اذهب الي المحتوي
ArabHosters
صبح

و اشواقاه رسول الله ....

Recommended Posts

أعجبني جدا هذا العنوان لسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم منذ أن قرأت الكتاب للمؤلف المباركفوري وقد إقتبسته ليكون عنوان الموضوع الجديد لدراسة السيرة لمؤلفه الدكتور راغب السرجاني

أرجو أن ينفعنا الله بما ننقله هنا وأن يجعله في ميزان الحسنات لي ولكم ولمؤلفه إن شاء الله

نبدأ بسم الله الرحمن الرحيم

----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

(1) العهد المكى

السيرة وبناء الأمة

مقدمة

في هذه السطور ندرس موضوعًا من أهم الموضوعات في حياة المسلمين بل في حياة الأرض بكاملها، ندرس سيرة رجل هو أعظم رجل خلقه الله عز وجل منذ خلق آدم إلى يوم القيامة، أعظم رجل على الإطلاق.

عادة ما يتفوق الناس في مجال ويتأخرون في مجال آخر لكن هذا الرجل تفوق في كل المجالات مطلقا تفوق في عبادته، في معاملاته، في شجاعته، في كرمه، في حلمه، في زهده، في تواضعه، في حكمته، في ذكاءه، في كل شيء....

نحن ندرس سيرة الإنسان الذي خاطبه الله بقوله: [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] {القلم:4}.

فأي خُلُق هذا الذي وصفه الله عز وجل العظيم العليم سبحانه وتعالى بأنه خلق عظيم.

هذا الرجل أقسم الله عز وجل به فقال: [لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ] {الحجر:72} . فهو رجل أقسم الله عز وجل بحياته.

ندرس سيرة الرجل الذي لن يحاسب الله عز وجل الخلائق يوم القيامة إلا عندما يشفع هذا الرجل للحساب، كل نبي لن يشفع حتى لأتباعه إلا بعد أن يشفع هذا الرجل.

ندرس سيرة الرجل الذي لن ندخل الجنة إلا خلفه، لن نُرْوى يوم القيامة إلا من يده ومن حوضه ومن نهره.

إن عرفنا سيرته ونهجه واتبعناه كانت النجاة في الدنيا ولآخرة، وإن جهلنا طريقته أو خالفناه قيل لنا سحقا سحقا.

نحن ندرس سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الماحي الذي محى الله به الكفر، أول من يُبعث من الخلائق يوم القيامة.

حامل لواء الحمد يوم القيامة صاحب المقام المحمود والحوض المورود يوم القيامة.

ندرس سيرة الرجل الذي فُتحت له أبواب السماء ليخترقها بجسده إلى ما بعدها، لما صعد صلى الله عليه وسلم مع جبريل في رحلة المعراج إلى السماء وطرق الباب أجاب الملك: من؟ قال: جبريل. قال: فمن معك؟ قال: محمد. قال: أوَ أذن له؟ قال: نعم. ففتح باب السماء ليدخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكان لم يدخله بشر من قبل ذلك وهو حي.

الرجل الذي وصل إلى مكان لم يصل إليه بشر ولا ملك، حتى الملائكة لم تصل إلى المكان الذي وصل إليه محمد صلى الله عليه وسلم.

الرجل الذي شاهد الجنة والنار بعينه لا بعقله فقط.

نحن لا نقارن عظمة النبي صلى الله عليه وسلم بعظمة بوذا وكونفشيوس وهتلر ولينين وستالين كما فعل- مثلا- صاحب كتاب الخالدون مائة وأعظمهم محمد صلى الله عليه وسلم، ويفرح الكثيرون بهذ الكتاب ظنا منهم أنهم أنصفوه، لكنهم ما أنصفوه إذ قارنوه بهؤلاء، نحن نقارن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنوح عليه السلام وبإبراهيم عليه السلام وبموسى وعيسى عليهما السلام وبكل أنبياء الله عز وجل عليهم أجمعين الصلاة والتسليم.

نقارنه أيضا بالملائكة أجمعين بملك الأرزاق، بملك الجبال، بملك البحار، بحملة العرش، بل بجبريل عليه السلام.

لما وصل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى ومعه جبريل عليه السلام لم يستطع روحُ القدسِ التقدم خطوة واحدة وقال له: لو تقدمت خطوة واحدة لاحترقت أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد مكنّه الله عز وجل من ذلك وتقدم ليقف عند سدرة المنتهى التي عندها جنة المأوى للقاء الله عز وجل ويكلمه بدون حجاب.

هذا الرجل له مقام عظيم خالد وعلى قدر هذه العظمة يجب أن يكون اهتمامنا بسيرته، بل وبكل دقيقة مرت في حياته الشريفة صلى الله عليه وسلم.

وإذا كانت دراسة السيرة مهمة في زمن من الأزمان فهي في زماننا هذا أهم.

في هذا الزمان تمر الأمة الإسلامية بحالة من التصدع والتفكك ولانهيار في أجزاء والانحلال في أجزاء أخرى، أزمة خطيرة تمر بها أمة الإسلام.

ونجد تباينًا كبيرًا بين ما وصف الله به الأمة في كتابه الكريم وبين حالها الذي نراه بأعينن في الواقع .

فمما وصف الله به تعالى أمة الإسلام في كتابه:

[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ] {آل عمران:110} .

[وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا] {البقرة:143}.

هذه هي الأمة التي وصفها الله عز وجل في كتابه، أما واقع الأمة الآن فتجد التأخر في كل المجالات:

تأخر عسكري على كل مساحة الأمة الإسلامية فمعظم الدول الإسلامية أقل في التسليح من أي دولة محاربة لهم.

أشياء لأول مرة نسمع عنها في التاريخ: كأن تُؤمر دولةٌ بتدمير أسلحتها بنفسها وإلا عوقبت. واعتقدت دول العرب والمسلمين أن هذا الطريق هو الطريق الأمثل للنجاة.

لأول مرة نسمع في التاريخ أن بعض الدول توقع على نفسها بعدم امتلاك سلاح أو تصنيعه مع أن هذا السلاح متوفر عند أعدائها. والأشد من ذلك أن تفتخر هذه الدول بهذه الاتفاقيات برغم أن معظم دول العالم يمتلكون هذا السلاح فرنسا وروسيا وأمريكا وكوريا ولا ينزع منهم هذا السلاح، ومنتهى أحلام الدول الإسلامية أن ينزع السلاح من إسرائيل.

فهذا تأخر عسكري رهيب لم يسبق في تاريخ المسلمين.

تأخر اقتصادي هذا التأخر الغير مفهوم برغم كل إمكانيات الأمة الضخمة، من بترول ومعادن وممرات وكميات هائلة من المنتجات فلماذا هذا التخلف الاقتصادي الضخم مع كثرة الموارد وتنوعها.

تأخر علمي هناك فجوة هائلة بيننا وبين غيرنا من البلاد يقدرها بعض الناس بمئات السنين لا بعشرات السنين أو آحاد السنين.

تأخر في الوحدة فما تجد دولتين مسلمتين إلا وبينهما صراع على الحدود.

إن ما يحدث في الأمة الإسلامية أمر يشق على النفس، حتى الجانب الأخلاقي.

الحضارة ليست الجوانب المادية فقط، ليست السلاح أو المعمار أو الأموال أو العلوم.

فالحضارة أمور كثيرة من بينها الأمور الأخلاقية، وهو ما يفتقده بعض المسلمين اليوم، ولننظر إلى معاملات المسلمين مع بعضهم في الطرقات بل مع الجيران، ومعاملات الموظفين مع الناس، مرورًا بتقاضي الرشاوي، بجانب الفساد وإلى وسائل الإعلام والأفلام والإباحية المفرطة في الأغاني وفي الإعلانات وفي الشوارع حتى في أماكن العلم في الجامعات وفي المدارس.

من المؤكد أن القرآن حق لا باطل فيه، وصدق ل كذب فيه، القرآن يقول

[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ] {آل عمران:110}

[وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا] {البقرة:143}

فالعيب إذًا ليس في القرآن، فالقرآن صادق وحق، بل إن العيب فينا نحن بسبب عدم فهمنا الدقيق للقرآن الذي ترتب عليه سوء التطبيق للقرآن والسنة، حتى ألمت بالأمة الإسلامية النكبات والمصائب وحل بها ما نراه الآن من تدهور وتخلف في شتى المجالات.

بهذا الكلام نحن لا ندعو إلى الإحباط رغم كل ما حل بالأمة ومع كل ما ذكرناه لكن ندعو إلى البناء، إلى بناء الأمة الإسلامية، إلى إعادة ترميم الصدع الكبير الذي حدث بالأمة الإسلامية

تم تعديل العنوان

صبح

تم تعديل بواسطة صبح

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

كيف نبني الأمة؟

هناك أمل كبير في إعادة البناء، بل إن هناك يقينً في إعادة البناء، وستقوم الأمة من جديد، فهذا ما وعد الله عز وجل به، وهو سبحانه لا يخلف الميعاد، يقول الحق تبارك وتعالى:

[إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] {غافر:51} .

ولم يقتصر النصر على يوم القيامة فقط، بل في الحياة الدنيا أيضًا.

يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف:

إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا.

فسيبلغ ملك أمة المسلمين حتمًا مشارق الأرض ومغاربه، وهذا وعد الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.

لا بد من أمرين في بناء الأمة:

الأمر الأول: يقين بهذا الأمر.

يقين كيقين الصحابة رضي الله عنهم في غزوة الأحزاب، لقد تحزبت الأحزاب حول المدينة ما يقرب من عشرة آلاف، وهذا الرقم ضخم جدًا في زمان الجزيرة العربية، وكان يريدون أن يطفئوا نور الله، يريدون إبادة المسلمين.

كان الرجل من بني شيبان عند فخره يقول إننا نزيد على الألف، فهذا الرقم كان رقمًا ضخمًا بالنسبة للعرب ولن يغلب ألف من قلة.

تخيل عشرة آلاف يحيطون بالمدينة المنورة إنها ضائقة شديدة جدًا، والرسول صلى الله عليه وسلم في وسط هذه الضائقة يضرب بيده الحجر الذي استعصى على المسلمين، تناول المعول بيده فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ. فَضَرَبَ ضَرْبَةً، فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ وَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ مِنْ مَكَانِي هَذَا. ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ. وَضَرَبَ أُخْرَى، فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ الْمَدَائِنَ وَأُبْصِرُ قَصْرَهَا الْأَبْيَضَ مِنْ مَكَانِي هَذَا. ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى، فَقَلَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا.

كيف يكون رد المسلمين وهم يسمعون بشريات النبي صلى الله عليه وسلم وهم في هذه الضائقة قال المؤمنون كما وصفهم الحق تبارك وتعالى:

[وَلَمَّا رَأَى المُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا] {الأحزاب:22} .

المسلمون في هذه الضائقة علموا أن نصر الله عز وجل قريب لأن نصر الله عز وجل يأتي بعد اشتداد الأزمات.

أما المنافقون فلما رأوا الفجوة الواسعة بين إمكانيات المسلمين وإمكانيات الأحزاب قالوا كما أخبر الحق تبارك وتعالى عنهم:

[وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا] {الأحزاب:12} .

هكذا كان حال المنافقين في غزوة الأحزاب لما اعتمدوا في تقييمهم على حسابات مادية بحتة ولم يقدروا لله عز وجل قدره، لم يقدروا قوة الله عز وجل، ولم يقدروا عظمة الله عز وجل، فالمنافقون لا يؤمنون، أما المؤمنون الصادقون الذين يعلمون قدر الله عز وجل فأيقنوا أن نصر الله عز وجل قريب جدًا؛ لأن الأزمة اشتدت.

وفي زماننا هذا اشتدت الأزمة، واستحكمت حلقاتها والنصر آت لا محالة ولا شك في ذلك إن شاء الله.

- الأمر الثاني: أين دورك في بناء الأمة الإسلامية؟

كثيرًا ما ينتظر المسلمون مَنْ يأتي إليهم ليعيد لهم بناء الأمة الإسلامية من جديد، لكن أين دورك أنت الذي كلفك الله به لإعادة إعمار الأمة الإسلامية أو لإعادة بنئه لترجع كما كانت في الصدارة وكما أراد الله لها

[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] {آل عمران:110} .

يقول الحق تبارك وتعالى :

[كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ] {المدَّثر:38} .

[أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى] {النَّجم:38} .

فإن قصر الناس في أعمالهم فلن يحاسبك الله إلا على تقصيرك أنت هكذا وعد الله عز وجل، وهذا من عدله سبحانه وتعالى.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السيرةالنبوية وبناء الأمة

كل إنسان اليوم يريد بناء الأمة على طريقته وعلى منهجه.

فنجد من ينادي ببناء الأمة الإسلامية على أن تقوم على النظام الاشتراكي، ونظل في قيد الاشتراكية سنوات طويلة، وبعد مرور أعوام كثيرة نتبين أن هذا المنهج له أخطاء حتى أن بعض الدول كانت تطبق هذا النظام بعد فشله في الدول التي أحدثته!!

والبعض يقترح النظام الرأسمالي وحاله من حال الاشتراكية يطبق لسنوات طويلة وفي النهاية يتبين خطأ هذا النظام.

ونجد من ينادي بتطبيق القانون الفرنسي أو الإنجليزي أو غيره، ونظل نبحث عن مناهج لنرتقي بأمتنا في الشرق والغرب ونختلف ونتصارع.

الرسول صلى الله عليه وسلم أرشدنا في مثل هذه الأمور وفي ظل الاختلاف والتصارع أن يكون لنا من نحكّمه عند اختلافنا ففي الحديث الذي يرويه العرباض بن سارية يقول:

وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا بَعْدَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ.

ومن هنا كانت دراسة حياة النبي صلى الله عليه وسلم ودراسة حياة الخلفاء الراشدين المهديين أمرًا حتميًا لمن أراد أن يهتدي إلى الطريق الصحيح لبناء الأمة الإسلامية.

ولن نستطيع أن نبني هذه الأمة على غير منهج الرسول صلى الله عليه وسلم.

في هذه السطور ندرس جانبًا من حياة النبي صلى الله عليه وسلم الذي عاش فيه في مكة وليس غرض ذلك أن نستقصي كل حدث أو واقعة وقعت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، فهذا أمر يطول شرحه ويعجز البيان عن وصفه.

لماذا لا نستطيع أن نحصي كل ما حدث في فترة مكة؟

- أولًا:

لأنها سجلت بدقة بالغة وخاصة منذ بعثته صلى الله عليه وسلم إلى أن مات. فكل لحظة في حياته صلى الله عليه وسلم سجلت منذ البعثة وحتى الوفاة، حتى أدق التفاصيل في حياته صلى الله عليه وسلم وبعناية فائقة.

وكل نقطة لا يتخيل أنها تُسَجل عن حياة إنسان سجلت للنبي صلى الله عليه وسلم.

ولعل الحكمة من تعدد زواج النبي صلى الله عليه وسلم من نساء كثيرة أن ينقلن الحكمة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن حياته الشخصية الداخلية التي لا يراها غيرهن.

ولماذا هذا التسجيل الضخم الدقيق الكبير؟!

ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدوة كاملة وليس بعده نبي إلى يوم القيامة.

[لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا] {الأحزاب:21} .

نحن مطالبون بأن نقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل حياته في كل خطوة من خطوات حياته، مطالبون باتباعه في رضاه وفي غضبه صلى الله عليه وسلم، مطالبون باتباعه في حزنه وفي سروره صلى الله عليه وسلم، في حله وفي ترحاله، في كل لحظة من حياته صلى الله عليه وسلم، فإذا رضي فهذا هو الموضع الذي يجب أن نرضى فيه، وإذا غضب فهذا هو الموضع الذي يجب أن نغضب فيه.

- ثانيًا:

مما يجعل إحصاء كل أمر في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أمرًا صعبًا ذلك التنوع العجيب في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فتارة يكون مُطاردًا مُعرّضًا للأذى والاضطهاد كما في حادث الهجرة لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة مطاردًا هو وصديقه أبو بكر رضي الله عنه وظلا مطارديْن حتى وصلا إلى المدينة والمشركون لا يدخرون وسعًا في البحث عنهما لقتلهما، وفي نفس سيرة هذا الرجل تجد أنه مكّن في الأرض، يرسل الرسائل إلى كل عظماء الأرض من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى عظيم الفرس، ورسالة إلى هرقل عظيم الروم، وإلى المقوقس عظيم القبط، ويرسل إلى كل ملوك الأرض في زمانه.

تغييرات وتطورات كثيرة جدا في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم

فتارة تجده صلى الله عليه وسلم يعاهد قومًا ثم تتغير الظروف وينقضوا عهدهم فيحاربهم، تارة يكون فقيرًا معدمًا يربط على بطنه حجرين من الجوع لا يوقد في بيته نار ثلاثة أهلة في شهرين، وتارة يكون غنيًا تأتيه الأموال من كل بقاع الجزيرة العربية، ينفق في سبيل الله إنفاقًا غير مسبوق، يعطي لهذا مائة من الإبل وهذا مائة من الإبل وهذا أكثر وهذا أقل، ينفق إنفاق من لا يخشى الفقر، كما قال الأعرابي لَمّا أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم غنمًا بين جبلين فذهب لقومه يقول لهم: أسلموا فإن محمد يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. هو هو الذي كان فقيرًا معدمًا.

يتعامل مع المشركين، ويتعامل مع اليهود، ويتعامل مع النصارى، يتعامل مع المنافقين، ويتعامل مع المؤمنين.

فكل تنوع من الممكن أن يحدث في حياة رجل أو في حياة أمة حدث في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن ثَمَّ كان استقصاء كل مواقف سيرته صلى الله عليه وسلم أمر صعب للغاية.

- ثالثًا:

هناك جيل عظيم عاش مع النبي صلى الله عليه وسلم هذا الجيل العظيم صنع أحداثًا عظيمة تعجز عشرات المجلدات على حملها.

الإنسان العظيم الذي يعيش مع ناس هَمَل ليست لهم قيمة لن تكون له أحداث، إنما الرجل العظيم الذي يعيش مع عظماء يتفاعلون معه بصورة إيجابية تامة في كل لحظة من لحظات الحياة، يتحركون بحمية، يفكرون بجدية، يتناقشون بفهم ووعي وإدراك، فكل صحابي قصة ضخمة في حد ذاته ، فأبو بكر رضي الله عنه - على سبيل المثال - يحتاج إلى عشرات المجلدات لوصف مواقفه مع النبي صلى الله عليه وسلم، كذلك عمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم جميعًا - وكذلك السيدة عائشة والسيدة حفصة وباقي المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم أجمعين.

آلاف من الكتب والمراجع كتبت عن هؤلاء الصحابة وكل هذا في النهاية هو جزء في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.

- رابعًا:

الأحداث العظيمة التي تحدث في حياة الناس هي التي ينبغي أن نقف عندها، فكلما كان الحدث عظيمًا كلما احتاج إلى دراسة وتحليل ووصف وشرح، تمر على حياة الناس عشرات السنين دون أن يكون هناك حدث عظيم يؤثر في مجموع البشر، فالأحداث المؤثرة فقط تحتاج إلى تحليل ووصف، ومن الممكن أن تعيش دولة من الدول عشرات السنين دون أن تجد حدثًا ضخمًا مؤثرًا.

حادث حرب رمضان 1393 أكتوبر 1973 نسأل الله عز وجل أن يعيد أمثالها، كم من أبحاث وتحاليل ودراسات ووصف لهذه الحرب وهي منذ ثلاثين عامًا ولا زلنا نكتب عنها وسيكتب عنها المحللون والمؤرخون لأنه حدث كبير.

تخيل هذا الحدث وتخيل حياة النبي صلى الله عليه وسلم وفي كل عام من هجرته موقعة عسكرية ضخمة:

- 2هـ موقعة بدر.

-3هـ موقعة أحد وبني قينقاع.

- 4هـ بني النضير.

- 5هـ موقعة الخندق وبني قريظة وبني المصطلق.

إذا أحصينا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كل هذا الكم الهائل من الوقائع والأحداث فكم سنحتاج من دراسة وتحاليل لهذه الوقائع.

السيرة النبوية معين لا ينضب، وفي كل زمن ينظر المفكرون إلى هذه السيرة فيستخرجون منها الكثير مع أنه قد فكر في هذا الحدث آلاف المحللين والمفكرين قبل ذلك. لكن هذا ثراء ملحوظ في السيرة النبوية.

فما نفكر فيه هو هدف كبير، وهو إعادة بناء الأمة الإسلامية بدراسة السيرة النبوية، وأي دراسة للسيرة ستخرج منه - بلا شك - بفوائد عظيمة

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

قواعد دراسة السيرة النبوية

ولكي نستفيد من دراسة السيرة النبوية لا بد من وضع قواعد لدراسة الأحداث لكي تتم لاستفادة الكاملة من السيرة النبوية.

وهناك أربع قواعد، فحاول أن تطبق هذه القواعد الأربع على أحداث السيرة النبوية لتتبيّن حجم الاستفادة من هذه الأحداث.

- القاعدة الأولى:

لابد أن نفقه المصدر الثاني للتشريع للدين الإسلامي من خلال دراستنا للسيرة النبوية، فإن مصادر التشريع في الإسلام كثيرة وأول هذه المصادر بلا جدال هو القرآن والمصدر الثاني بلا جدال أيضًا هو السنة المطهرة. والسنة هي كل قول أو فعل أو تقرير صدر عن رسول صلى الله عليه وسلم.

والتقرير هو فعل الصحابي لأمر وافقه عليه النبي صلى الله عليه وسلم بأن استحسنه أو سكت عنه. ولن تستطيع فهم المصدر الثاني من التشريع إلا بعد دراسة مستفيضة للسيرة النبوية.

والقرآن والسنة هما مصادر التشريع الرئيسة، وهناك مصادر تشريع أخرى منها الإجماع والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والاستصحاب والعرف، اختلف الفقهاء في ترتيب هذه المصادر لكنهم لم يختلفوا في أن القرآن هو أول هذه المصادر والسنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع وليس لهما بديل.

والسنة في غاية الأهمية في التشريع الإسلامي وكذلك السيرة في غاية الأهمية لفهم السنة.

فالله عز وجل يقول في كتابه:

[وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] {النحل:44} .

فبدون السيرة وبدون السنة لن تسطيع أن تفهم القرآن الكريم نفسه. فدراستنا لموقف من مواقفه صلى الله عليه وسلم إنما هي دراسة للمصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي.

فالسيرة ليست مجرد شيء نقرأه أو نتسلى بقراءته، بل هذا هو الدين، وهذا مصدر من المصادر التشريع الإسلامي. وهذا ما سنقابل الله عز وجل به، وهو ما سيسألنا عنه يوم القيامة، فبفهمك للسيرة النبوية وتطبيقها على الوجه الأمثل تستطيع أن تقابل الله عز وجل بوجه حسن وبعمل صالح.

لكن هناك طائفة وللأسف البعض منهم مسلمين يشككون في أمر السنة ويشككون في السيرة النبوية، وتزعم أنها تكتفي بالقرآن الكريم والرسول عليه الصلاة والسلام تنبأ بهذه الطائفة في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه:

عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ الْكِنْدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي، فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، مَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ. أَلَّا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ.

ويرد كتاب الله على هؤلاء الذين يزعمون أنهم يؤمنون بالقرآن فقط فيقول تعالى: [مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا] {النساء:80}.

[فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا] {النساء:65}

[وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] {الحشر:7}

الصحابة ما كانوا يفرقون أبدًا بين قرآن وسنة.

قد يكون الحدث الذي تدرسه أو تقرأه عن النبي صلى الله عليه وسلم أمرًا تشريعيًا يجب عليك الأخذ به وقد يكون ترك هذا الأمر يعرضك لأن يُقال لك سحقًا سحقًا.

- - القاعدة الثانية:

أن نتعرف على شخصية النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هو النبي؟

النبي صلى الله عليه وسلم هو خير البشر أجمعين خاتم المرسلين وسيد الأولين والآخِرين.

هذه الشخصية هي شخصية عظيمة بل هي أعظم شخصية وطأت قدمُها على وجه الأرض منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة.

هذه الشخصية جديرة بالدراسة، وهناك أشياء عن النبي صلى الله عليه وسلم سوف نعرفها، والتي تتحدث عن جوانب متعددة ومتنوعة في حيته صلى الله عليه وسلم، لكن هناك شيء مهم لا بد أن نعرفه عن النبي صلى الله عليه وسلم ونضعه في أذهاننا بوضوح عند كل موقف من مواقفه صلى الله عليه وسلم، وهذا الأمر هو أن النبي صلى الله عليه وسلم رسول من عند رب العالمين.

شاء الله ألا يكلم عباده كفاحًا (مواجهة) في الدنيا ليكون ذلك فضلًا منه ونعيمًا لأهل الجنة في الآخرة، وشاء كذلك أن يخاطب عباده عن طريق رسول من البشر، ومن كل الخلق اختار الله سبحانه وتعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم ليبلغ الناس عنه سبحانه وتعالى، إذن الرسول الله صلى الله عليه وسلم في الحقيقة ما هو إلا ناقل عن رب العزة سبحانه وتعالى

[وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى] {النَّجم:3،4}

وعلى هذا القدر من الأهمية يجب أن يؤخذ حديث النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا القدر من العظمة يجب أن تؤخذ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. فالسيرة هي النموذج العملي التطبيقي الذي رسمه الله عز وجل لخلقه كي يقتدوا برسوله صلى الله عليه وسلم ويقلدوه.

السيرة هي الدليل في الصحراء والبوصلة في البحر، فمن أراد الوصول إلى شاطئ النجاة فلتكن السيرة هي دليله.

ومن دون السيرة سوف نفقد الوجهة الصحيحة بل نضل، ونظل نتخبط في دياجير الظلمات كحال الكثير من الناس.

لو ثبت أن هناك شيئًا فعله النبي صلى الله عليه وسلم فهو ما أراده الله منا، حتى النوافل، فقد يظن البعض أن النوافل من اختراع الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن ما فرضه لله عز وجل هو ما أوحى الله به إلى النبي صلى الله عليه وسلم من فرائض كصلاة الصبح والظهر، وأن النوافل التي تسبق هذه الفرائض أو تتأخر عنها هي اجتهاد من النبي صلى الله عليه وسلم، فالله عز وجل شرع الفريضة كصلاة الظهر فهي أربع كعات وكذلك شرع النافلة التي تسبقه أو تتأخر عنه لكن جعل هذا فرضًا وهذه نافلة وفي النهاية كل شيء مرده إلى الله، وهناك بعض المواقف التي يختار فيها النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا وكان من الأولى أن يختار شيئًا آخر فينزل الوحي ليغيّر المسار ويختار للرسول صلى الله عليه وسلم الاختيار الولى والأكمل الذي يصلح لهذه الأمة في زمانه وإلى يوم القيامة.

فدراسة السيرة من هذا المنظور تعطي للسيرة أهمية كبيرة فهي ليست دراسة لشخص عظيم أو مصلح كبير فحسب، بل هي دراسة لسيرة رسول رب العالمين، بل خير الرسل وخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.

- - القاعدة الثالثة:

ينبغي أن نتعلم كيف نحب الرسول صلى الله عليه وسلم، فحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب أن يفوق كل حب، وإن لم يحدث هذا الحب فهناك خلل في الإيمان، يقول صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا.

ويقول - صلى الله عليه وسلم - في حديث آخر:

لَا يُؤْمِنُ الْعَبْدُ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.

ونعرف كلنا ما دار من حوار بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال عمر بن الخطاب: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، إِلَّا مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ.

فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي.

فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْآنَ يَا عُمَرُ.

أي الآن اكتمل الإيمان، الآن اكتمل الصدق مع الله عز وجل، لن تكون صادقًا مع الله عز وجل في اتباعه وفي محبته إلا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم [قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] {آل عمران:31}

فلا بد من وقفة مع النفس لتعرف هل تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حبًا حقيقيًا؟ أم أنك تقدم شيئًا على أوامره؟ هل لك إلى أن تقف وقفة صادقة مع نفسك؟ لتعرف إن كنت تحب الله عز وجل أم أنك مدعي لهذا الحب؟

دراسة السيرة النبوية تعين على حب النبي صلى الله عليه وسلم

إن حب النبي صلى الله عليه وسلم قضية محورية في إيمان العبد، والتعرف السطحي على شخصية ما لا يتولد عنه عميق حب، إنما التعرف على دقائق الحياة، واكتشاف جوانب العظمة المختلفة في الشخصية التي ندرسها هي التي تولد الحب في قلب الإنسان.

ولا أحسب أن إنسانًا يمتلك فطرة سليمة يسمع أو يقرأ عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يحبه، وكلما عرفته أكثر كلما أحببته أكثر وكلما أحببته أكثر كلما زاد إيمانك، فهي علاقة تفاعلية في غاية الأهمية في حياة المؤمنين.

اقرأ عن مواقف النبي صلى الله عليه وسلم، وعن معاملاته خاصة مع أهله ونسائه وبناته، كيف كان يتعامل مع أصحابه؟ وكيف كانت معاملاته مع أعدائه؟ اقرأ عن جهاده، والغزوات التي قادها صلى الله عليه وسلم، واقرأ عن صدقه، وعن أمانته، وعن شجاعته، وعن تقواه، وعن عبادته، وعن قضاءه، وعن سياسته، اقرأ عن المعاهدات التي عقدها النبي صلى الله عليه وسلم، اقرأ عن الطائف، أو عن الهجرة، أو عن بدر، أو عن أحد، أو عن فتح مكة، أو عن أي موقعة أو موقف من حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

وحتمًا ستحب النبي صلى الله عليه وسلم، بل سيتعمق هذا الحب في قلبك.

لقد عد الله محمد صلى الله عليه وسلم نعمة ومِنّة منه سبحانه وتعالى على عباده قال تعالى:

[لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ] {آل عمران:164}.

قاعدة من القواعد الهامة التي تضعها نصب عينيك وأنت تدرس السيرة النبوية، وهي أن تعمق حب النبي صلى الله عليه وسلم في نفسك، وتزرعه في قلبك، فبدون هذا الحب لن تسطيع النجاة يوم القيامة، يقول الله تعالى:

[قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ] {التوبة:24} .

فالمسألة ليست في ارتفاع الإيمان بحبه صلى الله عليه وسلم، إنما المسألة هي تهديد من الله عز وجل لمن عظم في قلبه حب المال والبنون وزينة الحياة الدنيا ونسي حب الله عز وجل أن يكون من الفاسقين...

- - القاعدة الرابعة:

دراسة السيرة النبوية تعلم الحكمة في أرقى صورها، فبدراستك للسيرة النبوية تستطيع أن تتعلم الحكمة من مواقفه صلى الله عليه وسلم، والحكمة هي أن تضع الشيء في نصابه، وكيف تفضل رأيًا على رأي آخر، وحياة النبي صلى الله عليه وسلم هي الحكمة بعينها، فإذا اختار صلى الله عليه وسلم أمرًا فهذا اختيار حكيم، وإذا فعل فعلًا ما فهذا الفعل هو الحكيم.

وللنبي صلى الله عليه وسلم مواقف عديدة تدل على حكمته صلى الله عليه وسلم منها:

حكمته صلى الله عليه وسلم في امتلاك القلوب:

لم يكن صلى الله عليه وسلم يمتلك قلوب أصحابه فقط، بل كان يمتلك قلوب أعدائه أيضًا، وهذا من أرقى صور الحكمة، فالقائد ينجح إذا امتلك قلوب أكثر أصدقائه، فما بالك بمن يمتلك قلوب أعدائه؟

حكمته صلى الله عليه وسلم في الاعتراف بفقه الواقع:

هذه الحكمة في منتهى الأهمية وتسمى هذه الحكمة بالمرحلية، فقد طاف صلى الله عليه وسلم حول الكعبة وبها ثلاثمائة وستون صنمًا وما رفع معولًا ليكسر صنمًا، ثم يأتي وقت لا يقبل فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن يوجد صنم واحد بجزيرة العرب، وفي فتح مكة يرسل النبي صلى الله عليه وسلم سيدنا خالد ليهدم أصنام الطائف.

فبدراسة السيرة تستطيع أن تفرق بين الموقفين لتتعرف على حكمته صلى الله عليه وسلم من ذلك، وهذا لن يتأتى إلا بعد دراسة السيرة النبوية بعمق وفهم وتحليل لهذه الأحداث.

وعاش النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة وبها الرايات الحُمر المعلقة على خيام الزانيات، ولم يحطم صلى الله عليه وسلم خيمة واحدة من هذه الخيام. ويأتي زمان آخر لم يتوانى النبي صلى الله عليه وسلم عن إقامة الحد على الغامدية.

وكان صلى الله عليه وسلم في وقتٍ يعاهد اليهود وفي وقت آخر وعندما يغدرون يحاربهم.

فَلِمَ يعاهد النبي صلى الله عليه وسلم في وقت الحرب، ولِمَ يحارب في وقت المعاهدة.

وقد يتخذها البعض ذريعة لمعاهدة اليهود دون دراسة أو تحليل لمواقف النبي صلى الله عليه وسلم فقد يعاهد ويصالح في وقت الحرب.

ولن نعرف كل هذه الأشياء إلا بدراسة سيرته صلى الله عليه وسلم جيدًا لنعرف كيف نتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب.

كان النبي صلى الله عليه وسلم يكف يده يومًا عن القتال، ثم يأتي يوم يقاتل من قاتله ويوم يقاتل كل الكفار.

يومًا يمر النبي صلى الله عليه وسلم على آل ياسر وهم يعذبون في الله وهذا التعذيب قد أفضى بحياة ياسر وسمية فيقول لهم النبي صلى الله عليه وسلم: صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمْ الْجَنَّةُ. لم يرفع النبي سيفًا ليقاتل أبا جهل الذي كان يعذبهم، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أحدًا من أصحابه الأشداء الفرسان المعروفين لم يأمرهم بقتل أبي جهل وأبي سفيان وأبي لهب، وعندهم ما يبرر ذلك.

لكن في يوم آخر يجهّز النبي صلى الله عليه وسلم جيشًا ويحاصر بني قينقاع لأنهم قتلوا رجلًا مسلمًا بعد أن كشفوا عورة امرأة مسلمة.

ولقد سّيَّرَ النبي صلى الله عليه وسلم جيشًا لقتال الروم هذه الدولة العظمى لقتلهم رجلين من المسلمين، لكن هذا زمن وزمن مكة شيء آخر.

وأول العهد في المدينة غير آخر العهد فيها، وغزوة بدر تختلف اختلافًا تامًا عن غزوة أحد.

لا بد - إذن - من دراسة الظروف والملابسات الخاصة بكل موقف وأنت تدرس مواقف السيرة النبوية، وبذلك تستطيع أن تفهم حكمته صلى الله عليه وسلم في فقه الواقع.

التدرج:

ومن حكمته صلى الله عليه وسلم اتباع سياسة التدرج في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي التربية.

كانت الخمر من القضايا الشائكة عند المسلمين ولم يحمل الناس على تركها مرة واحدة بل كان التدرج هو السمة الأساسية في تحريمها.

وكذلك حرم الربا، وكذلك كان أمر الناس بالجهاد، فكان التدرج هو العامل الرئيسي في كل هذا الشيء.

الوسطية:

من نعم الله على هذه الأمة أن جعلها أمة وسطا كما أخبر في كتابه فقال تعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا] {البقرة:143}.

فلا إفراط ولا تفريط في أي أمر من أمور الدين، وكذلك كان منهج النبي صلى الله عليه وسلم.

وتعددت التعريفات للإفراط والتفريط وكل له تعريف، والمقياس في كل هذا هو سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن ذلك مثلًا أمر الزواج فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالزواج وحض عليه، وتزوج، ولكن الزواج لا يلهي عن الدعوة، أو عن الجهاد في سبيل الله، أو عن النفقة في سبيل الله، فهذا التوازن نتعلمه من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.

والتوازن في العمل نتعلمه من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فأي عمل مشروع من أعمال الدنيا يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ويبارك صلى الله عليه وسلم اليد الخشنة، ولكن بدون إفراط أو تفريط حتى لا يضيع حق الله تعالى وحق العباد وحق الأهل وحق الأمة.

ونتعلم من سيرته صلى الله عليه وسلم التوازن في الطعام فقد ذكرنا آنفًا أنه يمر الهلال ثم الهلال، ولا يوقد في بيت النبي صلى الله عليه وسلم نار. ولكن إذا حضر الطعام أكل صلى الله عليه وسلم من أطيبه.

وكان صلى الله عليه وسلم يصلي وينام ويصوم ويفطر.

وما حديث الثلاثة نفر ببعيد فيقول أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا، فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ، فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي.

فالوسطية كمنهج عملي في حياة الأمة تراها واضحة تمامًا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي كل موقف من مواقف سيرة النبي صلى الله عليه وسلم علينا أن نضع نصب أعيننا هذه القواعد الأربع التي فصلناها سابقًا. وهي

1- أن نفهم أن هذا الموقف قد يكون من المواقف التشريعية، والعلماء لهم دور كبير في استنباط الأحكام من السيرة النبوية.

2- ندرك أنه رسول ولا يخطو خطوة إلا بوحي من الله عز وجل أو تعديل من الوحي.

3- أن نتعلم كيف نحب النبي صلى الله عليه وسلم من كل موقف من مواقف حياته صلى الله عليه وسلم.

4- أن نتعلم الحكمة في اختياره للآراء، وفي اختياره للأفعال في أثناء السيرة النبوية من أولها إلى آخرها

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

المراجع التي ندرس من خلالها السيرة النبوية

هناك الآلاف من الكتب التي كتبت عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعن صحابته - رضوان الله عليهم - وعن حياته بصفة عامة.

وهذه بعض ما اعتمدت عليه في دراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم:

أولًا: كتب التفاسير منها:

تفسير ابن كثير.

تفسير القرطبي.

في ظلال القرآن

ثانيًا: كتب الأحاديث وشروحها:

وكثيرًا ما يغفل عنها بعض دارسي السيرة النبوية.

ومن كتب الحديث التي يمكن الاستفادة منها كثيرًا في دراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.

1- صحيح البخاري.

2- فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر.

3- صحيح مسلم.

4- شرح صحيح مسلم للنووي.

وكذلك سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، ومسند الإمام أحمد بن حنبل.

ثالثًا: كتب السيرة ومنها:

1- سيرة ابن هشام، وهناك بعض المواقف غير موثقة في سيرة ابن هشام لذلك لابد من دراسة بعض الكتب المحققة ككتاب صحيح سيرة ابن هشام للأستاذ فتحي مجدي السيد.

2- كتاب صحيح السيرة النبوية لإبراهيم العلي.

3- كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم.

4- كتاب السيرة النبوية لابن كثير.

5- كتاب الرحيق المختوم للمباركفوري.

6- كتاب السيرة النبوية للصلابي.

7- الأساس في السنة لسعيد حوى.

8- فقه السيرة للبوطي.

9- فقه السيرة للغزالي.

10- المنهج الحركي للسيرة النبوية لمنير الغضبان.

11- السيرة النبوية دروس وعبر لمصطفى السباعي.

12- موسوعة سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد للإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي.

13- موسوعة السيرة النبوية للأستاذ حمزة النشرتي وآخرين.

14- كتاب دراسة في السيرة للدكتور عماد الدين خليل.

15- كتاب شعاع من السيرة النبوية للدكتور راجح عبد الحميد.

هذه بعض الكتب التي رجعت إليها في دراسة السيرة النبوية وهناك كتب أخرى في التاريخ وكتب عن الصحابة.

وهناك بعض الأحداث رجعت فيها إلى كتب الفقه وكتب العقيدة وكتب التزكية والأخلاق إلى غير ذلك من الكتب.

منهجنا في دراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم

وفي دراستنا للسيرة النبوية نعتمد ونتحرى الصحيح قدر المستطاع في الأحداث، ولا نعتمد على بعض الأحداث التي قد تكون شيقة، ولكنها ليست صحيحة لأننا نهدف من وراء دراسة السيرة النبوية أن نخرج بقواعد عامة لبناء الأمة الإسلامية فلا بد أن نعتمد على الصحيح.

وكثير من العلماء تناول سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من جانب معين كأن يتناول الجانب الخُلقي للنبي صلى الله عليه وسلم، أو الجانب الفقهي، أو يدرس جوانب الإعجاز في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

لكننا هنا سيكون كل اهتمامنا أن نستنبط القواعد الهامة في بناء الأمة الإسلامية.

ونهتم بالأحداث التي تشبه واقعنا المعاصر، وقد نسهب في تحليل حدث ما يظنه البعض صغيرًا، وقد لا نقف مع حدث آخر يظنه البعض أنه حدث كبير. ولا نغفل هذه الأحداث تقليلًا لأهميتها ولكن هناك منظور نسير به.

وسيكون كلامنا من بداية البعثة لا من مولده صلى الله عليه وسلم؛ لأننا كما ذكرنا نهتم بالأشياء الهامة في التشريع الإسلامي، والتشريع لم يبدأ إلا ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

من الظلمات إلى النور

مقدمة

بداية قد نتساءل: لماذا الحديث عن الفترة السابقة للإسلام؟

والإجابة: لأنك لن تدرك قيمة النور إلا إذا عرفت الظلام، وفي هذا المجال تكفينا الإشارة إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه، والذي يوضح حال الأرض قبل بعثته صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. فقد وصل حال الناس إلى درجة من الانحطاط جلبت عليهم مقت الله سبحانه وتعالى، والمقت هو شدة الكراهية.

واستخدام الرسول صلى الله عليه وسلم للتعبير بكلمة (بقايا) يوحى بالأثرية، أي كأنهم آثار من عهود سحيقة لا قيمة لها في واقع الناس، ومن جانب آخر فإنّ هذه البقايا لم تشكل مجتمعات كاملة، بل كانت أفرادًا معدودين: رجلا في مدينة ما، وآخر في مدينة ثانية تبعد عن الأولى مئات الأميال، وهكذا.

إذن تعالوا نخترق حدود الزمان والمكان:

ـ نخترق حدود الزمان لنصل إلى ما قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ـ ونخترق حدود المكان لنصل إلى كل بقعة على الأرض كانت تعاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونتجول بين الشرق والغرب لنطالع أحوال الناس والملوك، والأخلاق والطباع، ونكتشف حقيقة ما سمي بالحضارات في ذلك الزمن.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

أولا: الوضع في ممالك العالم المختلفة

clipimage002hc9.jpg

1ـ الوضع في الدولة الرومية:

الدولة الرومية دولة مترامية الأطراف، كانت تشغل ثلاثة أرباع قارة أوروبا تقريبًا، وقد أنزل الله عز وجل سورة في القرآن تبدأ بذكر هزيمة الروم من الفرس ثم انتصارهم عليهم، وسماها سورة الروم، هذه الإمبراطورية الضخمة كانت منقسمة إلى قسميْن رئيسيْن:

*الدولة الرومية الغربية وعاصمتها (روما) وكانت قد سقطت.

*الدولة الرومانية الشرقية وعاصمتها (القسطنطينية)، وهي التي حملت لواء النصرانية في العالم وقتها، وكان ملكها هو القيصر هرقل (والقيصر لقب لإمبراطور القسطنطينية).

(أ)ـ الحالة الدينية:

- مزقت الخلافات العقائدية بين طوائف النصارى أواصر هذه الدولة، فقد كانت خلافاتهم بشعة، فالخلاف بين المذهب الأرثوذكسي والكنيسة الشرقية من ناحية، والمذهب الكاثوليكي والكنيسة الغربية من ناحية أخرى كان خلافًا حادًا أسفر عن حروب مدمرة قتل فيها عشرات الآلاف.

بل في داخل الدولة الرومانية الأرثوذكسية الشرقية ذاتها اشتعلت الخلافات العقيمة بين طائفة الملكانية (وهم على مذهب الملك) وتعتقد بازدواجية طبيعة المسيح، أي أنّ له طبيعتين: بشرية وإلهية، وطائفة المنوفيسية وهم أهل مصر والحبشة ويعتقدون بطبيعة إلهية واحدة للمسيح، وكانت طائفة الملكانية تقوم بتعذيب للطائفة الأخرى تعذيبًا بشعًا، فيحرقونهم أحيانًا، ويغرقونهم أحيانًا أخرى، مع أنهم جميعًا أبناء مذهب واحد هو الأرثوذكسية.

وهذه الخلافات العقائدية ما زالت مستعرةً حتى الآن، فكل طائفة قد يختلف كتابها المقدس عن الأخرى في أجزاء، كما أن لكل طائفة كنائسها التي لا تسمح لأبناء الطائفة الأخرى بالصلاة فيها، ولهذا كله كان الفتح الإسلامي لمصر يشكل لأقباطها خلاصًا من اضطهاد وتعذيب الدولة الرومانية لهم، فقد رحمهم المسلمون من هذا الاضطهاد وتركوا من شاء منهم على دينه.

ـ البابا في إيطاليا كان الناس يسجدون له، ويقبلون قدمه حتى يأذن لهم بالقيام، كما في المسالك والممالك للبكري رحمه الله.

(ب)ـ الحالة الأخلاقية:

ـ أصيبت الدولة الرومانية بانحلال خلقي عظيم، نتج عن تأخر سن الزواج بسبب تركز الثروات الضخمة في أيدي قلّة قليلة من أولي النفوذ، بينما يعيش الشعب في فقر شديد، فلم يعد الشباب يملك ما يتزوج به، فانصرف إلى الزنا، والعلاقات المشبوهة، وفضل العزوبة على الزواج.

ـ أصبحت الرشوة أصلا في التعامل مع موظفي الدولة، لإنجاز أي عمل أو الحصول على أي حق.

ـ الوحشية في الطباع: وقد تمثل ذلك في لهوهم، وفي حروبهم على السواء:

ففي اللهو كان من وسائل التسلية لديهم: صراع العبيد مع الوحوش المفترسة في أقفاص مغلقة، بينما يستمتع الأمراء والوزراء بمشاهدة الوحوش وهي تفترس العبيد.

وفي حروبهم: كانوا يتعاملون مع عدوهم بهمجية ووحشية، فعلى سبيل المثال: في عهد الإمبراطور (فسبسيان)، حاصر الرومان اليهود في القدس - وكان اليهود يسمونها أورشليم - لمدة خمسة أشهر، انتهت في سبتمبر سنة(70) ميلادية، ثم سقطت المدينة في أشد هزيمة مهينة عرفها التاريخ. لماذا نسميها مهينة ؟

لأن الرومان أمروا اليهود أن يقتلوا أبناءهم ونساءهم بأيديهم وقد استجاب اليهود لهم من شدة الرعب، وطمعًا في النجاة فهم أحرص الناس على حياة ولو كانت حياة ذليلة مهينة، ثم بدأ الرومان يجرون القرعة بين كل يهوديين، ومن يفوز بالقرعة يقوم بقتل صاحبه، حتى أبيد اليهود في القدس عن آخرهم، وسقطت دولتهم، ولم ينج منهم سوى الشريد وأولئك الذين كانوا يسكنون في أماكن بعيدة.

(ج)ـ الحالة الاجتماعية:

ـ فرضت الدولة الضرائب الباهظة على كل السكان البلاد، وكان أكثرها وأثقلها على الفقراء دون الأغنياء.

ـ كان المجتمع الروماني ينقسم إلى أحرار وهم السادة، وعبيد وهم ثلاثة أضعاف الأحرار من حيث العدد، ولا يتمتعون بأية حقوق بل مصيرهم في أيدي سادتهم، كما أنهم ليس لهم أي احترام وسط المجتمع، لدرجة أن الفيلسوف (أفلاطون) صاحب فكرة المدينة الفاضلة (يوتوبيا) كان يرى أنه يجب ألا يعطى العبيد حق المواطنة

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

2ـ الوضع في الدولة الفارسية:

كان الوضع في تلك الدولة يمثل مأساة حضارية بكل المقاييس في كل الجوانب الأخلاقية، والاجتماعية، والدينية على السواء:

(أ)ـ الحالة الأخلاقية:

ـ انتشر الانحلال الأخلاقي، حتى سقط الفرس في مستنقع زواج المحارم فـ (كسرى يزدجرد الثاني) كان متزوجًا من ابنته ثمّ قتلها، وتزوج (بهرام جوبين) بأخته، ومنهم من تزوج أمه، ولم يكن هذا الداء منتشرًا في الأمم في ذلك العصر، بل كان مستقبحًا، وكانت كل المجتمعات تستنكر على الفرس نكاحهم المحارم.

ـ في عهد (قباذ) ظهر رجل يذكر في الفلاسفة، بينما هو في الواقع مصيبة وكارثة ضربت الفرس في مقتل، فقد قال: إنّ الناس سواسية في كل شيء، وهذه الكلمة ظاهرها طيب، ولكنّ باطنها خبيث، فهو لم يدع إلى المساواة في الحقوق والواجبات، والمعاملات والاحترام، بل دعا إلى اشتراك الناس في المال والنساء، أي هم متساوون في ملكية هذين الشيئين، فهي في حقيقتها دعوة شيوعية خبيثة.

فأصبح الرجل القويُّ يدخل على الرجل الضعيف بيته، فيغلبه على ماله وزوجته، والضعيف لا يستطيع أن يعترض، فقد صارت الشيوعية دينًا لهم، وليس هناك احترام للملكية الخاصة، فامتنع الناس عن العمل، لعدم استفادتهم بما يكسبونه من أجر، وعمّت السرقات التي صارت الطريق الأسهل للحصول على المال، وباركها (كسرى قباذ) الذي كان يرى ذلك دينًا، وفسد الناس كلهم أجمعون.

قارن هذا الموقف بموقف رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتَ يَدَهَا.

(ب)ـ الحالة الاجتماعية:

ـ تقديس الأكاسرة: فقد كانوا يعتقدون أن الأكاسرة تجري بعروقهم دماء إلهية، وأنهم فوق البشر، وفوق القانون، فكانوا يعظمونهم؛ فكان الرجل إذا دخل على كسرى ارتمى ساجدًا على الأرض، فلا يقوم حتى يؤذن له.

ـ كانوا يقفون أمام كسرى حسب طبقاتهم، فأقرب الناس إليه هم طبقة الكهَّان، والأمراء والوزراء، وهؤلاء يقفون على مسافة خمسة أمتارٍ منه، ومن هم أقل منهم فكانوا يقفون على مسافة عشرة أمتار من كسرى.

ـ كانوا يضعون على أفواههم غلالة من القماش الأبيض الرقيق إذا دخلوا على كسرى حتى لا يلوثوا الحضرة الملكية بأنفاسهم.

يفعلون ذلك بينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استقبله رجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع، ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه، ولم ير مقدمًا ركبتيه بين يدي جليس له (أي يتواضع لجليسه فلا يمد رجله أمامه).. روى ذلك الترمذي وابن ماجة عن أنس رضي الله عنه.

ـ كانت مكانة الإنسان في المجتمع الفارسي تخضع لنظام شديد الطبقية، وفيه مهانة كبيرة للإنسانية فكان المجتمع مقسمًا إلى سبع طبقات:

*طبقة الأكاسرة: وهي أعلى الطبقات وأرقاها.

*طبقة الأشراف: وهي سبع عائلات لا يتخطاها الشرف إلى غيرها.

*طبقة رجال الدين.

*طبقة قواد الجيش رجال الحرب.

*طبقة المثقفين: من الكُتاب والأطباء والشعراء (لذا ليس مستغربًا أن يعم الجهل، وتنتشر الخرافات في المجتمع، ما دام أهل العلم في المؤخرة).

*طبقة الدهاقين: وهم رؤساء القرى، وجامعوا الضرائب.

*عامة الشعب: وهم أكثر من 90% من مجموع سكان فارس من العمال والفلاحين، والتجار والجنود والعبيد، وهؤلاء ليس لهم حقوق بالمرة، لدرجة أنهم كانوا يربطون في المعارك بالسلاسل، ففي موقعة (الأُبلَّة) أولى المواقع الإسلامية في فارس بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه كان الفُرس يربطون ستين ألفًا من الجنود بالسلاسل كي لا يهربوا: كل سلسلة تضم عشرة جنود، كيف يستطيع هؤلاء في سلاسلهم أن يحاربوا قومًا وصفهم خالد بن الوليد رضي الله عنه في رسالته إلى زعيم الأبلة بقوله:

جئتكم برجال يحبون الموت، كما تحبون أنتم الحياة.

(ج)ـ الحالة السياسية:

كان الملك في فارس مقتصرًا على بيت واحد فقط هو البيت الساساني، فإذا لم يجدوا رجلا يولونه عليهم من آل ساسان، ولوا أمرهم طفلا صغيرًا كما فعلوا مع (أزدشير بن شيرويه) سبع سنوات، وإن لم يجدوا طفلا ولوا أمرهم امرأة كما حدث مع (بوران بنت كسرى).

(د)ـ الحالة الدينية:

ـ كانت الديانة السائدة في فارس هي عبادة النار، وهي ديانة (زرادشت)، وهو الذي دعا إلى تقديس النار، وقال: إنّ نور الإله يسطع في كل ما هو مشرق ملتهب، وحرّم الأعمال التي تتطلب نارًا، فاكتفى بالزراعة والتجارة فقط (وقد عدّه صاحب كتاب الخالدون مائة وأعظمهم محمد صلى الله عليه وسلم من الخالدين، فجعله في المرتبة التاسعة والثمانين)، لأن ديانته محلية بينما ديانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وديانة المسيح عليه السلام عالمية، وفي الحقيقة هذا ميزان قبيح، لأنه يجمع الأنبياء العظام الموحى إليهم مع كذاب وضّاع، ألف دينا، وخرج به على الناس.

ولمّا كانت النار لا توحي إلى عبادها بشريعة، ولا تضع لهم منهاجًا، فقد شرع الناس لأنفسهم حسبما تريد أهواؤهم، وعمَّ الفساد كل شيء في فارس.

يذكر المؤرخ الفرنسي (رينو) حال أوروبا قبل الإسلام، فيقول : طفحت أوروبا في ذلك الزمان بالعيوب والآثام، وهربت من النظافة والعناية بالإنسان والمكان، وزخرت بالجهل والفوضى والتأخر، وشيوع الظلم والاضطهاد، وفشت فيها الأمية.

فقد عَمَّ الجهل حتى صار مَدعاةً للفخار فكان الأمراء يفتخرون بأنهم لا يستطيعون القراءة (قارن هذا بدين كانت أولى كلماته: اقرأ)، ويكمل (رينو) عن أوروبا أنها: كانت مسرحًا للحروب والأعمال الوحشية.

ويقول (جوستاف لوبون) في كتابه (حضارة العرب):

لم يبد في أوروبا بعض الميل إلى العلم إلا في القرنين: الحادي عشر والثاني عشر من الميلاد (يعني القرنين: الرابع والخامس الهجريين) وذلك حين ظهر فيهم أناس أرادوا أن يرفعوا أكفان الجهل، فولوا وجوههم شطر المسلمين الذين كانوا أئمة وحدهم.

ويصف مؤرخ أندلسي اسمه (صاعد) (توفي في القرن الخامس الهجري عام 462 هـ في طليطلة) ألف كتاب (طبقات الأمم) يذكر فيه أحوال البلاد في زمانه، فيصف فيه حال البلاد الشمالية في أوروبا (أي إسكندنافيا): الدانمارك والسويد والنريج وفنلندا، قال: هم أشبه بالبهائم منهم بالناس، وقد يكون ذلك من إفراط بُعد الشمس عن رءوسهم، فصارت- لذلك- أمزجتهم باردة، وأخلاقهم فجة رديئة، وقد انسدلت شعورهم على وجوههم، وعدموا دقة الأفهام، وغلب عليهم الجهل والبلادة وفشت فيهم الغباوة.

وهذا هو الرَّحَّالةُّ الأندلسي (إبراهيم الطرطوشي) يصف أهل (جليقية) في شمال إسبانيا بأنهم أهل غدر ودنائة أخلاق لا يتنظفون ولا يغتسلون في العام إلا مرةً أو مرتين بالماء البارد، ولا يغسلون ثيابهم منذ يلبسونها إلى أن تنقطع عليهم، ويزعمون أن الوسخ الذي يعلوهم من عرقهم تصحُّ به أبدانهم (ولست أدري كيف كانوا يتحملون رائحة أنفسهم ومن حولهم) وثيابهم أضيق الثياب، هي فرجة مُفَتَّحةُ، يبدو منها أكثر أبدانهم.

قارن بين هذا وبين دين يأمر بالوضوء خمس مرات في اليوم، وبالاغتسال من الجِنَابة، ويوم الجمعة، وفي الأعياد، ويأمر باجتناب صلاة الجماعة، وهي من أشرف العبادات إذا كنت آكلا لبصلٍ أو ثومٍ.

ويصف البكري صاحب المسالك والممالك (توفي عام 487هـ) حال الروس، فيقول: فيها منطقة تسمى أوثان لهم ملك (منطقة كبيرة) لا أحد يعلم عن حالها من الداخل شيئًا لأن كل من وطئ أرضهم من الغرباء قتل.

قارن هذا مع دين الإسلام الذي جاء في هذه الفترة يقول للمؤمنين به:

[وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ] {التوبة:6} .

ويخبرنا ـ أيضًا ـ عن بعض أصناف الصقالبة سكان المناطق الشمالية في أوروبا، فيقول: لهم أفعال مثل أفعال الهند، فيحرقون الميت عند موته، وتأتي نساء الميت يقطعن أيديهن ووجوههن بالسكاكين، وبعض النساء المحبات لأزواجهن يشنقن أنفسهن على الملأ، ثم تُحرق الجثة بعد الموت، وتوضع مع الميت.

ويروي ابن فضلان الرَّحَّالة المسلم في القرن الرابع الهجري ما شاهده بنفسه من موت أحد السادة في أوروبا، فجاءوا بجاريته لتموت معه، فشربت الخمر ورقصت، وقامت بطقوس معينة، ثم قيدوها بالحبال من رقبتها، ثم أقبلت امرأة عجوز يسمونها: ملك الموت، وبيدها خنجر كبير، ثم أخذت تطعنها في صدرها بين الضلوع في أكثر من موضع، والرجال يخنقونها بالحبل حتى ماتت، ثم أحرقوها، ووضعوها مع سيدها الميت، وهم بهذا يظنون أنهم يوفون السيد حقه من التكريم.

قارن هذا مع ما جاء به الإسلام عن الرقيق، حتى تعرف دينك: جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهَ أَوْ ضَرَبَهُ فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يَعْتِقَهُ.

وسواء كان هذا الأمر بالعتق على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب، فهذه هي نظرة الإسلام السامية لمعاملة الرقيق، وحتى في الحديث عنهم يراعي الإسلام مشاعرهم جاء في صحيح مسلم ـ أيضًا ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي، كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ، وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللَّهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ غُلُامِي وَجَارِيَتِي، وَفَتَايَ وَفَتَاتِي

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

3ـ الوضع في مصر:

لقد كانت مصر محتلةً من الرومان منذ هزيمة (كليوباترا) على يد (أوكتافيوس) سنة 31 قبل الميلاد، وكان الاحتلال من قبل الدولة الرومانية الغربية في عهد (أوغسطس قيصر)، وعندما سقطت الدولة الرومانية الغربية سنة 476 ميلادية (أي قبل ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم بحوالي مائة عام آلت أملاك الدولة الرومانية الغربية إلى الدولة الرومانية الشرقية، فماذا كان الرومان من الغربيين ثمّ الشرقيين يفعلون في أهل مصر:

ـ تحولت مصر إلى مخزن يُمد الإمبراطورية الرومانية باحتياجاتها من الغذاء.

ـ حدث تدهور شديد في مصر اقتصاديًا وعلميًا واجتماعيًا.

ـ فقد المصريون السلطة بكاملها في بلادهم، وإن كان الرومان قد حرصوا على أن يتركوا بعض الرموز المصرية كصورة فقط، وذلك لتجنب ثورة الشعب.

ـ تمّ فرض الضرائب الباهظة جدًا بمختلف أنواعها على الشعب المعدم فمنها:

*ضرائب عامة على الشعب.

*ضرائب على الصناعات.

*ضرائب على الأراضي.

*ضرائب على الماشية.

*ضرائب على المبيعات.

*ضرائب على أثاث المنازل.

*ضرائب على المارة من أجل عبور المصري من مكان إلى مكان.

*وتجاوزت الضرائب الأحياء ـ في سابقة تاريخية ـ إلى الأموات، فلم يكن يسمح بدفن الميت إلا بعد دفع ضريبة معينة (مثل ضريبة التركات، وكأنه لا يكفيهم مصيبة الموت).

ـ وفوق كل ذلك الضغط المادي كان التعذيب لأجل المخالفة في المعتقد الديني المذهبي، وإن كان الجميع ـ كما ذكرنا ـ تحت مظلة النصرانية الأرثوذكسية.

4ـ الصين:

وجد في الصين ثلاث ديانات هي:

1ـ ديانة لاتسو: وقد وضع (لاتسو) هذا ديانة سلبية وغير عملية، فهي تدعو إلى: البعد الكامل عن النساء، والزهد الكامل في الدنيا، والانعزال الكامل عن المجتمع.

2ـ ديانة كونفوشيوس: ويعدونه من كبار الفلاسفة والحكماء الصينين، وديانته مادية بحتة، حيث تعني بقوانين وقواعد وتجارب، وتشير إلى أن الحياة بصفة عامة شيء بائس، أما من ناحية العبادة فلك أن تعبد ما تشاء: شجرًا، أو نهرًا، أو أيًا ما كان.

3ـ ديانة بوذا: وبوذا معدود أيضًا من كبار الفلاسفة والحكماء وشريعته الوضعية تدعو إلى تعاليم أخلاقية معينة، ولكنها ـ أيضًا ـ تدعو إلى الإنعزال عن المجتمع، والزهد في الحياة، وقد تحول بوذا مع مرور الوقت من حكيم ومشرّع وضعيٍّ إلى معبود لبعض أهل الصين، وصنعت له التماثيل، وظل يعبد على مدار السنين حتى الآن.

ـ هؤلاء الثلاثة وضعهم مؤلف كتاب (الخالدون مائة.. وأعظمهم محمد صلى الله عليه وسلم) من القائمة، فجعل كونفوشيوس السادس، وبوذا الخامس، بل إنه لم يتردد أن يقول في وقاحة شديدة: إنّ بوذا يستحق أن يتصدر قائمة الخالدين، ويسبق محمدًا صلى الله عليه وسلم، وعيسى (عليه السلام) لولا أن أتباع (بوذا) الآن أقل من أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعيسى عليه السلام وهذا منطق معوج لا يستقيم مع الفكر السليم، ولا مع منهج الكاتب الذي اختطه لنفسه في كتابه، وهو أن يصنف الخالدين بحسب تأثيرهم في حركة التاريخ وفي مجتمعاتهم، وليس الإيمان بشريعة تدعو إلى الإنعزال عن المجتمع مما يغير في حركة الحياة على عكس ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من تقويم لحركة التاريخ، وتصحيح لمسار أمم بأكملها، ورغم ذلك ما زال منا من يعتقد أنّ هذا الكتاب منصف في حق رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.

5ـ الهند:

تميزت الهند بعدة ظواهر، منها:

1ـ كثرة المعبودات والآلهة، فكل شيء من الممكن أن يعبد في الهند، فهناك تماثيل لكل شيء، قد يعبدون الأشخاص، والجبال، والأنهار كنهر الكنج الذي يقدسونه، ويعبدون المعادن، ومن أشهر المعادن التي عبدوها : الذهب والفضة، ويعبدون آلات الحرب كالسيف والدّرع، ومنهم من يعبد آلات الكتابة كالقلم والأوراق، وكذلك الأجرام الفلكية، والحيوانات وأكثر حيوان عُبد وعظم في الهند هو البقرة وما زالت إلى الآن، ومن المؤسف أن تجد من الهنود علماء في الكمبيوتر والذرة يعبدون بقرة.

وقد عبد الهنود حيوانات كثيرة، حتى أنّ بلادهم أصيبت ذات مرة بمجاعة شديدة نتيجة التهام الفئران التي يعبدونها للمزروعات والمحاصيل.

2ـ الشهوة الجنسية الجامحة: فهم يدَّعون تزاوج الآلهة، كما عبدوا أعضاء التناسل، وتوَّجوا ذلك بارتكاب الكهنة لأبشع الفواحش في معابدهم، وكانوا يعتبرون هذه الفواحش من الدين، أي أنهم كانوا يتقربون لآلهتهم بارتكاب هذه الفواحش.

3ـ الطبقية البشعة: قسّم الهنود المجتمع أربع طبقات هي:

* طبقة البراهمة وهم الكهنة والحكام.

* طبقة شترى وهم رجال الحرب.

* طبقة ويش وهم التجار والزراع.

* طبقة شودر وهم المنبوذون: وهم بحسب التقسيم أحط من البهائم، وأذل من الكلاب ويصرح القانون بأنه من سعادة شودر أن يقوموا بخدمة البراهمة دون أجر.

قارن هذا بما رواه ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ.

كما أن ليس لطبقة شودر أن يقتنوا مالا، فإن ذلك يؤذي البراهمة، وإذا همّ شودري أن يضرب برهمي قطعت يده، وإذا همّ بالجلوس إليه كُوِي استه بالنار، ونُفى خارج البلاد، وإذا سبّه أقتلع لسانه، وإذا ادعى أنه يعلمه شيئًا سُقى زيتًا مغليًا، وكفّارة قتل الكلب والقطة والضفدعة والبومة مثل كفارة قتل الشودر سواء بسواءٍ.

والأنكى من ذلك أنّ من كان في طبقة من الطبقات لا يستطيع أن يرتقي للطبقة الأعلى مهما اكتسب من علم أو مال أو جاه.

ـ المرأة في المجتمع الهندي:

كانت المرأة ـ أحيانًا ـ يكون لها أكثر من زوج، وهي في منزلة الأمة حتى لو كانت زوجة لشريف.

وكان الرجل إذا قامر فخسر ماله، يقامر على امرأته وقد يخسرها فيأخذها الفائز، ويجب أن تقارن هذا بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم:

اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا.

النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ.

خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ.

ـ وكان من عادة الهنود أن يحرقوا الزوجة مع زوجها عندما يموت ويدفنوها معه، وإذا لم تفعل المرأة ذلك تبقى أمَةً في بيت زوجها الميت، وتصبح عُرضَةً للإهانات والتجريح كل يوم إلى أن تموت.

6ـ اليهود:

عاش اليهود مضطهدين في آسيا وأوروبا وكل مكان وقد تركزوا بالشام في هذا الوقت، ولم يكن لأحدٍ من الناس بمعاشرتهم طاقة.

فهم في لحظات الضعف يبدون الخنوع والنفاق والدّس والوقيعة والكيد والكذب، وفي لحظات القوة يبدون التجبر والتكبر والظلم والوحشية والربِّا.

ففي سنة (610) ميلادية، انتصر الفرس على الروم [غُلِبَتِ الرُّومُ] {الرُّوم:2} ، فانقلب اليهود على نصارى الشام، وقد ضعفت جيوش الروم هناك، فخرَّبوا الكنائس، وقتلوا الرهبان، وظهرت لهم شوكة وتكبر لعدة سنوات.

ثم انتصر الروم على الفرس [وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ] {الرُّوم:3}، فذهب اليهود إلى هرقل، وتذلّلوا له، وأظهروا الانصياع الكامل له، والتبعية لحكومته، فقبل منهم،وأعطاهم العهد بالأمان، ولكن أتى رهبان الشام، فذكروا لهرقل ما فعله اليهود وقت هزيمة الروم، فغضب هرقل وأراد معاقبة اليهود، ولكن منعه العهد الذي أعطاه إياهم، فجاء رهبان النصارى وقالوا لهرقل: لا عليك من العهد، اقتلهم وسنصوم عنك جمعة كل سنةٍ أبد الدّهر.

وهؤلاء هم رفقاء السوء، وبطانة السوء، فقبل هرقل وعذب اليهود عذابًا شديدًا حتى لم يفلت إلا الذي هرب من الشام.

فقد كان العداء واضحًا وشديدًا بين اليهود والنصارى منذ ادعى النصارى أنً اليهود صلبوا السيد المسيح عليه السلام، وقتلوه [وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ] {النساء:157} ، حتى أن النصارى في عهدهم مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند فتح القدس سنة (16)هـ اشترطوا ألا يعيش في القدس يهودي. لا يبقى فيها يومًا وليلة، وقد أعطاهم الفاروق عمر العهد بذلك.

ولكن- سبحان الله- اتفق الآن اليهود مع الأمريكان والإنجليز والفرنسيين وغيرهم.. لماذا ؟

لأن معركتهم واحدة، وهي المعركة ضد الإسلام.

تمركز اليهود في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم في شمال المدينة المنورة، وكانوا ـ كعادتهم ـ قومًا غلاظ الطباع، قساة القلوب، منحرفي الأخلاق، يعيشون على الرِّبا، وإشعال الفتن، والتكسب من بيع السلاح، وعلى إيقاع السادة في الفضائح الأخلاقية وتهديدهم بها، وعلى السيطرة على الجهال بكتبهم المحرفة وأفكارهم الضالة.

7ـ الحبشة (أثيوبيا):

كان أهل الحبشة على النصرانية المحرفة، وكانوا يتبعون الكرسيّ البابويّ الإسكندريّ في الدين (المنوفيسية)، فيعتقدون أنّ المسيح هو الله أو هو ابن الله وليس له طبيعة بشرية. وكانت حياتهم بدائية إلى حد كبير، وإن كان لديهم قوة وجيش وسلاح. وفي زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد البعثة كان يحكمهم رجل لا يظلم عنده أحد وهو النجاشي أصحمة، النجاشي لقب وليس اسمًا كما يلقب ملك الفرس بكسرى وملك الروم بقيصر وملك مصر بفرعون.

8ـ الأمريكتان:

كانت الأمريكتان تعيشان في ذلك الوقت مرحلة طفولة حضارية في حياة بدائية تمامًا، وقد شاهدت آثار السكان الأصليين لأمريكا الذين يطلق عليهم الهنود الحمر وهي آثار بدائية للغاية، وظلت كذلك حتى جاء الأوروبيون من المجرمين والأفاكين وأبادوا الملايين من السكان الأصليين، وأقاموا على أشلاء جثثهم الحضارة الأمريكية المعاصرة

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

ثانيًا: حالة العرب في الجزيرة العربية قبل البعثة

ـ وثنية مفرطة:

رغم إيمان العرب بالله عز وجل إلا أنهم اتخذوا إليه شفعاء ووسطاء وقالوا: [مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى] {الزُّمر:3} . وبمرور الأيام أصبحوا يعتقدون أنّ هذه الأصنام "الشفعاء" تملك قدرة ذاتية على النفع والضر والخير والشر، فأصبحوا يتوجهون إليها بعبادة مباشرة.

وقد كان لكل مدينة صنم، بل كان لكل قبيلة صنم، فمكة- مثلا- كان أعظم أصنامها (هبل) بينما كان (اللات) أعظم أصنام الطائف، وهكذا.

وكان لكل بيت صنم، وأصبحت تجارة الأصنام لها تجار وصناع، وقد امتلأت الكعبة بالأصنام حتى بلغ عددها ثلاثمائة وستين صنمًا من مختلف الأنواع والأشكال، ومن أعجبها (إساف) و(نائلة) وهما: رجل وامرأة من اليمن زنيا بالبيت الحرام فمسخهما الله عز وجل أحجارًا، ومع مرور الزمن عبدهما الناس، ووضعوا أحدهما على الصفا، والآخر على المروة، إلى هذا الحد بلغت سفاهتهم!!

وعن كيفية صناعتهم لهذه الأصنام يروي البخاري عن أبي رجاء العطاردي رحمه الله وهو من التابعين رغم معاصرته للرسول صلى الله عليه وسلم لأنه اتبع مسيلمة الكذاب، ثم رجع وآمن مرةً أخرى بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:

كُنَّا نَعْبُدُ الْحَجَرَ، فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَرًا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ أَلْقَيْنَاهُ وَأَخَذْنَا الْآخَرَ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا جَمَعْنَا جَثِيرَةً مِنْ تُرَابٍ (كوم من تراب)، ثُمَّ جِئْنَا بِالشَّاةِ فَحَلَبْنَاهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُفْنَا بِهِ.

وكان عمرو بن الجموح رضي الله عنه يعبد في جاهليته صنمًا من خشب صنعه بيده.

ولننتبه ! فهؤلاء هم الذين سيصبحون بعد ذلك أعظم علماء في الأرض، وأعظم فاتحين لها، وأعظم مجاهدين فيها، وأعظم دعاةٍ على ظهرها، ثمّ سيكونون بعد ذلك أسبق أهل الأرض إلى الجنة؛ وذلك حتى ترى عظمة هذا الدين وإعجازه في تغيير الشخصيات.

ـ شناعة الأدواء الأخلاقية المتفشية في جزيرة العرب:

أ ـ تفشي شرب الخمر لأبعد درجة، حتى كتبت فيه أشعار تصفه، وتصف مجلسه بأدق التفاصيل، مع أنه كان يؤدي إلى كثير من النزاعات بين الناس.

ب ـ تفشي الميسر- كذلك- بصورة واسعة، وكثيرًا ما أورث الناس البغضاء والشحناء، لذا يقول الله سبحانه وتعالى: [إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ] {المائدة:91} .

جـ ـ كما كان الربا عندهم من المعاملات الأساسية وقالوا [إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا] {البقرة:275} .

د ـ وكان للزنا صور بشعة في المجتمعات العربية قبل الإسلام، وتصف ذلك السيدة عائشة رضي الله عنها كما جاء في صحيح البخاري، فتقول:

النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء:

*فنكاح منها نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها.

*ونكاح آخر كان الرجل يقول لأمرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها، ولا يمسها أبدًا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعلون ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح هو نكاح الاستبضاع (وتخيلوا أن رجلاً يفقد مروءته وغيرته، فيرسل زوجته إلى هذا الفعل الشنيع).

*ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ويمرّ عليها ليالٍ بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت بأسمه فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع منه الرجل.

*ونكاح رابع يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة، لا تمتنع ممَّن جاءها، وهنّ البغايا كنّ ينصبن على أبوابهن رايات تكون علمًا (الرايات الحمر)، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها، ودعوا لها القافة (الرجال الذين يستطيعون تمييز الوالد للولد عن طريق الشبه) ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به (التصق به) ودُعي ابنه لا يمتنع من ذلك.

فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالحق، هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم.

هـ ـ عادة وأد لبنات:

وهي عادة بشعة غاية البشاعة، ومعناها: دفن البنت حيةً، وكان هذا الوأد يفعل لأسباب كثيرة أهمها:

*خشية الفقر، لذا قال تعالى: [وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا] {الإسراء:31} .

*خوف العار. *العيوب الخلقية أو اختلاف اللون كمن ولدت سوداء.

*ادعاءهم أن الملائكة بنات الله سبحانه عما يقولون فقالوا: ألحقوا البنات به تعالى، فهو أحق بهن، يقول سبحانه: [وَإِذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ(8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ]. {التَّكوير8 ،9} .

وحتى الذي لم يكن يئد ابنته كان يحزن حزنًا شديدًا إذا ذكروا له أنه رزق ببنت: [وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ(58)يَتَوَارَى مِنَ القَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ] {النحل:58 ،59}.

ـ وكانوا يئدون البنات أحيانًا وهن يعقلن، وفي بعض الأحيان كانوا يلقوهن من شاهقٍ.

روى البخاري في صحيحه عن عبد الله مسعود رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ. قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ. قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ.

و ـ العصبية والحروب المستمرة بين القبائل:

لقد كانت الإغارة على الغير عادة عند بعض القبائل، يظهر ذلك قول الشاعر:

وَيَوْمًا عَلَى بَكْرٍ أَخِينَا إِذَا لَمْ نَجِدْ إِلَّا أَخَانَا

فقد كانت الحروب تشتعل لأتفه الأسباب، ويتساقط الضحايا بالمئات والآلاف فهذه حرب البسوس سببها أن رئيس قبيلة بني بكر ضرب ناقة امرأة من تغلب تسمى البسوس بنت منقذ، حتى اختلط لبنها بدمها، فقتل رجل من تغلب رجلا من بني بكر، فدارت حرب بين القبيلتين استمرت أربعين سنة حتى كادتا تفنيان.

ـ حرب داحس والغبراء: اسمان لفرسين دخل صاحباهما سباقًا، لطم أحدهما فرس الآخر على وجهه، ليمنعه من الفوز، فقامت حرب بين القبيلتين قتل فيها الألوف.

هكذا كان الوضع في جزيرة العرب، ومثله في العالم كله، لم يكن على الحقِّ في هذه البلاد، وفي كل هذه الحضارات (إن جاز أن نسمي هذه التجمعات بالحضارات) إلا أفراد قلائل، وقلائل جدًا.

يوضح ذلك حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه كما جاء في مسند الإمام أحمد، عن عبد الله بن العباس قال: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ حَدِيثَهُ مِنْ فِيهِ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا فَارِسِيًّا مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ مِنْهَا يُقَالُ لَهَا جَيٌّ، وَكَانَ أَبِي دِهْقَانَ قَرْيَتِهِ، وَكُنْتُ أَحَبَّ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حُبُّهُ إِيَّايَ حَتَّى حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ- أَيْ مُلَازِمَ النَّارِ- كَمَا تُحْبَسُ الْجَارِيَةُ، وَأَجْهَدْتُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ حَتَّى كُنْتُ قَطَنَ النَّارِ الَّذِي يُوقِدُهَا لَا يَتْرُكُهَا تَخْبُو سَاعَةً، قَالَ: وَكَانَتْ لِأَبِي ضَيْعَةٌ عَظِيمَةٌ. قَالَ: فَشُغِلَ فِي بُنْيَانٍ لَهُ يَوْمًا، فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدْ شُغِلْتُ فِي بُنْيَانٍ هَذَا الْيَوْمَ عَنْ ضَيْعَتِي، فَاذْهَبْ فَاطَّلِعْهَا. وَأَمَرَنِي فِيهَا بِبَعْضِ مَا يُرِيدُ، فَخَرَجْتُ أُرِيدُ ضَيْعَتَهُ، فَمَرَرْتُ بِكَنِيسَةٍ مِنْ كَنَائِسِ النَّصَارَى، فَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ فِيهَا وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَكُنْتُ لَا أَدْرِي مَا أَمْرُ النَّاسِ لِحَبْسِ أَبِي إِيَّايَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا مَرَرْتُ بِهِمْ وَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُونَ. قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ أَعْجَبَنِي صَلَاتُهُمْ، وَرَغِبْتُ فِي أَمْرِهِمْ، وَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدِّينِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا تَرَكْتُهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَتَرَكْتُ ضَيْعَةَ أَبِي وَلَمْ آتِهَا، فَقُلْتُ لَهُمْ: أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدِّينِ؟ قَالُوا: بِالشَّامِ. قَالَ: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَبِي وَقَدْ بَعَثَ فِي طَلَبِي، وَشَغَلْتُهُ عَنْ عَمَلِهِ كُلِّهِ. قَالَ: فَلَمَّا جِئْتُهُ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، أَيْنَ كُنْتَ؟ أَلَمْ أَكُنْ عَهِدْتُ إِلَيْكَ مَا عَهِدْتُ؟ قَالَ: قُلْتُ :يَا أَبَتِ، مَرَرْتُ بِنَاسٍ يُصَلُّونَ فِي كَنِيسَةٍ لَهُمْ، فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ دِينِهِمْ فَوَاللَّهِ مَازِلْتُ عِنْدَهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ. قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، لَيْسَ فِي ذَلِكَ الدِّينِ خَيْرٌ، دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ خَيْرٌ مِنْهُ. قَالَ: قُلْتُ: كَلَّا وَاللَّهِ إِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ دِينِنَا. قَالَ: فَخَافَنِي، فَجَعَلَ فِي رِجْلَيَّ قَيْدًا، ثُمَّ حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ. قَالَ: وَبَعَثَتْ إِلَيَّ النَّصَارَى، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِذَا قَدِمَ عَلَيْكُمْ رَكْبٌ مِنَ الشَّامِ تُجَّارٌ مِنَ النَّصَارَى فَأَخْبِرُونِي بِهِمْ. قَالَ: فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ رَكْبٌ مِنَ الشَّامِ تُجَّارٌ مِنَ النَّصَارَى. قَالَ: فَأَخْبَرُونِي بِهِمْ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ: إِذَا قَضَوْا حَوَائِجَهُمْ وَأَرَادُوا الرَّجْعَةَ إِلَى بِلَادِهِمْ فَآذِنُونِي بِهِمْ. قَالَ: فَلَمَّا أَرَادُوا الرَّجْعَةَ إِلَى بِلَادِهِمْ أَخْبَرُونِي بِهِمْ، فَأَلْقَيْتُ الْحَدِيدَ مِنْ رِجْلَيَّ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُمْ، حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ، فَلَمَّا قَدِمْتُهَا قُلْتُ: مَنْ أَفْضَلُ أَهْلِ هَذَا الدِّينِ؟ قَالُوا: الْأَسْقُفُّ فِي الْكَنِيسَةِ. قَالَ: فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِي هَذَا الدِّينِ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ أَخْدُمُكَ فِي كَنِيسَتِكَ وَأَتَعَلَّمُ مِنْكَ وَأُصَلِّي مَعَكَ. قَالَ: فَادْخُلْ. فَدَخَلْتُ مَعَهُ. قَالَ: فَكَانَ رَجُلَ سَوْءٍ يَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهَا فَإِذَا جَمَعُوا إِلَيْهِ مِنْهَا أَشْيَاءَ اكْتَنَزَهُ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُعْطِهِ الْمَسَاكِينَ، حَتَّى جَمَعَ سَبْعَ قِلَالٍ مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ. قَالَ: وَأَبْغَضْتُهُ بُغْضًا شَدِيدًا لِمَا رَأَيْتُهُ يَصْنَعُ، ثُمَّ مَاتَ، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ النَّصَارَى لِيَدْفِنُوهُ، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا كَانَ رَجُلَ سَوْءٍ يَأْمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُكُمْ فِيهَا، فَإِذَا جِئْتُمُوهُ بِهَا اكْتَنَزَهَا لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُعْطِ الْمَسَاكِينَ مِنْهَا شَيْئًا. قَالُوا: وَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى كَنْزِهِ. قَالُوا: فَدُلَّنَا عَلَيْهِ. قَالَ: فَأَرَيْتُهُمْ مَوْضِعَهُ. قَالَ: فَاسْتَخْرَجُوا مِنْهُ سَبْعَ قِلَالٍ مَمْلُوءَةٍ ذَهَبًا وَوَرِقًا. قَالَ: فَلَمَّا رَأَوْهَا، قَالُوا: وَاللَّهِ لَا نَدْفِنُهُ أَبَدًا. فَصَلَبُوهُ ثُمَّ رَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ ثُمَّ جَاءُوا بِرَجُلٍ آخَرَ فَجَعَلُوهُ بِمَكَانِهِ. قَالَ: يَقُولُ سَلْمَانُ: فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ أَرَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا وَلَا أَرْغَبُ فِي الْآخِرَةِ وَلَا أَدْأَبُ لَيْلًا وَنَهَارًا مِنْهُ. قَالَ: فَأَحْبَبْتُهُ حُبًّا لَمْ أُحِبَّهُ مَنْ قَبْلَهُ، وَأَقَمْتُ مَعَهُ زَمَانًا ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ إِنِّي كُنْتُ مَعَكَ وَأَحْبَبْتُكَ حُبًّا لَمْ أُحِبَّهُ مَنْ قَبْلَكَ وَقَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا الْيَوْمَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، لَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ وَبَدَّلُوا وَتَرَكُوا أَكْثَرَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا رَجُلًا بِالْمَوْصِلِ وَهُوَ فُلَانٌ فَهُوَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، فَالْحَقْ بِهِ. قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إِنَّ فُلَانًا أَوْصَانِي عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ أَلْحَقَ بِكَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّكَ عَلَى أَمْرِهِ. قَالَ: فَقَالَ لِي: أَقِمْ عِنْدِي فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ، فَوَجَدْتُهُ خَيْرَ رَجُلٍ عَلَى أَمْرِ صَاحِبِهِ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إِنَّ فُلَانًا أَوْصَى بِي إِلَيْكَ وَأَمَرَنِي بِاللُّحُوقِ بِكَ وَقَدْ حَضَرَكَ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا تَرَى فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ رَجُلًا عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ إِلَّا بِنَصِيبِينَ، وَهُوَ فُلَانٌ فَالْحَقْ بِهِ. وَقَالَ: فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ نَصِيبِينَ، فَجِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِي وَمَا أَمَرَنِي بِهِ صَاحِبِي، قَالَ: فَأَقِمْ عِنْدِي. فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْتُهُ عَلَى أَمْرِ صَاحِبَيْهِ فَأَقَمْتُ مَعَ خَيْرِ رَجُلٍ فَوَاللَّهِ مَا لَبِثَ أَنْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ فَلَمَّا حَضَرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إِنَّ فُلَانًا كَانَ أَوْصَى بِي إِلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَيْكَ فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا بَقِيَ عَلَى أَمْرِنَا آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ إِلَّا رَجُلًا بِعَمُّورِيَّةَ فَإِنَّهُ بِمِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ فَإِنْ أَحْبَبْتَ فَأْتِهِ. قَالَ: فَإِنَّهُ عَلَى أَمْرِنَا. قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ عَمُّورِيَّةَ، وَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي. فَأَقَمْتُ مَعَ رَجُلٍ عَلَى هَدْيِ أَصْحَابِهِ وَأَمْرِهِمْ. قَالَ: وَاكْتَسَبْتُ حَتَّى كَانَ لِي بَقَرَاتٌ وَغُنَيْمَةٌ. قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ بِهِ أَمْرُ اللَّهِ فَلَمَّا حَضَرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إِنِّي كُنْتُ مَعَ فُلَانٍ فَأَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ وَأَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَيْكَ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ أَصْبَحَ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُ نَبِيٍّ هُوَ مَبْعُوثٌ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ، يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مُهَاجِرًا إِلَى أَرْضٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ بَيْنَهُمَا نَخْلٌ، بِهِ عَلَامَاتٌ لَا تَخْفَى: يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ الْبِلَادِ فَافْعَلْ. قَالَ: ثُمَّ مَاتَ وَغُيِّبَ، فَمَكَثْتُ بِعَمُّورِيَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَمْكُثَ ثُمَّ مَرَّ بِي نَفَرٌ مِنْ كَلْبٍ تُجَّارًا، فَقُلْتُ لَهُمْ: تَحْمِلُونِي إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ وَأُعْطِيكُمْ بَقَرَاتِي هَذِهِ وَغُنَيْمَتِي هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَأَعْطَيْتُهُمُوهَا وَحَمَلُونِي حَتَّى إِذَا قَدِمُوا بِي وَادِي الْقُرَى، ظَلَمُونِي فَبَاعُونِي مِنْ رَجُلٍ مِنْ يَهُودَ عَبْدًا، فَكُنْتُ عِنْدَهُ وَرَأَيْتُ النَّخْلَ، وَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ الْبَلَدَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي وَلَمْ يَحِقْ لِي فِي نَفْسِي، فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ قَدِمَ عَلَيْهِ ابْنُ عَمٍّ لَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَابْتَاعَنِي مِنْهُ، فَاحْتَمَلَنِي إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُهَا فَعَرَفْتُهَا بِصِفَةِ صَاحِبِي، فَأَقَمْتُ بِهَا وَبَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ مَا أَقَامَ لَا أَسْمَعُ لَهُ بِذِكْرٍ مَعَ مَا أَنَا فِيهِ مِنْ شُغْلِ الرِّقِّ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَفِي رَأْسِ عَذْقٍ لِسَيِّدِي أَعْمَلُ فِيهِ بَعْضَ الْعَمَلِ وَسَيِّدِي جَالِسٌ، إِذْ أَقْبَلَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ فُلَانُ: قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي قَيْلَةَ وَاللَّهِ إِنَّهُمْ الْآنَ لَمُجْتَمِعُونَ بِقُبَاءَ عَلَى رَجُلٍ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَكَّةَ الْيَوْمَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ. قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُهَا أَخَذَتْنِي الْعُرَوَاءُ حَتَّى ظَنَنْتُ سَأَسْقُطُ عَلَى سَيِّدِي. قَالَ: وَنَزَلْتُ عَنِ النَّخْلَةِ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ لِابْنِ عَمِّهِ ذَلِكَ: مَاذَا تَقُولُ؟ مَاذَا تَقُولُ؟ قَالَ: فَغَضِبَ سَيِّدِي، فَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ قَالَ: مَا لَكَ وَلِهَذَا، أَقْبِلْ عَلَى عَمَلِكَ. قَالَ: قُلْتُ :لَا شَيْءَ، إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَسْتَثْبِتَ عَمَّا قَالَ.

ثم كانت له قصة إسلام لطيفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس المجال الآن لذكرها.

الشاهد من القصة أن بقاع النور في الأرض كانت محدودة جدًا جدًا، فهي لم تكن مدنًا ولا قرى، بل كانت أفرادًا بعينهم.

سلمان رضي الله عنه يقطع المسافات والمسافات بحثًا عن رجل واحد من أصبهان إلى الشام إلى الموصل إلى نصيبين إلى عمورية إلى الرِّق في وادي القرى ثم إلى الرِّقِّ في المدينة إلى أن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولو رضى سلمان بحاله في بلاد فارس لظل إلى آخر حياته جليسًا للنار يشعل فيها كلما خبت، فأي وقت كان سيضيع وأي عمر كان سيهدر!

لكنّ سلمان لمّا أسلم أصبح من أعظم رجال الأرض، بل ارتفع به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أعلى الدرجات، فقال في حقه: سَلْمَانُ مِنَّا آلَ الْبَيْتِ.

هكذا كان الوضع في بلاد العالم المختلفة، وكذلك كان الوضع في مكة المكرمة، ولم يكن هناك أحد على الدين الصحيح إلا أقل القليل، مثل زيد بن عمرو بن نفيل والد سعيد بن زيد رضي الله عنه، وكان حنيفيًّا على ملة إبراهيم عليه السلام، وكذلك ورقة بن نوفل، وكان قد تَنَصّر، كما كان هناك قس بن ساعدة، وكان يبشر بمجيء نبيٍّ، وقد أدرك النبيّ فعلا، ولكنه لم يدرك البعثة.

ترون حال الأرض على اتساعها قبل زمان البعثة. كما ترون الإنهيار الشديد في الأخلاق والقيم والعادات والعلاقات والعقيدة وكل شيء، ظلمات بعضها فوق بعض.

تستطيع الآن أن تدرك فعلا قيمة النور الذي أنزل الله عز وجل على الأرض ببعثة الرسول الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم [قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ(15) يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(16) ]. {المائدة15 ،16}.

الأرض كانت تحتاج في هذا التوقيت إلى الإسلام، تحتاج إلى وحي السماء، تحتاج إلى الهداية إلى الطريق المستقيم في زمان تشعبت فيه طرق الضلال حتى استحال حصرها، كان هذا منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، فماذا عن حالنا الآن ؟

هل الأرض في زماننا الآن تحتاج إلى الإسلام كما كانت تحتاج إليه قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ؟

أم أن حال الأمم المختلفة في الأرض الآن لا يحتاج إلى تقويم إلهي، وتعديل ربّاني، وهداية سماوية، وشريعة إسلامية؟

إن الناظر إلى حال الأرض في زماننا هذا، يجد حال الأرض شبيهة بحالها قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، فالجرائم الأخلاقية والانحراف السلوكي وصل إلى درجات شنيعة، فهناك شعوب كاملة تعيش في مستنقع الجنس والشذوذ.

ولنقفز مئات السنين من زمان الأرض من قبيل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى زماننا هذا.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الوضع في بلاد العالم الآن

1ـ أمريكا:

الجرائم الأخلاقية:

ـ المعدل القومي للزنا تحت 18 سنة هو 55%.

حيث يصل في المدن إلى 80 % ، وفي القرى إلى 33 %.

ـ 350 ألف حالة حمل بدون زواج في السنة (المعدل أعلى من ذلك لكنه لا يظهر بسبب الإجهاض).

ـ المعدل القومي للعائلات بأم وبلا أب هو 23% ، ويرتفع في المدن إلى إلى 34 %.

ـ نشرت وزارة العدل الأمريكية في يونيو 1994م تقريرًا خطيرًا حول معدلات الاغتصاب جاء فيه:

عدد الفتيات المغتصبات بالإكراه كان عشرة آلاف فتاة منهن 3800 تحت 12 سنة، ولكن المرعب في التقرير ـ حقًا ـ هو ما يلي:

20% من الفتيات اغتصبن بواسطة آبائهن.

26% اغتصبن من قِبَل أقارب لهن.

51% اغتصبن بواسطة معارف وأصدقاء العائلة (مشاكل الاختلاط الماجن).

4% اغتصبن مِن قِبَل مجهولين.

ـ العنف في أمريكا:

200 ألف طفل يخطف سنويًا في أمريكا عن طريق أقارب الطفل.

58 ألف طفل يخطف سنويًا عن طريق أغراب.

40% من هؤلاء يتم قتلهم.

ـ تزداد معدلات الجريمة طرديًا بزيادة محلات بيع الخمور في المدن.

ـ الانتحار: 32 ألف حالة في السنة.

ـ الحروب الأمريكية:

*قنبلة هيروشيما ونجازاكي في 6و9 أغسطس 1945 أهلكت 250 ألف من البشر وجرح أكثر من 100 ألف وإشعاع ما زالت له آثار إلى يومنا هذا.

*وقبلها في يوم 9و10 مارس 1945 إسقاط قنابل النابالم الحارقة بواسطة طائرات ب 29 على طوكيو ومقتل 80 ألف ياباني مدني.

*الحرب الكورية سنة 1950م:

دخلت فيها أمريكا تحت مظلة الأم المتحدة إلى جوار كوريا الجنوبية ضد كوريا لشمالية والصين. وكان قبل تقدير لخسائر كوريا الشمالية والصين هو مليون ونصف مليون من العسكريين، ومليون مدني، وقامت أمريكا بتدمير 40% من المنشآت الصناعية المدنية الكورية الشمالية وكذلك 30% من المساكن.

*الحرب الفيتنامية (1963 ـ 1975):

أعنف حرب إبادة في التاريخ حيث فني معظم شعب فيتنام في الحرب، حيث قتل الأمريكان منه من (3 ـ 4) ملايين قتيل، وقتل من الأمريكان 59 ألفًا، كما استخدمت أمريكا الأسلحة المحرمة دوليًا ضد المدنيين مثل: النابالم والفوسفور الأبيض.

2ـ الوضع في أوروبا:

ـ نسبة الأطفال غير الشرعيين كالتالي:

السويد 50%.

إنجلترا 33%

فرنسا 33%

وقد شهدت فرنسا سنة 1997م احتفال الرئيسي الفرنسي جاك شيراك بحفيده غير الشرعي من ابنته.

ـ في انجلترا :

65 % من الشباب بين (16ـ 19 سنة) يمارسون الجنس خارج حدود الزواج.

53 % من الشباب بين (16 ـ 19 سنة) مدمنون لخمر.

ـ 170 فتاة تحت 17 سنة تحمل سفاحًا كل أسبوع.

3ـ الوضع في روسيا :

ـ إنكار وجود الإله بالكلية.

ـ الشيوعية الفاسدة التي أثبتت التجربة فشلها التام لتناقضها مع الفطرة (مثل قوانين مزدك الفارسي).

ـ جرائم وحشية للروس في أفغانستان والشيشان وداغستان وغيرها من الدول الإسلامية.

ـ جرائم الإبادة الجماعية: قتل لينين ثمانية ملايين، وقتل ستالين عشرين مليونًا.

ـ نقصت أعداد الروس أربعين ألفًا خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2002م، والسبب إدمان الخمور.

4-الوضع في أفريقيا:

ـ 13 مليون إنسان يهددهم الموت بالجوع في ست دول بالجنوب الأفريقي، بالإضافة إلى مليون في أثيوبيا.

ـ 600 مليون في أفريقيا دخلهم اليومي أقل من نصف دولار.

ـ في أقريقيا خمسة ملايين لاجئ.

ـ ديون أفريقيا 370مليار دولار، وهي تعادل 65 % من إجمالي إنتاج الدول الأفريقية.

ـ ينتشر مرض الإيدز في أفريقيا بشكل رهيب فعلى سبيل المثال:

23 % من جنود جيش جنوب أفريقيا مصابون بالإيدز (هذا تقرير وزارة الدفاع في جنوب أفريقيا، أما أرقام المعارضة فتقول: إن النسبة 60 %).

5ـ الوضع في العالم بصفة عامة:

ـ قتل الإيدز 22 مليون إنسان على الأرض منذ اكتشف وإلى سنة 2002، بالإضافة إلى 37 مليون من الحاملين للمرض، وموتهم مؤكد (أي 59 مليون ضحية مرض أخلاقي).

ـ 79% من سكان العالم دخلهم أقل من دولار يوميًا.

ـ الحرب العالمية الأولى: ثمانية ملايين قتيل، و21 مليون جريح.

ـ الحرب العالمية الثانية: من 50 ـ 60 مليون قتيل.

ـ نسبة المنتحرين تزيد كل سنة في السنوات الخمس الأخيرة بدءًا من 1997م وإلى الآن.

ـ عدد المنتحرين في اليابان سنة 2002م بلغت 31 ألف حالة.

ـ 6.4 مليون إنسان في كوريا الشمالية مهددون بالموت جوعًا، ويعيشون على الأعشاب والطحالب.

6ـ العالم الإسلامي:

تقسم الأمم المتحدة العالم إلى سبع مناطق رئيسية، العالم العربي هو إحدى هذه المناطق، ويأتي العالم العربي في المرتبة الأخيرة من حيث الحريات المتاحة، والحقوق السياسية، واستقلالية الإعلام (تقرير الأمم المتحدة سنة 2002 م، ونشر بالأهرام).

انتشار الفواحش:

ـ ارتفاع الزنا لمعدلات غير مسبوقة، وكذلك الإصابة بالأمراض الجنسية، وعدد الخيانات الزوجية.

ـ الزواج العرفي داخل بعض كليات الجامعة وصل إلى 24 %.

ـ أصبحت الأفلام والمسرحيات والإعلانات تعتمد اعتمادًا رئيسيًا على إثارة الشهوات.

ـ صارت الإعلانات عن الرقص والراقصات، وملاهي الرقص شيئًا عاديًا لدرجة أن إحدى المجلات الإسبوعية التي اشتهرت بحربها على الإسلام نشرت مقالا عن بعض الراقصات التائبات اللاتي اعتزلن الرقص ، وأعلنت المجلة بوقاحة أنها لا تدري معنى أن تتوب الراقصة عن الرقص.. لماذا ؟ أجاب المحرر: وهل الرقص ذنب يتاب منه ؟

ـ صارت الخمور تباع علانية في كثير من البلاد الإسلامية، بل إني قرأت بحثًا في مجلة قومية تعلن فيه إحدى شركات الخمور القومية بفخرٍ أنها تنافس شركة قومية أخرى في إنتاج الخمر، وأنه نتيجة هذا التنافس الشديد ارتفع الأداء إلى الدرجة التي قللت جدّا من استيراد الخمور (يعني بحمد الله حققنا الاكتفاء الذاتي من الخمر).

العنف:

أصبح العنف في العالم الإسلامي ظاهرة خطيرة ليس من حيث عدد الجرائم فقط بل من حيث نوعها وقسوتها وبشاعتها فعلى سبيل المثال:

*أب يقتل زوجته وأطفاله الخمسة عن طريق الإغراق في برميل وعن طريق الذبح.

*شاب يقتل والديه وأخاه في مجزرة عائلية بشعة.

*زوجة تقتل زوجها، ولا تكتفي بذلك، بل تقطعه في أكياس وتضعها تحت السرير ثم تنام فوق السرير، وتستغرق في النوم.

ـ حوادث القتل بعد الاغتصاب أكثر من أن تحصى.

ـ جرائم الثأر قد تحصد عائلات بأكملها، لا تفرق ين مجرم وبريء، ولا بين كبير وصغير.

تردى التعليم بشكل مريع، وارتبط بالجريمة بشكل واضح (فدراسة سنة 2002م تقول: إنّ 85% من المجرمين غير متعلمين).

الفساد المالي البشع:

ـ هروب بالمليارات، وتسهيلات بدون ضمانات في بنوك كثيرة، ومصائب اقتصادية وانهيار لقيمة العملة في بلاد كثيرة.

ـ انتشار الرشوة وتعميم الوساطة، وتوسيد الأمر لغير أهله.

الإنحلال الديني:

ـ ظهرت جماعات شنيعة تزدري الأديان حتى وصلت إلى عبادة الشيطان. إن الشيطان نفسه لم يكن يحلم يومًا أن يعبد من دون الله تعالى.

روى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنَّهُ قَدْ رَضِيَ مِنْكُمْ بِمَا تَحْقِرُونَ.

السيطرة الأجنبية:

انتشر الوجود العسكري الأجنبي في العالم الإسلامي: فلسطين والشيشان، وكشمير والعراق، وكوسوفو، والبوسنة، وأفغانستان، والتركستان الشرقية ، وداغستان، والهند.

ـ الحصار الاقتصادي للعراق وليبيا والسودان وغيرها.

ـ أكثر من مليون مسلم ضحايا المذابح الإجرامية التي يقوم بها الهندوس ضد مسلمي الهند.

ـ حملات التنصير في أندونسيا والهند والصومال وكينيا وغانا ومدغشقر.

ـ حملات الإبادة في الفلبين وبورما وأوغندا وغيرها.

كل ذلك بينما تنشغل الجيوش الإسلامية في صراعات داخلية:

*خلاف بين مصر والسودان على حلايب.

*خلاف بين ليبيا وتشاد على شريط أوزو.

*خلاف بين المغرب والجزائر على الصحراء الغربية.

*خلاف بين السنغال وموريتانيا على نهر السنغال.

*خلاف بين السعودية واليمن على إقليم عسير.

*خلاف بين الإمارات وإيران على جزيرة أبي موسى.

*خلاف بين سوريا وتركيا حول لواء الإسكندرونة.

*خلاف بين أرمينية وأذربيجان حول إقليم كارباخ.

ـ إذن .. وماذا بعد ؟

ألا تشعرون أن العالم بأسره وليس العالم الإسلامي فقط يتجه إلى هاوية سحيقة؟

ألا تشعرون أن المسلمين بحاجة إلى الإسلام ؟

بل ألا تشعرون بحاجة غير المسلمين إلى الإسلام ؟

ألا تشعرون بحاجة أمريكا وأوروبا وآسيا وأفريقيا إلى هذا الدين ؟

لقد وصلت الأرض إلى حالة من التردي والضياع قبل البعثة النبوية الشريفة حتى عبّر رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها بأن الله قد نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم جميعًا إلا بقايا أهل الكتاب.

وأخشى أن تكون الأرض من جديد قد وصلت إلى حالة من التردي والضياع حتى يمقتها ربها إلا بقايا من المؤمنين.

نحن نحتاج بعثة جديدة كما كانت الأرض تحتاج قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن ليس هناك نبيّ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس هناك دين بعد الإسلام، فمن يحمل الراية إن لم نكن نحن؟! ومن يعلم الناس إن لم نكن نحن؟!

لقد فَقِهَ رِبعي بن عامر رضي الله عنه هذه الوظيفة جيدًا، فعبّر عنها في عمق شديد، قال: لقد ابتعثنا الله (ولاحظ استخدام كلمة ابتعثنا فنحن نقوم بمهمة الأنبياء) لنخرج العباد من عبادة العبادة إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

إذا كنا نحن الجيل الذي يفقه حقيقة هذه الوظيفة الكريمة الشريفة، ويسير في خطوات الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم في بناء أمته وفي دعوة الأمم إلى الدين النقي الخالص، إذا كنا نحن هذا الجيل فسوف نصل إن شاء الله، وسوف نستفيد من دراسة حياة الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم استفادة.

أما إن لم نكن نحن هذا الجيل فلنحذر التحذير الإلهي الشديد [وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ] {محمد:38}.

وبهذه النظرة المدركة لقيمة هذا الدين في حياة الأرض كلها سنبدأ في فقه سيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

من هنا بدأ الإسلام

مقدمة

تحدثنا عن الزمان الذي بعث فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، والآن نتحدث عن المكان الذي بُعث فيه صلى الله عليه وسلم.

لماذا مكة؟ هذا هو السؤال الذي نبدأ به، لماذا لم يُبْعث الرسول في فارس أو الروم أو في فلسطين ككثير من الأنبياء؟ أو في مصر كسيدنا موسى عليه السلام؟

لماذا ينزل الوحي في مكة، وتجري أحداث قصة الرسول في المدينة والجزيرة والطائف وغيرها؟

ليس هناك نقطة واحدة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم عشوائية، بل كل نقطة بحساب، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم سيصير قدوة لكل المسلمين، لذا لا بد أن تكون كل خطوة في حياته محسوبة بدقة.

إذن كان الوضع في جزيرة العرب هو الوضع المناسب لقيام الدعوة الإسلامية.

من الواضح أن التجربة الإسلامية الأولى كانت تجربة ناجحة تمامًا، ومن الواضح- أيضًا- أن البيئة التي نشأت فيها الرسالة، وخطت فيها خطواتها الأولى كانت بيئة صالحة؛ لأننا رأينا الإسلام ينتشر بسرعة عجيبة وبثبات أعجب، ففي غضون سنوات قليلة لا تحسب في التاريخ بشيء وصل الإسلام من أقصى الأرض إلى أقصاها.

ليس هذا فقط، بل دخل الناس في دين الله أفواجًا، راغبين غير مكرهين، مختارين غير مجبرين.

نريد أن ندرس هذا السؤال لنعلم المقومات التي أنجحت هذه الرسالة. نعم إن الرسالة من الممكن أن تحقق نجاحًا ذاتيًا، لأنها عظيمة في ذاتها، وتصلح لكل زمان ومكان، ولكن من منظور هذه السطور نحن نقول: كيف نبني أمة ؟ وأول البناء وضع الأساس.

نريد أن نعرف لماذا اختار الله عز وجل هذه الرقعة من الأرض لوضع الأساس لهذا المشروع الناجح (الإسلام)؟ ما مواصفات هذا المكان؟ ما ظروفه؟ ما طبيعته؟ فإذا عرفنا ذلك فإننا قد نستطيع أن نستخرج قواعد في غاية الأهمية لإعادة بناء الأمة الإسلامية على أساس صحيح، وسندرك بعدها أي بيئة ستكون أصلح لنشأة هذا الدين وتمكينه.

ونحن ندرك أنّ الحكمة الكاملة وراء اختيار المكان لا يعلمها إلا الله عز وجل، ولكننا نبحث قدر الاستطاعة، ونسأل الله التوفيق.

أولًا: ليس لهذه المنطقة تاريخ ثقافي يذكر

clipimage002ot4.jpg

ليس فيها فلسفات، ليس فيها تشريعات مركبة، ليس فيها قوانين مفضًلة، إنما هي حياة بسيطة إلى أبعد درجات البساطة، بينما كانت الحضارات المعاصرة ذات أفكار مرتبة، وفلسفات خاصة، وتاريخ طويل:

1ـ الدولة الرومية الغربية والشرقية: كان لديها قوانين وتشريعات في مختلف المجالات، بالطبع كان فيها ظلم وإجحاف، ولكنها في العموم قوانين تغطي مجالات الحياة.

2ـ اليونان: كانت جزءًا من الدولة الرومانية، كما ظهر فيها فلاسفة كبار لهم فلسفات خاصة كسقراط وأفلاطون وأرسطو.

3ـ الدولة الفارسية: ظهر لديهم فلاسفة كمزدك (صاحب فكرة الشيوعية) وزرادشت.

4ـ الهند: كان لديهم لكثير من حكمائهم طبقًا لأفكارهم.

5ـ مصر الفرعونية: وكان لديهم تاريخ طويل، وقوانين وتشريعات عديدة.

ورغم كل هذا نشأت الرسالة في مكان يعتبر بلا تاريخ ثقافي، اللهم إلا الشِّعر، لكن حتى الشعر لم يكن له دور فعال، أو أهمية خاصة في إنشاء الأمة الإسلامية، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف نَظْم الشعر رغم بلاغته وفصاحته صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تعالى:

[وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ] {يس:69} . أي لا يصح له أن يقول الشعر، وليس ذلك لأن الشعر حرام ولكن لكي لا يختلط على الناس الأمر، فيعتقدوا أن القرآن نوع جديد من الشعر ساقه الرسول صلى الله عليه وسلم من عنده.

وكذلك كان المهاجرون- على فصاحتهم- لا يقولون الشعر إلا قليلاً، فأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير، كان معظمهم لا يقول الشعر، ولم يظهر للمسلمين شعراء إلا بعد تثبيت أركان الدولة الإسلامية في المدينة، فظهر من الأنصار شعراؤهم: كعب بن مالك، وحسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة وغيرهم.

كان ذلك لشيء هو من الأهمية بمكان ألا وهو: نقاء الرسالة؛ حتى لا تختلط الرسالة بأفكار أخرى سابقة، وهنا قد يتهمها الناس بأنها مجرد تطور لمعتقدات معينة، وقواعد خاصة وضعوها منذ آلاف السنين، قد يحث بعضها على معنى أو فضيلة معينة يحث عليها الإسلام أيضًا، ولكن مع شيء من التحويل والتغيير، فقد يحث بعضهم على الصدق، أو الزهد في الدنيا والأمانة، فإذا جاءت هذه الأفكار في الإسلام فقد يعتقد البعض أنها مجرد تطور لأفكار الفلاسفة.

وقد ادعى بعض أعداء الإسلام هذا الادعاء رغم بُعد الرسول صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء الفلاسفة، ورغم كونه صلى الله عليه وسلم أُمّيًا وقت نزول الرسالة، فكيف تكون الحال إذا نزلت الرسالة في بلدٍ مملوءٍ بالفلاسفة والمفكرين؟!

كما أنّ هناك أمرًا آخر مهم أيضًا هو ضمان عدم تسرب بعض هذه الأفكار والفلسفات إلى الإسلام شيئًا فشيئًا دون دراية المسلمين بذلك، فيختلط الصواب بالخطأ، والحق بالباطل.

إن الجزيرة العربية رغم خلوها من الفلسفات والأفكار القديمة، فإن مجتمع المسلمين فيها احتاج جهدًا كبيرًا لإلغاء عادة مثل التبني، فقد استلزم الأمر طلاق الصحابي الجليل زيد بن حارثة رضي الله عنه من زوجه زينب بنت جحش رضي الله عنها، ثم زواج النبي صلى الله عليه وسلم منها، كل ذلك لإحداث هزة في المجتمع لإلغاء هذه العادة، فكيف لو كان البلد حافلا بالفلسفات وأصحابها؟!

إن الله عز وجل يريد أن يحفظ نقاء الرسالة، ولعل هذا هو السر- أيضًا- في عدم نزول الرسالة في فلسطين، وذلك حتى لا تصبح الرسالة مجرد امتداد لليهودية أو النصرانية.

نعم أصول التوحيد واحدة، ولكن الإسلام أتى بتشريع كامل متكامل يحكم الدنيا والدين، كما أن اليهودية والنصرانية قد حُرِّفَتا بدرجة كبيرة جدًا، ولم يعد أحد يدري أين الصحيح من المزور؟

أراد الله سبحانه وتعالى أن تنزل الرسالة في مكة ليس فلسطين، حتى لا يدّعي أحد أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد مزج بين التوراة والإنجيل، وحرّف فيهما قليلا وغيّر، وصنع منهما الإسلام.

إن كفار مكة قد ادعوا ذلك على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فادعوا أن الرسول يأخذ القرآن من غلام نصراني، فكيف لو نزلت الرسالة في بلدٍ مملوءٍ بأهل التوراة والإنجيل كفلسطين؟

لذلك نزلت الرسالة في بلد ليس فيه أي نوع من الثقافات السابقة أو القوانين أو التشريعات.

كل هذا ليبقى الدين في النهاية نقيًا خالصًا [أَلَا للهِ الدِّينُ الخَالِصُ] {الزُّمر:3} .

من هنا نفهم موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند رؤيته يقرأ صحيفة من التوراة.

روى أحمد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَرَأَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَضِبَ (وفي رواية أن عمر هو الذي كان يقرأ)، فَقَالَ الرَّسوُلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي.

هذا الحديث وإن كان فيه أحد الضعفاء (مجالد بن سعيد) إلا أنه ورد من طرقٍ شتى يقتضي مجموعها أنّ لها أصلا كما قال ابن حجر في الفتح.

ومن هنا- أيضًا- نفهم النهي المتكرر الصريح والجازم الذي جاء في القرآن الكريم بخصوص قضية اتباع الآباء.

لا شك أنه ستكون هناك تقاليد معينة في مكة، ومعتقدات خاصة عند السابقين، فلو اختلطت هذه المعتقدات (وإن كانت قليلة) بالإسلام، فإنّ ذلك لا يضمن بعد ذلك وضوح الرؤية ونقاء الرسالة، قال الله عز وجل:

[وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ] {البقرة:170} .

والحقّ أننا شاهدنا بأعيننا آثار اختلاط الإسلام بالأفكار الغريبة عنه، ولو كانت من أفكار الفلاسفة، وكبار الحكماء كما يدَّعون، شاهدنا ذلك في التاريخ وفي الواقع، يتميع الحقُّ، ويضطرب الناس فلا يفرقون بين معروف ومنكر، ولا بين حقٍّ وباطل، ولا بين صدقٍ وكذب.

ومن الأمثلة على ذلك:

دخول المناهج الفلسفية اليونانية إلى الإسلام عندما تمَّت ترجمة كتب الفلاسفة اليونان إلى العربية، فظهرت فرق المعتزلة والمعطلة والجهمية وغيرها، وظهرت تفريعات كثيرة في العقيدة صعَّبت فهمها جدًّا حتى على بعض العلماء، كما فتحت أبواب مسائل ما فتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، وفُتن المسلمون بفتن ضخمة مثل فتنة الادعاء بخلق القرآن أو أين الجنة، أو غير ذلك من المسائل.

هذه الفتن ضيعت على المؤمنين وقتًا طويلا.

ـ وشغلت المؤمنين بأنفسهم، فحدث الصراع والجدال والقتال بين المؤمنين.

ـ كما عطَّلت الجهاد، وأضعفت شوكة المسلمين.

ـ بل أخرجت بعض المتكلمين من الدين بالكلية.

كل هذا نتيجة خلط بعض المسلمين لأصول الرسالة بغيرها من الأصول، فضاع نقاء الرسالة لولا جهود العلماء المخلصين.

نزول الرسالة في مكة كان يوفر عليها كل هذا الخلط، خاصةً وهي ما زالت في مهدها.

والدرس واضح للمسلمين: حافظوا على نقاء رسالتكم، فنحن لا نحتاج أي مصدر آخر للتشريع غير القرآن والسنة: تَرَكْتُ فِيكُمُ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَدًا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي.

مظاهر الاختلاط بين تقاليد الغرب وتعاليم الإسلام في الواقع المعاصر

أما عن واقعنا المعاصر، فقد حدث اختلاط كبير بين تقاليد الغرب، وتعاليم الإسلام في نفوس الناس، فيتميع الحقُّ، وتضيع الحقائق، ويختفي المقياس الصحيح من حياة المؤمنين.

مثال: حدود الاختلاط:

- ففي الغرب يعتبرون الفتاة التي تبلغ ثم تظل بعد ذلك عذراء يعتبرونها هناك فتاة غير طبيعية؛ لأنها ما زالت عذراء، إذا كان هذا هو المقياس فسيعتبر الاختلاط البشع الذي نراه بين الشباب والشابات فضيلةً من الفضائل ما دامت الفتاة ظلّت عذراء، وقد يتطور الأمر للزواج العُرفي، وهم بمقاييسهم الجديدة المحرفة يعتبرون أنفسهم يراعون حرمة الله عز وجل بكتابة مثل هذه الوريقة التافهة. اختلطت المفاهيم، وضاع نقاء الرسالة.

- انظر إلى قصّات الشعر عند الشباب، تجد الشاب يقص شعره على طريقة الشرق والغرب، وتظهر قصات نهى الشرع عنها، مثل قصة القزع مثلاً، يقُصُّ جزءًا ويترك الباقي، والشاب قد لا يدرك أنه يرتكب محرمًا، لماذا؟ اختلطت المفاهيم، ولم يحافظ على نقاء الرسالة.

- انظر إلى ملابس الفتيات (مجازًا طبعًا، فالمفروض ألا تنظر) لقد أصبح هناك تعريف جديد للاحتشام وضاع المقياس الإسلامي.

ستشاهد ملابس تتعجب من نزول الفتاة بها من بيتها أمام أبيها أو أخيها أو زوجها دون أن ينكروا عليها، بل قد يمدحونها ويبدون إعجابهم، فإذا حدثتهم قالوا: الحمد لله إنها أحسن من كثيرات غيرها.

- من المسلمين من يحتفل بالكريسماس ورأس السنة أكثر من احتفاله بعيد الفطر أو الأضحى.

- من المسلمين من يعتقد أن من الصواب أن يدع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله.

- من المسلمين من يعتمد في تفسيره للتاريخ الإسلامي على اليهود والنصارى.

- من المسلمين من ينكر الشفاعة، ويرد المتواتر من الحديث، ويستهين بالبخاري ومسلم.

- من المسلمين من يقول: الحج شيء جميل ولكنه زحام شديد، فلماذا لا نجعل الحج كل عام في مكان محتلف؟ أو في عدة أماكن في نفس الوقت ليقل الزحام؟ أو: لماذا لا نجعل الحج طوال العام؟ إنه يعمل عقله في العبادات كما علموه، وهو قد رأى أساتذته من اليهود والنصارى يغيرون ويحرفون في دينهم كما يريدون ولم يحدث شيء، فلماذا لا يفعل مثلهم؟

إنه اختلاط في المفاهيم، واضطراب في المقاييس.

إن نزول الرسالة في مكة، حيث تعتبر معزولة نسبيًا عن الأفكار الفلسفية، والقوانين المادية، والعقائد النظرية الغربية، حافظ على نقاء الرسالة، وحافظ على تكوين الصحابة تكوينًا إسلاميًا خالصًا، وهذا درس واضح غاية الوضوح: الجيل الذي يستطيع أن يحمل الأمانة الإسلامية هو جيل يوحد مصدر تلقيه، فيجعله القرآن والسنة، ولا يخلطه بأفكار الأرض، شرقية كانت أم غربية.

إذن ما سبق يوضح لماذا نزلت الرسالة في بلد ليس له تاريخ ثقافي معلوم، أو ذكريات فلسفية.

- وأيضًا نزول الرسالة في بلد ليس له تاريخ تشريعي يذكر وَضّح المعجزة الإلهية في التشريع الإسلامي.

من المستحيل أن تفهم كيف خرج هذا التشريع المتكامل الشامل المفصل في هذه البيئة البدوية البسيطة منعدمة التاريخ، إلا إذا كانت هناك قوة فوق قوة البشر هي التي فعلت ذلك، وتلك هي قوة الله عز وجل.

التشريع الإسلامي تشريع عجيب فهو يعالج كل جزئية- مهما صغرت- من جزئيات الحياة، ليس في العقيدة والعبادة فقط، ولكن في كل أمور تسيير الحياة، وعمارة الأرض وسيادة الدنيا.

- قوانين متكاملة في السياسة.

- قوانين متكاملة في القضاء.

- قوانين متكاملة في المعاملات.

- قوانين متكاملة في التجارة والاقتصاد.

- قوانين متكاملة في إدارة البيت وتربية الأولاد.

- كيف تحارب وكيف تسالم، وكيف تتزوج، بل كيف ترفّه عن نفسك؟

بل الدخول في أدقِّ التفاصيل بلا خطأ ولا ثغرة ولا عيب ولا قصور.

صنع من هذا؟ [صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ] {النمل:88} .

إن نزول الرسالة في مكة بهذا التكامل العجيب كان إعجازًا لا ينكر، ودليلا لا يقاوم على إلهية هذا التشريع، وربّانية هذا المنهج.

إذن كان نقاء الرسالة بنزولها في مكانٍ ليس به تشريعات كثيرة معقدة سببًا في نقاء التكوين عند الصحابة، وصحة الطريق بلا ضلال ولا غموض، فقد كان يحمي الإسلام من الانحراف والتخبط، وفي ذات الوقت كان دليلا معجزًا على أن هذا التشريع من عند الله عز وجل.

وهذه هي الحكمة الأولى من نزول التشريع الإسلامي في هذه البيئة البدوية البسيطة، وهي: المحافظة على نقاء الرسالة ووحدة المصدر.

ولو أردنا أن نعيد الأمة الإسلامية إلى سابق عهدها من القوة والتمكين، فعلينا ألا نخلط بالقرآن والسُنَّة أي مصدر آخر، وهذا ليس اجتهادًا منَّا، بل أمر رب العالمين: [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا] {الأحزاب:36}.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم ورحمة الله...

ما شاء الله ...موضوع جميل جدا ياصبح...ما احوجنا الى الاطلاع عليه فعلا...

انا عندى فى مكتبة البيت موسوعة للسيرة النبوية بس على صغير كده كنت اشتريتها لاولادى...بس موسوعتك هنا ماشاء الله جميلة فعلا...وبتشمل نقاط كثيرة

انا متابعة بس مش عايزة اقطع تسلسل الموضوع بمداخلاتى...

اكمل الله يبارك لك...فى انتظار باقى السيرة العطرة ..سيرة حبيبنا وسيدنا رسول الله عليه افضل الصلاة والسلام

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم ورحمة الله...

ما شاء الله ...موضوع جميل جدا ياصبح...ما احوجنا الى الاطلاع اليه فعلا...

انا عندى فى مكتبة البيت موسوعة للسيرة النبوية بس على صغير كده كنت اشتريتها لاولادى...بس موسوعتك هنا ماشاء الله جميلة فعلا...وبتشمل نقاط كثيرة

انا متابعة بس مش عايزة اقطع تسلسل الموضوع بمداخلاتى...

اكمل الله يبارك لك...فى انتظار باقى السيرة العطرة ..سيرة حبيبنا وسيدنا رسول الله عليه افضل الصلاة والسلام

جزاك الله خيرا

أخير حد طل علينا وادانا ريق حلو

ومين

الحاجة فولانة :o :)

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم ورحمة الله.....

ايه الكلام ده بقى...ده انت كل مواضيعك رائعة ما شاء الله....وكلنا طبعا متابعين بس مش عايزين نقطع تسلسل الاحداث عليك....

الا قولى انت حجيت ولا لسه ..علشان نفسى اقولك ياحاج انا كمان :o

يالا بقى كمل لنا السيرة العطرة الجميلة دى واللى بتشفى الصدور.....

طنطك الحاجة

فلانة :)

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم ورحمة الله.....

ايه الكلام ده بقى...ده انت كل مواضيعك رائعة ما شاء الله....وكلنا طبعا متابعين بس مش عايزين نقطع تسلسل الاحداث عليك....

الا قولى انت حجيت ولا لسه ..علشان نفسى اقولك ياحاج انا كمان :rolleyes:

يالا بقى كمل لنا السيرة العطرة الجميلة دى واللى بتشفى الصدور.....

طنطك الحاجة

فلانة -_-

والله يا طنط الحاجة أنا قولت أسيب إسمك منور من إمبارح وبلاش أرد عليكي علشان يجذب القراء للدخول

وفعلا وجدت أن وجود إسمك كآخر رد جذب ما يزيد على 80% زيادة في أقل من 12 ساعة مقارنة بحوالي إسبوعين منذ بدأ الموضوع :closedeyes:

من الواضح إن المشكلة في إسمي مش في عنوان الموضوع :D

عامة من بقك لباب السما

أنا نفسي أنا وزوجتي أن نذهب للحج ولكن حتى الآن لم يأذن الله ويدعونا لزيارة بيته الكريم

ضيفي الدعوة دي مع الدعواة الأخرى بتاعة الشغل

تقبل الله منا ومنك

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

ثانيا: ليس لهذه المنطقة تاريخ أو واقع عسكري ملموس

فلم يكن هناك ما يعرف بالجيوش العربية أو الجيش العربي، كانت قبائل متفرقة متشرذمة، لا يعرفون إلا حرب الإغارات والسطو، لا يعرفون الجيوش النظامية ولا يحملون بها أصلا، فأعدادهم قليلة وسلاحهم قديم، وخططهم بدائية.

هذا هو الوضع العسكري للعرب، وبعد ذلك جاء الإسلام في هذه البقعة من الأرض، فإذا بالرجال البسطاء يصبحون قادة عسكريين على أعلى المستويات، فلا مجال للمقارنة بين قادة الإسلام العسكريين وغيرهم من أبناء الأمم الأخرى حتى في العصر الحديث، وإذا بالقبائل المتفرقة تكون جيشًا واحدًا متربطًا، وإذا بالبدو الرُحل يحاورون ويناورون ويفاوضون ويفتحون البلاد، ويدعون العباد إلى عبادة ربِّ العباد، وليس في التاريخ كله نظير للفتوحات الإسلامية من لَدُن آدم عليه السلام إلى الآن، كل هذا في غضون سنوات قلائل جدًا.

فقد سقطت فارس الدولة الرهيبة العظيمة في غضون ثلاثة عشر عامًا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك معظم ممتلكات الدولة الرومانية في آسيا وأفريقيا في نفس الفترة.

معجزة عسكرية هائلة بكل المقاييس، من المستحيل تمامًا أن تكون من فعل البشر، وراجعوا- إن شئتم- ماذا يعني العرب وفارس والروم في هذا الوقت؟

كيف كان موقف العرب من كسرى فارس قبل الإسلام؟

- كان العرب كأي دولة نامية في مواجهة دولة عظمى الآن، وكان العربي الذي يدخل على كسرى فارس في إيوانه، ويقف على بعد خمسة عشر مترًا منه، يعتبر ذلك فخرًا أَبَدَ الدهر.

لقد كان المغيرة بن شعبة رضي الله عنه يفتخر في جاهليته بأنه دخل إيوان كسرى، كما تصحب شابا- الآن- ليقابل رئيس دولة عظمى.

- كان الفرس يتصدقون على العرب بالقمح لكثرة المجاعات

- عندما ذهبت الجيوش الإسلامية لفتح فرس، تعجب كسرى فرس من تفكير العرب في حرب فارس، ولم يشأ أن يشغل نفسه بحربهم، وأراد أن يصرفهم إلى بلادهم مرة أخرى، فعرض عليهم عرضًا مغريًا من وجهة نظره، أتدرون ما هذا العرض ؟

ثوب ودرهم لكل جندي، وللقائد ثوبان ومائة درهم.

كانت هذه هي نظرتهم إلى العرب، وكانت في الحقيقة نظرة واقعية تمامًا بالنسبة لتاريخ العرب وتاريخ فارس.

فالمسلمون- بالفعل- لم يكونوا يجدون شيئًا يلبسونه في بعض الأحيان، تذكر مصعب بن عمير رضي الله عنه يوم دفن في (أُحُد)، وحذيفة بن اليمان رضي الله عنه لما ذهب ليأتي بخبر القوم في الأحزاب لبس ملابس زوجته. كيف يفتح هؤلاء البلاد الفارسية العظيمة، والبلاد الرومية الهائلة؟!

إنّ أبا سفيان الزعيم القرشي النبيل والسيد العظيم كان يقف ذليلا أمام هرقل، وما كان- على شرفه- يستنكر هذه الذلة، فإذا كانوا يقفون أذلةً أمام ملك الحبشة (أثيوبيا) فكيف بملك الدولة الرومانية الهائلة؟!

إذا كان العرب قبل الإسلام لما كشروا عن أنيابهم في غزوة الأحزاب، جمعوا بالكاد عشرة آلاف رجل، فكيف يعقدون العزم بعد إسلامهم على الذهاب لحرب دولة فارس، وجيشها يجاوز المليونين، وبينهما فجوة هائلة في التسليح والإعداد، والحرب في عقر دار الفارسيين في بلاد ما عرفوها ولا ألفوها، وعلى بعد مئات الأميال من المدد؟!

كيف يحدث هذا؟ إنها معجزة بكل المقاييس، أين كان خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وأبو عبيدة بن الجراح، والقعقاع بن عمرو، والمغيرة بن شعبة وغيرهم؟ أين كان هؤلاء العباقرة العسكريون قبل إسلامهم؟

أليس هذا هو خالد الذي كان متحيرًا في سبعمائة مسلم في (أُحُد) بينما كان معه ثلاثة آلاف مقاتل؟ لقد كانت المعركة سائرة في مصلحة المسلمين، وكان خالد مهزومًا لولا مخالفة الرماة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بعدم ترك الجبل.

ماذا حدث؟ ما الذي جعله يدخل بلاد فارس بثمانية عشر ألفًا من الرجال على ستين ألفًا، وسبعين ألفًا، وثمانين ألفًا، ثم تسعين ألفًا، ثم مائة وعشرين ألف فارس؟!

- كيف ينتصر المسلمون باثنين وثلاثين ألف مسلم في القادسية على ربع مليون فارس؟!

- كيف ينتصر المسلمون في بلاد الأندلس باثني عشر ألفًا من الرجال وكيف يهزمون في أول معركة لهم مائة ألف إسباني؟!

ألغاز لا تفهم إلا بفهم حقيقة واحدة لا ثاني لها [فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى] {الأنفال:17}.

لو نزلت الرسالة في بلدٍ له تاريخ عسكري طويل وعظيم ومنظم لاعتقد الناس أن الفتوح كانت بسبب قوة الجيوش وإعدادها وتسليحها وخططها.

ما الإعجاز في أن تفعل ذلك الجيوش الرومانية الهائلة؟ وما الإعجاز في أن تستولي جيوش فارس على الأرض كلها؟

لكن أن تنزل الرسالة في مكة فيحدث هذا الانقلاب في العالم، وتتغير خريطة الأرض تغيرًا جذريًا في سنوات معدودات، هذا هو الإعجاز بعينه.

والقاعدة التي تؤخذ من هنا هو أنَّ الله عز وجل دائمًا ما ينصر القلَّة المؤمنة على الكثرة المشركة، نحن لا ندعو المسلمين إلى تقليل أعدادهم، وإضعاف قوتهم، بل هم مطالبون بإعداد ما استطاعوا من قوة، ولكن نقول: إنّ من سنن الله عز وجل أن يجعل أهل الباطل دائمًا كثرة [وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ] {الأنعام:116}. ثم هو ينصر المسلمين الثابتين على دينه والمتمسكين بشرعه، والمعدين لأقصى قوتهم، ينصرهم على الكثرة المشركة، فتظهر المعجزة، ويوقن الجميع أنّ النصر من عند الله عز وجل، وليس لسبب آخر.

ويوم تزداد القوة الإسلامية حتى يعتقد المسلمون فيها، ولا يعتقدون في ربهم تحدث الهزيمة كي لا يفتن الناس في قوتهم.

واذكروا حنينا، واذكروا العقاب في آخر دولة الموحدين بالأندلس، واذكروا الخندق أيام عبد الرحمن الناصر رحمه الله.

وهكذا نخرج بقاعدة مهمة من هذه النقطة.

وهي أن الجيل الذي يحمل الأمانة لا بد أن يدرك أن النصر بيد الله عز وجل، وأن القلة المؤمنة تغلب الكثرة المشركة بإذن الله [كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] {البقرة:249}.

ثالثا: نظام الحكم في مكة والجزيرة العربية

الحكمة الثالثة وراء نزول الرسالة في أرض مكة وجزيرة العرب، نظام الحكم في أرض مكة.

لم يكن الحكم في مكة مركزيًا، فلم يكن لمكة حاكم معين، بل مجلس يضم عشرة نواب يمثلون عشر قبائل، فهو يشبه الحكم الديموقراطي.

وقد أفادت كثرة موازين القوى في مكة الدعوة إفادة كبيرة، فقد كان هناك بعض القوانين الوضعية في مكة، استفاد منها رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أن يتنازل عن شيء من دينه ولا من عقيدته، ليعلمنا أنّ المسلم الذكي الواعي الفاهم يستطيع أن يستفيد من هذه القوانين طالما يحافظ على دينه، وهذا يرد على غير الفاهمين للسيرة النبوية الذين يقولون: نحن لا نتحاكم لقانون وضعي مطلقًا، وهذا الكلام على إطلاقه ليس صحيحًا، فنحن لا نتحاكم لقانون وضعي إذا تعارض مع شرع الله عز وجل، فإذا لم يكن ثمّ تعارض فلماذا لا نستفيد منه؟!

استفادة الرسول من القوانين الجاهلية التي لا تعارض الإسلام

وقد استفاد الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه القوانين، انظر لسيرته العطرة، على سبيل المثال:

قانون الإجارة: لو كان الحكم مركزيًا مثل فارس والروم ما تمّت هذه الإجارة، وقد استفاد الرسول صلى الله عليه وسلم من قانون الإجارة وهو قانون وضعي، فقد دخل في جوار المطعم بن عدي المشرك ليحميه.

ـ كما دخل أبو بكر لصديق رضي الله عنه في جوار ابن الدغنة لمشرك، ودخل عثمان بن مظعون رضي الله عنه في جوار الوليد بن المغيرة المشرك.

قانون القبلية: وهو قانون وضعي أيضًا استفاد منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قام بنو هاشم بحمايته عصبيةً له، وبالذات أثناء حياة أبي طالب مع كونهم جميعًا بما فيهم أبو طالب نفسه على الشرك.

قانون الأحلاف: قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بفكرة الأحلاف مع المشركين إذا كان الحلف يهدف إلى أمر نبيل، ولا يتعارض مع الدين الإسلامي.

روى أحمد عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: شَهِدْتُ حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ (تحالف بين بني هاشم وبني تيم وزهرة على نصرة المظلوم) مَعَ عُمُومَتِي وَأَنَا غُلَامٌ، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ وَأَنِّي أَنْكُثُهُ. وبعد صلح الحديبية حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم قبيلة خزاعة، وكانت على الشرك.

إذن استفاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من تعدد موازين القوى، ومن قوانين المجتمع الوضعية ما دامت لا تتعارض مع الدين والشرع والعقيدة.

وهي حكمة ما كانت لتظهر في بلدٍ له حكم دكتاتوري كفارس والروم.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

رابعا: اللغة العربية

الحكمة الرابعة في نزول الرسالة في هذا المكان هو أنه يتحدث العربية،

فاللغة العربية هي أشرف اللغات، وبها نزل القرآن الكريم، وهي لغة أهل الجنة، والقرآن كلام الله عز وجل، ولم ينزله الله سبحانه وتعالى بهذه اللغة لأجل أهل الجزيرة العربية فقط، بل أنزله للعالم بأسره، في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد زمانه إلى يوم القيامة.

كان هناك الكثير من اللغات، واستحدث غيرها من اللغات على مر التاريخ، وستكون هناك لغات أخرى إلى يوم القيامة، ومع ذلك فإن الله عز وجل أراد لهذا القرآن وهذا المنهج أن يكون باللغة العربية.

والله سبحانه يعلم أنّ اللغة العربية قد تكون أقل انتشارًا من اللغة الإنجليزية مثلاً أو الصينية، وقد تكون هناك شعوب كثيرة تتحدث الفرنسية وأخرى كثيرة تتحدث الأردية، وثالثة تتحدث الأسبانية، لكن مع علم الله عز وجل هذا إلا أنه أنزل القرآن باللغة العربية، فلماذا؟!

إنّ الحكمة الكاملة لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، ولكن من المعلوم والواضح أنّ اللغة العربية ثرية جدًا، بل هي أثرى لغة عُرفت في الأرض، الشيء الواحد له أكثر من اسم في هذه اللغة العظيمة:

فالعسل له ثمانون اسمًا، والثعلب له مائتا اسمٍ، والأسد له خمسمائة اسمٍ، والسيف له ألف اسمٍ.

وإذا أردت أن تصف أحدًا بأنه داهية فلديك أربعة آلاف اسم يمكنك أن تسميه به.

كما أن الكلمة الواحدة وبنفس ضبطها قد يكون لها معانٍ كثيرة لا تحصى.

كل هذا أعطى اللغة العربية إمكانات هائلة، فتنزل الآية بكلمات قليلة محدودةً ومع ذلك فإنها تحمل من المعاني ما لا يتخيل حصره، وكلما نظر مفسِّر في الآية استخرج منها معاني معينة، وقد ينظر المفسر الواحد في الآية أكثر من مرة، فيخرج منها كل مرة بمعنى جديد إضافي، وتمّر الأزمان والأزمان ويأتي مفسرون يستخرجون معاني جديدة، وصدق عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه عندما وصف القرآن بأنه: لا يخلق (أي لايبلى) من كثرة الرَّدِّ.

أي من كثرة الترديد والقراءة.

وكانت كلمات الرسول صلى الله عليه وسلم أيضًا باللغة العربية، وآتاه الله عز وجل جوامع الكلم، فكان يقول الحديث من الكلمات القليلة جدًا، فإذا به يحوي أحكامًا لا تنتهي. فهي لغة عجيبة جدًا.

وما دام الله سبحانه وتعالى قد اختار أن ينزل القرآن باللغة العربية، فلا بد أن ينزله إلى قوم يتحدثون العربية، بل وصلوا فيها إلى أعظم درجات الإعجاز البشري، فصار لديهم إتقان عجيب للغة، والتصرف فيها كما يشاءون.

اللغة في ألسنتهم سهلة لينة طيعة، والشعر عندهم أمره عجيب، فالمعلقات الهائلة كانت تعلق في الكعبة، وهم يقولون الشعر في كل الظروف؛ في الفرح والحزن، في الحرب والسلم، حتى قبل الموت والسيوف على الرقاب يقولون الشعر، والمعارضة بالشعر فنُّ أصيل لديهم، يقول الواحد منهم بيتًا، فيرد عليه آخر فورًا ببيت على نفس الوزن ونفس القافية، وفي نفس المعنى.

الإعجاز القرآني الفريد

ونحن قد رأينا نجاح التجربة الإسلامية في الجزيرة العربية، ولا بد أنّ من عوامل نجاحها إتقان أهل هذه البقاع للغة العربية، وذلك لأنه أولا:

كان أدعى لإيمان الناس بكلام الله عز وجل، وبإدراك الإعجاز الإلهي في كل سورة وفي كل آية قال تعالى: [وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ(198)فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ] {الشعراء:198، 199} .

العرب المتقنون للغة أدركوا من اليوم الأول ومن اللحظة الأولى أن هذا كلام معجز.

لم ينقدوا آية واحدة من آيات القرآن الكريم، ولم يعارضوا القرآن بمثله أبدًا، لم يجتمع شعراؤهم وأدباؤهم وحكماؤهم ليؤلفوا آية واحدةً مع تحدي القرآن لهم بتأليف قرآن مثله أو عشر سور أو حتى سورة واحدة، فلم يستطيعوا ولا حاولوا، إنهم في حالهم هذه كرجل قويٍّ طلبت منه حمل عمارة سكينة، إنه قويُّ فعلاً، ولكنّ حمل العمارة بالنسبة له حلم كالمعجزات، إذن معرفة العربية أدعى لفهم الإعجاز العجيب في كتاب الله.

وليس هذا مقصورًا فقط على الإعجاز اللغوي، بل أي نوع من أنواع الإعجاز في القرآن يحتاج فهمًا دقيقًا للغة، وإتقانًا بارعًا لها، حتى الإعجاز العلمي الذي نتكلم فيه في عصرنا هذا، كيف لنا أن نستخرج الإعجاز العلمي الذي نتكلم فيه في عصرنا هذا من القرآن دون فقه اللغة ومعرفة معنى الكلمات والآيات، والمقصود من ورائها.

والذي يقرأ تراجم معاني القرآن بأي لغة يدرك تمامًا أن كثيرًا من الإعجاز يختفي عند ترجمة المعاني للغة الأخرى، ويدرك بوضوح قصور أي لغة عن الوصول إلى ما وصلت إليه اللغة العربية ويدرك كذلك أنّ الذي يحمل هذه الأمانة أمانة إقامة أمة إسلامية قوية لا بد أن يكون متقنًا للغة العربية، معظمًا لها، مربيًا أولاده ومجتمعه على احترامها وتقديرها ودراستها دراسة متعمقة تقرب إليه معاني القرآن الكريم، ومعاني الحديث الشريف، فيستطيع أن يفهم مصادر التشريع، ثم يستطيع بعد ذلك أن يتحرك بهذه الرسالة.

أخبرني كيف يمكنك أن تترجم قول الله عز وجل: [وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ المَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ] {هود:44} .

إن تسعين بالمائة أو أكثر من جمال الآية وإعجازها يضيع إذا ترجمت إلى لغة أخرى، ويمكنكم أن تراجعوا ترجمات معاني القرآن الموجودة بأي لغة لتتأكدوا مما أقول.

وكذلك الحديث الشريف لا يمكن لأحدٍ أن يستمتع به ويفهمه وينقله لغيره لو ترجم لغير اللغة العربية.

إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يكتفي في كثير من الأوقات بقراءة القرآن على الناس فيؤمنوا به، أو على الأقل يقتنعون أنه الحق، لأنهم يعلمون أنَّ هذا الكلام لا يمكن أن يكون من كلام البشر.

أمّا الآن فإن اللغة العربية بالنسبة لكثير من أبناء هذا الجيل أصبحت طلاسم، وقد صارت طوائف كثيرة من المسلمين كالأعجمين الذي قال الله عز وجل في حقهم كما ذكرنا منذ قليل:

[وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ(198)فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ] {الشعراء:198، 199} .

نريد أن نتأثر بالقرآن مثلما كان الأولون يتأثرون به، ولن يكون هذا بغير لغة.

سيمر علينا في السيرة إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد كان بسماع بضع آيات من صدر سورة طه.

كذلك آمن الطفيل بن عمرو الدوسي لسماع آيات الله تتلى، وهكذا آمن أسيد بن حضير وسعد بن معاذ رضي الله عنهم جميعًا.

كما روى البخاري عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، وكان جبير في ذلك الوقت مشركًا يزور المدينة، يقول جبير: فلما بلغ الآية: [أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ(35)أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ(36)أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ] {الطُّور:35، 36، 37} قال: كاد قلبي أن يطير.

ثم مال جبير إلى الإسلام وأسلم.

بل كان هذا الأثر يحدث عندما يتلى القرآن على الكفار، وسيأتي موقف عتبة بن ربيعة، وموقف الوليد بن المغيرة، وموقف زعماء بني شيبان، وموقف زعماء بني عامر.

كلهم كان يتأثر بالقرآن لمعرفتهم الكاملة باللغة العربية، وإن كانوا لا يتبعونه لأسباب أخرى، سنذكرها إن شاء الله.

جهود أعداء الأمة في مقاومة اللغة العربية

إذن من أهم عوامل نجاح الرسالة الإسلامية في هذا المكان الذي نزلت فيه هو إتقان الدعاة للغة، وكذلك إتقان المدعوِّين لها، ولذلك كان من همِّ المحاربين للإسلام الذين فقهوا هذه النقطة جيدًا أن يضربوا اللغة العربية في أعماقها، وهم يدركون أنه لو وقعت اللغة العربية سيقع ما بعدها من الشرع.

لذا فإن من أول أعمال (أتاتورك) عندما بدأ في علمنة تركيا هو إلغاء اللغة العربية.

- اللورد كرومر المعتمد البريطاني في مصر إبَّان احتلال بريطانيا لمصر أراد أن يضرب الأزهر والمدارس الدينية، فماذا فعل؟ لم يغلقها حتى لا يثير الناس، ولكنه أنشأ مدارس علمانية بجوار الأزهر تكون الإنجليزية هي لغتها الأساسية، ثمَّ فتح لخريجي هذه المدارس فرص عمل في البلد بأجور أعلى من فرص العمل المتاحة لأبناء الأزهر والمدارس الدينية، ومن ثمَّ توجه الناس لإدخال أبنائهم مدارس اللغات بحثًا عن فرص عمل أفضل، وزهد الناس في الأزهر، وزهدوا في اللغة، ثمَّ زهدوا بعد ذلك في الشرع.

- إنَّ اليهود عندما أرادوا أن ينشئوا دولتهم على أرض فلسطين، وجمعوا شتاتهم من بقاع الأرض، ماذا فعلوا ؟ لقد علموا أبناءهم اللغة العِبرِية إلى درجة الإتقان قبل أن يأتوا بهم إلى أرض فلسطين، ثمَّ أنشأوا الجامعة العبرية أول نزولهم الأرض فلسطين، ودّرَّسوا مناهجهم باللغة العبرية كلغة أولى وليست ثانية، وهم بذلك حققوا أكثر من هدف:

1ـ زرعوا العز في قلوب اليهود للغتهم ومن ثّمَّ لدينهم.

2ـ حدث التواصل بين اليهود الذين جاءوا من بلاد شتَّى.

أضرار فقدان اللغة المشتركة بين المسلمين

مأساة ضخمة أن يفقد المسلمون التواصل بينهم لعدم وجود لغة مشتركة، فالأمة الإسلامية تتحدث عشرات اللغات، أليس عيبًا أن يضطر المصري أن يتكلم مع الباكستاني- مثلا- باللغة الإنجليزية ليفهم أحدهما الآخر رغم كون الاثنين مسلميْن؟!

فوق ذلك فداخل البلاد التي تتكلم العربية عشرات اللغات العامية، وأقول اللغات وليس اللهجات، فكل كلمة أصبح لها بدائل لا تمتُّ للغة العربية بصلة، وأصبح من الصعب جدًّا على مسلمي قطر عربي أن يفهموا مسلمي قطر عربيٍّ آخر، وهذا من العجب.

والطامة الكبرى أن يظهر جيل يفتخر بأنه لا يحسن العربية، ويفتخر الأب، وتفتخر الأم أن الابن يتكلم الإنجليزية بطلاقة، ولا يفقه شيئًا من العربية.

تَعَلُّم اللغات الأجنبية

ومن الجدير بالذكر أن أشير هنا إلى أنني لست ضد تعلم اللغات الأجنبية. أبدًا بل أحبِّذ ذلك وبشدة، ولكن ليس على حساب اللغة العربية.

إننا يجب أن نصل باللغة العربية إلى جميع آفاق الأرض لنعلم الناس القرآن، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كنا لا نستطيع ذلك الآن، فليس أقل من أن نحافظ على اللغة العربية في ديارنا.

وليعلم المسلمون أنّ من أهم وسائل إعادة بناء الأمة الإسلامية:

الاهتمام باللغة العربية، وتعليمها لغيرنا، وتجميلها في عيون أبنائنا.

إذ هنا قاعدة مهمة نخرج بها من هذه النقطة، وهي: الجيل الذي يُرجَى على يده إصلاح شأن الأمة جيل يتقن العربية ويعظمها، وليس هذا من منطلقٍ قوميٍّ، أبدًا، فلا فضل لعربيٍّ على أعجمي إلا بالتقوى، ولكن من منطلق أنّ من تكلم العربية فهو عربي، ولو كان من عرق مختلف، فالباكستاني الذي يجيد العربية عربيّ، والإندونيسي الذي يتقنها عربيُّ، والأمريكي الذي يحسنها عربي، إنما العربية اللسان.

خامسا: إيمان أهل مكة والجزيرة العربية بالله

الحكمة الخامسة وراء نزول الرسالة في هذا المكان أنّ أهل هذه البقعة من الأرض كانوا يؤمنون بالله سبحانه وتعالى، ويعلمون أنه خالق، ولكنهم حكموا غيره في حياتهم، واتخذو إليه شفعاء، قال الله عز وجل في كتابه الكريم:

[وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ] {الزُّخرف:87} .

[وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ] {لقمان:25} .

[وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى] {الزُّمر:3}.

فالذي يؤمن بالله، ولكن هناك اضطراب في فهمه، وقصور في إدراكه أقرب من الذي يؤمن بإله آخر، أو لا يؤمن بوجود إله أصلا.

لم يكن في الأرض وقت البعثة النبوية الشريفة من يفقه هذه الحقائق إلا أقل القليل:

كان هناك من يعبد المسيح عليه السلام، وهناك من يعبد النار، وهناك من يعبد بوذا، وفي الهند كان هناك من يعبد بقرةً أو شجرةً أو فأرًا أو قردًا.

أولويات اختيار المدعو

لكنّ الله عز وجل يعلمنا أن ندعو الأقرب فالأقرب:

- فندعو الذي يؤمن بوجود الله قبل الذي ينكر وجوده.

- وندعو الذي يعظم الله عز وجل قبل الذي لا يعظمه.

- كما ندعو الذي يحب الدين ولكن لا يتبعه قبل الذي لا يحب الدين أصلا.

وأولى الناس بدعوتنا في هذا الزمان هم المسلمون.

وأنا لست ضد دعوة اليهود والنصارى، بل على العكس هذا أمر عظيم وعظيم جدًا، ولكن ابدأ بالأقرب فالأقرب: لا تترك جارك في السكن أو في العمل أو في النادي أو في غيره دون دعوة وهو مسلم وتتجه إلى دعوة غيره من غير المسلمين.

أَمَّا إن انتهيت من الدائرة الأولى حولك، فانطلق منها إلى غيرها مع مراعاة الأولويات.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

سادسا: صفات العرب وأخلاقهم

الحكمة السادسة من نزول الرسالة في هذا المكان، وهي حكمة مهمة جدًا ولها تفريعات كثيرة، فرغم ما وجد في البيئة العربية من أدواء كالظلم والقهر والعصبية، فقد وجد أيضًا صفات أصيلة في فطرة ساكني هذه المنطقة تساعد على حمل الدعوة ونشر الرسالة، جُبِلُوا عليها وأحبٌُّوها.

وهذه الصفات لا بد من توافرها في كل داعية، ولو لم توجد فمن المستحيل أن يستطيع ذلك الداعية حمل رسالة الإسلام، ومن هذه الصفات:

الصدق:

وهي أهم صفة مميزة للداعية، وهو أيضًا أهم صفة مميزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الصادق الأمين، ومَن أكثر من ساعده في دعوته؟ إنه أبو بكر الصديق، فصفة الصدق أساسية في الذي يحمل هذا الدين.

فَكِّر معي: ماذا لو أنزلت الرسالة على قوم كَذَّابين؟

أرأيت ماذا فعل اليهود والنصارى في دينهم؟ إن الله عز وجل يقول عنهم: [وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ] {آل عمران:78} .

نعم، إنَّ الإسلام يحول الكذاب صادقًا بعد إيمانه، ولكن ليس بالصورة التي فطر الإنسان فيها على الصدق.

إن العرب كانوا يأنفون من الكذب، ويستنكر أحدهم أن يكون كاذبًا، فيأتي الإسلام بعد ذلك يجمل ويحسن ويعظم قيمة الصدق عند الصادقين، ويربط الصدق بالجنة، وبرضا الله سبحانه، لكن في النهاية كان الصدق مغروسًا بداخلهم، ولم يكن من الممكن للعربي أن يكذب.

أبو سفيان يصدق عن النبي

انظر إلى هذا الموقف الذي دار بين أبي سفيان، وهو مشرك بعد صلح الحديبية، وهرقل ملك الروم، كما ورد في صحيح البخاري فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ،

فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟

فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا.

فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ. ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ.

فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ (وفي لفظ ابن إسحاق: فوالله لو كذبت ما ردُّوا عليَّ، ولكنِّي كنت امرءًا سيدًا أتكرم على الكذب) ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟

قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ.

قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟

قُلْتُ: لَا.

قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟

قُلْتُ: لَا.

قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟

فَقُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ.

قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟

قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ (إنه يعظم شأن الإسلام بكلامه هذا).

قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟

قُلْتُ: لَا.

قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟

قُلْتُ: لَا.

قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟

قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا. قَالَ وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ (أي لم يستطيع تشويه صورة الرسول الكريم إلا بالإيحاء أنه ربما يغدر رغم إقراره أنَّ النبيّ لم يغدر قبل ذلك )

قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟

قُلْتُ: نَعَمْ.

قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟

قُلْتُ: الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ يَنَالُ مِنَّا (كغزوة بدر) وَنَنَالُ مِنْهُ (كغزوة أحد)

قَالَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟

قُلْتُ (وانتبه هنا لكلام أبي سفيان): يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ. إنه داعية للإسلام بكلامه هذا، لأنه لا يستطيع أن يكذب، لخص لهرقل كل ما قاله النبي في حياته لأنه يكره الكذب.

إنَّ الرسالة عندما تنزل على قومٍ كهولاء يكرِّمون الصدق، فإنهم سيبلغونها للناس كما هي. إذن فصفة الصدق مهمة جدًا، وكانت موجودة في أهل الجزيرة العربية، ولم تكن موجودة في أهل الأرض في ذلك الزمن.

الكرم:

وهو الصفة الثانية العظيمة جدًا، والتي كانت موجودة في العرب، وهي صفة أصيلة فيهم، فقد كان حاتم الطائي ممّن يضرب بهم المثل في الكرم، وقد كان من كرمه أنه يعتق العبد إذا جاءه بضيف، ومن العرب من لم تكن له إلا ناقة واحدة، فيأتيه ضيف فيذبحها له.

وقد سمَّت العرب العنب كرمًا. فلماذا؟

لأن العنب تستخرج منه الخمر، والخمر تذهب عقل شاربها، فيبدأ في الإنفاق بلا حساب، لذا سمَّوا العنب كرمًا لحبهم للإنفاق.

بالطبع جاء الإسلام ليهذب هذه الصفة الجميلة، فلا يصل الأمر إلى حدِّ الإسراف والسفه، كما لا يصل إلى حدِّ حُبِّ الخمر لأنها تشجع على الكرم، بل حرم الله عز وجل الخمر، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تسمية العنب بالكرم، وقال: إِنَّمَا الْكَرْمُ الْمُؤْمِنُ. ليشجع المسلمين على الكرم، ولكن ليس لدرجة أن تشرب الخمر، أو أن تسرف وتتصف بالسفه.

وفِيمَ نحتاج الكرم في إنشاء الأمة الإسلامية؟

إن صفة الكرم مهمة جدًا لجيل التغيير؛ لأن الله عز وجل عندما يتحدث عن صفات الناس الذين سيتحملون مسئولية الدين يجعل نصف الجهاد في سبيله جهادًا بالمال، نصف الجهاد يحتاج الكرم [الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ] {التوبة:20} .

[إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ] {الحجرات:15} .

وكثير من آيات القرآن جاءت على هذا المنوال، حيث يقدم الله سبحانه وتعالى الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس.

نماذج الكرم بين الصحابة

انظروا إلى أثر هذه الصفة في الدعوة:

- أبو بكر الصديق الكريم رضي الله عنه أنفق الكثير من ماله بل ماله كله في إعتاق العبيد، وتجهيز الجيوش، والإنفاق على الهجرة من ماله.

- عثمان بن عفان رضي الله عنه جهّز جيش العسرة على نفقته، واشترى بئر رومة، وتوسعة المسجد النبوي، وإطعام المدينة في زمن القحط، كل ذلك شارك فيه بنفقته.

- عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه تصدق بقافلة تجارية كاملة مكونة من سبعمائة ناقةٍ في سبيل الله عز وجل.

- طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أنفق سبعمائة ألف درهم في ليلة واحدة على الفقراء.

هذه النماذج لا يمكن أن توجد لو كان في الناس بُخل فطري، فالرجل الذي يتصف بالبخل من الصعب أن يصل إلى هذه الدرجات، وبناء الأمم يحتاج إلى كرماء، وإلى بذل وإنفاق.

هذا الدرس تعلمناه من نزول الرسالة في أرض مكة والجزيرة العربية.

الشجاعة:

كان العرب قبل نزول الرسالة عليهم يفتخرون بالموت قتلا، ويستهينون بالحياة تمامًا، ليس عند العربي مانع أن يفقد حياته وفاءً لكلمته، أو دفاعا عن صديقه، أو حماية لجواره.

قال أحدهم لمًا بلغه قتل أخيه: إن يقتل فقد قُتل أبوه وأخوه وعمه، إنا والله لا نموت حتفًا (ميتة طبيعية في فراشه) ولكن قطعًا بأطراف الرماح، وموتا تحت ظلال السيوف.

وإذا كنا قد ذكرنا أن نِصف الجهاد بالمال، فالنصف الآخر بالروح، وهذا أشق، إن بناء الأمم كما يحتاج إلى أموالٍ وكرم، فهو يحتاج إلى أرواح وهمم.

إن الجبان قد يقتنع بقضية ما، لكن قلبه لا يقوى على الإقدام عليها، أمّا العرب فكانت شجاعتهم فطرية، وقد ساعد هذا الأمة الإسلامية أن تنشأ وتنمو بسرعة في هذه البيئة.

ولقد رأينا أثر هذه الشجاعة في بناء الأمة المسلمة.

نماذج الشجاعة بين الصحابة

- فهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه كان يبدأ المعارك بنفسه ويقول: إذا رأيتموني حملت على العدو فاحملوا. فأول إشارة للقتال ضد العدو أنه تحرك، رغم أنه هو القائد، ويستطيع أن يقف في المؤخرة، ولكنه لم يكن خائفًا من الموت ولا يهتم به.

- البراء بن مالك رضي الله عنه ألقاه جيش المسلمين في معركة اليمامة داخل حديقة الموت ـ وبها أربعون ألفًا من المرتدين ـ حتى يفتح لهم الباب من الداخل، ولم يهتم لأن قضية بقائه على قيد الحياة لا تهمه.

جاء الإسلام ليهذب هذه الصفة ـ الشجاعة ـ ويجعلها خالصةً لله، أي مِت شجاعًا لتدخل الجنة، أما الجبان فمن الصعب جدًا أن تزرع فيه هذه المعاني.

انظر ماذا فعل الجبن في بني إسرائيل [يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ(21)قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ(22)قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(23)قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ] {المائدة:21، 22 ،23، 24} .

وعلى الجانب الآخر انظر إلى قول المقداد يوم بدر: يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: [فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ] {المائدة:24}. ولكن امض ونحن معك. فكأنه سُرِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. البخاري.

وفي رواية أحمد: ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون. .

إذن كانت الشجاعة صفة في غاية الأهمية لبناء الأمة الإسلامية.

العزة:

وهي صفة أخرى من الصفات المهمة كانت موجودة في العرب، فالعربي بفطرته يأبى أن يعيش ذليلا، يأنف من الذل، يرفض الضيم، يعشق الحرية.

- استمع إلى قول عنترة، وقد عاش ومات مشركًا قبل نزول الإسلام:

لَا تَسْقِنِي مَاءَ الْحَيَاةِ بِذِلَّةٍ بَلْ فَاسْقِنِي بِالْعِزِّ كَأْسَ الْحَنْظَلِ

مَاءُ الْحَيَاةِ بِذِلَّةٍ كَجَهَنَّمَ وَجَهَنَّمُ بِالْعِزِّ أَطْيَبُ مَنْزِلِ

وبالطبع لم يكن عنترة يؤمن بجهنم، فقد كان مشركًا ولكنّ جهنم بالنسبة إليه هي النار الشديدة.

- موقف عمرو بن كلثوم

جلس عمرو بن هند ملك الحيرة مع أصحابه، فقال لهم: هل تعلمون أنّ أحدًا من العرب تأنف أمه خدمة أمي ؟ قالوا: نعم، عمرو بن كلثوم الشاعر التغلبي.

فدعا الملك عمرو بن كلثوم لزيارته، ودعا أمه لتزور أمه واتفق الملك مع أمه أن تقول لأم عمرو بن كلثوم بعد الطعام: ناوليني الطبق الذي بجانبك، فلما جاءت، قالت لها ذلك، فقالت أم عمرو بن كلثوم: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها. فأعادت عليها الكرَّة، وألحَّت، فصاحت ليلى أم عمرو بن كلثوم : واذُلاَّه ، يالتغلب.

فمن الذي سمع؟ إنه عمرو بن كلثوم، فاشتد به الغضب، ورأى سيف الملك، معلقًا في الحجرة، فتناوله، وضرب به رأس الملك عمرو بن هند، ونادى بني تغلب، فجاءوا وانتهبوا قصر الملك بالحيرة.

ودفع الملك حياته جزاء محاولته إذلال عمرو بن كلثوم، وهذا في الجاهلية.

لا شك أن الأمة التي تنشأ تحتاج إلى هذه الروح وهذه العزة مع توجيهها لله عز وجل [مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَللهِ العِزَّةُ جَمِيعًا] {فاطر:10} .

لذلك كان قبول المسلمين في مكة بفكرة عدم القتال، وعدم رفع الظلم الواقع عليهم أشقَّ على نفوسهم من قبول فكرة الجهاد في سبيل الله، وبذل الروح في العهد المدني، لأنهم تعودوا على العزة ورفع الرأس، وعدم قبول الظلم، وهذه الصفات لا تنفك عن أولئك الذين يحملون أمانة هذه الأمة.

الصبر وقوة التحمل: اكتسب العرب هذه الصفة من طبيعة بلادهم الجافة، وظروف المعيشة القاسية، وبُعدهم بصفة عامة عن الترف، فكانت هذه الصفة من الصفات العظيمة التي كفلت للدعوة النجاح، فلا بد من صبر لتحمل مشاق الرسالة الضخمة

- صبر على الفقر، ولمدد طويلة.

- صبر على الجوع، فقد يحتاج إلى جهاد طويل، ولا يقيم صلبه سوى تمرات قليلة.

- صبر على المشقة والحرِّ والتعب والسفر الطويل، والحصار الأطول.

-صبر على القتال والنزال والجهاد.

- صبر حَتَّى على تأخر النصر، فلا يستعجل ولا يمل ولا يضجر..

ومن كانت هذه صفته، وكان بعيدًا عن الترف، كان دعامةً راسخةً للأمة الإسلامية.

قواعد بناء الأمة الإسلامية

إذن نستطيع أن نلخص ما ذكرنا بخصوص الحكمة في اختيار هذا المكان بالذات لنزول الرسالة، والمواصفات التي تحليَّ بها أهله، ويسرت نجاح الدعوة، والتي لو تكررت من جديد، فإن الأمة ستقوم بنفس المنهج، ونفس الطريقة ونفس النجاح إن شاء الله.

مع العلم طبعًا أن الحكمة الكاملة لا يعلمها إلا الله عز وجل، فإننا نستطيع أن نخرج بعشر قواعد لبناء الأمة الإسلامية هي:

القاعدة الأولى

لا بد أن تحافظ الأمة على نقاء رسالتها، ووحدة مصدرها، وعدم خلط القرآن والسنة بالمناهج الأخرى.

القاعدة الثانية

النصر من عند الله عز وجل، وقد جرت سنة الله عز وجل على أن ينصر القلة المؤمنة على الكثرة المشركة.

القاعدة الثالثة

على المسلمين أن يستفيدوا من كل قانون موضوع ما لم يكن هناك تعارض مع الشرع والعقيدة الصحيحة، فإن حدث التعارض، يقدم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

القاعدة الرابعة

الجيل الذي يستطيع أن يبني هذه الأمة هو جيل يتقن العربية ويعظمها ويتعلم اللغات الأخرى ولكن لا يقدمها على لغة القرآن.

القاعدة الخامسة

ابدأ بدعوة الأقرب فالأقرب، وأقرب الناس إلى الاستجابة هم المسلمون أنفسهم، فابدأ بهم.

القاعدة السادسة

لا تقوم الأمم إلا على أكتاف الصادقين.

القاعدة السابعة

ابدأ بالكريم فإنه أقدر على حمل الدعوة.

القاعدة الثامنة

إنّ الجبان قد يقتنع بقضية ما، ولكن لا يقوى قلبه على الدفاع عنها، فعليك بالشجاع.

القاعدة التاسعة

لا يحرص على قيام الأمة إلا عزيز النفس، من كان يرضى بالذل رضي أن يكون في ذيل الأمم.

القاعدة العاشرة

الترف مهلك، والمعتمد على المترفين كالذي يبني قصرًا من الرمال، فابحث على من كان الصبر صفته، ومن كانت المجاهدة حياته.

فتلك عشرة كاملة نجعلها نصب أعيننا ونحن نبني أمتنا، والله المستعان

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

بدء الوحي

مقدمة

تحدثنا عن وضع الزمان الذي بعث فيه النبي صلى الله عليه وسلم وعلى وضع المكان الجزيرة العربية.

وقد يتساءل البعض عن قصة الرسول صلى الله عليه وسلم، ونذكركم أن منظور هذه السطور هو دراسة كيف نبني أمة، وكيف نعيد بناء أمة الإسلام على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن دراسة السيرة النبوية من خلال هذا المنظور لها أبعاد تختلف تمامًا عن أبعاد من يقرءون سيرة النبي صلى الله عليه وسلم كقصة منذ الميلاد إلى الوفاة، وهذا ليس مقصودًا من هذه السطور.

من خلال سيرته صلى الله عليه وسلم نعد عملًا ضخمًا وهو مشروع بناء أمة على نهج الرسول.

إن بناء عمارة لا بد له من تخطيط جيد وإعداد سابق، وبداية هذا التخطيط وهذا الإعداد أن تقوم بدراسة جدوى، وتقوم دراسة الجدوى على ظروف المكان وطبيعته، ومن سيقوم بالعمل والبناء وتكاليف البناء إلى غير ذلك من إعداد وتخطيط.

وهذا الكلام ينطبق أيضًا على الإسلام، لكن تخيل الفارق بين دراسة الجدوى لبناء عمارة أو مبنى ضخم، وبين دراسة الجدوى لبناء أمة كاملة كأمة الإسلام.

فلا بد من دراسة السيرة النبوية من خلال هذا المنظور، لا بد أن نقف مع كل حدث وكل موقف في السيرة النبوية ونعرف ظروف وملابسات وطبيعة الموقف أو الحدث ، وما هي الحكمة من اختيار النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرأي في هذا الوقت.

بهذه الدراسة نستطيع أن نبني الأمة كما بناها النبي صلى الله عليه وسلم.

كل الناس يعرفون قصة النبي صلى الله عليه وسلم من ميلاده إلى بعثته ومن البعثة إلى الهجرة وكيف هاجر ويعرفون غزواته ويعرفون كل التفاصيل الكاملة عن هذه الأمور، وهذا ليس هدفنا، إن هدفنا يكمن في ما وراء الأحداث، كدعوته صلى الله عليه وسلم لأبي بكر، والسيدة خديجة في بادئ الأمر، ودعوته لزيد بن حارثة وعلي بن أبي طالب، ولماذا اختار أبا بكر ومن الذين دعاهم في بادئ الأمر، ولماذا جهر بالدعوة في هذا الوقت؟ ولماذا لم يجهر منذ نزول الوحي عليه؟ وفي بداية جهره بالدعوة من هم أول من دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم في بداية جهره بالدعوة؟ ولماذا حاربه قومه بعد جهره بالدعوة أليس ما يدعو إليه هو الحق أم أن الدعوة غير مقنعة؟

عشرات الأسباب التي منعت الناس من دخول الدعوة، وهل هذه الأسباب من الممكن أن تتكرر؟ وكيف وقف النبي صلى الله عليه وسلم أمام من حاربوه؟ وكيف عالج النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأسباب؟ وكيف أسلمت مكة بعد ذلك؟

كل هذا الكلام له فوائد ضخمة جدًا في بناء أمة الإسلام.

ولماذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة؟ وماذا يكمن وراء اختياره للحبشة ولماذا لم يختار اليمن أوغيرها من البلدان كمصر أو العراق.

ولما أراد الهجرة إلى المدينة لماذا أرسل مصعب بن عمير ليعلم الناس؟

ولماذا اختار مصعب ولم يختر أبا بكر أو عمر أو غيره من الصحابة؟

ولمَ خرج من مكة وذهب يدعو في الطائف؟ لماذا الطائف بالذات؟

كل هذه المواقف والأحدث في تدبرها وتحليلها، والإجابة عليها تساعد على وضع قواعد في غاية الأهمية، وهذا هو المقصود، أن نعرف كيف نبني أمة؟ وكيف نقيم بنيانًا بهذه القواعد كما أقامه النبي صلى الله عليه وسلم؟

ولن نستطيع أن نقيم هذه الأمة إلا إذا قلدنا الرسول صلى الله عليه وسلم في كل موقف من مواقف حياته صلى الله عليه وسلم.

لكن لا بد أن نراعي الظروف التي اختار فيها النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر؛ لنعرف كيف نحاكي فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

وسنبدأ في الحديث عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لكنها بداية غير تقليدية فلن نبدأ من الميلاد ولكن بدايتنا من نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم.

ليس معنى ذلك أننا نقلل من حياة النبي صلى الله عليه وسلم التي سبقت الوحي ولكن كما ذكرنا آنفًا أن منظورنا هنا، هو أن نعرف كيف نبني أمة؟

لن نقص حياة الرسول صلى الله عليه وسلم من الميلاد إلى الممات لكن نستخلص نقاطًا هامة تفيد في بناء الأمة الإسلامية.

الإسلام كدين وطريقة وشرع بدأ على الأرض منذ لحظة نزول الوحي؛ ولذلك سنبدأ في الحديث من هذه النقطة، وهذا لا يمنع أن نرجع في تحليل بعض المواقف من حياته صلى الله عليه وسلم قبل البعثة إذا كان لها علاقة بالتمهيد للبعثة، ولكن هذا لن يكون بالترتيب المألوف.

الوحي تكريم للبشرية

نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء وهذه لحظة فارقة وعجيبة في تاريخ البشرية، أنا أعتقد أن هذه اللحظة هي أعظم لحظة مرت في تاريخ الأرض وإلى يوم القيامة.

إن لحظة نزول الوحي، كانت الظلمات قد عمت الأرض بكاملها، والبشرية تسير إلى هاوية سحيقة، هبوط وانحدار وانحطاط في القيم والأخلاق والشرائع، فإذا بالله تعالى يَمُن على عباده بالوحي العظيم[قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ(15)يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] {المائدة:15، 16}.

كثيرا ما نسمع عن هذا الحدث المهيب، لكن قليل منا من يعطي لهذ الحدث هذا القدر العظيم.

الله عز وجل أرسل رسولًا إلى الإنسانية، فهذا الوحي هو مِنّة من الله على عباده كما ذكر الله في كتابه فقال تعالى:

[لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ] {آل عمران:164}

وماذا لو وصلتك رسالة من ملك دولة عظمى، هذه الرسالة يوضح لك فيها أنه يحبك ويمتلك من الخير ما يدخل عليك السرور.

كيف يكون حالك في حينها وما مدى مبلغك من السعادة

وهذه رسالة من أحد ملوك الأرض الذي لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا.

والله بعظمته وقوته وجبروته وقدرته أرسل رسولًا إلى هذا الإنسان البسيط الضعيف الذي يعيش على وجه كرة معلقة في الفضاء تكاد لا ترى في الكون الفسيح.

وما يكون حجم الأرض بالنسبة إلى هذا الكون؟ وما هو حجم الإنسان بالنسبة لحجم الأرض؟ وبالتبعية حجم الإنسان بالنسبة لحجم الكون؟ وما هو حجم الإنسان بالنسبة للملائكة؟

إن الكثير من الناس لا تقدر هذا الحدث قدره لأنهم لا يقدرون الله قدره.

الله عز وجل لا يحتاج إلينا، ولا يحتاج إلى غيرنا، ولا تنفعه طاعتنا ولا تضره معصيتنا، ورغم ذلك من رحمته بنا وحبه لنا أرسل إلينا رسالة هداية ورسالة بشرى وإنذار، هذه الرسالة نزل بها أشرف الملائكة جبريل عليه السلام على أشرف الخلق محمد صلى الله عليه وسلم بأشرف الكلام القرآن الكريم.

في هذه اللحظة نزل الكلام الذي سيظل دستورًا في الأرض إلى أن تفنى الأرض.

هذا الحدث هو تكريم للإنسان كما قال الحق تبارك وتعالى:

[وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تفضيلًا] {الإسراء:70}.

والوحي من أعظم صور التكريم التي امتن الله به على البشرية.

ومع كل هذا التكريم الذي كرمه الله للإنسان وإرسال رسول إليه ودستور ومنهج يسير عليه يوضح للإنسان كل نقطة في حياته، والإنسان لا يقدر قيمته كإنسان، وأحيانًا يقضي حياته في ترف وملذات وشهوات وأوقات ضائعة، وطموحات تافهة، فهو لا يقدر قيمته كإنسان، أحيانًا يظلم غيره يؤذي غيره ويعذب غيره، وهو لا يدري أنه إنسان مكرّم يظلم إنسانًا مكرمًا.

وأحيانًا تنحدر قيمة الأنسانية إلى درجات أقل بكثير من الدرجات الحيوانية.

إن التفكر في لحظة الوحي يحدو بفكر الإنسان ليغير مفهوم الإنسان عن نفسه، ويغير مفهومه عن إخوانه من البشر وعن الأرض التي يعيش فيها.

الوحي عبارة عن رسالة من رب العالمين إلى كل إنسان على وجه الأرض: افعل كذا ولا تفعل كذا، الوحي نور وهداية ودليل، ليس مجرد تكاليف، ولكنه نعمة من الله عز وجل ورحمة بعباده.

إن الله الذي خلقنا هو أعلم بنا من أنفسنا، وهو الذي يدرك الماضي، ويدرك الحاضر، ويدرك المستقبل، والمطلع على كل شيء، والعالِم بكل شيء، أنزل لنا هذا الوحي لنهتدي بهديه ونأتمر بأمره وننتهي بنهيه.

فاتباعك للوحي سعادة الدنيا والآخرة، ومخالفتك للوحي شقاء الدنيا والآخرة.

إن الوحي بمثابة المنقذ لك بعد إشرافك على الهلاك، وبمثابة الدليل الذي يهديك للطريق بعد تيه طويل في صحراء الحياة.

ولو تخيلت نفسك في صحراء وأشرفت على الهلاك، أو في بحر وأشرفت على الغرق، ووجدت من يأخذ بيدك من الصحراء إلى العمران، وأوصلك إلى شاطئ النجاة بعد أن كان الغرق هو مصيرك دون أن يسألك أجرًا أو منفعة، وما فعل ذلك إلا لأنه يخاف عليك من الهلاك والضياع، هذا هو الوحي الذي يأخذ بأيدي البشرية من التيه الذي يعيشون فيه إلى السعادة في المكان الأعظم في الجنة.

يقول سبحانه وتعالى في كتابه:

[فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى] {طه:123}.

فالإنسان هو الذي يحدد مصير نفسه تبعا لتعامله مع الوحي، فالذي يتبع لا يضل ولا يشقى في الدنيا والآخرة، ومن يعرض فقد عرض نفسه للضنك في الدنيا والحشر يوم القيامة أعمى.

يقول سيدنا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ جِبْرِيلَ عِنْدَ رَأْسِي وَمِيكَائِيلَ عِنْدَ رِجْلَيَّ، يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اضْرِبْ لَهُ مَثَلًا. فَقَالَ: اسْمَعْ سَمِعَتْ أُذُنُكَ، وَاعْقِلْ عَقَلَ قَلْبُكَ، إِنَّمَا مَثَلُكَ وَمَثَلُ أُمَّتِكَ كَمَثَلِ مَلِكٍ اتَّخَذَ دَارًا، ثُمَّ بَنَى فِيهَا بَيْتًا، ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا مَائِدَةً، ثُمَّ بَعَثَ رَسُولًا يَدْعُو النَّاسَ إِلَى طَعَامِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ الرَّسُولَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَهُ، فَاللَّهُ هُوَ الْمَلِكُ، وَالدَّارُ الْإِسْلَامُ، وَالْبَيْتُ الْجَنَّةُ، وَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ رَسُولٌ، فَمَنْ أَجَابَكَ دَخَلَ الْإِسْلَامَ، وَمَنْ دَخَلَ الْإِسْلَامَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ أَكَلَ مَا فِيهَا.

وفي رواية البخاري يقول: فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّدًا فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا فَقَدْ عَصَى اللَّهَ.

وفي رواية أحمد يقول: فَمَنِ اتَّبَعَهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَتَّبِعْهُ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا.

فالوحي يدعونا إلى الجنة، أما مخالفة الوحي، فالمصير إلى العذاب الشديد...

وقد تعجب حينما تعلم أن الناس يعرفون ذلك، ولكن لا يقدرون للوحي قدره؛ لأنهم لا يقدرون الله قدره.

[وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ] {الزُّمر:67} .

فلو قدر الناس الله حق قدره ما عصوه، لكن يتناسى الناس قدر الله عز وجل، وهذا مؤداه الضنك في الدنيا والهلاك المبين في الآخرة.

فالوحي رسالة من الله رب العالمين، ولا بد من فهم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك الأساس، وهو أن حياة النبي صلى الله عليه وسلم كلها وحي من رب العالمين كما يقول الحق تبارك وتعالى:

[وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى] {النَّجم:3، 4}

حتى النوافل في حياته صلى الله عليه وسلم وحي من الله عز وجل فكما أن صيام رمضان وحي فصيام الاثنين والخميس والثلاثة أيام البيض، وكل النوافل هي وحي من الله، لكن هناك ما هو فرض وما هو نافلة، فكل أمر في حياته صلى الله عليه وسلم وحي، حتى اختياراته البشرية في أموره العادية إن جاءت مخالفة لما أراده الله من البشر ينزل الوحي ليوضح مراد الله عز وجل، ولتكون حياة النبي صلى الله عليه وسلم قدوة وأسوة للمسلمين

[لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا] {الأحزاب:21} .

فلخير الإنسان ولخير البشرية ولخير الدنيا والآخرة نتعلم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.

فأمر الوحي وأمر السيرة النبوية ليس بالأمر الهين الذي يستهان به، ولكن هذا الأمر جد خطير، وهو من الأهمية بمكان، نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
زوار
هذا الموضوع مغلق.

×
×
  • اضف...