالي اليهود الذين كانوا فيها، فإنها كانت غاصة بالكنائس والمدارس والمعاهد المسيحية من كل ضرب ونوع وكان آلاف من الحجاج المسيحيين والسياح يذهبون إليها في كل عام، وكانت هذه المعاهد مبعثرة في أنحاء البلاد وبعض البلدان - مثل بيت لحم - كانت مسيحية صرفًا تقريبًا. والواقع أنه لم يكن فيها - أي بيت لحم - في سنة 1912 سوى ثلاثمائة مسلم، من أحد عشر ألفًا.

وفي الناصرة كان عدد السكان خمسة عشر ألفًا منهم عشرة آلاف من مذاهب مسيحية مختلفة – يونان ولاتين ومارونيين وبروتستانت - ولا شك في أن معظم هؤلاء المسيحيين كانوا عربًا، ولكن كان هناك عدد كبير من المسيحيين الأجانب فضلاً عن المعاهد المسيحية الأجنبية.

ومن الجلي أن بريطانيا العظمى لم يكن لها حق أو سلطان في سنة 1915 يخولها أن تقول: إنه إذا نجح الحلفاء في أن ينتزعوا من الدولة العثمانية أرضًا لها هذه الأهمية في العالم المسيحي، فإنها ستسلمها إلى حكم " دولة إسلامية مستقلة أخرى " من قبل أن تحصل أولاً على كل نوع من الضمانات لحماية الأماكن المقدسة المسيحية واليهودية ولكفالة الحرية في الوصول إليها على الأقل بمقدار ما كانت هذه الحرية مكفولة في عهد الدولة العثمانية.

من أجل هذا، لا يكون مما يقبل عقلاً أن يكون السير هنري مكماهون قد أراد أن يعطي الشريف حسين وعدًا إضافيًا بأن تكون فلسطين داخلة في منطقة الاستقلال العربي. وإن في كون مسألة الضمانات لم تذكر قط، لدليلاً ينفي كل شك في أن السير هنري مكماهون لم يخطر له لحظة واحدة أن كتابه سيفهم منه أن فلسطين داخلة في هذه المنطقة. وإنه لمعقول أن يعتقد المرء أن شريف مكة الذي أظهر غيرة مشروعة على الأماكن الإسلامية المقدسة في الحجاز لابد أن يكون قد قدر وأدرك الشعور المسيحي في هذه المسألة وعرف أنه ما من موظف بريطاني يستطيع أن يتعهد بضم فلسطين إلى دولة إسلامية أخرى من غير أن يبدي تحفظات صريحة فيما يتعلق بالأماكن المقدسة المسيحية.

ومن العوامل الأخرى العظيمة الأهمية أن ميناء حيفا كانت تزداد أهميتها بسرعة وهذه الميناء وغيرها من المواني على الساحل الفلسطيني عظيمة القيمة من وجهة النظر البريطانية، إذا اعتبرنا مصالح بريطانيا العظمى الكبيرة في قناة السويس ولابد أنه كان من الواضح لكل مراقب مطلع أنه في حالة انتصار الحلفاء ستعني بريطانيا بالحصول على ضمانات تمنع استخدام أراضي فلسطين، ولاسيما موانئ مثل حيفا، للهجوم منها في المستقبل على أرض مصر.

أما عن مصالح فرنسا فإن من المعلوم أن فرنسا طالبت في سنة 1915، بأن يكون لها نفوذ عظيم جدًا إذا لم يتيسر أن تكون لها السيادة الفعلية في مناطق واسعة وغير محددة بدقة في الشرق الأوسط. ولا بد أن يكون شريف مكة كان يعرف أن لفرنسا مطالب من هذا القبيل حتى من قبل أن يرد ذكر لهذه المطالب في المكاتبات، فقد كان على اتصال بالوطنيين العرب في سوريا وحسبه هذا مصدرًا للعلم بمطامع فرنسا إذا لم يكن ثم مصدر غير ذلك.

هذه الاعتبارات تجعل من غير المعقول أن يكون السير هنري مكماهون قد أهمل كل ذكر للمصالح الفرنسية والبريطانية فيما يسمى الآن فلسطين، إلا إذا كان قد عد فلسطين خارجة، بطبيعة الحال وبالبداهة، عن المنطقة التي كان يعد العرب فيها بالاستقلال. وإنه لمن العسير أن يفهم الإنسان كيف يظن من يقرأ كتب السير هنري، ويكون محيطًا بالموقف السياسي العام في الشرق الأوسط، ومن غير بحث واستقصاء أن فلسطين كان في النية إدخالها في منطقة الاستقلال.

ويجب أيضًا أن يتذكر المرء كيف كان الموقف العام في سنة 1915 فقد كانت تركيا مسيطرة على كل من سوريا وفلسطين، ولم تكن قد انهزمت بعد. وكانت فرنسا وروسيا حليفتين لبريطانيا. ولكن كان على بريطانيا أيضًا أن تراعي دولاً أخرى في أوروبا ولاسيما إيطاليا، فلم يكن في وسعها أن تقطع للشريف حسين عهودًا تورطها في مشاكل خطيرة بعد الحرب، وتخلق لها مصاعب مع أهم دول.

وإذا رجعنا إلى نص تعهد مكماهون في كتابه المؤرخ في 24 أكتوبر سنة 1915، فإن هذا يجب أن يقرأ على ضوء مباحثات معينة دارت بين المندوب السامي البريطاني في فلسطين ومحمد شريف الفاروقي.

وقد لا يكون الفاروقي ممثلاً معتمدًا لشريف مكة أو لزعماء الحركة الوطنية العربية في دمشق، وقد لا يكون هؤلاء الزعماء والشريف قد علموا بفحوى مباحثاته مع المندوب السامي في خريف سنة 1915، ولكن لا شك في أنه كان مطلعًا تمام الاطلاع على آراء زعماء العرب وآمالهم. وما من عربي يمكن أن يكون قد أنكر - أو يمكن أن ينكر الآن - أنه كان يضع مطالبهم عند حدها الأدنى حين قال إن العرب مستعدون أن يقاتلوا في سبيل " ولايات حلب وحمص وحماة ودمشق " وإنه لابد أن يكون قد أراد بكلمة " ولايات " ما يحيط بهذه المدن بأوسع المعاني، وإنه ما كان يمكن أن يعني أن العرب لا يقاتلون من أجل أي جزء من الأراضي الداخلة من حدود كليكيا إلى خليج العقبة. وهذه المنطقة مهمة، لأن العبارة التي استعملها فيما بعد السير هنري مكماهون في كتابه، هي نفس العبارة التي استعملها الفاروقي.

فالفاروقي هو إذن الذي قال: " إن العرب قد يقبلون تحفظًا عامًا من بريطانيا خاصًا بالأراضي التي لا يسعها أن تكون حرة في التصرف فيها دون إساءة إلى حلفائها ومع أن حكومة جلالته لم تشأ أن تبالغ في تأكيد هذه النقطة بدون إساءة إلى حلفائها. لأن الفاروقي لم يكن مفوضًا، إلا أن هذا يدل على ما كان يدور في ذهن السير هنري مكماهون حين قطع العهد.

كل هذه الاعتبارات يجب أن تذكر عندما يراد تعليق معنى خاص ببعض الألفاظ في مكاتبات سنتي 1915، وقد تبدو المكاتبات بين السير هنري مكماهون والشريف حسين أبعد ما تكون في هذا الوقت عن الوضوح والجلاء ولكن الظروف التي لخصت فيما سلف، والمشاغل العديدة التي كانت تستغرق وقت رجل في مثل مركز السير هنري في ذلك الوقت، والحالة في بلاد العرب، كل هذه مسائل مرتبطة بدرس الوثائق. وهذا يصدق، على الخصوص، إذا نظرنا إلى معنى التعهد على ضوء النيات المحتملة للفريقين، ولكنه يصدق أيضًا إذا نظرنا إلى المعنى على ضوء التفسير القانوني الواقعي لعبارة التعهد؛ فإنه في حالة كهذه، أثارت فيها العبارة أو اللغة التي استعملت، خلافًا وتخمينًا، يكون من المشروع مراعاة الظروف المحيطة بالموضوع، عند محاولة الوصول إلى البت فيما يجب أن يفهم من الألفاظ.

فإذا راعينا جميع الظروف المحيطة يكون موقف الحكومة البريطانية إذن قائمًا على نقطتين رئيسيتين:

1 - تحفظ جغرافي خاص، فيما يتعلق بالمنطقة التي كانت بريطانيا العظمى تستطيع أن تعد العرب فيها بالاستقلال.

2 - تحفظ عام فيما يتعلق بهذه المنطقة نفسها.

فأما عن الأول، فإن رأي حكومة جلالته دائمًا أن عبارة " أجزاء من بلاد الشام واقعة في غربي ولايات دمشق وحماة وحمص وحلب " تشمل كل ذلك الجزء من سوريا بما فيها ما يسمى الآن فلسطين، الواقع غربي المنطقة الإدارية المعروفة باسم " ولاية سوريا ".

وصحيح أنه لم تكن هناك " ولايات " لحمص أو حماة، ولكنه صحيح أيضًا أن كلاً من دمشق وحلب كانت عاصمة ولاية، وكانت الإشارة إلى دمشق خليقة بمفردها أن تكون كافية لتقرير ما يعنيه السير هنري مكماهون أما حمص وحماة فقد أضيفتا كما هو ظاهر، لأن الفاروقي ذكرهما، ولبيان أن الأراضي التي تعد حمص وحماة أهم بلادها ينبغي ألا تخرج من المنطقة المخصصة للحكم العربي، ومن البديهي أنه لم يكن المراد الإشارة إلى ولايات لا وجود لها.

وصحيح أيضًا أن الاسم التركي الرسمي للولاية التي كانت دمشق عاصمتها هو " ولاية سوريا " ولكنه ما كان ينبغي أن يساء فهم هذه العبارة ولا سيما إن كان الكاتب وجد من الضروري أن يستعمل كلمة " الشام " - حتى ولو أن هناك ولاية بهذا الاسم - ليتسنى له أن يصف وصفًا شاملاً منطقة جغرافية غامضة تشمل ولايتي الشام وبيروت وسنجق القدس المستقل وإقليم لبنان وجزءًا من ولاية حلب.

وقد يكون مما يستحق الذكر في هذا الموضوع أن عبارة " ولايات دمشق... إلخ " ما كان الشريف حسين يحب أن يكون معناها، أو المراد بها، مساحات صغيرة تحيط مباشرة بالبلاد المذكورة كما قال أحد مندوبي العرب - إذا كان رئيس القضاة قد فهم ما سمعه منه على الوجه الصحيح في الجلسة الأولى؛ لأنه لو كان هذا هو المراد لكانت المنطقة التي حرم فيها العرب الاستقلال قد زاد امتدادها شرقًا على خلاف ما يؤدي إليه التفسير الواسع للعبارة. وإذن لكانت المنطقة غير العربية قد وصلت شرقًا إلى ضواحي دمشق والبلدان الأخرى، ولشملت أجزاءً كبيرة من شرقي الأردن وأقسامًا كبيرة من سكة الحجاز الحديدية.

ولا نكران أنه يمكن أن يقال إنه لا توجد أرض شرقي ولاية حلب، وإن كتاب 24 أكتوبر سنة 1915 إلى الشريف لو أخذ في تفسيره برأي حكومة جلالته لما وصلت منطقة الاستقلال العربي إلى البحر المتوسط، وإن كان لم يذكر في الكتاب أنها لن تصل.

فأما عن النقطة الأولى، فيجب أن نذكر أن السير هنري مكماهون لم يكن يحاول أن يحدد بدقة الحدود الشرقية للأرض التي يراد إخراجها من منطقة الاستقلال العربي.

ومن الواضح أنه استعمل عبارة يحدد بها على وجه عام رقعة من الأرض واقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط قد يقع بعضها خارج " ولايات دمشق وحمص وحماة وحلب " وقد يقع بعضها داخلها، ولكنها جميعها تقع غربًا، أو إلى الغرب من هذه المناطق.

وأما عن النقطة الثانية، فإن رئيس القضاة لا يشعر أن من الممكن استنتاج شيء من كون السير هنري مكماهون لم يذكر عدم اتصال المنطقة العربية بالبحر الأبيض المتوسط، لأنه إذا كانت المنطقة التي حددها باعتبارها خارجة من دائرة الاستقلال العربي، تمنع اتصال البلاد العربية بالبحر فإنه لا ضرورة لذكر ذلك والنص عليه.

وقد أخذ رئيس القضاة علمًا بالملاحظة المبينة على أن السير هنري مكماهون في كتابه المؤرخ في 14 ديسمبر 1915 اقتصر على الإشارة إلى ما يحتمل من إخراج " ولايتي بيروت وحلب " من منطقة الاستقلال العربي، ولم ترد أية إشارة إلى سنجق القدس أو غيره من المناطق. ولكنه يبدو من الجلي أن السير هنري حين أشار إلى هاتين الولايتين إنما كان يرد على نقط أثارها الشريف حسين في كتابه المؤرخ في 5 نوفمبر 1915، فلا يبدو أن من الممكن استخلاص أية نتيجة خاصة من هذا الأمر.

وهذا ينقلنا إلى نقطة أثارها أحد مندوبي العرب، وهي أنه إذا اعتبرنا الأهمية التي كان يعلقها الشريف حسين في خلال المكاتبات كلها على ولايتي حلب وبيروت وولاية العراق، فإن مما لا شك فيه أنه كان خليقًا أن يشير بعبارات أقوى إلى فلسطين أو سنجق القدس - لو ظن أنها مخرجة من منطقة الاستقلال العربي. وقد يكون هذا صحيحًا، ولكن من المحقق أن العكس أيضًا، يمكن الذهاب إليه، وهو أن الشريف فهم، وقبل الواقع، وهو أن فلسطين بحكم مركزها الخاص كبلاد تهم العالم أجمع ستعامل معاملة خاصة.

وهذه الاعتبارات بعينها تنطبق على أهمية أمر آخر، وذلك أن الشريف حسين في كتابه المؤرخ في أول يناير 1916 أشار إلى " الجهات الشمالية وسواحلها " ومن الممكن في هذه الحالة أيضًا أن نستنتج أنه قبل أن تكون فلسطين خارجة عن دائرة الاستقلال العربي. وعلى كل حال فإن كلمتي " الجهات الشمالية " أو " السواحل الشمالية " يمكن أن يفهم منها من يقرؤها في كتاب وارد من الحجاز أن المراد بها ساحل البحر الأبيض المتوسط كله.

إن ما أسلفنا القول عليه فيما يتعلق بالتحفظ " الخاص " إنما سقناه لنبين أن كل نقد يمكن أن يقابله تعليل معقول لما كان السير هنري مكماهون يفكر فيه ويقصد إليه على أن رئيس القضاة لا يريد أن يقول إن العبارة الواردة في كتاب السير هنري مكماهون المؤرخ في 24 أكتوبر 1915 بناءً على تعليمات حكومة جلالته واضحة أو حسنة الأداء دقيقة، أو أن أية إشارة أخرى من الجانبين كانت واضحة أو حسنة الأداء، أو أن حكومة جلالته تعتمد على مثل هذه العبارات في عرض قضيتها.

إن خير تفسير تستطيع حكومة جلالته أن تعرضه لعبارة " أقاليم دمشق... إلخ " في كتاب 24 أكتوبر 1915 هو أن هذه العبارة مقتبسة من عبارة الفاروقي ومستعملة بنفس المعنى العام الذي كان هو يرمي إليه، أي سورية الداخلية الجنوبية إلى خليج العقبة.

ومع أن حكومة جلالته ترى أن التحفظ الخاص كان ينبغي أن يكون كافيًا لاستثناء فلسطين، فإنها ترى أن التحفظ العام أهم.

ومن رأي حكومة جلالته أن عبارة التحفظ العام واضحة تمام الوضوح فهي تقصر الدائرة التي ينطبق عليها تعهد السير هنري مكماهون على:

"... الأقاليم التي تضمها تلك الحدود حيث بريطانيا العظمى مطلقة التصرف بدون أن تمس مصالح حليفتها فرنسا ".

وبعبارة أخرى لا يمتد التعهد إلى أي جزء ليست بريطانيا حرة في التصرف في أمره مراعاة لمصالح فرنسا في الوقت الذي أرسل فيه الكتاب، أي في 24 أكتوبر 1915.

ويجب أن يكون واضحًا أيضًا، مادام الأعضاء العرب قد أثاروا هذه النقطة أنه من رأي رئيس القضاة أن أي تطور حصل فيما بعد وأدى إلى تعديل المنطقة التي كانت بريطانيا العظمى حرة في التصرف فيها، بدون مساس بمصالح فرنسا، لا يؤثر في المنطقة التي ينطبق عليها تعهد 24 أكتوبر 1915 ولا يزال ينطبق عليها منذ ذلك الحين.

وإذا كان هناك أمر ثابت في هذه المسألة فذاك أن بريطانيا العظمى لم تكن في أكتوبر 1915 حرة في التصرف في فلسطين مراعاة للمصالح الفرنسية. وقد يكون صحيحًا أن حكومة جلالته، بتأثير اللورد كتشنر وسواه كانت من قبل نشوب الحرب وبعدها، راغبة في قصر المطالب الفرنسية على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط إذا استطاعت أن تجد وسيلة مشروعة إلى ذلك. ولكن هناك فرقًا عظيمًا بين الرغبة في أمر وبين تحقيقه. وفي الوسع أن نقرر أنه في الوقت الذي تبودلت فيه المكاتبات كانت فرنسا تطالب بالساحل كله، جنوبًا إلى الحدود المصرية، وشرقًا إلى دمشق وأن هذه المطالب المتطرفة لم تعدل في ربيع سنة 1916 بفضل المباحثات التي انتهت باتفاق " سيكس - بيكو ".

وكما ذكر من قبل لابد أن يكون الشريف حسين قد أدرك أن فرنسا يرجح أن تطالب بفلسطين، حتى وإن كان لا يعلم أن هذه المطالب حاصلة بالفعل، ونظرًا إلى الظروف وإلى اتساع المصالح البريطانية والدينية في فلسطين كان ينبغي أن يفهم هو، أو أي قارئ لكتاب السير هنري مكماهون أن فلسطين خارجة من تعهد مكماهون، أو على الأقل ليس من الواضح أنها داخلة فيه وأن منطقة الاستقلال العربي تشملها.

وثم نقطة أخرى يجب أن نتناولها فيما يتعلق بهذه المكاتبات، وفي الفقرة الثانية من كتاب الشريف حسين المؤرخ في 5 نوفمبر 1915 وفي الفقرة الرابعة من رد السير هنري مكماهون في 14 ديسمبر 1915 ذكر الفريقان بوضوح أن هناك تفصيلات عديدة مهمة. خاصة بالمنطقة أرجئت تسويتها إلى ما بعد.

وفي الكتاب المؤرخ في أول يناير 1916 قبل الشريف حسين أن يرجئ النظر في مسألة احتلال فرنسا " لبيروت وسواحلها ". ومهما يكن المراد بهذا اللفظ: " ومن الممكن أن يقال إن سواحل بيروت تمتد إلى الحدود المصرية " - فإن من الجلي أنه يخرج سواحل فلسطين إلى آخر حدود ولاية بيروت جنوبًا، أي إلى نقطة تقع شمال يافا. وهذا في ذاته يعد بمثابة قبول وقتي لتحفظ خاص بنصف فلسطين تقريبًا.

وقد أشير من قبل إلى اتفاق " سيكس - بيكو" المعقود في مايو 1916 وكذلك أشير إلى أن مطالب فرنسا في بداية الحرب كانت تشمل فلسطين كلها كما تشمل دمشق وحلب. وهنا يجب أن يذكر أن السير مارك سيكس كان صادق العطف على القضية العربية، ومن الجلي أنه كان يفاوض في عقد هذا الاتفاق وهو معتقد أن التحفظ الوارد على تعهد 24 أكتوبر 1915 يسوغ عقد الاتفاق الذي انتهى إليه. وحكومة جلالته تشك في أنه كان على صواب.

وفضلاً عن ذلك فإن السير مارك سيكس حصل على تساهل عظيم من المفاوضين الفرنسيين فيما يتعلق بسناجق حماة ودمشق وحلب، وهي سناجق كان لدى حكومة جلالته من الأسباب - نظرًا لما كان الفاروقي قد قاله في تاريخ سابق - ما يحملها على الاعتقاد بأنها حيوية للعرب. وقد كان من الصعب جدًا الحصول من الحكومة الفرنسية على هذا التساهل، وكان الاعتقاد قويًا في ذلك الوقت أن الاتفاق الذي عقد - على ما جاء في تقرير رسمي كتب يومئذٍ - " من شأنه أن يسوي الخلافات الأساسية بين العرب والفرنسيين فيما يتعلق بسوريا ".

وقد اعتبرت فلسطين في هذا الاتفاق دولية، على أن يستشار شريف مكة ويتفق مع ممثليه على نوع الحكم الذي يقوم فيها. وهذه نقط كثيرًا ما تهمل، ولكنها إذا روعيت وأدخلت في الحساب عند النظر في الموضوع كان من الصعب أن يقال إن الاتفاق كان بمثابة نكث للعهد مع الشريف حسين. يضاف إلى ذلك أن حكومة جلالته لم تكن في سنة 1915 في مركز يسمح لها بأن تعطي السيادة على فلسطين للعرب، فقد كان عليها أن تستشير حلفاءها وغيرهم من الأمم ذوات المصالح في فلسطين، كما هي مضطرة الآن أن تستشير عصبة الأمم.

واتفاق " سيكس - بيكو " يكسب الوعد المبذول للشريف حسين أهمية خاصة وهذا ما ينساه العرب.

فقد كان مؤداه أن بريطانيا العظمى مستعدة أن تعترف باستقلال العرب وتؤيده ومتى سمحت الأحوال وأسعفت الظروف فإن بريطانيا العظمى تنصح العرب وتساعدهم في إقامة ما يعد أصلح أنواع الحكم في هذه الأراضي المختلفة.

وترى حكومة جلالته أن بريطانيا العظمى قد أنجزت وعودها على الرغم من الصعوبات العظيمة. وقد يكون هناك محل للأسف، لأنها لم تنجزها على وجه أوفى، ولكن شريف مكة لا يمكن أن يكون قد اعتقد أنها أعطته - وهي لم تعطه في الواقع قط - وعدًا من شأنه أن يورطها في حرب مع حليف لها لتحقق للعرب آمالاً في أية رقعة من الأرض التي طلبها الشريف.

وتتكرر الشكوى مرارًا من تصريح بلفور، ولكن لا يمكن أن يقال إن المستر بلفور كان خليقًا أن يصدر هذا التصريح لو أنه يظن أن فلسطين داخلة في الوعد الذي قطعه السير هنري مكماهون للشريف في كتابه المؤرخ في 24 أكتوبر 1915، علي أنه ينبغي أن يلاحظ أن ما يشكو منه العرب يتوقف إلى حد كبير على التفسير الذي يؤخذ به للتصريح، والمؤدى الذي يفهم منه. وليس مما يدخل في نطاق هذا البحث أن نبدي رأيًا في وجهة النظر الصهيونية في الموضوع، ولكن يجب أن نذكر أن التصريح يكفل صراحة الحقوق المدنية والدينية للعرب. وهذا قيد عظيم الأهمية ومن حقه أن يكون له تأثير بالغ في السياسة.

والمرجو أن يكون في هذه الإيضاحات ما يقنع أعضاء اللجنة من العرب بأن السير هنري مكماهون لم يكن يقصد قط أن تكون فلسطين داخلة في نطاق الاستقلال العربي، ولم يكن ثم ما يبعثه على الظن بأن مقاصده ليست واضحة وضوحًا تامًا للشريف حسين، على أنه سواء تحقق هذا الرجاء أم لم يتحقق فإن حكومة جلالته لا يسعها إلا أن تنفي بقوة كل قول ينقض العهد من جانبها أو جانب أسلافها.

ويود رئيس القضاة، في الختام، أن يذكر اللجنة بأن المهم الآن هو الحالة الموجودة فعلاً، وقد أعطيت بريطانيا العظمى الانتداب بموافقة حوالي اثنتين وخمسين أمة من جميع أرجاء العالم، ولا سبيل إلى إغفال هذه الحقيقة التي لا تستطيع حكومة جلالته تغييرها وحدها والتي تحملها تبعات لابد من القيام بها. أفلا يستطيع الجميع ممن يعنيهم الأمر أن يعترفوا بحقيقة هذا الأمر الواقع، وأن يتعاونوا على إيجاد تسوية عادلة في هذه الظروف؟

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

ملاحظات على بيان رئيس القضاة

24 فبراير سنة 1939

أصغى مندوبو الوفود العربية في اللجنة المعينة لبحث مكاتبات مكماهون بأعظم عناية إلى البيان الذي أدلى به رئيس القضاة في الجلسة الثانية التي عقدتها اللجنة في 24 فبراير 1939، وقرءوا بإمعان المذكرة المكتوبة في التاريخ نفسه، بعنوان " مكاتبات مكماهون " وهي التي سلمت إليهم في آخر تلك الجلسة.

ويود مندوبو العرب أن يثنوا ثناءً مخلصًا على العناية الشديدة التي تناول بها رئيس القضاة الموضوع، وأولاه إياها، وأن يعربوا عن ارتياحهم العظيم إلى أن يوافقهم على أهمية بعض العهود الأخرى التي قطعتها بريطانيا للعرب في أثناء الحرب، مهما يبلغ من مخالفته لهم في تفسير المكاتبات.

ومن دواعي الارتياح الخاصة لهم أن رئيس القضاة رأى من الواجب أن ينوه بأهمية الرسالة التي أبلغها الكومندر هوجارث إلى الملك حسين في يناير سنة 1918 والتصريح الإنجليزي الفرنسي الصادر في نوفمبر 1918.

على أن مندوبي العرب في الوقت نفسه يدهشهم ويؤسفهم أن يروا رئيس القضاة يأخذ بوجهة النظر القائلة إن فلسطين كانت مخرجة من المنطقة التي تعهدت بريطانيا العظمى في مكاتبات مكماهون أن تعترف فيها باستقلال الحكومات العربية وتؤيده. وهم يعتقدون بعد درس البيان والمذكرة المشار إليهما بعناية أن رئيس القضاة لعله فاته المدلول الحقيقي لمكاتبات تبودلت كلها باللغة العربية. وقد تداول أحد مندوبي العرب - رغبة في إصلاح هذه الأغلاط وإزالة آثارها - مع الخبير الذي ندبته حكومة جلالته، وقدم إليه بيانًا بالأغلاط التي وقعت في الترجمة، وبما بين النص العربي، والنص الرسمي الإنجليزي من التفاوت. ورغبة في إزالة كل وهم آخر ممكن، يرى مندوبو العرب أن من واجبهم أن يقدموا ملاحظات إضافية أخرى.

وفي سبيل الوضوح والجلاء سيُراعى هنا التمييز الذي نبه إليه رئيس القضاة بين عبارة المكاتبات نفسها من ناحية، والظروف المحيطة بها من ناحية أخرى. ولهذا ينوي مندوبو العرب أن يتناولوا هذين الجانبين على الترتيب، وأن يدعوا السير متشيل ماكدونيل رئيس القضاة السابق في فلسطين - وقد تفضل قبل أن يساعدهم ويمدهم برأيه في النواحي القانونية للموضوع أمام اللجنة - أن يلقي بيانًا.

ويود مندوبو العرب أن يقدموا الملاحظات الآتية على الظروف المحيطة بالمكاتبات:

قال رئيس القضاة في الفقرة السابعة من مذكرته إنه نظرًا للصفة المقدسة لفلسطين، فإن من الواضح أن بريطانيا العظمى لم يكن لها حق ولا سلطة في سنة 1915 يخولانها أن تعد، في حالة نجاح الحلفاء في أن ينتزعوا من الدولة العثمانية أرضًا لها مثل هذه الأهمية للعالم المسيحي وأن يسلموها إلى دولة إسلامية أخرى مستقلة، من غير أن يحصلوا أولاً على كل نوع من الضمانات لحماية الأماكن المقدسة من مسيحية ويهودية، وكفالة حرية الوصول إليها على الأقل بقدر ما كان ذلك مكفولاً في عهد الأتراك أنفسهم ويستنتج من ذلك أن مما لا يتصور أن يكون السير هنري مكماهون قد قصد أن يعطى الشريف وعدًا لا قيد فيه ولا شرط، بأن تكون فلسطين داخلة في منطقة الاستقلال العربي، ثم يعزز رئيس القضاة استنتاجه هذا بقوله: إن كون مسألة الضمانات لم يرد لها ذكر، يبين بلا أدنى شك أن السير هنري مكماهون لم يقصد أبدًا أن يفهم أحد من كتابه أن فلسطين داخلة في المنطقة الموعودة.

ويقرر مندوبو العرب بكل احترام أن هذا الاستنتاج قائم على خطأ مادي في تصور الموقف، وذلك: أولاً لأن سلامة الأماكن المقدسة، وحرية الوصول إليها، منصوص عليهما بصراحة في معاهدة برلين، المعقودة سنة 1878، وهي معاهدة دولية معترف بها في أوسع نطاق، ومقيدة بها تركيا، وهي تسري من تلقاء نفسها على كل دولة ينتقل إليها ما كان للدولة العثمانية من سيادة في فلسطين وثانيًا لأن نص المكاتبات نفسها يبين بجلاء أن المقرر أن تنتفع حكومات الدول العربية المستقلة بالمشورة البريطانية وبمساعدة الموظفين البريطانيين في إقامة نظام حكم صالح وهذا وحده كان ضمانًا كافيًا، ينتفي به كل خطر، كائنًا ما كان، على الأماكن المقدسة من الحكومات العربية المستقلة، حتى تقوم دولها. وثالثًا لأن السير هنري مكماهون وضع تحفظًا صالحًا فيما يتعلق بالأماكن المقدسة، وذلك في كتابه المؤرخ في 24 أكتوبر 1915، وفيه يقول " إن بريطانيا العظمى تضمن الأماكن المقدسة من كل اعتداء خارجي، تعترف بوجوب منع التعدي عليها ".

ومندوبو العرب عاجزون عن أن يفهموا ما يقصد إليه رئيس القضاة بقوله: إن مسألة الضمانات لم يرد لها ذكر. ذلك أن الأمر لا يقتصر على أن حماية الأماكن المقدسة وحرية الوصول إليها منصوص عليهما في وثيقة دولية، بل إن السير هنري مكماهون نفسه ضمن كتابه إلى الشريف حسين ضمانًا صريحًا ومؤكدًا لم يعترض عليه الشريف حسين، ولم يجادل فيه بخلاف. ومن الأدلة القاطعة على أن السير هنري مكماهون كان يفكر في فلسطين حين بذل الوعد باسم حكومته للشريف حسين، أنه رأى من الصواب أن ينص في كتابه على هذا الضمان.

ويوافق مندوبو العرب رئيس القضاة أتم الموافقة على قوله: " إن من المعقول أن نعتقد أن شريف مكة الذي أبدى اهتمامًا مشروعًا بالأماكن المقدسة في الحجاز لابد أن يكون مدركًا لقوة الشعور المسيحي في هذه المسألة، وعارفًا أنه ما من موظف بريطاني يستطيع أن يتعهد بإعطاء فلسطين لدولة إسلامية أخرى، إلا بتحفظات صريحة، فيما يتعلق بالأراضي المقدسة المسيحية ". فأما أن الشريف حسين كان يدرك ويحترم الشعور المسيحي واليهودي فيما يتعلق بالأراضي المقدسة فواضح ليس فقط من كونه لم يجادل قط فيما نص عليه السير هنري مكماهون من وجوب المحافظة على الأراضي المقدسة من الاعتداء، بل من تصريحاته العديدة، وعلى الخصوص تصريحه للكومندر هوجارث عن استعداد العرب لأن يضمنوا في كل وقت سلامة الأراضي المقدسة وحرية الوصول إليها كائنة ما كانت ملة أصحابها.

ويقول رئيس القضاة في الفقرة الثامنة من مذكرته إن ميناء حيفا وغيرها من مواني الساحل الفلسطيني ذات أهمية من وجهة النظر البريطانية ويذهب إلى أنه لابد من أنه كان واضحًا أن بريطانيا العظمى كانت خليقة أن تطلب ضمانات تمنع استعمال أراضي فلسطين على العموم وميناء حيفا على الخصوص، للاعتداء في المستقبل على الأراضي المصرية. فهنا أيضًا نقول بكل احترام: إن رئيس القضاة لا بد أن يكون قد أغفل أن اقتراحات الشريف حسين كانت ترمي عقد محالفة عسكرية ببن بريطانيا العظمى وحكومة العرب المستقلة في فلسطين. وإن السير هنري مكماهون من ناحيته اشترط أن يكون المستشارون والموظفون الأجانب الذين تحتاج إلى الاستعانة بهم الدول العربية من البريطانيين وحدهم.

ويقول رئيس القضاة في مذكرته: إنه إذا كان هناك شيء ثابت في هذا النزاع فذاك أن بريطانيا العظمى لم تكن في أكتوبر 1915 حرة في أن تعمل في فلسطين بغير مراعاة لمصالح فرنسا. ثم يقول:

إنه قد يكون صحيحًا أن حكومة جلالته كانت راغبة في تقييد المطالب الفرنسية، وتضييق نطاقها، ولكن هذا ليس معناه أنها كانت حرة في أن تفعل ذلك. ويضيف رئيس القضاة إلى ذلك أن هناك فرقًا بين الرغبة في شيء وإمكان تحقيقه.

ويود مندوبو العرب أن يقولوا إن ما يذهب إليه رئيس القضاة لا ينهض. وسواء أكانت الحكومة البريطانية حرة في الواقع فيما يتعلق بفلسطين والمطالب الفرنسية، أم لم تكن فإن من الجلي مما ذكره رئيس القضاة أنها كانت راغبة في سنة 1915 أن تخرج فلسطين من نطاق المطالب الفرنسية، وكل شيء يدل على هذا ويعززه. كذلك ما ورد في تقرير اللجنة التي كان يرأسها السير م. د. بنس، وقد تفضل رئيس القضاة بإبلاغنا إياه على أن قول رئيس القضاة إن هناك فرقًا بين تمني الشيء وتحقيقه لا علاقة له بالموضوع، وإن كان من البديهي أنه صحيح. والمهم أن الحكومة البريطانية كانت راغبة في إخراج فلسطين من منطقة النفوذ الفرنسي في المستقبل، وأنها كانت تحاول في مكاتبات مكماهون أن تمهد الطريق لبلوغ هذه الغاية. وهناك فرق كبير بين تحقيق الغرض ومحاولة تحقيقه. ومندوبو العرب يقررون أن الحكومة البريطانية، لرغبتها في مقاومة المطالب الفرنسية فيما يتعلق بفلسطين، حاولت أن تحقق هذه الرغبة بخطوات متتابعة وذلك أولاً بالامتناع عن أي ذكر لفلسطين حين سردت - في كتاب السير هنري مكماهون في 24 أكتوبر 1915 - تلك الأجزاء من سوريا التي يحتفظ بها من أجل المصالح الفرنسية.

وثانيًا بعد أن أرسل هذا الكتاب فعلاً بدعوة مندوبي فرنسا إلى لندن، ومحاولة حملهم على التخلي عن فلسطين، وثالثًا في سنة 1916 بالإصرار على النص في اتفاق سيكس - بيكو، على أن تكون فلسطين ذات صبغة دولية. وأخيرًا بعد انتهاء الحرب بمطالبة فرنسا صراحة بالموافقة على الانتداب البريطاني في فلسطين.

هذا هو السياق التاريخي للحوادث التي وقعت بين نشوء الرغبة البريطانية في سنة 1915 وتحقيقها في سنة 1919. ولم يكن كتاب السير هنري مكماهون المؤرخ في 24 أكتوبر 1915 إلا خطوة أولى، من سلسلة خطوات، حاولت بها الحكومة البريطانية أن تدرك غايتها، وأن تخرج فلسطين من منطقة النفوذ الفرنسي في المستقبل. لتدخلها آخر الأمر في منطقة النفوذ البريطاني.

وقد عني اللورد رئيس القضاة، في الفقرة (59) من مذكرته، بأن يلفت النظر إلى أن اتفاق " سيكس - بيكو " ينص على المشاورة مع الشريف حسين فيما يتعلق بنوع الحكومة التي تقام في فلسطين.

ويستخلص من ذلك أن من الصعب أن يرى الإنسان كيف يكون من الإنصاف أن يعد الاتفاق نكثًا للعهد مع الشريف حسين.

إن الاتفاق يعد نقضًا للعهد لعدة أسباب، منها: أن فلسطين سبق أن عدت داخلة في منطقة الاستقلال العربي، وأن في كون الحكومة البريطانية تركت الشريف حسينًا في جهل من الأمر دليلاً على أنها كانت تدرك ما في عملها من الحرج. وقد علم بأمر الاتفاق مصادفة بحد عقده بثمانية عشر شهرًا، فاحتج على الحكومة البريطانية، فردت ردًا ينطوي على التهرب، وحاولت - في رسالتين أذيعتا فيما بعد أن تحمله على الاعتقاد بأن مثل هذا الاتفاق لم يعقد قط.

ومن الممكن أن نورد أمثلة أخرى من مذكرة اللورد رئيس القضاة ومن بيانه الشفوي الملخص في محضر الجلسة الثانية - 24 فبراير 1939 - تحمل مندوبي العرب على الاعتقاد بأنه لم يكن على علم تام بالحقائق لما أدلى بهذه البيانات والتعليقات.

ومن الأمثلة الجديرة بالذكر، تلك الفقرة التي يعرب فيها عن اقتناعه بأن اللورد بلفور حين وضع تصريحه لم يكن يفعل شيئًا يخول اليهود أن يطالبوا بدولة مستقلة في فلسطين. والواقع أن من الحقائق التاريخية أن اللورد " بلفور " لما وضع تصريحه كان يفكر في قيام دولة يهودية في فلسطين في المستقبل. وهذه الحقيقة معروفة أتم المعرفة لمن كانوا على اتصال به في ذلك الوقت وقد أعلنها المستر لويد جورج نفسه وكان يومئذٍ رئيسا للوزارة وذلك حين أدلى الشهادة وأدلى بأقواله أمام لجنة فلسطين الملكية فقد قال ما يأتي:

" إن الفكرة كانت، وهذا ما فسرت به في وقتها، ألا تقام دولة يهودية فورًا بمقتضى معاهدة الصلح، ومن غير مراعاة لرغبات أكثرية الأهالي. على أنه من ناحية أخرى كانت النية - متى حان الوقت لمنح فلسطين نظمًا نيابية، واستطاع اليهود في أثناء ذلك أن يغتنموا الفرصة التي أتيحت لهم بإنشاء الوطن القومي، وصاروا أصحاب الأغلبية بين الأهالي - أن تصبح فلسطين دولة يهودية ".

وهكذا كان تصريح بلفور مع أنه لم يعد بأكثر من إقامة وطن قومي كائنًا ما كان معناه – في أذهان المستر لويد جورج وزملائه، مقصودًا به أن يكون ستارًا يسمح للصهيونيين من ورائه بأن يوجدوا أغلبية يهودية في البلاد، وينشؤوا دولة يهودية في فلسطين. وهذا هو الغرض الحقيقي من تصريح بلفور كما كشف عنه المستر لويد جورج، وكفى به حجة. وفي أثناء ذلك كان الكومندر هوجارث - بناءً على تعليمات الحكومة البريطانية - يؤكد للشريف حسين أن تصريح بلفور ليس معناه - ولن يسمح بأن يكون معناه أي تدخل في الحرية السياسية والاقتصادية للعرب في فلسطين.

وقد قال اللورد رئيس القضاة قبل نهاية بيانه أنه لا يسعه إلا أن يفند بشدة وينفي بقوة أية تهمة توجه إلى الحكومة البريطانية أو أسلافها بنقض العهد. وما قال مندوبو العرب في المذكرة التي قدموها في 23 فبراير ولا في ملاحظاتهم الشفوية، أي شيء عن نقض العهد من جانب الحكومة الحاضرة أو الحكومات السابقة. وقد رأوا أن الأحكم والأفضل أن يجتنبوا كل مهاترة وأن يقتصروا على تناول الموضوع المطروح على اللجنة، وهو درس معنى العهود الواردة في مكاتبات مكماهون، وتبين مداها. ومن رأيهم أن من العبث الدخول في بحث للجانب الأدبي للسياسات والوسائل التي اتبعت في أيام الحرب، وأن الخير كله والمزية أجمعها في استخلاص الحقيقة. ويشجعهم على ذلك الغيرة التي أبداها اللورد رئيس القضاة على اسم حكومة جلالته وسمعتها، وهم يأملون أن يراجع الأمر ويعيد النظر فيما انتهى إليه من رأي بعد أن أدلوا إليه بملاحظاتهم وأفضوا ببعض الحقائق في هذه المذكرة.

ويود مندوبو العرب خاصة أن يلفتوا نظره إلى أن من المرغوب فيه أن يعيد النظر فيما علق به على خطبة اللورد جراي في مجلس اللوردات في 27 مارس 1923. فقد ذهب اللورد رئيس القضاة إلى أن خطبة اللورد جراي قائمة على خطأ صريح في فهم تصريح بلفور، ولا يكاد هذا يكون من الإنصاف للورد جراي، فإن الآراء التي أبداها تدل على أنه كان على علم صحيح دقيق بما كان يدور برأس المستر لويد جورج فيما يتعلق بمستقبل الدولة اليهودية في فلسطين.

ولا يحاول مندوبو العرب في هذه المذكرة أن يردوا على كل النقط التي أثارها اللورد رئيس القضاة، وإنما اقتصروا على ما بدا لهم أنه فاته من " الظروف المحيطة " وليس من همهم أن يصدروا حكمًا على سلوك الحلفاء في سياستهم في أثناء الحرب، وإنما يريدون أن يقولوا إنه إذا كانت الأخطاء قد ارتكبت والتناقض قد وقع في فورة الحرب، فإن النهج القويم في الوقت الحاضر والذي يقضي به الإنصاف - حرصًا على سمعة بريطانيا العظمى وعلى السلام في فلسطين هو الاعتراف بالأخطاء والتناقض والانتقال من ذلك إلى درس الوسائل المعينة على إصلاحها، أو كما قال اللورد جراي " إنه ليكون من المرغوب فيه جدًا بدافع من الشريف أن توضع كل هذه العهود جنبًا إلى جنب. وفي رأيي أنه يكون من مقتضيات الشريف أن نتأملها بإنصاف، وأن نتبين مبلغ ما بينها من التناقض، وأن نجعل بالنا إلى طبيعة كل عهد وموثق وإلى التاريخ الذي قطع فيه وأُعْطي. وبعد أن نعرض كل الحقائق على عقولنا، ندرس ما يوجب العدل والإنصاف فعله ".

هذه هي ألفاظ ذلك السياسي المشهور الذي أعطيت عهود مكماهون بناءً على تعليماته. والنصيحة التي يقدمها للحكومة هي بعينها ما يدعو مندوبو العرب حكومة جلالته إليه.

الإمضاء

ج. انطونيوس

السكرتير العام للوفود العربية.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

بيان أدلى به السير متشيل ماكدونيل لبعض المسائل القانونية الناشئة عن بيان رئيس القضاة في الجلسة الثانية التي عقدتها اللجنة

24 فبراير سنة 1939

دعاني الوفد العربي - بموافقة وزير المستعمرات - إلى حضور اجتماعات اللجنة ومخاطبة سعادتكم - يعني رئيس القضاة - اليوم، ويجب أن أذكر أن مركزي يختلف عن مركز هؤلاء السادة في أن نص المكاتبات الذي يعرفونه من زمان طويل مما نشر بالعربية لم يصل إلى علمي إلا لما نشر في الصفحة الثامنة عشرة من تقرير اللجنة الملكية في سنة 1937، وهذا فيما يتعلق بكتاب السير هنري مكماهون المؤرخ في 24 أكتوبر 1915، أما سائر المكاتبات فلم أطلع عليها إلا لما نشر كتاب المستر انطونيوس منذ ثلاثة شهور. ولا يمكن أن يكون هناك شك في أن الشريف حسين طلب في كتابه المؤرخ في 14 يوليه 1915 كل ما يعرف الآن باسم سوريا والعراق وشبه جزيرة العرب وشرقي الأردن وفلسطين، مع استثناء عدن.

أما ما تذهب إليه الحكومة البريطانية من أنه لم يكن في نيتها أن تدخل فلسطين في منطقة الاستقلال، فإنه يبدو لي مما لا يقبل التصديق أن تحفظها كالتحفظ الخاص بعدن، لم يرد في أول كتاب من السير هنري مكماهون إلى الشريف، أو في كتابه الثاني ردًا على كتاب الشريف حسين المؤرخ في سبتمبر وفيه يقول - على ما جاء في كتاب المستر انطونيوس - إن أمتنا تعتقد أن هذه الحدود هي الحد الأدنى اللازم لإقامة النظام الجديد الذي تسعى له.

وقد حصل اهتمام كبير بما قاله السير هنري مكماهون في كتابه إلى التيمس في 23 يوليه 1937وما قاله السير جلبرت كليتون في كتابه المؤرخ في 12 ابريل 1925 إلى السير هربرت صمويل.

فأما ما قاله السير هنري مكماهون أو السير جلبرت كليتون، فلا أرى له أية قيمة، فما كان هذان هما اللذان يعرضان العروض على الشريف حسين، وإنما كانت الحكومة البريطانية هي التي تعرض ذلك، كما جاء في كتاب السير هنري مكماهون المؤرخ في 24 أكتوبر 1915 وما كان المندوب السامي البريطاني في مصر، سوى أنبوبة تمر بها اقتراحات حكومة جلالته إلى الجانب الآخر. ولم تكن مهمة السير جلبرت كليتون إلا أعداد المشروعات الأولى للكتب. وأذكر هنا أن للورد هالسبري (رئيس القضاة) يومئذٍ كلمة مأثورة في قضية هلدر ضد دكسترا (ج - 1902) صفحة 477 فيما يتعلق بتفسير القانون، وهي كلمة تصدق على تفسير كل مكتوب، وعلى ما نحن بصدده أيضًا - قال:

" أتيح لي مرارًا أن أقول - فيما يتعلق بتفسير القوانين - إني أعتقد أن شر مفسر لها هو الرجل المسؤول عن صوغها، فإنه يميل كثيرًا إلى الخلط بين ما كان ينوي أن يفعل وتأثير اللغة - أو العبارة التي استعملها بالفعل، ولعله كان عند صوغ القانون يعتقد أنه جاء بالعبارة المحكمة الدقيقة الأداء لما يريد، ولكنه قد يخطئ في تفسيرها فيما بعد، لأن ما كان في ذهنه هو ما كان يعنيه، وإن لم يكن هو بالضبط ما عبر عنه ".

وكان موضوع القضية تفسير فصل من قانون الشركات الصادر في سنة 1900 وقد قال اللورد هالسبري بعد العبارة التي اقتبستها من تعليقه:

" لهذا السبب أتنحى عن وضع الحكم بنفسي في هذه القضية، ولكني في الوقت نفسه أحب أن أقول بعد أن قرأت ما أعده زملائي العلماء النبلاء واقترحوه للحكم:

إني موافق على كل كلمة. وأنا أعتقد أن التفسير الذي ذهبوا إليه هو الذي عناه القانون ولست أقول إن هذا ما عنيته أنا، بل ما كان يقصد إليه المشروع، ولقد كنت مسؤولاً إلى حد كبير عن عبارة القانون، ولهذا السبب - وله وحده - لم أدون الحكم بنفسي، ولكني أوافق على الحكم الذي وضعه زملائي العلماء النبلاء ".

والقاعدة التي تتقيد بها محكمة تريد تفسير كتاب السير هنري مكماهون المؤرخ في 24 أكتوبر1915 هي القاعدة التي وصفها قاضٍ ممتاز هو اللورد " ونسليديل " بأنها القاعدة الذهبية للتفسير القانوني، ومؤداها أنه عند تفسير عبارة مكتوبة يجب التمسك بالمعنى العادي اللغوي للألفاظ إلا إذا كان هذا خليقًا أن يؤدي إلى سخافة ظاهرة، أو إلى تناقض واضح وتنافر ظاهر مع بقية العبارة وفي هذه الحالة يجوز الانحراف قليلاً عن المعنى اللغوي العادي للألفاظ، اجتنابًا للسخافة أو التناقض بلا زيادة أو توسع. فالمسألة التي تواجهنا الآن هي: ما هو المقصود بعبارة السير هنري مكماهون في كتابه المشار إليه إذا أخذنا بالمعنى العادي للألفاظ " أجزاء من بلاد الشام في الجهة الغربية من ولايات دمشق الشام وحمص وحلب وحماة لا يمكن أن يقال إنها عربية بحتة؟ "

وأرى أن الرجوع إلى الخريطة رقم (1) الواردة في تقرير اللجنة الملكية وهي خريطة صادرة عن وزارة الحربية وفيها تظهر الأقسام الإدارية التركية قبل الحرب في سوريا وفلسطين، أو إلى الخريطة المواجهة لصفحة (248) من كتاب المستر انطونيوس، يسهل علينا جدًا فهم المعنى العادي اللغوي لألفاظ الحكومة البريطانية التي وضع تحتها المندوب السامي في مصر إمضاءه.

فإذا درسنا التقسيمات الإدارية على الخريطة، فكيف يمكن أن يصح التفسير الذي ذهب إليه المستر تشرشل، وهو وزير للمستعمرات في سنة 1922، إذ ذهب إلى أن عبارة " أجزاء من بلاد الشام، واقعة إلى الغرب من ولايات دمشق وحمص وحماة وحلب " تشمل الجزء الجنوبي من ولاية بيروت وسنجق القدس المهم. من الواضح أنه كان من الضروري أن يقال هذا، مادام المراد هو اعتبار فلسطين التي تشمل سنجقي عكا والبلقاء في ولاية بيروت، وسنجق القدس المستقل، مخرجة من المنطقة التي وعد بها العرب. وبدلاً من أن يكون من الواضح أن فلسطين داخلة في التحفظ الوارد في كتاب 24 أكتوبر 1915 نستطيع على العكس أن نقول: إن كل شيء ممكن قد عمل لبيان أن القصد كان أن تكون فلسطين داخلة في المنطقة التي وعد بها الشريف حسين، إذ لماذا لم تذكر ولايات دمشق وحمص وحماة وحلب وليس بينها واحدة واقعة شرقي فلسطين. ولكنها تنأى عن فلسطين شمالاً على الترتيب الذي وردت به؟

ولماذا لم يرد شيء قط عن سنجقي حوران ومعان، وإلى غربهما تقع فلسطين كلها؟ ولماذا إذا كان الغرض وصف فلسطين لم تذكر بحيرة الحولة، ونهر الشريعة، وبحيرة طبرية والبحر الميت، كحدود شرقية؟

فبدلاً من أن تؤدي الألفاظ - بمعناها العادي اللغوي - إلى إخراج فلسطين، تفيد العكس. وتدع فلسطين داخلة بوضوح في المنطقة التي يمنح العرب فيها الاستقلال. والقول بغير ذلك يشبه فعل من يحاول وصف جنوب إنجلترا، ويُسْتَثْنَى من هذا الجنوب المنطقة الواقعة جنوبي نهر التيمس – أي مقاطعات يوركشير وكنت - فلا يذكر إلا مقاطعات جلوستر ومونموث، وهي على أميال من الخط الذي يريد أن يرسمه للحدود، وهو خط واضح جدًا، لأن نهرًا يجري فيه. وقد بين المستر انطونيوس أن المستر تشرشل في سنة 1922 حاول أن يثبت أن كلمة " منطقة " في الترجمة الإنجليزية للعبارة الواردة في كتاب السير هنري مكماهون بتاريخ 24 أكتوبر وهي " أجزاء من بلاد الشام واقعة إلى الغرب من ولايات دمشق وحمص وحماة وحلب " مرادفة لكلمة " ولايت " التركية وأنه لما كانت ولاية دمشق تشمل ذلك الجزء من سوريا المعروف الآن باسم شرقي الأردن، وهو شرقي نهر الأردن أو الشريعة، فإنه يتبع ذلك أن الجزء من سوريا المعروف الآن باسم فلسطين والواقع غربي نهر الشريعة، كان داخلاً في التحفظ الذي أورده السير هنري مكماهون، على أن المستر انطونيوس بين في صفحتي (177 و178)، من كتابه أن هذا القول لا تنهض فيه حجة، لأنه لم يكن شيء اسمه " ولاية دمشق " أو " ولاية حمص " أو " ولاية حماة ".

وربما كانت كلمة " ولاية " العربية قد استعملت في ترجمة كتاب السير هنري إلى الشريف، ولكن معناها لا يزيد على معنى كلمة " منطقة " وهي لا تدل على مؤدى كلمة " ولايت " التركية التي كانت تفيد وحدة إدارية معينة، يحكمها " والٍ " - ومن هنا كانت تسميتها ولاية. والقول بأن السير هنري لما قال " ولاية دمشق " كان يعني سوريا في العهد العثماني، يعادل القول بأن كلمتي " مقاطعة ميدستون " معناها " مقاطعة كنت ".

وقد قال اللورد لندلى في قضية " كميون ضد بيكس " سنة 1900 - الفصل الأول – الصفحة 419:

" لا أدري هل هذا قانون أو مجرد قاعدة للتفسير، ولكني أدري أنه من الصواب أن نقول إنه إذا حدث في وصية أو غيرها من الوثائق أن وجدت كلمة في أي مكان ذات معنى واضح محدود، فإن المفروض أن يكون هذا المعني الجلي المحدود هو المقصود كلما وردت في مكان آخر يكون مؤداها فيه غير جلي.

وفي الفقرة الرابعة من كتاب السير هنري في 24 أكتوبر ترد كلمة " ولاية " لا أقل من ست مرات، مقرونة إلى أسماء ست مدن، وهي مرسين، والاسكندرون، ودمشق، وحمص، وحلب، وليس من بين هذه الأسماء الستة ما أطلق عليه اسم الولاية في العهد التركي، غير " حلب "، ولما كان ما يقع غربي ولاية حلب هو البحر، فإن هذه الولاية لا يمكن أن تكون هي المقصودة لتعيين ما يقع غربًا، وإزاء هذا يكون من المجانبة لما يشير به العقل أن يتمسك المرء بإحدى المدن الخمس الباقية - أي دمشق - وأن يزعم أن الإشارة إلى " ولايتها " يراد بها الولاية التي كانت هي بعضها، وهي ولاية لم تكن تحمل اسم دمشق، بل اسم الشام أو سوريا وكان يدخل فيها فضلاً عن ذلك اثنتان من المدن الأخرى المذكورة - أي حمص وحماة - وردتا في كتاب السير هنري بعد ذكر " ولاية دمشق " مباشرة. ألا ينادي العقل بأن كلمة " ولاية " حينما وردت لما يراد بها ما هو واقع في جرار هذه المدن؟ بهذا التفسير وحده نصل إلى فهم مستقيم للألفاظ التي استعملت، وبهذا وحده نستطيع أن نستخلص معنى كل كلمة بما في ذلك عبارة " ولايتي حمص وحماة ".

ويلاحظ كذلك أن الشريف حسين في كتابه الذي رد فيه علي السير هنري في 15 نوفمبر 1915 راجع كتاب المستر انطونيوس صفحة 421 هامش رقم (1)، يستعمل كلمة " ولاية " عندما يذكر مرسين واطنة. ومن الواضح أنه يستعملها بالمعنى العام أي منطقة، لأنه كان يعلم أنه لم يكن ثمة ولاية تركية اسمها ولاية مرسين وإنما كانت هناك ولاية اطنة التي كانت مرسين بمينائها ومنطقتها واقعة فيها.

فللمرء أن يعتقد أن الشريف حسين حيث ذكر مرسين واطنة إنما عاد إلى طريقة التعريف والتحديد التي استعملها في كتابه الأول في 14 يوليه 1915 حين رسم الحدود الشمالية التي طلبها وعينها، لا بالأقسام الإدارية من ولايات وسناجق، بل بخط من المدن واقع بالتقريب على خط طول محاذٍ لها.

ولهذا أعتقد أن الشريف حسين استعمل كلمة " ولاية " العربية في هذا الكتاب بمعنى ما يحيط بالمدن المذكورة. وذلك ليس فقط حين أشار إلى مرسين واطنة، بل كذلك حين ذكر فيما بعد ولايتي حلب وبيروت. وأنا أبنى هذا الاعتقاد أيضًا على كونه حين ألح في إدماج هذه الأقاليم في منطقة الاستقلال العربي قال " إن ولايتي حلب وبيروت وسواحلهما الغربية ولايات عربية صرفًا " وفي كتابه التالي المؤرخ في أول يناير 1913 يشير الشريف إلى " الأجزاء الشمالية وجهاتها الساحلية " ثم إلى " بيروت وجهاتها الساحلية ".

والآن لماذا عني الشريف حسين بأن يشير إلى " السواحل البحرية "، " الجهات الساحلية "؟ إن المرء حين يتكلم مثلاً عن " ديرهام " لا يذكر " مقاطعة ديرهام وجهاتها الساحلية " أو " مقاطعة ديرهام ومنطقتها الساحلية " فإن ذكر الساحل إذا كان الكلام على مقاطعة لا يكون إلا تحصيل حاصل، ولكن إذا كان الغرض هو أن ينص في الوصف على جزء من المقاطعة يدخل فيه بعض ما يحيط بالمدينة الرئيسية التي تحمل نفس الاسم والساحل المجاور لها، فإن من الطبيعي والمعقول أن يقول " منطقة دير هام وساحلها البحري " أو " وجهاتها الساحلية ".

ونقطة أخرى لها أهمية عظيمة هي أن السبب الذي من أجله استثنى السير هنري مكماهون في كتابه أجزاء من سوريا واقعة إلى الغرب من ولايات دمشق وحمص وحماة وحلب، وكذلك من ولايات مرسين وأطنه هو " أنها لا يمكن القول إنها عربية صرفًا "، فأما مرسين فإن فيها عددًا كبيرًا من الأهالي الأتراك ومثلها المنطقة الساحلية من ولاية حلب التي تقع في أطنه، وفي مناطق اللاذقية وطرابلس ولبنان عدد كبير من العلويين ومن الدروز ومن المارونيين الذين يختلفون في بعض الحالات من حيث الجنس، وفي جميع الحالات من حيث الدين عن أغلبية العرب المسلمين في سوريا. ومما له أعظم دلالة أن الأجزاء السورية التي يمكن أن توصف بدقة بأنها واقعة إلى الغرب من دمشق وحمص وحماة وحلب، تشمل مناطق اللاذقية وطرابلس ولبنان التي توجد فيها الأقليات المذكورة. يضاف إلى ذلك أن المنطقة التي لا يمكن أن يقال عنها إن أهاليها ليسوا من العرب هي فلسطين التي تبلغ فيها نسبة العرب على الأقل 95 في المائة، على الرغم من وجود عدد كبير من المؤسسات الأوروبية المسيحية فيها.

وليس في مكاتبات مكماهون كلمة واحدة عن الأهمية العالمية للأراضي المقدسة، وإنما كان الشرط الوحيد الذي يجب توفره قبل الاعتراف باستقلال العرب، وتأييد هذا الاستقلال في أية منطقة من المناطق، هو مراعاة مصالح فرنسا. ومعظم سنجق بيروت الصغير لأن يقع غربي سنجق دمشق. وقد أدخلت هذه المنطقة وفي جملتها مدينتا صور وصيدا، فيما أُعْطى لفرنسا بمقتضى اتفاق " سيكس - بيكو " في سنة 1916 ولا تزال إلى اليوم جزءًا من الأراضي التي يشملها الانتداب الفرنسي. فالقول بأن منطقة لها سعة فلسطين وأهمية الأراضي المقدسة فيها، إذا لم تكن مخرجة بكونها غير واقعة غربي دمشق وحمص وحلب وحماة، فإن كانت النية إخراجها مراعاة لمصالح فرنسا التي كانت الحكومة البريطانية في ذلك الوقت تأبى الاعتراف بها هذا القول لا تنهض فيه أية حجة.

وقد ورد في كتاب السير هنري مكماهون إلى التيمس في 23 يوليه 1937 الفقرة الأخيرة الآتية:

" وقد كان لديَّ أيضًا ما يحملني على الاعتقاد في ذلك الوقت بأن الملك حسين كان يعلم جيدًا أن فلسطين لم تكن داخلة في العهد الذي قطعته له ".

ولا يذكر السير هنري الأسباب التي يبني عليها اعتقاده هذا فهنا أيضًا، إذا كان الأمر معروضًا على محكمة، ومطلوبًا منها أن تفسر وثيقة تثبت الوعد المبذول للملك حسين، فإنها لا يمكن أن تعبأ شيئًا بما يقوله الذي بذل الوعد بعد اثنتين وعشرين سنة من حصوله، من إنه يعتقد أن الذي قبل الوعد فهمه، وإنما تجعل المحكمة بالها إلى الألفاظ التي استعملها من بذل الوعد والتي استعملها من قبله.

ومما له أهمية في هذا الصدد الفقرة الثانية من الكتاب الثالث الذي بعث به الشريف حسين إلى السير هنري مكماهون في 5 نوفمبر1915، (راجع كتاب المستر انطونيوس صفحة 421) ردًا على كتاب السير هنري مكماهون المؤرخ في 24 أكتوبر 1915، وهذا نصها:

" تسجيلاً للوفاق وخدمة للإسلامية، فرارًا مما يكلفها المشاق والإحن وبما لحكومة بريطانيا العظمى من الصفات والمزايا الممتازة لدينا نترك الإلحاح في إدخال ولايات مرسين وأطنة في أقسام الممـلكة العربية. وأما ولايات حلب وبيروت وسواحلهما فهي ولايات عربية محضة. ولا فرق بين العربي المسيحي والمسلم، فإنهما ابنا جد واحد، وستقوم فيهم منا معاشر المسلمين ما سلكه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من أحكام الدين الإسلامي، ومن تبعه من الخلفاء بأن يعاملوا المسيحيين كمعاملتهم لأنفسهم، بقوله لهم ما لنا، وعليهم ما علينا. علاوة على امتيازاتهم المذهبية، وبما تراه المصلحة العامة وتحكم به ".

ويلاحظ مرة أخرى أنه لا ذكر هنا لسنجق القدس، وأما ذكره لولايتي حلب وبيروت، فإن من الواضح أنه يعني جانبًا من الولاية الأخيرة - بيروت - يقع غربي دمشق وحمص وحلب وحماه، المشار إليها في الكتاب الذي يرد عليه وهو يؤكد أن هذه أقاليم عربية بحتة سواء أكان الأهالي مسلمين أم مسيحيين، ومن الجلي أنه لا يشير إلى المنطقة الواقعة غربي حوران، ولا إلى المنطقة الغربية من معان، وهي التي تقع فيها سناجق عكا والبلقاء والقدس، أو بعبارة أخرى فلسطين.

ومما يؤكد هذا الرأي أنه يتعهد بأن يكفل حقوق العرب المسيحيين ومن الطبيعي إزاء ذلك أن نفهم أنه يفكر في الجالية المسيحية المارونية الكبيرة في لبنان وهي التي ظلت سنوات تتطلع، إلى فرنسا، وتعدها حامية لها، ثم إنها هي الجالية المسيحية الوحيدة التي تعيش كتلة واحدة في منطقة واضحة الحدود في هذه البلاد كلها.

وقد رد السير هنري على كتاب الشريف حسين هذا، والرد مؤرخ في 14 ديسمبر 1916 وفيه يقول (راجع كتاب المستر انطونيوس صفحة 423):

" وسرني ما رأيت فيه - يعني كتاب الشريف المذكور - من قبولكم إخراج ولايتي مرسين وأطنة من حدود البلاد العربية. أما بشأن ولايتي بيروت وحلب فحكومة بريطانيا قد فهمت كل ما ذكرتم بشأنهما ودونت ذلك عندها بعناية شديدة. ولكن لما كانت مصالح حليفتها فرنسا داخلة فيها، فالمسألة تحتاج إلى نظر دقيق. وسنخابركم بهذا الشأن مرة أخرى في الوقت المناسب ".

ويلاحظ هنا أيضًا أن الإشارة صريحة إلى ولايتي حلب وبيروت، وأن السير هنري مكماهون لا يذكر كلمة واحدة عن سنجق القدس، وأن السبب الوحيد الذي يورده لإخراج هاتين الولايتين – حلب وبيروت - هو أن " مصالح حليفتنا فرنسا داخلة فيهما لا أنهما غير عربيتين. ولا ذكر على الإطلاق لفلسطين، ولا إشارة البتة في اهتمام العالم بالأراضي المقدسة.

بعد هذا ننتقل إلى الكتاب الرابع الذي بعث به الشريف حسين في أول يناير 1916 (راجع كتاب المستر انطونيوس صفحة 425) وفيه الفقرة الأتي نصها:

" أما الجهات الشمالية وسواحلها فما كان في الإمكان من تعديل أتينا به في رقمنا السابق هذا، وما ذاك إلا للحرص على الأمنيات المرغوب حصولها بمشيئة الله تبارك وتعالى وعن هذا الحس والرغبة هما التي ألزمتنا بملاحظة اجتناب ما ربما أنه يمس حلف بريطانيا العظمى لفرنسا، واتفاقهما إبان هذه الحرب والنوازل، إلا إننا مع هذا نرى من الفرائض التي ينبغي لشهامة الوزير صاحب الرياسة أن يتيقنها بأن عند أول فرصة تضع فيها أوزار هذه الحروب، سنطالبكم بما نغض الطرف عنه اليوم لفرنسا في بيروت وساحلها، سيما وأن جوارهم لنا سيكون جرثومة للمشاكل والمناقشات التي لا يمكن معها استقرار الحالة، عدا أن البيروتيين بصورة قطعية لا يقبلون هذا الانفصال، وعليه يستحيل إمكان أي تساهل يكسب فرنسا أو سواها شبرًا من أراضي تلك الجهات ".

فهنا أيضًا لا توجد كلمة واحدة عن الأراضي المقدسة، أو سنجق القدس أو أية إشارة لهـا دلالة جغرافية، سوى عبارة " الجهات الشمالية وسواحلها " وهي التي لا شك في أنها تقع إلى الغرب من مناطق دمشق وحمص وحماة وحلب.

ومما له دلالة عظيمة أيضًا أن الفقرة الأخيرة المقتبسة من كتاب الشريف حسين تذكر فرنسا وحدها، باعتبارها الدولة التي لا يسمح بالنزول لها عن شيء من الأرض. ومثل هذا يقال عن العبارة الوحيدة التي لها علاقة بالموضوع في الكتاب الأخير. فقد جاء في كتاب السير هنري مكماهون المؤرخ في 13 يناير 1916 (راجع كتاب المستر انطونيوس صفحة 426) ما يأتي:

" أما عن الجهات الشمالية فقد لاحظنا بارتياح عظيم أنكم لا ترغبون في عمل شيء من شأنه أن يمس التحالف بين بريطانيا العظمى وفرنسا ".

ويخيل إلي أن الشريف حسين لا بد أن يكون حظه من نفاذ البصيرة عظيمًا، ومن العلم بالغيب كبيرًا، ليدرك من هذه المكاتبات أن الحكومة تنوي أن تخرج فلسطين من المنطقة التي تتكفل باستقلالها، فإن كل كتاب من الكتب التي بعثت بها الحكومة البريطانية إليه بإمضاء السير هنري مكماهون لا يستفاد منه أي شيء ينبئ بأن في النية إخراج فلسطين واستثناءها، بل كل ما في هذه الكتب ينفي أن فلسطين موضوع مباحثه، وذلك لاستعمال أوصاف جغرافية تنطبق على الجهات المجاورة، ولا تصف فلسطين نفسها، أو تدل عليها، أو تشير إليها. ويخلو الكتب، عند ذكر أسباب الاستثناء، من الأسباب التاريخية والدينية ذات العلاقة بالأراضي المقدسة، وباقتصارها عـلى الأسباب السياسية الخاصة بشمال سوريا وهي أسباب لا يمكن أن تكون لها أية صلة بفلسطين.

وقد اقتصرت في بياني هذا على ما يستخلص، بغير تمحل في فهم مدلول الألفاظ، من العبارات الواردة في المكاتبات على العموم.

والتفسير الوحيد الذي جاءت به الحكومة - غير ما سمعناه من سيادتكم يعني رئيس القضاة – هو الذي ورد في الكتاب الأبيض الصادر في سنة 1922 وفيه يقول المستر تشرشل إن عبارة " أجزاء من بلاد الشام واقعة إلى الغرب من ولاية دمشق " - وقد اقتصر على هذه الفقرة، ولم يورد البقية - تعدها الحكومة شاملة لولاية بيروت وسنجق القدس المستقل أو بعبارة أخرى فلسطين كلها غربي نهر الشريعة.

وفي الوقت الذي أذيع فيه هذا التفسير لم يكن شيء من المكاتبات قد نشر بالإنجليزية. وقد صرحت الحكومات المتعاقبة، بأن نشر المكاتبات يخالف المصلحة العامة.

أما وقد نشرها الآن المستر انطونيوس، فإنه يخيل إلى أن الحكومة قد تزحزحت عن موقفها ذاك الذي يدل عليه تفسير المستر تشرشل، وعادت تقول الآن إنه " مما لا يتصور " أن تكون فلسطين قد اعتبرت داخلة في الدولة العربية وأنها لابد أن تكون " قد اعتبرت خارجة بالبداهة، ومن تلقاء نفسها ".

ولتأييد هذا القول، لجأت الحكومة إلى الاستعانة بالاعتبارات الدينية والتاريخية والسياسية. وليس في نيتي أن أتناول هذه الاعتبارات فإن أعضاء المؤتمر أنفسهم أقدر على ذلك وأولى به ولكني أحب أن ألاحظ أنه لا يجوز النظر في الظروف التي استعملت فيها الألفاظ، والغرض الذي توحي الظروف أن الشخص كان يقصد إليه، إلا إذا كان من المستحيل، لفساد العبارة واضطرابها الوقوف على الغرض المقصود منها بغير بحث آخر.

وعندي أن المعنى اللغوي العادي للألفاظ المستعملة في المكاتبات لا يؤدي إلى أية سخافة، ولا يوقع في أي تناقض. ولهذا السبب لا يبدو ضروريًا - بل لا يجوز النظر في أية ظروف محيطة بقصد تعديل هذا المعنى. وأنا أقرر أنه لا يجوز الإحالة على الظروف المحيطة أو الاستعانة على التفسير بوثائق أخرى، إلا في حالة الغموض، وما دام لا غموض هناك، فلا تأثير لأي بيان كتابي أو شفوي يأتي بعد ذلك في المعنى.

وأخيرًا هل لي أن أقول: إن حكومة جلالته قد غيرت حجتها أكثر من مرة في تاريخ هذا الخلاف ؟ ففي سنة 1922 كان اعتمادها كله على الزعم بأن فلسطين بأسرها، غربي نهر الشريعة، مخرجة من تعهد السير هنري مكماهون، بمقتضى التحفظ الوارد على " أجزاء من سوريا واقعة إلى الغرب من ولاية دمشق ". وإذا اعتبرنا ما جاء في صفحتي (19 و20) من تقرير اللجنة الملكية، فإنها في أثناء إدلائها بأقوالها أمام تلك الهيئة قد اعتمدت على مطالب فرنسا الخاصة بمصالحها المزعومة في هذه المنطقة. أما حجة حكومة جلالته في الوقت الحاضر وهو أن فلسطين يجب أن تعد " بداهة وبصفة آلية " خارجة - بسبب الصمت عنها - من المنطقة المستقلة، وهي حجة لا تستقيم على الحجج الأخرى السابقة، ولم تعلن قط من قبل، وإذا كانت قد عرضت على اللجنة في جلسة سرية، فقد عدت قليلة الأهمية إلى حد رأت معه اللجنة إهمال كل إشارة إليها في تقريرها

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

مؤتمر فلسطين ..... تقرير اللجنة المؤلفة لدرس مكاتبات معينة تبودلت في سنتي 1915 و1916 بين السير هنري مكماهون المندوب السامي البريطاني بالقاهرة وشريف مكة

في الجلسة السادسة لمؤتمر فلسطين العربي البريطاني المعقودة بقصر " سان جيمس " في السادس عشر من شهر فبراير1939 تقرر تعيين لجنة لدرس مكاتبات معينة اشتهرت باسم " مكاتبات مكماهون " تبودلت في سنتي 1915 و1916 بين السير هنري مكماهون الذي كان وقتئذ المندوب السامي لجلالته في القاهرة، وشريف مكة - الملك حسين ملك الحجاز فيما بعد - وتقديم تقرير إلى المؤتمر عن هذه المكاتبات.

وطبقًا لهذا القرار ألفت لجنة من الآتية أسماؤهم:

ممثلو الوفود العربية لدى المؤتمر

صاحب الدولة الجنرال نورى السعيد - رئيس وزارة العراق.

(وقد حل محله بعد الجلستين الأوليين للجنة صاحب السعادة توفيق السويدي بك الذي تولى رياسة الوفد العراقي بعد سفر الجنرال نورى السعيد). صاحب السعادة عبد الرحمن عزام بك - الوزير المفوض ببغداد - وجده.

عوني بك عبد الهادي - من أعضاء الوفد الفلسطيني العربي.

موسى بك العلمي - من أعضاء الوفد الفلسطيني العربي. المستر جورج انطونيوس - من أعضاء الوفد العربي الفلسطيني، والسكرتير العام للوفود العربية.

ومعهم كمستشار:

السير متشيل ماك دونيل - رئيس المحكمة العليا بفلسطين سابقًا.

ممثلو حكومة جلالته في المملكة المتحدة.

اللورد موم - قاضى القضاة بإنجلترا. السير جراتان بوش - المستشار القضائي بوزارة الخارجية.

ومعهما كمستشار:

المستر ج. هيورث دون - أستاذ اللغة العربية بمدرسة الدراسات الشرقية بجامعة لندن.

وكسكرتير:

المستر ج. ر. كولفيل - السكرتير الثالث بوزارة الخارجية.

اجتمعت اللجنة بمجلس اللوردات أربع مرات - في يوم الخميس 23 فبراير ويوم الجمعة 24 فبراير، ويوم الثلاثاء 28 فبراير، ويوم الخميس 16 مارس.

ودرست مكاتبات مكماهون - حسين، كما درست حوادث معينة لاحقة ووثائق أخرى رأى ممثلو المملكة المتحدة أنها قد تلقى ضوءًا على معنى المكاتبات، أو المقصود منها.

وعند شروع اللجنة في عملها، في بداية اجتماعاتها، أبان قاضى القضاة أنه ليس حاضرًا بصفته القضائية، وأنه لا ينحل نفسه حق الفصل كقاضي في " هل آراء حكومة جلالته في المملكة المتحدة في الموضوع المطروح، أو آراء العرب هي الصحيحة "، وإنما هو موجود كممثل لحكومة جلالته ليس إلا، وإن مهمته الوحيدة هي شرح آرائها، وبيان حججها فيها.

ولما كانت الوفود العربية أمام المؤتمر قد سبق لها أن انتقدت فقرات معينة في النص الإنجليزي للمكاتبات، بحجة أنها ترجمة غير دقيقة للفقرات المقابلة لها في النص العربي، فقد درست اللجنة عددًا من التصويبات للنص الإنجليزي اقترحها المستر جورج انطونيوس، وأقرها المستر - هيورث دون. ومع أن أعضاء اللجنة من العرب ذكروا أنه حتى مع هذه التصحيحات، فإن النص الإنجليزي لا يزال قاصرًا على تأدية النص العربي على خير وجه ممكن، إلا أنهم وافقوا على أن هذه التصحيحات إذا أدخلت فإن النص الإنجليزي يخلو بها من الخطأ الصريح الذي يحول دون الفهم الصحيح للنقط المثارة في المكاتبات المذكورة والتغييرات التي اتفق عليها مبينة في النص الإنجليزي الذي قدمه وزير الخارجية إلى البرلمان في 3 مارس 1939.

وفي الجلسة الأولى التي عقدتها اللجنة في يوم 24 فبراير قدم مندوبو العرب مذكرة تبين تفسير العرب للمكاتبات.

وفي الجلسة الثانية التي عقدتها اللجنة يوم 24 فبراير قدم مندوبو المملكة المتحدة مذكرة تبين على العموم التفسير البريطاني.

وفي الجلسة الثالثة التي عقدتها اللجنة في يوم 28 فبراير قدم مندوبو العرب مذكرتين تشرحان النقط القانونية المتعلقة بعبارة المكاتبات والظروف التي تبودلت المكاتبات فيها.

وفي الجلسة الرابعة التي عقدتها اللجنة يوم 16 مارس قدم مندوبو المملكة المتحدة بيانًا يتناول بإيجاز المذكرتين المقدمتين في الجلسة التالية.

في الفقرات التالية تلخيص لوجهتي النظر العربية والبريطانية:

تلخص الحجج التي قدمها المندوبون العرب وشرحوها في مذكرتهم المؤرخة في 23 فبراير 1939 فيما يلي:

( أ ) لا محل للشك في أن فلسطين كانت داخلة في الواقع في منطقة الاستقلال العربي وكان الفريقان المشتركان في مكاتبات (مكماهون - حسين) يعنيان في أن تكون داخلة، وهذا واضح وضوحًا كافيًا من نصوص المكاتبات نفسها. وفضلاً عن ذلك فإن الدليل التاريخي يعززه.

(ب) والدليل التاريخي مزيته أنه يلقي ضوءًا على النيات التي كانت حكومة جلالته تنطوي عليها في سنة 1916. وهو يثبت أن الساسة البريطانيين عند درسهم لما طلبته فرنسا من الحصول على مركز خاص في سوريا (وفيها فلسطين) شعروا بأن الضرورة تقضي بمقاومة مطلب فرنسا فيما يتعلق بفلسطين، ولم يعترفوا لها به إلا فيما يتعلق بأجزاء من سورية الشمالية.

فالتحفظ الذي وضعه السير هنري مكماهون في مذكرته المؤرخة في 24 أكتوبر 1915 يجب أن يقرأ على ضوء الموقف الذي كانت تتخذه وزارة الخارجية البريطانية في ذلك الوقت.

(جـ) في جميع المكاتبات يبني السير هنري مكماهون إخراجه أجزاء من سوريا على دعوى المصالح الفرنسية. وإن الوصف الجغرافي الذي وصف به السير هنري والشريف الأجزاء التي تستثنى، ليشير إشارة لا تدع مجالاً للخطأ إلى المناطق الساحلية من سوريا الشمالية. ولما كانت السياسة البريطانية في ذلك الوقت ميالة إلى مقاومة مطلب فرنسا الخاص بسوريا كلها، فإن هذا يشير أيضًا إلى تعمد حذف فلسطين من المنطقة المتحفظ بها؛ بدعوى المصالح الفرنسية.

( د ) وبغض النظر عن نيات الحكومة البريطانية التي كان السير هنري مكماهون يرسل كتبه إلى الشريف بناءً على تعليماتها، فإن نص المكاتبات نفسها لا يدع مجالاً للشك فيما حمل به الوعد

فعلاً.

(هـ) ولا سبيل إلى المنازعة - ولم يحصل هذا قط - في أن فلسطين داخلة في المنطقة التي طلب الشريف حسين أن تكون هي منطقة الاستقلال العربي في المستقبل. وقد قبل السير هنري مكماهون هذه المنطقة في جملتها فيما عدا بعض التحفظات. ولم يرد ذكر لفلسطين في هذه التحفظات. وقد كان السير هنري مكماهون يحرص - كلما رأى داعيًا إلى: النص على استثناء كما هو الحال فيما يتعلق بالمناطق الساحلية لسوريا الشمالية، أو أقاليم العراق – على تعيين الجزء المستثنى، لأن عبء الاستثناء كان واقعًا عليه. فكونه لا يذكر فلسطين لا صراحة ولا ضمنًا يجعل من المستحيل على أي إنسان أن يذهب إلى أن فلسطين كانت مخرجة في المنطقة التي وافق السير هنري مكماهون على أن تكون منطقة الاستقلال العربي في المستقبل.

(و) أما ما تذهب إليه حكومة جلالته من أن عبارة " ولايات دمشق وحمص وحماة وحلب " تشمل كل ولاية سورية فقول لا ينهض، وهي دعوى قائمة على أن كلمة منطقة أو سنجق تعادل كلمة ولاية، وهو ما ليس بصحيح لا عقلاً ولا نصًا.

( ز) وحتى لو فرضنا جدلاً أن فلسطين كانت مستثناة من المنطقة العربية فعلاً فإن استثناءها لا يبرره إلا الاستناد على مطالب فرنسا. وقد نزلت فرنسا أخيرًا عن مطلبها فيما يتعلق بفلسطين ففقدت الدعوى وما لعله كان لها من قوة.

(ح) وبناءً على هذه الحجج المسرودة بإسهاب في المذكرة العربية بتاريخ 23 فبراير 1939 يذهب مندوبو العرب إلى أن المستفاد من المكاتبات بمجردها، أو مع مراعاة الدليل التاريخي والظروف المحيطة بها هو أن فلسطين كانت، فعلاً ونية، داخلة في المنطقة التي تعهدت بريطانيا العظمى بأن تعترف بالاستقلال العربي فيها وتؤيده.

وتلخص الحجج التي أدلى بها المندوبون البريطانيون في الجلسة الثانية للجنة فيما يلي:

( أ ) كانت فلسطين في مركز خاص جدًا في الوقت الذي دارت فيه المكاتبات نظرًا لكونها بلادًا مقدسة لديانات ثلاث كبرى، ولاهتمام المسيحيين والمسلمين واليهود بها في العالم كله، ولكثرة عدد المباني الدينية وغيرها فيها، والمعاهد التابعة لغير العرب، وللمصالح العملية الواضحة لبريطانيا العظمى في بلاد مثلها مجاورة لمصر وقناة السويس. ويذهب مندوبو المملكة المتحدة أيضًا إلى أن فلسطين ليست بلادًا عربية صرفة.

(ب) أن ما استثناه السير هنري مكماهون في كتابه المؤرخ في 24 أكتوبر 1915 وهو " أجزاء من سورية واقعة غربي ولايات دمشق وحمص وحماة وحلب " من منطقة الاستقلال العربي التي طلبها الشريف حسين في كتابه المؤرخ في 14 يوليه 1915 يخرج - وكان ينبغي أن يكون مفهومًا أنه يخرج - ذلك الجزء من سوريا الجنوبية الذي يتألف من أجزاء من ولاية بيروت السابقة، وسنجق القدس المستقل، وهو المعرف الآن بفلسطين، ويذهب مندوبو المملكة المتحدة استنادًا إلى حجج موضحة في مذكرتهم المؤرخة في 24 فبراير 1939 إلى أن هذه العبارة تشمل منطقه ممتدة من حدود كيلكيا إلى خليج العقبة، يقع غربها ما يسمى الآن فلسطين.

(جـ) ولكن سواء أصح أم لم يصح القول بهذا، وبغض النظر عنه إذا كان غير صحيح، فإن مندوبي المملكة المتحدة يذهبون إلى أن التحفظ الوارد في كتاب السير هنري مكماهون في 24 أكتوبر 1915 فيما يتعلق بالمصالح الفرنسية ينطبق وما زال منذ ذلك الوقت ينطبق ويسري، على كل الأرض التي طالبت بها في 24 أكتوبر 1915 وبالتالي على فلسطين التي كانت تعد في ذلك الوقت جزءًا من سوريا. وهذا التحفظ يستمر سريانه على هذا الوجه، حتى لو كانت فرنسا فيما بعد قد نزلت نهائيًا عن مطلبها الخاص بفلسطين لسبب ما، لعل بريطانيا تكون قد تساهلت لها فيه. على أن مندوبي المملكة المتحدة يرفضون القول بأن فرنسا فعلت ذلك فيما يتعلق بفلسطين لأنها احتفظت بمطالبها المتعلقة بفلسطين في اتفاق " سيكس - بيكو " وبعده أيضًا، ومما لا شك فيه أنها كعضو في عصبة الأمم لا يزال لها رأي وصوت في مصيرها.

( د) وبناءً على هذا وغيره من الحجج المستندة إلى الكتاب المؤرخ في 24 أكتوبر 1915 وغيره من المكاتبات، يذهب مندوبو المملكة المتحدة إلى أن ما يستخلص من قراءة المكاتبات على ضوء الظروف المحيطة بها، وفي جملتها الظروف المبينة في الفقرة " أ " هو إخراج ما يسمى الآن " فلسطين " من المنطقة التي كان على بريطانيا أن تعترف فيها باستقلال العرب وتؤيده.

(هـ) وفضلاً عن ذلك فإن مندوبي المملكة المتحدة مع اعترافهم بأن هذا ليس له وزن قانوني في تفسير المكاتبات، يودون أن يلفتوا النظر إلى أن السير هنري مكماهون والسير جلبرت كليتون، وقد اشتغلا بصوغ المكاتبات المرسلة من القاهرة، قد قررا أن المقصود من المكاتبات هو إخراج فلسطين من منطقة الاستقلال العربي.

قال السير هنري مكماهون في سنة 1937:

" أشعر بأن من واجبي أن أقول - وأنا أقول ذلك بلهجة التأكيد - إني لم أقصد حين قطعت العهد للملك حسين أن تكون فلسطين داخلة في المنطقة التي وعد العرب فيها بالاستقلال ".

وفي سنه 1923 قال السير جلبرت كليتون الذي كان من معاوني السير هنري مكماهون في سنتي 1915 و1916:

" كنت على اتصال يومي بالسير هنري مكماهون في أثناء المفاوضات مع الملك حسين، ووضعت الصيغة الابتدائية لجميع المكاتبات. وفي وسعي أن أؤيد القول بأنه لم يكن في النية قط أن تكون فلسطين داخلة في التعهد العام المُعْطَى للملك حسين، وقد كان المعتقد في ذلك الوقت - وربما كان خطأ – أن العبارات الافتتاحية في كتاب السير هنري كافية في الإشارة إلى هذا الاستثناء، وفي ظني أنه كان من البديهي أن المصالح الخاصة المرتبطة بفلسطين تمنع بذل أي تعهد نهائي خاص بمستقبل في تلك المرحلة المبكرة.

وقد رد المندوبون العرب على حجج المندوبين البريطانيين بملاحظات كتابية في 27 فبراير 1939 وتولى السير ميشيل ماك دونيل الرد من الناحية القانونية على الحجج البريطانية ويمكن تلخيص هذه الردود فيما يلي:

( أ ) أن القول بأن الصبغة المقدسة لفلسطين، وجوارها لمصر، تجعل من غير المعقول أن تسلمها بريطانيا لحكم العرب بدون ضمانات يفنده أن السير هنري مكماهون نص بصراحة على ضمانات خاصة بسلامة الأماكن المقدسة، وبالتعاون البريطاني في إنشاء حكومة عربية صالحة، وهذا فضلاً عن الضمانات الأخرى التي ينطوي عليها الاتفاق العربي البريطاني.

ويكفي أن السير هنري نص على مثل هذه الضمانات الخاصة بالأماكن المقدسة لإثبات أنه يفكر في فلسطين ويعنيها حين قطع العهود البريطانية للشريف حسين.

(ب) أن القول بأن أجزاء من بلاد الشام واقعة إلى الغرب من ولايات دمشق وحمص وحماة وحلب تخرج في الواقع وكان ينبغي عقلاً أن يكون المفهوم أنها تخرج - فلسطين. هذا القول قد أجيب عليه في مذكرة 23 فبراير1939 وبتفصيل أوفى في بيان السير ميشيل ماك دونيل في 27 فبراير 1939.

(جـ) والقول بأن تحفظ السير هنري مكماهون فيما يتعلق بالمصالح الفرنسية يجب أن يعد ساريًا على سوريا كلها، قد فند بالملاحظات المؤرخة في 27 فبراير 1939 وببيان السير متشيل ماك دونيل في التاريخ عينه.

( د ) ويرى مندوبو العرب أن القاعدة السليمة للحكم في الموضوع كله، هي نصوص المكاتبات نفسها، أما الكتاب الذي بعث به السير هنري مكماهون إلى التيمس، ونشرته له في 23 يوليه 1937 وفيه يصرح بأنه كان يقصد أن يخرج فلسطين من منطقة الاستقلال العربي - هذا الكتاب لا يجوز أن يكون له من الوزن والقيمة فوق ما يستحق. وقد بين السير متشيل ماك دونيل أن ما قاله السير هنري مكماهون إنه كان يعنيه أو يقصده لا قيمة له على الإطلاق، لأنه لم يكن هو الذي يقطع العهود بل الحكومة البريطانية التي كان هو أداتها، والذي له قيمة هو ما قاله السير هنري مكماهون فعلاً، لا الذي أراد أن يقوله، أو الذي كان يعنيه أو ما يظن السير جلبرت كليتون أنه كان المقصود.

(هـ) وإذا جاز اتخاذ نية شخص وسيلة لفهم ما قيل بالفعل، فهذا الشخص لا يكون إلا الرجل المسؤول عن السياسة التي رسمت، وهو في هذه الحالة السير ادوارد جرى – الفيكونت جرى أوف فالودن فيما بعد - وكان وزيرًا للخارجية في ذلك الوقت وبناءً على تعليماته كان السير هنري مكماهون يقدم للشريف عهود بريطانيا. وقد خطب اللورد جرى في مجلس اللوردات في 27 مارس 1923 فقال إنه يشك شكًا كبيرًا في صحة تفسير الحكومة البريطانية للعهد الذي أمر هو بأن يقطع للشريف حسين في سنة 1915.

وقد ورد مندوبو المملكة المتحدة في الجلسة الرابعة على النقط المهمة التي وردت في ملاحظات مندوبي العرب التي تضمنتها الفقرات السابقة. وكان بين ما أدلوا به في ردهم ما يأتي:

( أ ) قال مندوبو المملكة المتحدة إن ما ذهبوا إليه فيما يتعلق بالمناطق التي لا يستطيعون التصرف أو العمل فيها بحرية بدون ضرر بمصالح حليفتهم فرنسا لا يزال قائمًا، لأنهم يرون أن ما قاله مندوبو العرب لم يفنده.

(ب) أن ما قاله اللورد جرى في مجلس اللوردات في سنة 1933 كان في أثناء مناقشة ولم يكن أمامه نص تصريح بلفور.

حاول كل من مندوبي المملكة المتحدة والعرب - بنجاح فيما يرجون - أن يفهم وجهة النظر الأخرى، ولكنهم لم يستطيعوا أن يصلوا إلى اتفاق على تفسير المكاتبات. وهم يشعرون بأن عليهم أن يقدموا تقريرهم إلى المؤتمر بهذا الأمر الواقع.

على أن مندوبي المملكة المتحدة أبلغوا مندوبي العرب أن حجة العرب كما شرحت للجنة فيما يتعلق بتفسير المكاتبات ولا سيما فيما يتعلق بمعنى عبارة أجزاء من بلاد الشام الواقعة إلى الغرب من ولايات دمشق وحمص وحماه وحلب، لها من القوة أكثر مما كان يبدو من قبل.

وفضلاً عن ذلك فإن مندوبي المملكة المتحدة أبلغوا مندوبي العرب أنهم يوافقون على أن فلسطين كانت داخلة في المنطقة التي طالب بها الشريف حسين في كتابه المؤرخ في 15 يونيه 1915 وأنه ما لم تكن فلسطين قد استثنيت فيما بعد من هذه المنطقة، فإنه يجب عدها داخلة في المنطقة التي تعهدت بريطانيا العظمى بالاعتراف بالاستقلال العربي فيها وتأييده وهم يذهبون إلى أن التفسير الصحيح للمكاتبات يجعل فلسطين مستثناة ولكنهم يعترفون بأن العبارة التي تضمنت هذا الاستثناء لم تكن محددة صريحة ولا غير قابلة للخطأ، كما ظن في وقتها.

أشير من قبل إلى أن اللجنة درست حوادث ووثائق تالية للمكاتبات رأى هذا الفريق أو ذلك أنها قد تلقى ضوءًا على معنى المكاتبات، أو الغاية منها، وفي خلال هذا الدرس لفت نظر اللجنة في جملة ما لفت نظرها إليه إلى ما يسمى " اتفاق سايكس - بيكو " وإلى " تصريح بلفور " وإلى " رسالة هوجارث " (ملحق ف) وإلى " التصريح للسبعة " (ملحق و) وإلى تأكيدات أعطاها الجنرال السير ادموند – الفيكونت فيما بعد - اللنبي حين كان قائدًا للقوات المتحالفة في سوريا وفلسطين (ملحق جـ) والتصريح البريطاني الفرنسي في 7 نوفمبر 1918 (ملحق ى).

فيما يتعلق بـ " رسالة هوجارث " تود اللجنة أن تبين أن مندوبي العرب يعتمدون اعتمادًا عظيمًا على عبارة في رسالة أبلغها إلى الملك حسين الكومندر د. جـ. هوجارث من رجال المكتب العربي بالقاهرة في يناير 1918 ومؤداها أن هجرة اليهود إلى فلسطين لم يسمح لها إلا بقدر ما يتفق ذلك مع الحرية السياسية والاقتصادية للأهالي العرب. وهذه العبارة هي ترجمة مندوبي العرب للعبارة المقابلة لها في مذكرات الملك حسين باللغة العربية عن محادثته مع الكومندر هوجارث. وقد أبلغ مندوبو المملكة المتحدة المندوبين العرب أن الحكومة البريطانية رأت من الضروري لجلاء الموضوع أن تنشر النص الكامل للرسالة التي كلف الكومندر هوجارث أن يبلغها مع تقريره عن زيارته. (أنظر" ملحق و ").

كذلك أبلغ مندوبو المملكة المتحدة مندوبي العرب أن حكومة جلالته رأت من الضروري أن تنشر نص التصريح الذي أُعْطي في حوالي 16 يونيه 1918 لسبعة من كبار العرب سبق لهم أن قدموا إلى حكومة جلالته مذكرة في موضوع مستقبل البلاد العربية. (انظر " ملحق ز ").

وليس من اختصاص اللجنة أن تبدي رأيًا في التفسير الصحيح للبيانات المختلفة المذكورة في الفقرة 19 ومثل هذا الرأي لا يمكن في أي حال أن يتكون إلا بعد النظر في بيانات أخرى صدرت في أثناء الحرب أو بعدها. على أن من رأي اللجنة مع ذلك أن من الجلي من هذه البيانات أن حكومة جلالته لم تكن حرة في التصرف في فلسطين بدون مراعاة لرغبات أهالي فلسطين ومصالحهم، وأن هذه البيانات يجب أن تدخل في الحساب عند محاولة تقدير المسؤوليات التي احتملتها حكومة جلالته حيال هؤلاء الأهالي، كنتيجة للمكاتبات، كائنًا ما كان تفسيرها.

16 مارس 1939.

الإمضاءات

ت. السويدي.

موسى العلمي.

موم.

ع. ر. عزام

جراتان بوش.

عوني عبد الهادي.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

بيان اللورد رئيس القضاة

16 مارس سنة 1939

في الجلسة الثالثة التي عقدتها اللجنة أصغى اللورد رئيس القضاة إلى البيانين القويين: الأول بيان السير متشيل ماك دونيل، عن طائفة من النقط القانونية والثاني بيان المستر انطونيوس عن " الظروف المحيطة " بالمكاتبات.

وسيحاول اللورد رئيس القضاء في هذا البيان أن يتناول النقط الرئيسية التي يعتمد عليها مندوبو العرب في نقض القول بأن فلسطين كانت مخرجة في المكاتبات من منطقة الاستقلال العربي.

وقد تأثر اللورد رئيس القضاة ببعض الحجج التي سبقت فيما يتعلق بإخراج فلسطين اعتمادًا على عبارة " أجزاء من بلاد الشام واقعة إلى الغرب من ولايات دمشق وحمص وحماة وحلب " وهو يرى أن وجهة نطر العرب في هذه المسألة ظهرت أقوى مما كان يبدو من قبل، وإن كان لا يوافق على أن من المستحيل اعتبار فلسطين مشمولة بعبارة " أجزاء من بلاد الشام.. إلخ ".

على أنه من جهة أخرى لا يرى أن قوة التحفظ الخاص بمصالح فرنسا قد أضعفتها الحجج التي سيقت لنقضها.

وهو على الخصوص يختلف اختلافًا تامًا مع القول بأن المكاتبات كانت خطوة أولى في مشروع مدير أرادت به حكومة جلالته إخراج ما يسمى الآن " فلسطين " من منطقة النفوذ الفرنسي، وإنها نجحت على الأيام في ذلك والقول بأن حكومة جلالته بدأت المكاتبات، وهذه الغاية نصب عينها، لا يبدو أن هناك ما يؤيده. وهو لا ينكر أنه في خريف سنة 1915 رغبت حكومة جلالته في تقييد مطالب حليفتها في فلسطين إذا استطاعت حكومة جلالته أن تفعل ذلك بالطريق الوحيد المفتوح أمامها - أي التفاهم مع حليفتها. ومنها لا يمكن أن تكون قد ظنت أنها تجعل مركزها أقوى في أية مفاوضة تأتى بعد ذلك إذا كانت تتقيد في الموضوع سلفًا مع فريق ثالث. والحكومة الفرنسية كانت خليقة ألا تعد هذه الارتباطات صحيحة فيما يتعلق بها وكان الأرجح أن تكون نتيجة مثل هذا السلوك من جانب حكومة جلالته أن يصبح تحقيق عرضها أصعب.

فاللورد رئيس القضاة يرى من أجل ذلك أن التحفظ الخاص بالمصالح الفرنسية ينطبق – وكان المراد أن يكون منطبقًا - على كل الأراضي التي كانت تشملها مطالب فرنسا في ذلك الوقت، بما فيها ما يسمى الآن فلسطين.

ولكن مطالب فرنسا لم تكن هي وحدها التي جعلت بريطانيا العظمى غير حرة في إعطاء وعود خاصة بفلسطين في خريف سنة 1915. فقد كان من الواجب أن يدخل في الحساب اهتمام كل بلاد العالم تقريبًا بفلسطين. وهنا يود اللورد رئيس القضاة أن يقول إنه وإن كان لا يريد أن يختلف مع الثقات الذين استشهد بهم السير متشيل ماك دونيل، فهو يرى أنه قد يكون هناك بعض الخطأ في فهم حجته.

وهو لا يجب أن يكون مفهومًا من كلامه أنه يقول إن فلسطين مخرجة من منطقة الاستقلال العربي لا لسبب سوى أنها لم تذكر. والذي يعلمه أن هذا القول لم يصدر قط وأن هذه الحجة لم تعرض أمام اللجنة الملكية ولا أمام سواها، وإنما الذي يقوله اللورد رئيس القضاة هو إن التفسير المنصف للمكاتبات مع مراعاة الظروف التي كتبت فيها، يجعل فلسطين مخرجة في الواقع حتى ولو لم يرد لها ذكر.

وبعبارة أخرى يرى اللورد رئيس القضاة أن المكاتبات على الجملة والتحفظ المتعلق بالمصالح الفرنسية في كتاب السير هنري مكماهون المؤرخ في 24 أكتوبر 1915 تخرج فلسطين، وإنه كان ينبغي أن يكون هذا هو المفهوم نظرًا إلى مركز فلسطين الفريد في بابه.

وقد أعرب اللورد ملنر بقوة، عن هذا الرأي في خطبة ألقاها في مجلس اللوردات في السابع والعشرين من يونيه سنة 1923 حيث قال:

" إني نصير قوي للسياسة الموالية للعرب، وإني لأومن باستقلال البلاد العربية، وأتطلع إلى ظهور اتحاد عربي. ولكن فلسطين لا يمكن أن تعد مماثلة للبلدان العربية الأخرى. وليس في وسعكم أن تغفلوا التاريخ كله والتقاليد أجمعها في هذا الموضوع. وليس في طاقتكم أن تنسوا أن هذه البلاد هي مهد دينين من أكبر أديان العالم، وأنها بلاد مقدسة عند العرب كما هي بلاد مقدسة أيضًا عند اليهود والمسيحيين. وليس في الإمكان ترك مستقبل فلسطين يتقرر بالإحساسات الوقتية للأغلبية العربية الموجودة في البلاد في الوقت الحاضر ".

أما من حيث العوامل الفردية التي تتكون منها الظروف المحيطة بالموضوع فإن اللورد رئيس القضاة قد أخذ علمًا بالملاحظات المبنية على معاهدة برلين وبالاقتراحات الخاصة بالتعاون العربي البريطاني المشار إليها في خلال المكاتبات. ومما يلاحظ أن المادة (62) تنص بصراحة على تحفظ خاص بحقوق فرنسا.

وهذه المادة تعزز رأي رئيس القضاة، فإن بريطانيا لم يكن عليها - فيما يتعلق بفلسطين - أن تفكر في نفسها فقط، بل في العالم كله. فلو أنها كانت في الواقع تنوي أن تعترف باستقلال العرب في فلسطين وتؤيده لما استطاعت أن تفعل ذلك من غير أن تبين بوضوح الحقوق التي يجب الاحتفاظ بها لا لنفسها فقط بل لكل من يعنيه الأمر سواها.

أما النقطة الخاصة بالأماكن المقدسة، فأمرها مختلف، ومن رأي اللورد رئيس القضاة أن عبارة " الأماكن المقدسة " كما وردت في المكاتبات، كان المقصود بها الأماكن المقدسة في مكة والمدينة. وعلى فرض أن العبارة تشمل القدس والأماكن الأخرى بفلسطين، فإن كون بريطانيا كانت مستعدة لحماية الأماكن المقدسة في فلسطين، ضد الاعتداء الخارجي ليس معناه ولا من مقتضياته أنها هي أو أية دولة مسيحية أخرى قد اكتسبت أي حق فيما يتعلق بهذه الأماكن المقدسة ومن غير المحتمل أن تكون بريطانيا قد قبلت هذه التبعة من غير توضيح لهذه الحقوق.

ولا يرى اللورد رئيس القضاة أن يدخل في مناقشة اتفاق " سايكس - بيكو " وإن كان لا يسعه إلا أن يحتفظ برأيه في الموضوع. ولكن لما كان قد دُعِي بصفة خاصة لتعديل رأيه فيما قال اللورد جراي أوف فالودن فإنه يقول كلمة في الموضوع.

وهو يود أن يقول إنه لا يرى سببًا يدعوه إلى تغيير رأيه. فإن العبارة التي استعملها اللورد جراي وردت في خلال مناقشة برلمانية وقد قال إنه لم تكن أمامه نصوص التصريح. وعلى كل حال فإن رأي اللورد رئيس القضاة مبني على ما يستفاد من عبارة تصريح بلفور الذي صدر في سنة 1917 ورأيه عن رجال مشهورين وخاصة لأن هذه التفسيرات لم يقبلها آخرون يستطيعون أن يكونوا رأيًا صحيحًا

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

بيان الخطة السياسية الصادرة من حكومة جلالته

17 مايو سنة 1939

كانت حكومة جلالته قد أعربت في البيان الذي أصدرته عن فلسطين في اليوم التاسع من شهر تشرين الثاني سنة 1938 عن رغبتها في دعوة مندوبين عن عرب فلسطين وبعض البلاد العربية المجاورة وعن الوكالة اليهودية للتفاوض معهم في لندن بشأن السياسة المقبلة. وكانت تأمل بإخلاص الوصول إلى شيء من التفاهم بنتيجة إجراء مباحثات وافية مقرونة بمنتهى الحرية والصراحة وقد عقدت في الآونة الأخيرة مؤتمرات مع وفود العرب واليهود استغرقت بضعة أسابيع وكانت هذه المؤتمرات وسيلة لتبادل الآراء بصورة مستكملة بين الوزراء البريطانيين ومندوبي العرب واليهود. وقد وضعت حكومة جلالته على ضوء المباحثات المشار إليها والحالة السائدة في فلسطين وتقرير اللجنة الملكية وتقرير لجنة التقسيم بعض المقترحات، وعرضت تلك المقترحات على وفود العرب واليهود كأساس لتسوية متفق عليها. غير أنه لم ترَ وفود العرب ولا وفود اليهود أن في استطاعتها قبول تلك المقترحات ولذلك لم تسفر المؤتمرات عن اتفاق. وبناءً على ذلك ترى حكومة جلالته نفسها حرة في وضع سياستها الخاصة وقد قر رأيها بعد إنعام النظر الدقيق على التمسك بصورة عامة بالمقترحات التي عرضت نهائيًا على وفود العرب واليهود وبحثت معهم:

لقد كان صك الانتداب على فلسطين الذي أقر نصوصه مجلس عصبة الأمم في سنة 1922 أساس السياسة التي اتبعتها الحكومات البريطانية المتعاقبة زهاء عشرين عامًا، وهذا الصك ينطوي على تصريح بلفور ويفرض على الدولة المنتدبة أربعة التزامات رئيسية وقد بسطت هذه الالتزامات في المواد الثانية والسادسة والثالثة عشرة من صك الانتداب. ومن بين هذه الالتزامات التزام لم يقم أي خلاف حول تفسيره وهو الالتزام الذي يبحث في حماية الأماكن المقدسة والمباني والمواقع الدينية وتسهيل الوصول إليها. أما الالتزامات الأخرى فهي إجمالاً كما يلي:

1 - وضع البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية من شأنها أن تضمن إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين وتسهيل هجرة اليهود في أحوال ملائمة وتشجيع حشد اليهود في الأراضي بالتعاون مع الوكالة اليهودية.

2 - صيانة الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين بقطع النظر عن العنصر والدين وضمان عدم إلحاق الضرر بحقوق ووضع فئات الأهالي الأخرى مع تسهيل الهجرة اليهودية واستيطان اليهود في الأراضي.

3- وضع البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية من شأنها أن تضمن ترقية مؤسسات الحكم الذاتي.

وقد لفتت اللجنة الملكية ولجان التحقيق الأخرى التي سبقتها، النظر إلى الغموض المحيط ببعض العبارات الواردة في صك الانتداب كعبارة " وطن قومي للشعب اليهودي " ووجدت في هذا الغموض وفي ما نشأ عنه من الريبة حول الأهداف التي ترمي إليها الخطة السياسية سببًا أساسيًا للقلق والشحناء بين العرب واليهود. إن حكومة جلالته مقتنعة أن مصلحة السلام ورفاه جميع أهالي فلسطين تحتم وضع تعريف صريح للخطة السياسية ولأهدافها. ولقد كان من شأن اقتراح التقسيم الذي أوصت به اللجنة الملكية أن يوفر مثل هذه الصراحة غير أنه وجد أن تشكيل دولتين مستقلتين ضمن فلسطين إحداهما عربية والأخرى يهودية يكون في استطاعتهما سد نفقاتهما بذاتهما ليس من الأمور العملية. ولذلك كان لزامًا على حكومة جلالته أن تستنبط بدلاً من التقسيم سياسة أخرى من شأنها أن تفي بما تتطلبه الحالة في فلسطين على وجه يتفق مع الالتزامات المترتبة عليها نحو العرب ونحو اليهود. وقد أدرجت آراء ومقترحات حكومة جلالته أدناه في ثلاثة أبواب هي:

1 - الدستور.

2 - المهاجرة.

3 - الأراضي.

1 - الدستور:

لقد قيل في معرض الجدل إن عبارة " وطن قومي للشعب اليهودي " تفسح المجال لصيرورة فلسطين على مرور الزمن دولة أو مملكة يهودية. إن حكومة جلالته لا تود أن تقارع الرأي الذي أعربت عنه اللجنة الملكية وهو أن الزعماء الصهيونيين كانوا يدركون حين صدر تصريح بلفور أن نصوص ذلك التصريح لا تحول دون قيام دولة يهودية في النهاية. غير أن حكومة جلالته تشاطر اللجنة الملكية الاعتقاد بأن واضعي صيغة الانتداب الذي أدمج فيه تصريح بلفور لا يمكن أن يكونوا قد قصدوا تحويل فلسطين إلى دولة يهودية خلافًا لإدارة سكان البلاد العرب . أما إنه لم يكن المقصود تحويل فلسطين إلى دولة يهودية فيمكن استنتاجه ضمنًا من الفقرة التالية المقتبسة عن الكتاب الأبيض الصادر سنة 1922:

لقد قيلت أقوال غير مصرح بها مؤداها أن الغاية التي يرمي إليها هذا التصريح هي خلق فلسطين يهودية برمتها. واستعملت عبارات كمثل القول بأن فلسطين ستصبح يهودية، كما أن إنجلترا إنجليزية وحكومة جلالته تعتبر أن كل أمل كهذا غير ممكن التحقيق وهي لترمي إلى مثل هذا الهدف كما أنه لم يخطر في بالها في أي وقت من الأوقات أن يزول الشعب العربي أو اللغة أو الثقافة العربية في فلسطين أو أن تصبح مسيطرًا عليها . وهي تود أن تلفت النظر إلى أن نص التصريح المشار إليه (أي تصريح بلفور) لا يرمي إلى تحويل فلسطين بكليتها إلى وطن قومي يهودي بل إلى أن وطنًا كهذا سيؤسس في فلسطين.

غير أن هذا البيان لم يزل الشكوك ولذلك فإن حكومة جلالته تصرح الآن بعبارة لا لبس فيها ولا إبهام أنه ليس من سياستها أن تصبح فلسطين دولة يهودية. وهي تعتبر في الواقع أنه مما يخالف الالتزامات المترتبة عليها نحو العرب بموجب صك الانتداب والتأكيدات التي أعطيت للشباب العربي فيما مضي أن يُجْعَل (بضم الياء) سكان فلسطين العرب رعايا دولة يهودية خلافًا لإرادتهم.

وقد وصفت ماهية الوطن القومي اليهودي وصفًا أوفى في الكتاب الأبيض الصادر سنة 1922 على النحو التالي:

"لقد أعاد اليهود في القرنين أو الثلاثة قرون الأخيرة تكوين طائفة منهم في فلسطين يبلغ عددها الآن ثمانين ألفًا ربعهم تقريبًا مزارعون أو عملة في الأرض. ولهذه الطائفة هيئاتها السياسية الخاصة ومجمع منتخب لإدارة شؤونها الداخلية ومجالس منتخبة في المدن وهيئة للإشراف على مدارسها ولها رئاسة ربانيين منتخبة ومجلس رباني منتخب لإدارة شؤونها الدينية. وتستعمل هذه الطائفة اللغة العبرية كلغة محلية. ولها صحف عبرية تفي بحاجتها وهي تتبع نمطًا تهذيبيًا يميزها عن سواها وتبدي نشاطًا كبيرًا في الحركة الاقتصادية فهذه الطائفة بسكان المستعمرات والمدن وبتشكيلاتها السياسية والدينية والاجتماعية ولغتها الخاصة وعاداتها وطرق معيشتها الخاصة لها في الحقيقة مميزات قومية. ولو سأل سائل عن معنى تنمية الوطن القومي اليهودي في فلسطين إجمالاً بل زيادة نمو الطائفة اليهودية بمساعدة اليهود الموجودين في أنحاء العالم حتى تصبح مركزًا يكون فيه للشعب اليهودي برمته اهتمام وفخر من الوجهتين الدينية والعنصرية. ولكي يكون لهذه الطائفة خير أمل في التقدم الحر ويفسح للشعب اليهودي مجالاً وافيًا يظهر فيه كفاياته كان من الضروري أن يعلم أن وجوده في فلسطين هو كحق وليس كمنة. ذلك هو السبب الذي جعل من الضروري ضمان وجود وطن قومي لليهود في فلسطين ضمانًا دوليًا والاعتراف رسميًا بأنه يستند إلى صلة تاريخية قديمة ".

إن حكومة جلالته تتمسك بهذا التفسير لتصريح سنة 1917 وتعتبره وصفًا معتمدًا وشاملاً لماهية الوطن القومي اليهودي في فلسطين وهذا التفسير ينطوي على اطراد نمو الطائفة اليهودية الموجودة في البلاد بمساعدة اليهود الموجودين في أنحاء العالم الأخرى. ومما يقيم الدليل على أن حكومة جلالته ما فتئت تقوم بالتزاماتها من هذه الناحية أنه منذ صدور بيان الخطة السياسية سنة 1922 هاجر إلى فلسطين ما يزيد على 300.000 يهودي وأن عدد سكان الوطن القومي قد ارتفع حتى بلغ نحو 450.000 نسمة أو ما يقرب من ثلث سكان البلاد برمتهم ، هذا وأن الطائفة اليهودية لم تقصر من جهتها في اغتنام الفرص التي أتيحت لها إلى أقصى حد فنمو الوطن القومي اليهودي وما توصل إلى إتيانه في كثير من الميادين هو مجهود إنشائي جدير بالاعتبار وحري بأن ينال إعجاب العالم وبأن يكون على الأخص مصدر فخر للشعب اليهودي.

وقد رددت الوفود العربية في سياق المباحثات الأخيرة الحجة القائلة بأن فلسطين مشمولة في المنطقة التي تعهد السير هنري مكماهون بالنيابة عن الحكومة البريطانية في شهر تشرين الأول سنة 1915 أن يعترف باستقلال العرب فيها ويؤيده. وقد بحث مندوبون من البريطانيين والعرب خلال المؤتمرات التي عقدت مؤخرًا في لندن في صحة هذا الادعاء الذي يستند إلى المراسلات المتبادلة بين السير هنري مكماهون وشريف مكة بحثًا مقرونًا بالدقة والعناية. ويقول تقريرهم الذي تم نشره إن المندوبين العرب والبريطانيين بذلوا جهدهم ليفهم كل فريق منهما وجهة نظر الفريق الآخر. ولكنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى اتفاق حول تفسير هذه المراسلات. ولا حاجة هنا إلى تلخيص الحجج التي أوردها كل من الفريقين. إن حكومة جلالته تأسف لسوء الفهم الذي نشأ حول بعض العبارات المستعملة في تلك المراسلات. وهي من جهتها استنادًا إلى الأسباب التي بسطها مندوبوها في التقرير لا يسعها إلا أن تتمسك بالرأي القائل إن جميع فلسطين الواقعة غربي الأردن كانت قد استثنيت من العهد الذي قطعه السير هنري مكماهون وهي لذلك لا تستطيع أن توافق على أن مراسلات مكماهون تشكل أساسًا عادلاً للادعاء بوجوب تحويل فلسطين إلى دولة عربية مستقلة.

إن حكومة جلالته ملزمة بصفتها الدولة المنتدبة " أن تضمن ترقية مؤسسات الحكم الذاتي في فلسطين " وهي عدا هذا الالتزام المعين، تعتبر أن بقاء سكان فلسطين تحت تدريب الدولة المنتدبة إلى الأبد يخالف روح نظام الانتداب من أساسه. فمن الصواب أن يتمتع أهل البلاد بما أمكن من السرعة بحقوق الحكم الذاتي التي يمارسها أهالي البلاد المجاورة. إن حكومة جلالته لا تستطيع في الوقت الحاضر أن تتنبأ بشكل الحكم الدستوري الذي ستصطبغ به حكومة فلسطين في النهاية ولكن الهدف الذي ترمي إليه هو إقامة الحكم الذاتي وهي ترغب في أن ترى قيام دولة فلسطينية مستقلة في النهاية. وينبغي أن تكون تلك الدولة دولة يساهم فيها الشعبان المقيمان في فلسطين العرب واليهود بممارسة سلطة الحكم على وجه يكفل ضمان المصالح الرئيسية لكل من الفريقين.

إن تشكيل دولة مستقلة في فلسطين والتخلي التام عن رقابة الانتداب فيها يتطلبان نشوء علاقات ما بين العرب واليهود من شأنها أن تجعل حكم البلاد حكمًا صالحًا في حيز الإمكان. أضف إلى ذلك أن نمو مؤسسات الحكم الذاتي في فلسطين لا بد له أن يسير على قاعدة النشوء والارتقاء شأنه في البلاد الأخرى.

فقبل الوصول إلى الاستقلال لابد من فترة انتقال تحتفظ خلالها حكومة جلالته بالمسؤولية النهائية بصفتها السلطة المنتدبة بينما يزداد في أثنائها نصيب أهالي البلاد من الاضطلاع بالحكم وتنمو فيهم روح التفاهم والتعاون. وستبذل حكومة جلالته جهودها المتواصلة لترويج نمو العلاقات الطيبة بين العرب واليهود.

وعلى ضوء هذه الاعتبارات تصدر حكومة جلالته التصريح التالي معلنة فيه نواياها بشأن حكومة فلسطين المقبلة:

1 - أن الهدف الذي ترمي إليه حكومة جلالته هو أن تشكل خلال عشر سنوات حكومة فلسطينية مستقلة ترتبط مع المملكة المتحدة بمعاهدة تضمن للبلدين متطلباتهما التجارية والحربية في المستقبل ضمانًا مرضيًا. وهذا الاقتراح بتشكيل دولة مستقلة من شأنه أن ينطوي على التشاور مع مجلس عصبة الأمم بقصد إنهاء الانتداب.

2 - أن الدولة المستقلة يجب أن تكون دولة يساهم العرب واليهود في حكومتها على وجه يضمن صيانة المصالح الأساسية لكل من الفريقين.

3 - يكون تشكيل الدولة المستقلة مسبوقًا بفترة انتقال تحتفظ حكومة جلالته خلالها بمسؤولية حكم البلاد. وفي أثناء فترة الانتقال يُعْطَى أهل فلسطين نصيبًا متزايدًا في حكومة بلادهم. وستتاح لكلا فريقي السكان فرصة للاشتراك في إدارة الحكومة وسيسار في هذه العملية سواء اغتنم كلا الفريقين هذه الفرصة أم لا.

4 - حالما يتوطد الأمن والنظام في فلسطين توطيدًا كافيًا تتخذ التدابير لتنفيذ هذه السياسة ألا وهي سياسة إعطاء أهل فلسطين نصيبًا متزايدًا في حكومة بلادهم والهدف الذي يُرْمَى (بضم الياء) إليه هو تولية الفلسطينيين زمام جميع دوائر الحكومة بمساعدة مستشارين بريطانيين.

خاضعًا ذلك لرقابة المندوب السامي. وتحقيقًا لهذه الغاية ستكون حكومة جلالته مستعدة لإجراء الترتيبات اللازمة لتولية الفلسطينيين فورًا زمام بعض الدوائر مع مستشارين بريطانيين. ويكون رؤساء الدوائر الفلسطينيين أعضاء في المجلس التنفيذي الذي يزود المندوب السامي بالمشورة. ويُدْعَى مندوبون عن العرب واليهود لتولي مناصب رؤساء الدوائر بنسبة عدد السكان من كل من الفريقين على وجه التقريب. ويزداد عدد الفلسطينيين الذين يتولون زمام الدوائر كلما سمحت الظروف بذلك إلى أن يصبح رؤساء جميع الدوائر فلسطينيين يمارسون المهام الإدارية والاستشارية التي يقوم بها الآن الموظفون البريطانيون.

وعند بلوغ تلك المرحلة ينظر في أمر تحويل المجلس التنفيذي إلى مجلس وزراء مع إجراء ما يترتب على ذلك من التغيير في وضع ومهام رؤساء الدوائر الفلسطينيين.

5 - أن حكومة جلالته لا تتقدم في هذه المرحلة بأية مقترحات حول تشكيل هيئة تشريعية منتخبة.

ولكنها على الرغم من ذلك تعتبر هذا الأمر تطورًا دستوريًا في محله وإذا أعرب الرأي العام في فلسطين فيما بعد عن تحبيذه لمثل هذا التطور تكون حكومة جلالته مستعدة لتشكيل الإدارة اللازمة بشرط أن تسمح الأحوال المحلية بذلك.

6 - لدى انقضاء خمس سنوات على توطيد الأمن والنظام تشكل هيئة ملائمة من ممثلي أهل فلسطين وحكومة جلالته للنظر في كيفية سير الترتيبات الدستورية خلال فترة الانتقال وللبحث في وضع دستور لدولة فلسطينية مستقلة وتقديم التواصي بذلك الشأن.

7 - وستتطلب حكومة جلالته أن تقتنع بأن المعاهدة المنظور عقدها في البند (1) أو الدستور المنظور وضعه في البند (6) أعلاه قد ضمن النصوص الوافية:

( أ ) لحماية الأماكن المقدسة وتسهيل الوصول إليها وحماية مصالح وأملاك الهيئات الدينية المختلفة.

لحماية مختلف الطوائف في فلسطين وفقًا للالتزامات المترتبة على حكومة جلالته نحو العرب ونحو اليهود وفيما يتعلق بالوضع الخاص الذي للوطن القومي اليهودي في فلسطين.

(جـ) بشأن الأمور المطلوبة لملافاة الحالة الحربية مما قد تعتبره حكومة جلالته ضروريًا على ضوء الظروف التي تكون سائدة في ذلك الحين.

وستتطلب حكومة جلالته أيضًا أن تقتنع بأن المصالح التي لبعض البلاد الأجنبية في فلسطين والتي تضطلع حكومة جلالته الآن بمسؤولية المحافظة عليها وهي مصونة صيانة وافية.

وستبذل حكومة جلالته كل ما في وسعها لإيجاد ظروف تمكن الدولة الفلسطينية المستقلة من الخروج إلى حيز الوجود خلال عشر سنوات. وإذا ظهر لحكومة جلالته لدى انقضاء عشر سنوات أن الظروف تتطلب إرجاء تشكيل الدولة المستقلة خلافًا لما تأمله فإنها تتشاور مع ممثلي أهالي فلسطين ومجلس عصبة الأمم والدول العربية المجاورة قبل اتخاذ قرار بشأن الإرجاء فإذا أقر رأى حكومة جلالته أنه لا مناص من هذا الإرجاء فإنها تدعو هؤلاء الفرقاء للتعاون معها في وضع خطط للمستقبل بقصد الوصول إلى الهدف المنشود في أقرب وقت ممكن.

وستتخذ التدابير أثناء فترة الانتقال لزيادة سلطات ومسؤوليات البلديات والمجالس المحلية.

2 - المهاجرة:

إن إدارة فلسطين مكلفة بمقتضى المادة السادسة من صك الانتداب " بتسهيل هجرة اليهود في أحوال ملائمة، مع ضمان عدم إلحاق الضرر بحقوق ووضع جميع فئات الأهالي الأخرى " وباستثناء ما تقدم لم يحدد مدى الهجرة اليهودية المسموح بها إلى فلسطين في أي موضع آخر من صك الانتداب.

ولكن ورد في الكتاب الأبيض الصادر سنة 1922 (رقم 1700) أنه تنفيذًا لسياسة إنشاء وطن قومي يهودي.

" من الضروري أن تتمكن الطائفة اليهودية في فلسطين من زيادة عددها عن طريق المهاجرة.

وهذه المهاجرة لا يمكن أن يكون مقدارها بحيث تتجاوز قدرة البلاد الاقتصادية في حينه على استيعاب القادمين الجدد. ومن المحتم ضمان عدم صيرورة المهاجرين عبئًا على أهالي فلسطين عمومًا وألا يحرموا أية فئة من السكان الحاليين من عملهم.

ومن الوجهة العملية اعتبرت قدرة البلاد الاقتصادية على الاستيعاب منذ ذلك التاريخ فصاعدًا وحتى الآونة الأخيرة العامل الوحيد الذي تحدد الهجرة على أساسه. وورد في الكتاب الذي أرسله المستر رمزي مكدونالد بصفته رئيسًا للوزارة إلى الدكتور وايزمان في شهر شباط سنة 1931 في معرض بسط الخطة السياسية أن قدرة البلاد الاقتصادية على الاستيعاب هي الأساس الوحيد لتحديد الهجرة. ثم أيد هذا التفسير بقرارات اتخذتها لجنة الانتدابات الدائمة. لكن حكومة جلالته لا ترى في بيان الخطة السياسية الصادر سنة 1922 ولا في كتاب رئيس الوزراء الصادر سنة 1931 ما يمكن تفسيره بأن صك الانتداب يقضي عليها في جميع الأوقات وفي كافة الظروف أن تسهل هجرة اليهود إلى فلسطين على أساس اعتبار قدرة البلاد الاقتصادية على الاستيعاب دون سواها. كما أنها لا تجد في صك الانتداب ولا في بيانات الخطط سياسية التي صدرت بعده ما يؤيد الرأي القائل بأن إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين لا يمكن تحقيقه إلا إذا سمح للهجرة بالاستمرار إلى ما لا نهاية له. فإذا كانت الهجرة تؤثر في وضع البلاد الاقتصادية تأثيرًا سيئًا فمن الواضح أنه يجب تقييدها. وكذلك الحال إذا كان للهجرة أثر يضر ضررًا خطيرًا بوضع البلاد السياسي فإن ذلك عامل يجب ألا يغفل ومع أنه ليس من الصعب أن يقال في معرض الجدل بأن ذلك العدد الكبير من المهاجرين اليهود الذين دخلوا البلاد حتى الآن قد استوعبتهم البلاد من الناحية الاقتصادية فإن المخاوف التي تساور العرب من أن هذه الهجرة المتدفقة ستستمر إلى مالا نهاية له حتى يصبح السكان اليهود في وضع يمكنهم من السيطرة عليهم. وقد أسفرت عن نتائج عظيمة الخطورة لليهود وللعرب على السواء والسلام ورفاه فلسطين. فما هذه الاضطرابات المفجعة التي وقعت خلال السنوات الثلاث الماضية إلا آخر وأثبت مظهر برزت فيه تلك المخاوف العظيمة التي تساور العرب.

إن الأساليب التي سلكها الإرهابيون العرب ضد مواطنيهم من العرب وضد اليهود على السواء يجب أن يقابل بالاستنكار المطلق، غير أنه لا يمكن الإنكار أن الخوف من استمرار الهجرة اليهودية استمرارًا لا نهاية له منتشر انتشارًا واسعًا بين السكان العرب وأن هذا الخوف هو الذي هيأ السبيل لوقوع الاضطرابات التي صدمت تقدم البلاد الاقتصادي صدمة عنيفة واستنزفت خزينة فلسطين وجعلت الناس غير مطمئنين على أرواحهم وأموالهم وخلقت بين السكان العرب واليهود مرارة يؤسف لحدوثها بين مواطني بلاد واحدة. ولو استمرت الهجرة في هذه الظروف إلى الحد الأعلى الذي تسمح به قدرة البلاد الاقتصادية على الاستيعاب بقطع النظر عن سائر الاعتبارات الأخرى لأدى ذلك إلى تخليد عداوة قاتلة بين الشعبين ولأمكن أن تصبح الحالة في فلسطين عندئذٍ مصدرًا دائمًا للاحتكاك بين جميع شعوب الشرق الأدنى والأوسط. وحكومة جلالته لا يسعها أن تأخذ بالرأي القائل إن الالتزامات المترتبة عليها بموجب صك الانتداب أو أن العقل الراجح والعدالة تقضي عليها بتجاهل هذه الظروف لدى وضع سياستها بشأن الهجرة.

لقد كان من رأي اللجنة الملكية أن إدماج سياسة تصريح بلفور بنظام الانتداب ينطوي على الاعتقاد بإمكان التغلب على موقف العرب العدائي من ذلك التصريح عاجلاً أم آجلاً. ولقد كانت الحكومات البريطانية منذ صدور تصريح بلفور تأمل أن ترضي السكان العرب مع مرور الزمن عن اطراد نمو الوطن القومي اليهودي بعد أن يدركوا الفوائد التي سيجنونها من الاستيطان والعمران اليهـودي في فلسطين. ولكن هذا الأمل لم يتحقق. وأصبح على حكومة جلالته الآن أن تختار بين سياستين: فهي:

1 - إما أن تعمل على توسيع الوطن القومي توسيعًا لا نهاية له عن طريق الهجرة ضد رغبات سكان البلاد من العرب التي أعربوا عنها بكل شدة.

2 - أو أن تسمح بزيادة توسع الوطن القومي عن طريق الهجرة إذا كان العرب على استعداد للقبول بتلك الهجرة ولكن ليس بدون ذلك.

أما السياسة الأولى فمؤداها الحكم بالقوة وهي بقطع النظر عن الاعتبارات الأخرى تخالف في رأي حكومة جلالته روح المادة الثانية والعشرين من ميثاق عصبة الأمم كل المخالفة كما أنها تناقض أيضًا الالتزامات الصريحة المترتبة عليها نحو العرب بموجب صك الانتداب على فلسطين. أضف إلى هذا أن العلاقات بين العرب واليهود في فلسطين لا بد لها أن تبنى عاجلاً أم آجلاً على أساس تبادل التسامح والنية الطيبة فسلام الوطن القومي اليهودي نفسه وتقدمه يتطلب ذلك. ولذلك قررت حكومة جلالته بعد إنعام النظر والتدقيق وبعد اعتبار المدى الذي سهل فيه نمو الوطن القومي اليهودي خلال السنوات العشرين الماضية أنه قد حان الوقت للأخذ من حيث المبدأ بالسياسة الثانية من السياستين المشار إليهما أعلاه.

لقد طلب بإلحاح وقف كل هجرة أخرى إلى فلسطين في الحال. إن حكومة جلالته لا تستطيع أن تقبل باقتراح كهذا إذ أن من شأنه أن يلحق الضرر بنظام فلسطين المالي والاقتصادي بأكمله وبذلك يؤثر تأثيرًا سيئًا في مصالح العرب واليهود على السواء. ثم إن حكومة جلالته ترى أنه ليس من الإنصاف للوطن القومي اليهودي وقف كل هجرة أخرى وقفًا فجائيًا. غير أن حكومة جلالته فضلاً عن هذا كله تلم بالمحنة القاسية التي يعانيها الآن عدد كبير من اليهود الذين يلتمسون ملجأ يلجأون إليه من بعض البلاد الأوروبية وهي تعتقد أن في استطاعة فلسطين أن تساهم بنصيب آخر في سبيل حل هذه المشكلة العالمية الملحة وأنه ينبغي لها أن تقوم بذلك.

وفي جميع هذه الظروف تعتقد أنها باتخاذها المقترحات التالية بشأن الهجرة تكون قد سارت وفقًا لالتزامات الانتداب الملقاة على عاتقها إزاء العرب واليهود معًا وفي خير طريق يؤدي إلى خدمة مصالح سكان فلسطين بأسرهم. وهذه المقترحات هي كما يلي:

1 - تكون الهجرة اليهودية خلال السنوات الخمس التالية بمقدار من شأنه أن يزيد عدد السكان اليهود في فلسطين إلى ما يقرب من ثلث مجموع سكان البلاد بشرط أن تسمح قدرة الاستيعاب الاقتصادية بذلك. فإذا أخذت بعين الاعتبار الزيادة الطبيعية المتوقع حصولها في عدد السكان العرب واليهود وحسب حساب عدد المهاجرين اليهود غير الشرعيين الموجودين الآن في البلاد فإن ذلك يسمح بإدخال نحو 75.000 مهاجر يهودي خلال السنوات الخمس التالية اعتبارًا من أول شهر نيسان من السنة الحالية وسينظم دخول هؤلاء المهاجرين مع مراعاة قدرة البلاد الاقتصادية على الاستيعاب على أساس القاعدة التالية:

( أ ) يسمح في كل سنة من السنوات الخمس التالية بدخول حصة من المهاجرين اليهود لا يتجاوز مقدارها 10.000 شخص مع العلم أن كل نقص يقع في أية سنة يمكن أن يضاف إلى حصص السنين التالية خلال مدة السنوات الخمس بشرط أن تسمح بذلك قدرة البلاد الاقتصادية على الاستيعاب.

(ب) بالإضافة إلى ذلك ومن قبيل المساهمة في حل مشكلة اللاجئين اليهود يسمح بدخول 25000 لاجئ إلى البلاد حالما يقتنع المندوب السامي بأن الوسائل الوافية لإعالتهم قد أصبحت مضمونة ويرجح من هؤلاء اللاجئين الأطفال والمعالين.

2 - يحتفظ بالإدارة الحالية لتقرير قدرة البلاد الاقتصادية على الاستيعاب ويضطلع المندوب السامي بالمسؤولية النهائية في تقرير حدود قدرة الاستيعاب الاقتصادية. ويستنير برأي مندوبين من اليهود والعرب قبل اتخاذ قراره بشأن كل فترة.

3- لدى انقضاء السنوات الخمس المشار إليها لا يسمح بهجرة يهودية أخرى إلا إذا كان عرب فلسطين على استعداد للقبول بها.

4 - إن حكومة جلالته مصممة على قمع الهجرة غير المشروعة وتتخذ الآن إجراءات أخرى للحيلولة دونها. وإذا أفلح عدد من المهاجرين اليهود غير الشرعيين في دخول البلاد على الرغم من تلك الإجراءات وكان هؤلاء ممن لا يمكن إبعادهم ينزل عددهم من الحصص السنوية.

إن حكومة جلالته مقتنعة أنه متى تمت الهجرة التي يفكر فيها الآن على مدار السنوات الخمس المشار إليها لن يكون لها مبرر كما أنها لن تكون تحت طائلة أي التزام لتسهيل إنشاء الوطن القومي اليهودي عن طريق السماح بهجرة أخرى بقطع النظر عن رغبات السكان العرب.

3 - الأراضي:

إن المادة السادسة من صك الانتداب تقضي على إدارة فلسطين " بتسهيل حشد اليهود في الأراضي مع ضمان عدم إلحاق الضرر بحقوق ووضع جميع فئات الأهالي الأخرى " ولم يفرض لغاية الآن أي قيد على انتقال الأراضي من العرب إلى اليهود. وقد دلت التقارير التي وضعتها مختلف لجان الخبراء على أنه بالنظر لنمو عدد السكان الطبيعي واستمرار بيع الأراضي من العرب إلى اليهود في السنوات الأخيرة لا يوجد الآن في بعض المناطق أي مجال لانتقال الأراضي من العرب إلى اليهود في بعض المناطق الأخرى إذا كان يراد احتفاظ المزارعين العرب بمستوى معيشتهم الحالي والحيلولة دون تكوين جماعة كبيرة من العرب ممن لا أرض لهم. وبالنظر لهذه الظروف سيمنح المندوب السامي سلطات عامة تخول منع وتنظيم انتقال الأراضي . وسيبدأ العمل بهذه السلطات من تاريخ نشر هذا البيان ويحتفظ المندوب السامي بها طيلة فترة الانتقال.

وستنصرف سياسة الحكومة إلى إعمار الأراضي وتحسين الأساليب الزراعية حينما يكون ذلك ممكنًا. وعلى ضـوء هذا العمران سيباح للمندوب السامي لدى اقتناعه بأن حقوق ووضع السكان العرب قد حفظت حفظًا تامًا بأن يعيد النظر في أية أوامر أصدرها بمنع انتقال الأراضي أو تقييده وتعديل تلك الأوامر.

لقد بذلت حكومة جلالته لدى وضعها هذه المقترحات جهدها بإخلاص للتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بموجب صك الانتداب نحو العرب واليهود معًا، فإن غموض العبارات التي استعملت في بعض الحالات لوصف هذه الالتزامات قد أدى إلى المشادة وجعل مهمة تفسير تلك العبارات شاقة.

إن حكومة جلالته لا يمكنها أن تأمل بإرضاء الذين يتحيزون إلى هذا الفريق أو ذاك في هذه المشادة التي نشأت عن صك الانتداب. والغاية التي ترمي إليها هي أن تقف موقف الإنصاف بين الشعبين المقيمين في فلسطين اللذين تناولت الحوادث العظمى التي وقعت في السنوات الأخيرة مقدراتهما في تلك البلاد واللذين يتحتم عليهما أن يتدربا على تبادل التسامح والنية الحسنة والتعاون ماداما سيعيشان جنبًا إلى جنب في فلسطين. وحكومة جلالته إذ تنظر إلى المستقبل لا يغرب عن بالها أن بعض الحوادث التي وقعت في الماضي ستجعل إنشاء هذه العلاقات مهمة شاقة غير أنه مما يشجعها على هذا الأمل أن العرب واليهود كثيرًا ما عاشوا معًا في السنوات الأخيرة بصفاء في أماكن عديدة في فلسطين. إن على كل طائفة من هاتين الطائفتين أن تساهم بنصيب وافر في سبيل رفاه بلادهما المشتركة ولابد لكل منهما أن تجنح إلى السلم بنية صادقة كي يتاح لها أن تساهم في العمل على اطراد رفاه أهل البلاد بأجمعهم. ومما يزيد في خطورة التبعة الملقاة على عاتقهم وعلى عاتق حكومة جلالته من حيث التعاون معًا في سبيل تأمين السلام أن البلاد يقدسها في كافة أنحاء العالم ملايين عديدة من المسلمين واليهود والمسيحيين الذين يبتهلون إلى الله تعالى أن يخيم السلام في ربوعها وأن يوفر أسباب السعادة لأهلها.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

قرار مؤتمر حزب العمال

1940

إن الفترة الأولى من الحرب قد أوضحت مأساة اليهود الكبرى. إنهم أضعف من جميع الشعوب لأنهم بلا وطن ولأنهم أقلية في كل مكان. لقد كان اليهود دائمًا هدفًا سهلاً لعدوان الرجعية والفاشيست، وأصبحوا اليوم في المناطق الواقعة تحت سيطرة النازي ضحايا لأقسى اضطهاد صادفوه في تاريخهم الطويل المحزن. إن آلافًا قتلوا، وملايين استؤصلوا، ودمر أساس حياة اليهود الاقتصادي. وسوف يواجه العالم بعد الحرب بهجرة جماعية لليهود من شرق وأواسط أوروبا على مدى لم يسبق له مثيل.

وإن هذا المؤتمر يعلن أنه لإزالة السبب الرئيسي لآلام اليهود ولضمان بقائهم ونموهم الحر، يجب أن يدعم النمو المطرد للوطن القومي اليهودي في فلسطين بالهجرة والاستيطان بمساعدة دولية. ويجب أن يسمح للشعب اليهودي أن يستغل إلى الحد الأقصى مقدرة القطر الاقتصادية لاستيعاب المهاجرين والمؤتمر بتأكيده ثانية تأييده التقليدي لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين فإنه يشدد على الالتزامات الخاصة المفروضة على بريطانيا بموجب تصريح بلفور والانتداب، ويكرر إيمانه بأن هذه السياسة تهيئ الأسس للتعاون السلمي المستمر بين العرب واليهود في فلسطين).

وأعاد المؤتمر تأكيد قرار مؤتمر (سوث بورت) بشأن فلسطين (الذي سبق ذكره) تم استأنف:

" والمؤتمر يرجو الهيئة البرلمانية لحزب العمال أن تستمر في سياستها للتخلي عن سياسة الكتاب الأبيض الصادر في مايو سنة 1939.

ويصرح المؤتمر أيضًا أنه لا يمكن الوصول إلى صلح حقيقي بدون تعويض اليهود عن الأخطاء التي ارتكبت بحقهم والتي يجب أن يؤمن لهم مع سائر الأقليات النظام الدولي الجديد بعد الحرب ضمانات دولية فعالة لمساواتهم بالحياة المدنية والسياسية والاقتصادية، ولأجل حقوقهم القومية.

ويصرح المؤتمر بوجوب تمثيل الشعب اليهودي تمثيلاً كافيًا عندما يبحث مؤتمر الصلح المسائل التي تؤثر عليهم.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

بلاغ المندوب السامي البريطاني الخاص بالهجرة اليهودية غير المشروعة

نوفمبر سنة 1940

" لا تفتقر حكومة جلالته إلى الإحساس بمشاعر العطف على المهاجرين من البلاد التي يسيطر عليها الألمان. ولكن الحكومة مسؤولة عن إدارة فلسطين وهي ملزمة بأن تحرص على عدم السماح علنًا بخرق القوانين يضاف إلى هذا أنها تعتبر تجدد الهجرة اليهودية اللامشروعة في الوقت الحاضر، خطرًا يؤثر تأثيرًا سيئًا على الأوضاع المحلية، ويمثل تهديدًا جديًا للمصالح البريطانية في الشرق الأوسط. ولذا قررت الحكومة البريطانية تبعًا لذلك ألا تسمح لركاب هاتين الباخرتين بالنزول في فلسطين وأن تنقلهم إلى مستعمرة بريطانية أخرى، حيث يظلون محتجزين حتى نهاية الحرب.

" وسينظر عند انتهاء الحرب في موضوع التصرف فيهم بصورة نهائية، ولكن ليس ثمة ما يوحي بأنهم سيظلون في المستعمرة التي سينقلون إليها، أو أنهم سيذهبون إلى فلسطين وسيتخذ نفس الإجراء في جميع الحالات الأخرى التي تتمكن فيها جماعات ثانية من الوصول إلى فلسطين بقصد النزول فيها بصورة لا مشروعة ".

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

قرار حزب العمال

1943

إن هذا المؤتمر يعبر من جديد عن الفزع والسخط اللذين ينظر بهما العالم المتمدن إلى حملة هتلر الوحشية في إفناء يهود أوروبا ويصرح بأن عملية الإنقاذ يجب أن تكون على مقياس يتناسب مع هذا الجرم الفريد. وهو يحث حكومات الأمم المتحدة التي هي في وضع يسمح لها بإدخال ضحايا هذا الفزع إلى بلادها، أن تفعل وأن تشجع الدول المحايدة على الاقتداء بها، وعند الضرورة تقديم الضمانات المالية وغيرها.

والمؤتمر يعلن أن النصر يجب أن يؤمن لليهود مساواة تامة في النواحي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحقوقهم القومية. ويؤكد من جديد سياسة حزب العمال التقليدية التي تحبذ بناء فلسطين كوطن قومي لليهود. ويطلب أن تُعْطَى الوكالة اليهودية السلطة لأن تستغل لأقصى حد مقدرة البلاد الاقتصادية لاستيعاب المهاجرين وأن تنمي القطر بما في ذلك الأراضي الخالية وغير المستغلة ويطلب المؤتمر للشعب اليهودي المساواة مع سائر شعوب العالم الحر. ويحث اللجنة الوطنية التنفيذية أن تتخذ جميع الخطوات الممكنة لمقاومة نمو اللاسامية كعامل يتصل نموه اتصالاً حيويًا بوجهة النظر النازية والفاشستية.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
زوار
هذا الموضوع مغلق.

×
×
  • اضف...