Jump to content
ArabHosters
Sign in to follow this  
صبح

الأندلس ...الفردوس المفقود

Recommended Posts

الفصل السابع: عهد الدولة العامرية والفتنة

الحكم بن عبد الرحمن الناصر، وكبوة الجواد

بالرغم من أنه كان من أفضل الحكام المسلمين على الأندلس إلا أن الحكم بن عبد الرحمن الناصر في آخر عهده قد أخطأ خطأ جسيما، فقد أصيب في آخر أيامه بالفالج (شلل) فقام باستخلاف أكبر أولاده هشام بن الحكم وعمره آنذاك اثنتا عشرة سنة فقط، استخلفه على بلاد الأندلس وفوقها بلاد النصارى في الشمال ومن تحتها الدولة الفاطمية في الجنوب، وكل ممالك أوروبا تتشوق إلى الكيد بهذه القوة العظيمة وهزيمتها.

وهي بلا شك زلّة خطيرة جدا من الحكم بن عبد الرحمن الناصر؛ إذ كان عليه أن ينتقي من يستخلفه لهذه المهمة الجسيمة، ويولي رجلا آخر من بني أميّة، يستطيع أن يقوم بالأعباء الثقيلة لمهمة حكم دولة قوية، كثيرة الأعداء متسعة الأطراف، ومترامية الأبعاد كدولة الأندلس.

توفي الحكم بن عبد الرحمن الناصر رحمه الله سنة ست وستين وثلاثمائة من الهجرة، مستخلفا على الحُكم ابنه الطفل الصغير هشام بن الحكم، وقد جعل عليه مجلس وصاية مكون من ثلاثة أشخاص:

الأول: الحاجب: وهو جعفر بن عثمان المصحفي، والحاجب تعني الرجل الثاني في الدولة بعد الخليفة مباشرة، وهو في منزلة رئيس الوزراء حاليا.

الثاني: قائد الشرطة: وهو محمد بن أبي عامر، وكان من اليمن.

الثالث: أم هشام بن الحكم، وكان اسمها (صبح). (مش أنا والله :rolleyes: )

محمد بن أبي عامر، ونواة الدولة العامرية

كان محمد بن أبي عامر يملك طموحات ضخمة وآمال أطمعته في أن يكون واليا على هذه البلاد، ولتحقيق هذا الحلم قام بعدة مكائد غاية في الظلم والقسوة، فعمل على الآتي:

أولا: فكر في التخلص من الوصيين اللّذَيْن كانا معه على هشام بن الحكم، فدبر مكيدة سجن فيها الحاجب (جعفر بن عثمان المصحفي) ثم قتله بعد ذلك،

ثم نظر إلى أمر أم هشام بن الحكم فوجد أن موقفها ضعيف جدا بالنسبة له كقائد شرطة فتركها في قصرها، ثم تقلّد هو الأمور وحده، وبدأ يحكم بلاد الأندلس باسم الخليفة الصغير هشام بن الحكم.

ثانيا: أراد محمد بن أبي عامر بعد ذلك أن يقوّي جانبه أكثر مما كان عليه، فتزوج من ابنة أمير الجيش غالب بن عبد الرحمن، وهو بذلك يكون قد حيّد جانب أمير الجيش، وضمن ولاء الجيش الأندلسي له، وحين انتبه غالب بن عبد الرحمن (أمير الجيش ووالد زوجته) له وعلم نواياه وخطته وأفصح له عن ذلك، دبر محمد بن أبي عامر له مكيدة أيضا ثم قتله.

ثالثا: لم يكتف محمد بن أبي عامر بذلك، فقد قام باستدعاء جعفر بن علي بن حمدون قائد الجيش الأندلسي في المغرب، (كانت المغرب قد ضمت إلى بلاد الأندلس في عهد الحكم بن عبد الرحمن الناصر كما ذكرنا) استدعاه إليه وقربه منه، واستفاد كثيرا من قوته، ثم دبّر له مكيدة أيضا فقتله، وكان كلما قتل شخصا عيّن آخرا مكانه يعمل برأيه وبوصاية منه، وبذلك يكون قد تملك من كل الأمور في الأندلس.

رابعا: وبنظرة طويلة إلى الأمام بدأ محمد بن أبي عامر يقنع الخليفة هشام بن الحكم بالاختفاء في قصره بعيدا عن العيون؛ وذلك - وكما يدعي له - خوفاً عليه من المؤامرات، وأن على الخلفاء أن يتفرغوا للعبادة ويتركوا أمور الناس لرئاسة الوزراء أو لقوة الشرطة أو غيرهما، وهكذا أقنعه، وقام هو بإدارة دفة البلاد، ورُبّي ونشأ هشام بن الحكم الطفل الصغير على هذا الفهم.

بروز نجم محمد بن أبي عامر الحاجب المنصور

مرت السنوات ومحمد بن أبي عامر يتولى كل شيء في بلاد الأندلس، وهشام بن الحكم يكبر في السن لكنه لم يكن يعرف شيئا عن الحكم وتحمل المسئولية، وفي سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، وبعد حوالي خمس سنوات من تولي هشام بن الحكم الأمور ووصاية محمد بن أبي عامر عليه، كان قد استتب لمحمد بن أبي عامر الأمر ولقب نفسه بالحاجب المنصور.

كان من عادة الخلفاء قبل ذلك أن يطلقوا على أنفسهم ألقابا تميزهم ويُعرفون بها وعليها كانوا يؤملون، وذلك مثل: الناصر بالله، الحاكم بأمر الله، المؤيد بالله، لكن هذه هي أول مرة يقوم فيها الوصي أو رئيس الوزراء أو الحاجب بأخذ لقب لنفسه وهو المنصور، الأمر الذي تطور كثيرا حتى أصبح يدعى له على المنابر مع الخليفة هشام بن الحكم، ثم نقش اسمه على النقود وعلى الكتب والرسائل.

وإتماما لذلك وكما أنشأ عبد الرحمن الناصر رحمه الله مدينة الزهراء في الشمال الغربي من مدينة قرطبة لتكون مركزا لخلافته، قام محمد بن أبي عامر بإنشاء مدينة جديدة في شرق قرطبة سمّاها مدينة الزاهرة أو مدينة العامرية.

وإلى مدينة الزاهرة بدأ محمد بن أبي عامر ينقل الوزارات ودواوين الحكم، وأنشأ له قصرا كبيرا هناك، وبدأ يجمل فيها كثيرا، حتى أصبحت مدينة الزاهرة أو مدينة العامرية هي المدينة الأساسية في الأندلس وبها قصر الحكم.

الدولة العامرية

بعد التمهيدات السابقة وفي الطريق نحو فترة جديدة وعهد جديد من تاريخ الأندلس قام محمد بن أبي عامر بعمل الآتي:

أولا: في سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة من الهجرة قام بأمر لم يعهد من قبل في تاريخ الأندلس، بل في تاريخ المسلمين، حيث عهد بالحجابة من بعده لابنه عبد الملك بن المنصور، وكان المشهور والمتعارف عليه أن الخليفة وحده هو الذي يعهد بالخلافة من بعده.

ثانيا: وتمهيدا لإقامة ملك على أنقاض بني أمية، قام في سنة ست وثمانين وثلاثمائة من الهجرة بتلقيب نفسه بلقب الملك الكريم، كل هذا وهشام بن الحكم الخليفة يكبر في السن، لكن ليس له من الأمر شيء.

ثالثا: قام محمد بن أبي عامر بعد ذلك بعمل خطير أدى - فيما بعد وعلى ما سنرى - إلى انقسامات كثيرة في بلاد الأندلس، فقد كان محمد بن أبي عامر يمنيا، واليمنيون في الأندلس ليسوا بكثرة، ولخشيته من الاستعانه بالقبائل المضرية وقبائل بني أمية معه في الجيش وبقية الأمور فكر أن يستعين بعنصر آخر وهم البربر، فبدأ يعظم من أمرهم ويرفع من شأنهم؛ حتى يضمن ولاءهم.

بدأ العامريون يكثرون في أماكن الحكم في بلاد الأندلس، وبدأ التاريخ يسجل لهم عهدا جديدا سماه: الدولة العامرية، وقد بدأت فترة هذه الدولة فعليا منذ سنة ست وستين وثلاثمائة من الهجرة، ومنذ أن تولى محمد بن أبي عامر أمر الوصاية على هشام بن الحكم، وظلت حتى سنة تسع وتسعين وثلاثمائة من الهجرة، أي أنها استمرت ثلاثا وثلاثين سنة متصلة، لكنها تعتبر داخلة في فترة الخلافة الأموية؛ لأن هشام بن الحكم الأموي لا زال هو الخليفة حتى وإن كان رمزا أو بعيدا عن مجريات الأمور.

محمد بن أبي عامر، وجوانب مضيئة

كما رأينا فقد تولى محمد بن أبي عامر الحكم منذ سنة ست وستين وثلاثمائة وألف من الهجرة، وحتى وفاته رحمه الله في سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة من الهجرة، بادئا عهده بمكائد ومؤامرات، وقتلٍ - على الأقل - لثلاثة أنفس حتى وصل إلى تولي كافة الأمور في الأندلس.

وإن من العجيب حقا أنه وبالرغم من أفعال محمد بن أبي عامر هذه، إلا أنه كانت له محامد وجوانب مضيئة في حياته، جعلت جميع المؤرخين يتعجبون جدا من سيرته ويقفون في حيرة من أمره، وكان من هذه الجوانب الوضاءة ما يلي:

أولا: كان مجاهدا من الطراز الأول

كان غريبا حقا أن يغزو محمد بن أبي عامر في حياته أربعا وخمسين غزوة لم يهزم أبدا في واحدة منها، بل كان الأغرب من ذلك هو أن يصل (الحاجب المنصور أو محمد بن أبي عامر) في فتوحاته إلى أماكن في مملكة ليون وفي بلاد النصارى لم يصل إليها أحد من قبل، بل لم يصل إليها الفاتحون الأوائل مثل موسى بن نصير وطارق بن زياد، فقد وصل الحاجب المنصور إلى منطقة الصخرة، تلك المنطقة التي لم تُفتح من قِبَل المسلمين من قبل، واستطاع رحمه الله أن يغزو النصارى في عقر دارهم، وها هو قد وصل إلى خليج بسكاي والمحيط الأطلسي في الشمال.

كان متعارف قبل ذلك أن الجهاد في الصوائف فقط، إلا إن الحاجب المنصور كان له في كل عام مرتان يخرج فيهما للجهاد في سبيل الله، عُرفتا هاتان المرتان باسم الصوائف والشواتي.

وهذه صور من حياته الجهادية:

1- يُسيّر جيشا جرارا لإنقاذ نسوة ثلاث

جاء عن الحاجب المنصور في سيرة حروبه أنه سيّر جيشا كاملا لإنقاذ ثلاث من نساء المسلمين كن أسيرات لدى مملكة نافار، ذلك أنه كان بينه وبين مملكة نافار عهد، وكانوا يدفعون له الجزية، وكان من شروط هذا العهد ألا يأسروا أحدا من المسلمين أو يستبقوهم في بلادهم، فحدث ذات مرة أنه ذهب رسول من رسل الحاجب المنصور إلى مملكة نافار، وهناك وبعد أن أدّى الرسالة إلى ملك نافار أقاموا له جولة، وفي أثناء هذه الجولة وجد ثلاثا من نساء المسلمين في إحدى كنائسهم فتعجب لوجودهن، وحين سألهن عن ذلك قلن له إنهن أسيرات في ذلك المكان.

وهنا غضب رسول المنصور غضبا شديدا وعاد إلى الحاجب المنصور وأبلغه الأمر، فما كان من المنصور إلا أن سيّر جيشا جرارا لإنقاذ هؤلاء النسوة، وحين وصل الجيش إلى بلاد نافار دُهش جدا ملك نافار وقال: نحن لا نعلم لماذا جئتم، وقد كانت بيننا وبينكم معاهدة على ألا نتقاتل، ونحن ندفع لكم الجزية. وبعزة نفس في غير كبر ردوا عليه بأنكم خالفتم عهدكم، واحتجزتم عندكم أسيرات مسلمات، فقالوا: لا نعلم بهن، فذهب الرسول إلى الكنيسة وأخرج النسوة الثلاث، فقال ملك نافار: إن هؤلاء النسوة لا نعرف بهن؛ فقد أسرهن جندي من الجنود وقد تم عقاب هذا الجندي، ثم أرسل برسالة إلى الحاجب المنصور يعتذر فيها اعتذارا كبيرا، فعاد الحاجب المنصور إلى بلده ومعه الثلاث نساء.

2- يقطع النصارى عليه الطريق، فيُملي هو شروطه

يُذكر عن الحاجب المنصور أيضا أنه رحمه الله وهو في جهاده لفتح بلاد النصارى كان قد عبر مضيقا في الشمال بين جبلين، ونكاية فيه فقد نصب له النصارى كمينا كبيرا، فتركوه حتى عبر بكل جيشه وحين همّ بالرجوع وجد طريق العودة قد قطع عليه، ووجد المضيق وقد أغلق تماما بالجنود.

ما كان من أمر الحاجب المنصور إلا أن عاد مرة أخرى إلى الشمال واحتل مدينة من مدن النصارى هناك، ثم أخرج أهلها منها وعسكر هو فيها، ووزّع ديارها على جنده، وتحصّن وعاش فيها فترة، ثم اتخذها مركزا له يقود منه سير العمليات العسكرية، فأخذ يرسل منها السرايا إلى أطراف ممالك النصارى، ويأخذ الغنائم ويقتل المقاتلين من الرجال، ثم يأتي بهؤلاء المقاتلين ويرمي بجثثهم على المضيق الذي احتلّه النصارى ومنعوه من العودة منه.

وهنا ضج النصارى وذهبوا مغاضبين إلى قوادهم يعرضون عليهم أن يفتحوا له الباب حتى يعود إلى بلده مرة أخرى أو يجدوا حلا لهم في هذا الرجل، فاستجابوا لهم وعرضوا على الحاجب المنصور أن يخلوا بينه وبين طريق العودة ويعود من حيث أتى، ما كان من المنصور إلا أن رفض هذا العرض، ورد عليهم متهكما أنه كان يأتي إليهم كل عام مرتين، صيفا وشتاءا، وأنه يريد هذه المرة أن يمكث بقية العام حتى يأتي موعد المرة الثانية، فيقوم بالصوائف والشواتي من مركزه في هذه البلاد بدلا من الذهاب إلى قرطبة ثم العودة منها ثانية.

لم يكن مفر أمام النصارى سوى أن يطلبوا منه الرجوع إلى بلده وله ما يريد، فاشترط عليهم الحاجب المنصور في سبيل موافقته على عرضهم ما يلي:

أولا: أن تفتحوا المضيق ولا تبقوا فيه نصرانيا واحدا، فوافقوه على ذلك.

ثانيا: أن ترفعوا جثثكم التي ألقيناها من أمام المضيق، فبدأوا يرفعون جثث الجنود الذين قتلوا أمام المضيق وأبعدوها عنه.

ثالثا: أن تحملوا لي جميع الغنائم من هنا إلى مقري في قرطبة، وبالفعل أجابوا إلى ذلك، وحملوا الغنائم التي حصّلها من بلادهم من ليون في الشمال حتى أوصلوها إلى قرطبة في الجنوب.

3- يجمع ما علق على ثيابه من غبار ليدفن معه في قبره

مقتديا بحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم : لَا يَجْتَمِعُ عَلَى عَبْدٍ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ. (رواه الترمذي وهو حديث حسن صحيح). فكان من عادة الحاجب المنصور رحمه الله في جهاده وبعد كل معركة أن ينفض ثوبه ويأخذ ما يخرج منه من غبار ويضعه في قارورة، ثم أمر في نهاية حياته أن تدفن معه هذه القارورة؛ وذلك حتى تشهد له يوم القيامة بجهاده ضد النصارى.

إلا أنه ومع كل هذه الحروب ومع كل هذا الجهاد، ورغم أنه غزا أربعا وخمسين غزوة ولم يهزم في واحدة منها قط، فلم يكن سمت حروب الحاجب المنصور سمتا إسلاميا مثل التي كانت في زمن عبد الرحمن الناصر أو الحكم بن عبد الرحمن الناصر، فقد كان الحاجب المنصور يخترق بلاد النصارى ويصل إلى عمقها، ويقتل منهم ثم يعود فقط محملا بالغنائم، ولم يكن من همه أبدا أن يضم هذه البلاد إلى بلاد المسلمين، أو أن يُعلّم أهلها الإسلام، أو أن ينشر الدعوة في هذه البلاد، فبقي الحال كما هو عليه، بل إن النصارى زادت في قلوبهم الحمية لدينهم والحقد على المسلمين.

ثانيا: اهتمامه بالجوانب الحضارية في البلاد

كان أيضا من الجوانب الوضاءة في حياة محمد بن أبي عامر أو الحاجب المنصور بعد كونه مجاهدا من الطراز الأول اهتمامه الكبير بالجانب المادي والحضاري في البلاد، فقد أسس مدينة الزاهرة على أحسن ما يكون - كما ذكرنا - وزاد كثيرا في مساحة مسجد قرطبة، حتى أضاف إليه ضعف مساحته الأصلية، وكان يشتري هذه المساحات ممن يقطنون حول المسجد وذلك بالمبلغ الذي يرضونه.

وقد ذكر في ذلك أنه كانت هناك سيدة وحيدة تسكن في بيت فيه نخلة بجوار المسجد، وقد أبت هذه السيدة أن تبيع بيتها هذا إلا إذا أتى لها الحاجب المنصور بمنزل فيه نخلة كالذي تملكه، فأمر الحاجب المنصور بشراء بيت لها فيه نخله كما أرادت حتى ولو أتى ذلك على بيت المال، ثم أضاف بيتها إلى حدود المسجد.

زاد الحاجب المنصور كثيرا في المسجد بعد ذلك، حتى أصبح ولفترة طويلة من الزمان أكبر من أي مسجد أو كنيسة في العالم، وهو لا يزال إلى الآن موجودا في إسبانيا، ولكنه - وللأسف - قد حُوّل إلى كنيسة بعد سقوط الأندلس، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وكذلك كانت العلوم والتجارة والصناعة وغيرها من الأمور قد ازدهرت كثيرا في حياة الحاجب المنصور، وقد عم الرخاء وامتلأت خزانة الدولة بالمال، ولم يعد هناك فقراء تماما كما كان الحال أيام الحكم بن عبد الرحمن الناصر أو أيام عبد الرحمن الناصر نفسه.

ثالثا: عدم وجود ثورات أو خروج عليه طيلة عهده

كان الأمر اللافت للنظر أيضا في حياة الحاجب المنصور أنه ورغم طول فترة حكمه التي امتدت من سنة ست وستين وثلاثمائة وحتى سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة لم توجد أي ثورات مطلقا، فلم تقم أي ثورة أو تمرد في عهده على طول البلاد واتساعها واختلاف أمزجتها.

فقد كان الحاجب المنصور رجلا قويا، محكِما للأمن والأمان في البلاد، كما كان عادلا جدا مع الرعية، ومما جاء في ذلك ما ترويه بعض الروايات من أنه جاءه يوما رجل بسيط من عامة الشعب، يبغي مظلمة عنده، وقال له: إن لي مظلمة وإن القاضي لم ينصفني فيها، وحين سمع منه مظلمته أتى بالقاضي مستوضحا منه الأمر، وكيف أنه لم ينصف الرجل في مظلمته، فقال له القاضي: إن مظلمته ليست عندي وإنما هي عند الوسيط (بمكانة نائب رئيس الوزراء في زمننا)، فأحضر الحاجب المنصور الوسيطَ وقال له: اخلع ما عليك من الثياب (يقصد ثياب التميز والحكم) واخلع سيفك ثم اجلس هكذا كالرجل البسيط أمام القاضي، ثم قال للقاضي: الآن انظر في أمرهما، فنظر القاضي في أمرهما وقال: إن الحق مع هذا الرجل البسيط، وإن العقاب الذي أقضيه هو كذا وكذا على الوسيط، فما كان من الحاجب المنصور إلا أن قام بإنفاذ مظلمة الرجل، ثم قام إلى الوسيط فأقام عليه أضعاف الحد الذي كان قد أوقعه عليه القاضي، فتعجب القاضي وقال للمنصور: يا سيدي، إنني لم آمر بكل هذه العقوبة، فقال الحاجب المنصور: إنه ما فعل هذا إلا تقربا منا، ولذلك زدنا عليه الحد؛ ليعلم أن قربه منا لن يمكّنه من ظلم الرعيّة.

الدولة العامرية بعد الحاجب المنصور

من خلف ستار الخلافة الأموية ظل الحاجب المنصور يحكم الأندلس ابتداءا من سنة ست وستين وثلاثمائة وحتى وفاته سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة من الهجرة، وقد استخلف على الحجابة من بعده ابنه عبد الملك بن المنصور، فتولى الحجابة من حين وفاة والده وحتى سنة تسع وتسعين وثلاثمائة من الهجرة، أي سبع سنوات متصلة، سار فيها على نهج أبيه في تولي حكم البلاد، فكان يجاهد في بلاد النصارى كل عام مرة أو مرتين، كل هذا وهو أيضا تحت غطاء الخلافة الأموية.

في هذه الأثناء وعند بداية ولاية عبد الملك بن المنصور أمر الحجابة كان الخليفة هشام بن الحكم قد بلغ من العمر ثمانية وثلاثين عاما، ومع ذلك فلم يطلب الحكم ولم يحاول قط أن يُعمل نفوذه وسلطانه في بلاد الأندلس، فكان فقط قد تعود على حياة الدعة واستماع الأوامر من الحاجب المنصور ومن تلاه من أولاده.

تولي عبد الرحمن بن المنصور، وانتهاء الدولة العامرية.

في سنة تسع وتسعين وثلاثمائة من الهجرة وفي إحدى الحملات في الشمال يتوفي عبد الملك بن المنصور، ثم يتولى أمر الحجابة من بعده أخوه عبد الرحمن بن المنصور؛ حيث كان أولاد بني عامر يتملكون زمام الأمور في البلاد، وأخذ أيضا يدير الأمور من وراء الستار، لكنه كان مختلفا عن أبيه وأخيه، فبالإضافة إلى أن أمه كانت بنت ملك نافار وكانت نصرانية، فقد كان عبد الرحمن بن المنصور شابا ماجنا فاسقا شَرّابا للخمر فعالا للزنا كثير المنكرات، فكان الشعب يكرهه بدرجة كبيرة، ذلك الشعب الذي كان غالبيته من المسلمين كان يكره أن يتولى أمره من جاء من أم نصرانية.

وفوق ذلك فقد قام عبد الرحمن بن المنصور بعمل لم يُعهد من قبل عند العامريين، وهو أنه أقنع الخليفة هشام بن الحكم في أن يجعله وليا للعهد من بعده، وبذلك لن يصبح الأمر من خلف ستار الخلافة الأموية كما كان العهد حال تولي والده محمد بن أبي عامر أو أخيه عبد الملك بن المنصور، فكان أن ضجّ بنو أميّة لهذا الأمر، وغضبوا وغضب الناس أجمعون، لكن لم تكن لهم قدرة على القيام بأي رد فعل؛ خاصة وأن عبد الرحمن بن المنصور قد جعل جميع الولايات في أيدي العامريين وفي يد البربر الذين هم أتباع العامريين منذ أيام الحاجب المنصور.

ومع كل هذا الفسق وهذا المجون الذي كان يعيشه عبد الرحمن بن المنصور إلا أن الشعب كان قد تعود حياة الجهاد، والخروج كل عام إلى بلاد النصارى، وفي إحدى المرات خرج عبد الرحمن بن المنصور على رأس جيش من الجيوش إلى الشمال، فانتهز الناس الفرصة وأرادوا أن يغيروا من الأمر، فذهبوا إلى هشام بن الحكم في قصره وخلعوه بالقوة وعينوا مكانه رجلا من بني أميّة اسمه محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر (من أحفاد عبد الرحمن الناصر)، ثم دبروا مكيدة لعبد الرحمن بن المنصور وقتلوه، وانتهى بذلك عهد ما يسمى في التاريخ بعهد الدولة العامرية.

سقوط الخلافة الأموية وانتهاء الدولة العامرية

كأن مقتل عبد الرحمن بن المنصور واشتعال الفتن والثورات في الأندلس كانا بميعاد، فمنذ أن قتل عبد الرحمن بن المنصور العامري انفرط العقد تماما في البلاد، وبدأت الثورات تكثر والمكائد تتوالى، وبدأت البلاد تُقسّم.

كان رأي بعض الباحثين أن سبب سقوط الدولة العامرية ومن ثم سقوط الخلافة الأموية هو تولي عبد الرحمن بن المنصور الحكم، ذلك الرجل الفاسق الماجن الذي أسقط بني أميّة وأحدث كل هذه الاضطرابات الكثيرة في بلاد الأندلس.

وحقيقة الأمر أنه ليس من سنن الله سبحانه وتعالى أن تهلك الأمم لمجرد ولاية رجل فاسق لشهور معدودات، فلم يمكث عبد الرحمن بن المنصور في الحكم إلا أقل من عام واحد، ومهما بلغ أمره من الفحش والمجون فلا يمكن بحال أن يؤدي إلى مثل هذا الفشل الذريع والسقوط المدوي للبلاد، فلا بد إذن أن يكون هناك أسباب وجذور أخرى كانت قد نمت من قبل وتزايدت مع مرور الزمن حتى وصلت أوجها في فترة عبد الرحمن بن المنصور؛ ومن ثم كان هذا التفتت وذلك الانهيار.

وكما رأينا سابقا في تحليلنا لأسباب ضعف الإمارة الأموية وكيف كان لهذا الضعف أسباب وجذور تمتد إلى عهد قوة الإمارة الأموية ذاتها، فإن هناك ثلاثة أسباب رئيسية لسقوط الدولة الأموية ومن ثم الدولة العامرية نذكرها فيما يلي:

السبب الأول: يرجع إلى زمن عبد الرحمن الناصر ذاته، ذلك الرجل الذي عقمت الدنيا أن تلد مثله، وهو البذخ والترف الشديد، وكثرة إنفاق الأموال في زخرفة الدنيا، ومن ثم انشغال الناس بتوافه الأمور، وكانت الدنيا هي المهلكة، وليس أدل على ذلك من شأن قصر الزهراء، ذلك الذي أنشأه عبد الرحمن الناصر وكان آية في الروعة والجمال وأعجوبة من أعاجيب الزمان في ذلك الوقت؛ فقد كان على اتساعه وكبر حجمه مبطنا من الداخل بالذهب، بل كان سقفه أيضا مبطنا بخليط من الذهب والفضة، بأشكال تخطف الأبصار وتبهر العقول، ومع أن عبد الرحمن الناصر لم يكن مُقَصرا في الإنفاق في أي ناحية من النواحي مثل الإنفاق على التعليم أو الجيش أو غيره، إلا أن فعله هذا ليعد نوعا من البذخ والترف المبالغ فيه، أدى في النهاية إلى أن تتعلق القلوب بهذه الدنيا وزخرفها.

ومما جاء في ذلك أن القاضي المنذر بن سعيد رحمه الله دخل على عبد الرحمن الناصر في قصره وكان على هذا الوصف السابق، فقال له عبد الرحمن الناصر: ما تقول في هذا يا منذر (يريد الافتخار)؟ فأجابه المنذر ودموعه تقطر على لحيته قائلا: ما ظننت أن الشيطان يبلغ منك هذا المبلغ على ما آتاك الله من النعمة وفضلك على كثير من عباده تفضيلا حتى ينزلك منازل الكافرين.

فقال عبد الرحمن الناصر: انظر ما تقول، كيف أنزلني الشيطان منازل الكافرين؟! فرد عليه المنذر: أليس الله تعالى يقول في كتابه الكريم:

[وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ] {الزُّخرف:33} .

فقد ذكر الله سبحانه وتعالى السُّقُف التي من فضة في هذه الآية على سبيل التعجيز، يعني لولا أن يكفر الناس جميعا بسبب ميلهم إلى الدنيا وتركهم الآخرة لأعطيناهم في الدنيا ما وصفناه لهوان الدنيا عند الله عز وجل، لكنّا لم نجعله، إلا أن عبد الرحمن الناصر فعله وجعل لقصره سقفا من فضة.

وهنا وجم عبد الرحمن الناصر بعدما سقطت عليه تلك الكلمات كالصخر، ثم بدأت دموعه رحمه الله تنساب على وجهه، وقام على الفور ونقض ذلك السقف وأزال ما به من الذهب والفضة، وبناه كما كانت تبنى السُّقُف في ذلك الزمن، إلا أنه ولكثرة الأموال ومع مرور الوقت، كان مظهر الترف يعود ويبرز من جديد حتى أصبح الإنفاق في لا شيء، وقد قال الله سبحانه وتعالى : [وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا] {الإسراء:16} .

السبب الثاني: توسيد الأمر لغير أهله:

إضافة إلى الترف والإسراف فقد كان توسيد الأمر لغير أهله من أهم الأسباب التي أدت إلى سقوط الدولة العامرية والخلافة الأموية، ولقد تجسد هذا العامل واضحا جليا حين ولّى الحكم بن عبد الرحمن الناصر ابنه أمور الحكم في البلاد وهو ما زال طفلا لم يتجاوز الثانية عشرة سنة بعد، فتحكم فيه الأوصياء وحدثت المكائد والمؤامرات، رغم ما كان من حياة الحَكَم الحافلة بالجهاد ونشر العلم والدين في البلاد.

وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك حين أجاب السائلَ عن أمارات الساعة بقوله: أماراتها، أَنْ تُضَيَّعَ الْأَمَانَةُ، فقال السائل: وكيف إضاعتها فقال صلى الله عليه وسلم: إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ لِغَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ.

وهكذا إذا تولى من لا يستحق منصب من المناصب، فلا بد وأن تحدث الهزة في البلاد ويحدث الانهيار، فما البال وما الخطب إذا كان هذا المنصب هو منصب الخليفة أعلى مناصب الدولة؟ فقد ضيعت الأمانة ووسد الأمر لغير أهله، فكان لا بد أن تقع الأندلس والخلافة الأموية والدولة العامرية.

السبب الثالث: انتفاء روح الجهاد الحقيقية ليصبح مجردا للمادة وجمع الغنائم

كان أيضا من أهم أسباب سقوط الدولة العامرية الملحقة بالخلافة الأموية أن الدولة العامرية اعتمدت في جهادها على الناحية المادية من جند وعدد وعدة ومال ومعمار، ولم تصرف نواياها إلى رب العالمين سبحانه وتعالى ولم يجددوا تربية الشعب على الجهاد في سبيل الله طلبا للجنة أو الموت في سبيل الله، فافتقد الشعب روح الجهاد الحقيقي ومعناه، وأصبح جل همه جمع المال وعدّ الغنائم.

المهدي وبداية الفتنة وعهد ملوك الطوائف

من قريب كنا نتحدث عن الجهاد والفتوحات وعصر القوة والنفوذ، وها هو التاريخ يدير لنا ظهره ويبدأ دورة جديدة من دوراته في الأندلس، اتُّفق على تسميتها بعهد ملوك الطوائف، فكان من سنن الله عز وجل في كونه ألا تقوم أمة إلا ويكون لها سقوط كما كان لها قيام، يطول عهدها أو يقصر بحسب قربها أو بعدها من منهج من يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.

بعد خلع هشام بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر وولاية محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر الذي تلقب بالمهدي انفرط العقد تماما في الأندلس، فلم يكن يملك المهدي من لقبه إلا رسمه، فكان فتى لا يحسن قيادة الأمور وليس له من فن الإدارة شيء، فكان من أول أعماله في الحكم ما يلي:

أولا: ألقى القبض على كثير من العامريين ثم قتلهم، وثانيا: بدأ ينتقم من البربر الذين كانوا العون الرئيس لمحمد بن أبي عامر (الرجل الأول في الدولة العامرية) ولمن خلفه في الحكم من أولاده، فبدأ يقتّل أيضا فيهم ويقيم عليهم الأحكام حبسا وتشريدا.

أثار هذا الفعل غير الحصيف من قبل المهدي غضبا عارما لدى البربر والعامريين، بل وعند الأمويين أنفسهم الذين لم يعجبهم هذا القتل وذاك التشريد، وهذه الرعونة في التصرف، فبدأ يحدث سخط كبير من جميع الطوائف على المهدي.

لم يكن ليقف الأمر عند هذا الحد، فقد تجمع البربر وانطلقوا إلى الشمال وهناك أتوا بسليمان بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر، وهو أخو هشام بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر الخليفة المخلوع منذ شهور قليلة، فنصّبوه عليهم ولقبوه بخليفة المؤمنين، وبدأ يحدث صراع بين سليمان بن الحكم هذا ومن ورائه البربر وبين المهدي في قرطبة.

بين المهدي وسليمان بن الحكم وحدث غريب

وجد سليمان بن الحكم ومن معه من البربر أن قوتهم ضعيفة ولن تقوى على مجابهة قوات المهدي، فقاموا بعمل لم يُعهد من قبل في بلاد الأندلس، فاستعانوا بملك قشتالة.

كانت مملكة قشتالة هذه هي أحد جزئي مملكة ليون في الشمال الغربي بعد أن كان قد نشب فيها (مملكة ليون) حرب داخلية وانقسمت على نفسها في سنة تسع وخمسين وثلاثمائة من الهجرة إلى قسمين، فكان منها قسم غربي وهو مملكة ليون نفسها، وقسم شرقي وهي مملكة قشتالة، وكلمة قشتالة تحريف لكلمة كاستولّة، أو castle وتعني قلعة باللغة الإسبانية، فحرفت في العربية إلى قشتالة، وكانت قد بدأت تكبر نسبيا في أول عهد ملوك الطوائف فاستعان بها سليمان بن الحكم والبربر على حرب المهدي.

وبين المهدي من ناحية وسليمان بن الحكم والبربر وملك قشتالة من ناحية أخرى دارت موقعة كبيرة، هُزم فيها المهدي أو محمد بن هشام بن عبد الجبار، وتولى سليمان بن الحكم مقاليد الحكم في بلاد الأندلس، وبالطبع كانت فرصة من السماء لملك قشتالة لضرب الأندلسيين بعضهم ببعض ووضع قاعدة لجيشه وجنده في أرض الأندلس، تلك البلاد التي لطالما دفعت الجزية كثيرا لملسلمين من قبل.

وفي فترة مدتها اثنتان وعشرون سنة يتولى حكم المسلمين في الأندلس ثلاثة عشر خليفة متتاليين، بدأت هذه الفترة بهشام بن الحكم في سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، ثم المهدي، ثم سليمان بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر الذي تولى الحكم ولقب نفسه بالمستعين بالله (وكان قد استعان بملك قشتالة) وذلك في سنة أربعمائة من الهجرة.

بين المهدي وسليمان بن الحكم وحدث أغرب

وتدور الأحداث بعد ذلك، حيث يفر المهدي الذي انهزم أمام سليمان بن الحكم أو المستعين بالله إلى الشمال حيث طرطوشة، وفي طرطوشة وحتى يرجع إلى الحُكم الذي انتزعه منه سليمان بن الحكم والذي لم يبق فيه غير شهور قليلية فكر المهدي في أن يتعاون مع أحد أولاد بني عامر، ذلكم الذين كان منذ قليل يذبّح فيهم جميعا.

كان المهدي قد قابل في طرطوشة رجلا من قبيلة بني عامر يدعى الفتى واضح، والذي أقنع المهدي بأنه سيتعاون معه ليعيده إلى الملك من جديد ويبقى هو على الوزارة كما كان عهد الدولة العامرية من قبل، الأمر الذي وافق قبولا لدى المهدي، فقبل عرض الفتى واضح وبدأ يتعاونان سويا لتنفيذ مخططهما ذلك.

في بداية الأمر وجد الفتى واضح والمهدي أنهما لن يستطيعا أن يصمدا أمام قوة كبيرة مثل التي يملكها سليمان بن الحكم والبربر ومعهما ملك قشتالة، فهداهما تفكيرهما في الاستعانه بأمير برشلونة، وبرشلونة هذه كانت ضمن مملكة أراجون التي تقع في الشمال الشرقي للأندلس، والتي كان يدفع حاكمها الجزية لعبد الرحمن الناصر ولابنه وأيضا للحاجب المنصور، فلما حدثت هذه الهزة في بلاد المسلمين انخلعت من هذه العباءة، وقامت من جديد، فكان أن استعان بجيشها المهدي والفتى واضح في حرب سليمان وملك قشتالة.

وافق أمير برشلونة على أن يساعدهم لكن على شروط هي:

أولا: مائة دينار ذهبية له عن كل يوم في القتال.

ثانيا: دينار ذهبي لكل جندي عن كل يوم في القتال، وقد تطوع الكثير لحرب المسلمين، فكان عدد الجيش كبيرا.

ثالثا: أخذ كل الغنائم من السلاح إن انتصر جيش برشلونة مع المهدي والفتى واضح.

رابعا: أخذ مدينة سالم، وكانت مدينة سالم قد حررها قديما عبد الرحمن الناصر في عهد الخلافة الأمويّة، وهي بلا شك شروط قبيحة ومخزية، ولا ندري كيف يوافق مسلم على مثلها؟!

لكن الذي حدث هو أنهم وافقوا على هذه الشروط، وبدأت بالفعل موقعة كبيرة جدا في شمال قرطبة بين المهدي (محمد بن هشام بن عبد الجبار) ومعه الفتى واضح العامري ومعهم أمير برشلونة من جهة، وسليمان بن الحكم الخليفة الملقب بالمستعين بالله ومعه البربر من جهة أخرى، انتصر فيها المهدي ومن معه، وانهزم سليمان بن الحكم وفر ومن بقي معه من البربر، وسلمت مدينة سالم لأمير برشلونة، ومثلها الغنائم، وتولى المهدي الحكم من جديد في قرطبة.

الفتى واضح وعودة هشام بن الحكم الخليفة المخلوع

ولأنه زمن فتنة، فما فتئ المهدي يصل إلى الحكم في قرطبة حتى انقلب عليه الفتى واضح ثم قتله، وبدأ هو في تولى الأمور.

كان الفتى واضح أذكى من عبد الرحمن بن المنصور، هذا الذي طلب ولاية العهد من هشام بن الحكم قبل ذلك، فقد رفض أن يكون هو الخليفة؛ حيث اعتاد الناس أن يكون الخليفة أموي وليس عامري، ومن ثم فإذا فعل ذلك فسيضمن ألا تحدث انقلابات عليه، وأيضا يكون محل قبول لدى جميع الطوائف.

ومن هنا فقد رأى الفتى واضح أن يُنصّب خليفة أموي ويحكم هو من ورائه، وبالفعل وجد أن أفضل من يقوم بهذا الدور ويكون أفضل صورة لخليفة أموي هو هشام بن الحكم الخليفة المخلوع من قبل، هذا الذي ظل ألعوبة طيلة ثلاث وثلاثين سنة في يد محمد بن أبي عامر ثم في يد عبد الملك بن المنصور، ثم في يد عبد الرحمن بن المنصور على التوالي.

ذهب الفتى واضح إلى هشام بن الحكم وعرض عليه أمر الخلافة من جديد، وأنه سيكون رجله الأول في هذه البلاد، وعلى الفور وافق هشام بن الحكم الذي كان ملقبا بالمؤيد بالله، وعاد من جديد إلى الحكم، لكن زمام الأمور كانت في يد الفتى واضح.

سليمان بن الحكم وأعمال يتأفف من ذكرها التاريخ

كان سليمان بن الحكم لم يُقتل بعد وما زال في البلاد يدبر المكائد؛ يريد أن يعود إلى الحكم من جديد، لم يجد أمامه إلا أن يعود مرة أخرى إلى ملك قشتالة (المرة الأولى كان قد ساعده على هزيمة المهدي والوصول إلى الحكم) ويعرض عليه من جديد أن يكون معه ضد الفتى واضح وهشام بن الحكم حتى يصل إلى الحكم.

ولأن ملك قشتالة ذلك الخبيث كان يطمع فيما هو أكثر مما عند سليمان بن الحكم، فقد رد عليه بأن يمهله عدة أيام حتى يعطيه الجواب، وخلال هذه الأيام كان قد ذهب ملك قشتالة إلى هشام بن الحكم (الحاكم في ذلك الوقت) وأخبره بما كان من أمر سليمان بن الحكم منتظرا الجواب والمقابل في عدم مساعدته له (لسليمان) في حربه إياه، وهنا كان العجب العجاب، فما كان من هشام بن الحكم إلا أن خيّر ملك قشتالة بين عدة أمور، كان من بينها: إعطائه كل الحصون الشمالية التي كانت للمسلمين في بلاد الأندلس، ذلك الخيار الذي قبله ملك قشتالة؛ فتوسعت قشتالة جدا حتى أصبحت حدودها أكبر من حدود مملكة ليون، بالرغم من أنها كانت جزءا صغيرا منفصلا عن مملكة ليون، وتوحشت بذلك البلاد النصرانية في الشمال.

وإنها لكارثة كبيرة جدا قد حلت بديار الإسلام، فقد حدثت كل هذه الأحداث من القتل والمكائد والصراعات والاستعانة بالنصارى ثم دخولهم بلاد المسلمين، كل ذلك في ثلاث سنوات فقط.

وفي سنة ثلاث وأربعمائة من الهجرة حيث هشام بن الحَكم على الحُكم، قام سليمان بن الحكم ومن معه من البربر بعمل لم يحدث في تاريخ المسلمين من قبل وحتى هذه اللحظة، فقد هجموا على قرطبة وعاثوا فيها، فسادا، وقتلا، واغتصابا للنساء، ثم من جديد يتولى سليمان بن الحكم (المستعين بالله) الحكم في بلاد الأندلس، وطرد هشام بن الحكم من البلاد، ثم قتل بعد ذلك، وكان مقر الحكم آنذاك هو قرطبة، لكن البلاد كانت مفككة تماما، وقد فر العامريون إلى شرق الأندلس في منطقة بلنسية وما حولها.

المفاجأة الكبيرة والمثيرة حقا أن كل هذه الأحداث السابقة والمليئة بالمكائد والمؤامرات، والتي حملت الأسى والألم لكل المسلمين، كانت بين أخوين لأب واحد هو القائد المظفر الحكم بن عبد الرحمن الناصر، وكان خطأه والذي يدركه الجميع الآن هو أنه وسد الأمر لغير أهله، واستخلف على الحُكم من لا يملك مؤهلات الحُكم، وهو هشام بن الحَكم.

البربر والانقلاب على سليمان بن الحكم وتأجج الصراعات

من سنة ثلاث وأربعمائة من الهجرة ظل سليمان بن الحكم يتولى الحكم، وكان غالبية جيشه من البربر، وفي سنة سبع وأربعمائة من الهجرة وبعد مرور أربع سنوات على حكمه، وفي هذا الزمن المثخن بالصراعات والفتن فكر البربر: لماذا لا نتملك نحن الأمور؟

وعلى الفور أسرعوا وكونوا قوة أساسية كبيرة، واستعانوا بالبربر من بلاد المغرب، ثم هجموا على سليمان بن الحكم وأخرجوه من الحكم، بل وقتلوه، وتولى الحكم في بلاد الأندلس علي بن حمود الذي كان من البربر، وتسمى بالناصر بالله.

استقر الأمر لعلي بن حمود في قرطبة وقام بتعيين أخاه القاسم بن حمود على أشبيلية في سنة سبع وأربعمائة من الهجرة، وأصبح البربر هم الخلفاء والذين يتملكون الأمور في قرطبة وما حولها.

لم يرتض بهذا الوضع العامريون الذين فروا إلى شرق الأندلس، فما كان منهم إلا أن بحثوا عن أموي آخر وهو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله، أحد أحفاد عبد الرحمن الناصر، ثم بايعوه على الخلافة، وقد تلقب بالمرتضي بالله.

جاء العامريون ومعهم المرتضي بالله إلى قرطبة لحرب علي بن حمود البربري، وبالفعل دارت حرب كبيرة بين العامريين وخليفتهم المرتضي بالله، والبربر وعلى رأسهم علي بن حمود، كان من أعجب ما نتج عن هذه الموقعة أن قُتل الخليفتان علي بن حمود والمرتضي بالله، لكن البربر تمكنوا من الانتصار في نهاية المعركة، وتولى حكم الأندلس منهم القاسم بن حمود الذي كان حاكما لأشبيلية من قِبَل أخيه الذي قُتل.

أحضر العامريون أمويا آخر من بني أمية، وقامت بعد ذلك صراعات كثيرة، واستمر الوضع على هذا الحال حتى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة من الهجرة.

انتهاء عهد الخلفاء والأمراء وتولي مجلس شورى للحكم

في محاولة لحل هذه الأزمة التي تمر بها البلاد، وفي محاولة لوقف هذه الموجة من الصراعات العارمة، اجتمع العلماء وعلية القوم من أهل الأندلس، وذلك في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة من الهجرة، ووجدوا أنه لم يعد هناك من بني أمية من يصلح لإدارة الأمور؛ فلم يعد من يأتي منهم على شاكلة من سبقوهم، فاتفقوا على عزل بني أمية تماما عن الحكم، وإقامة مجلس شورى لإدارة البلاد.

وبالفعل كونوا مجلس شورى في هذه السنة، وولوا عليه أبا الحزم بن جهور لإدارة البلاد، وكان أبو الحزم هذا من علماء القوم، كما كان يشتهر بالتقوى والورع ورجاحة العقل، وظل الحال على هذا الوضع ما يقرب من ثلاث سنوات.

لكن حقيقة الأمر أن أبا الحزم بن جهور لم يكن يسيطر هو ومجلس الشورى الذي معه إلا على قرطبة فقط من بلاد الأندلس، أما بقية البلاد والأقاليم الأخرى فقد ضاعت السيطرة عليها تماما، وبدأت الأندلس بالفعل تُقسّم بحسب العنصر إلى دويلات مختلفة ليبدأ ما يسمى بعهد دويلات الطوائف، أو عهد ملوك الطوائف.

عهد ملوك الطوائف

وهو ذلك العهد الذي قسمت فيه بلاد الأندلس إلى سبع مناطق رئيسة هي كما يلي:

أولا: بنو عباد:

وهم من أهل الأندلس الأصليين الذين كان يطلق عليهم اسم المولدين، وقد أخذوا منطقة أشبيلية.

ثانيا: بنو زيري:

وهم من البربر، وقد أخذوا منطقة غرناطة، وكانت أشبيلية وغرناطة في جنوب الأندلس.

ثالثا: بنو جهور:

وهم الذين كان منهم أبو الحزم بن جهور زعيم مجلس الشورى، وقد أخذوا منطقة قرطبة.

رابعا: بنو الأفطس:

وكانوا أيضا من البربر، وقد استوطنوا غرب الأندلس، وأسسوا هناك إمارة بطليوس.

خامسا: بنو ذي النون:

كانوا أيضا من البربر، واستوطنوا المنطقة الشمالية والتي فيها طليطلة وما فوقها.

سادسا: بنو عامر:

وهم أولاد بني عامر الذي يعود أصلهم إلى اليمن، فاستوطنوا شرق الأندلس، وكانت عاصمتهم بلنسية.

سابعا: بنو هود:

وهؤلاء أخذوا منطقة سرقسطة، تلك التي تقع في الشمال الشرقي.

وهكذا قسمت بلاد الأندلس إلى سبعة أقسام شبه متساوية، كل قسم يضم إما عنصرا من العناصر، أو قبيلة من البربر، أو قبيلة من العرب، أو أهل الأندلس الأصليين، بل إن كل قسم أو منطقة من هذه المناطق كانت مقسمة إلى تقسيمات أخرى داخلية، حتى وصل تعداد الدويلات الإسلامية داخل أراضي الأندلس عامة إلى اثنتين وعشرين دويلة، وذلك رغم وجود ما يقرب من خمس وعشرين بالمائة من مساحة الأندلس في المناطق الشمالية في أيدي النصارى.

وقد ذكرنا سابقا أن مساحة الأندلس كانت ستون ألف كيلو متر مربع، فإذا طرحنا منها ما أخذه النصارى في الشمال؛ فإن النتيجة هي أربعمائة وخمسون ألف كيلو متر مربع (أقل من نصف مساحة مصر) مقسمة إلى اثنتين وعشرين دولة، كل منها بكل مقومات الدولة المتكاملة من رئيس، وجيش، ووزارات، وعملة، وسفراء، فتفتت المسلمون في الأندلس تفتتا لم يُعهد من قبل في تاريخهم، وفقدوا بذلك عنصرا مهما جدا من عناصر قوتهم وهو الوحدة، فكان الهبوط على أشد ما يكون، ولا حول ولاقوة إلا بالله.

يتبع

Share this post


Link to post
Share on other sites

الفصل الثامن : عهد ملوك الطوائف

قيام وسقوط الدول والحضارات.. وقفة متأنية.

بعد الوصول إلى هذه المرحلة من هذا الضعف وذاك التفتت والهوان، فهناك تعليق عام، وتحليل، واستراحة على طول طريق الأندلس منذ الفتح وحتى هذه المرحلة، نستجلي فيه سنة من سنن الله سبحانه وتعالى في كونه بصفة عامة، وفي الأمة الإسلامية بصفة خاصة، وهي سنة قيام وسقوط الأمم، وسنة الارتفاع والهبوط، تلك التي لوحظت بشكل لافت في الدولة الإسلامية خاصة.

وحقيقة الأمر أنه منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا، بل حتى قيام الساعة، اقتضت سنة الله في الأمم والحضارات بصفة عامة أن تقوم ثم تسقط وتزدهر ثم تندثر، فمن سنن الله أن كانت هناك قوانين اجتماعية وإنسانية عامة تتصل مباشرة بضبط مسيرة الحياة الإنسانية ومسيرة الأمم والشعوب، فإذا ما التزمت الأمم والحضارات بهذه القواعد دامت وكانت في خير وسعادة، وإذا حادت عنها لقيت من السقوط والاندثار ما هي أهل له، قال تعالى: [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] {آل عمران:140} .

وليست الأمة الإسلامية بمنأى عن هذه السنن الكونية، فمنذ نزول الرسالة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والدولة الإسلامية تأخذ بأسباب القيام فتقوم، ثم تحيد عنها فيحدث ضعف فسقوط.

وأسباب قيام الدولة الإسلامية كثيرة على نحو ما ذكرنا فيما مضى، والتي كان من أهمها:

أولا: الإيمان بالله سبحانه وتعالى والاعتقاد الجازم بنصرته وقدرته.

ثانيا: الأُخوة، والوحدة، والتجمع ونبذ الفرقة.

ثالثا: العدل بين الحاكم والمحكوم.

رابعا: العلم، ونشر الدين بين الشعوب.

خامسا: العدة، والأخذ بالأسباب [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ] {الأنفال:60} .

فإذا أخذ المسلمون بهذه الأسباب فإنهم سرعان ما يقومون، وغالب الأمر يكون القيام بطيئا ومتدرجا، وفيه كثير من الصبر والتضحية والثبات، ثم بعد ذلك يكون القيام باهرا، ثم يحدث انتشار للدولة الإسلامية بصورة ملموسة، حتى تفتح الدنيا على المسلمين، وهنا يصبر القليل ويقع في الفتنة الكثير.

إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ.

ومن جديد يحدث الضعف فالسقوط، وعلى قدر الفتنة بالمادة والمدنية يكون الارتفاع والانحدار، والسقوط والانهيار.

وأمر الفتنة هذه هو الذي فقهه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سنة سبع عشرة من الهجرة، حين أمر بوقف الفتوحات في بلاد فارس، في عمل لم يتكرر كثيرا في تاريخ المسلمين إلا لدى قليل ممن هم على شاكلته، وذلك حين فتحت الدنيا على المسلمين وكثرت الغنائم في أيديهم.

خاف عمر رضي الله عنه أن تتملك الدنيا من قلوب المسلمين، وخشي أن يحوذوا الدنيا ويخسروا الآخرة فيخسروا دولتهم، وكان همه أن يُدخل شعبه الجنة لا أن يُدخله بلاد فارس، فإذا كان دخول فارس على حساب دخول الجنة: فلتقف الفتوح، ووددت لو أن بيني وبين فارس جبل من نار، لا أقربهم ولا يقربوني. ولم يعد رضي الله عنه إلا بعد أن هجم الفرس على المسلمين وخاف على المسلمين الهزيمة والضياع.

ودون بقية الأمم فإن الأمة الإسلامية تنفرد بأنها أمة لا تموت ودائما في قيام، فإذا سقطت أتبع السقوط قيام، وإذا سقطت أتبع السقوط قيام وهكذا، أما ألا يتبع السقوط قيام فهذا ليس من سنن الله مع المسلمين، ولا يحدث إلا مع أمم الأرض الأخرى غير الإسلامية، تلك الأمم التي يغلب عليها سقوط واندثار لا يتبعه رجعة، حتى وإن طال أجل القيام والازدهار.

وحضارة الفراعنة، واليونان، وامبراطوريتي فارس والروم، وامبراطورية إنجلترا التي لا تغرب عنها الشمس، كل ذلك خير دليل ومعين، وهذه السُّنة الكونية يمثلها قوله تعالى:

[كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ] {المجادلة:21} .

[وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ] {النور:55} .

ومما يُثبت سنة الله هذه في الدولة الإسلامية ذلك الحديث الذي رواه أبو داود في سننه وصححه الحاكم ورواه في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا. فمعنى هذا أنه سيحدث سقوط، ومن بعد السقوط ارتفاع وعلو، وهذا الارتفاع سيكون على يد مجدد أو مجموعة مجددين، وهكذا إلى قيام الساعة.

والتاريخ الإسلامي مليء بمثل هذه الفترات، ففيه الكثير من أحداث الارتفاع والهبوط ثم الارتفاع والهبوط، ولم يكن هذا خاصا بتاريخ الأندلس فقط؛ بل إن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهدوا ذلك بأعينهم، فبعد وفاته صلى الله عليه وسلم مباشرة حدث سقوط ذريع وانهيار مروع، وردّة في كل أطراف جزيرة العرب التي لم يبق منها على الإسلام سوى مكة والمدينة وقرية صغيرة تسمى هجر (هي الآن في البحرين).

ومن بعد ذلك السقوط يحدث قيام عظيم وفتوحات وانتصارات، كان قد جدد أمرها وغرس بذرتها أبو بكر رضي الله عنه بعد أن أجهض على الردة، ثم فتحت الدنيا على المسلمين في عهد سيدنا عثمان رضي الله عنه فحدثت الفتنة والانكسارات في الأمة الإسلامية، أدت إلى مقتله رضي الله عنه وظلت طيلة خلافة سيدنا علي رضي الله عنه.

ومن جديد يستتب الأمر وتقوم الدولة الأموية وتستكمل الفتوح، ثم فترة من الزمان ويحدث سقوط آخر حين يفسد أمر بني أمية، وعلى إثره يقوم بني العباس فيعيدون من جديد المجد والعز للإسلام، وكالعادة يحدث الضعف ثم السقوط، وعلى هذا الأمر كانت كل الدول الإسلامية الأخرى التي جاءت من بعدها، مرورا بالدولة الأيوبية وانتهاءا بالخلافة العثمانية الراشدة التي فتحت كل شرق أوروبا، وكانت أكبر قوة في زمنها.

فهي إذن سنة من سنن الله تعالى ولا يجب أن تفُتّ في عضض المسلمين، ولا بد للمسلمين من قيام بعد سقوط كما كان لهم سقوط بعد قيام، وكما ذكرنا سابقا فإنه ليس بين الله سبحانه وتعالى وبين أحد من البشر نسبا.

يَا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا.

فإن ضل المسلمون الطريق وخالفوا نهج نبيهم؛ فستكون الهزيمة لا محالة، وسيكون الانهيار المروع الذي شاهدناه في الأندلس، والذي نشهده في كل عهود المسلمين.

المرحلة التي يعيشها المسلمون الآن وتصنيفها

قد يتساءل المرء: ما هو تصنيفنا كمسلمين في هذا العصر وفقا للمراحل السابقة ما بين الارتفاع والهبوط أو القيام والسقوط؟

وواقع الأمر وكما هو واضح للعيان أن الأمة الإسلامية تمر الآن بمرحلة من مراحل السقوط، سقوط كبير وضعف وفرقة للمسلمين، سقوط مباشر لسقوط الخلافة العثمانية في عشرينات القرن الماضي، وهو أمر طبيعي ودورة عادية من دورات التاريخ الإسلامي، وسنة من سنن الله كما رأينا.

إلا أن مرحلة السقوط الأخيرة هذه قد شابها أمران لم تعهدهما الدولة الإسلامية ولم يتكررا من قبل في مراحل سقوطها المختلفة، الأمر الأول وهو: غياب الخلافة، إذ إنه ولأول مرة في التاريخ يصبح المسلمون بلا دولة واحدة تجمعهم، فرغم ما كان وما يكون من السقوط والانهيار على مدى فترات الضعف التي مرت بها الأمة الإسلامية، إلا أنه لم تكن لتغيب صورة الخلافة عن الأذهان بحال من الأحوال، منذ الدولة الأموية في القرن الأول الهجري وحتى سقوط الخلافة العثمانية في القرن الرابع عشر الهجري؛ حيث كان الإسلام سياسيا (دين ودولة) طيلة أربعة عشر قرنا من الزمان.

الأمر الثاني وهو: غياب الشرع الإسلامي، فلم يكن أيضا في أي من عصور السقوط السابقة للدول الإسلامية، مع ما يصل المسلمون إليه من تدنٍ وانحدار لم يكن أبدا يُلغى الشرع أو يغيب، نعم قد يُتجاوز أحيانا في تطبيق بعض أجزائه، لكن لم يظهر على الإطلاق دعوة تنادي بتنحية الشرع جانبا، وتطبيق غيره من قوانين البشر مما هو أنسب وأكثر مرونة على حسب رؤيتهم.

وإن مثل هذين العاملين ليجعلان من مهمة الإصلاح والتغيير أمرا من الصعوبة بمكان، ورغم ذلك فإنه وكما وضحنا ليس بمستحيل؛ لأن المستحيل هنا هو التعارض مع سنن الله سبحانه وتعالى التي تقول بأن دولة الإسلام في قيام حتى قيام الساعة.

وهناك من المبشرات نحو قيام الدولة الإسلامية الآن الكثير والكثير، فمنذ سقوط الخلافة العثمانية سنة أربع وعشرين وتسعمائة وألف كان قد حدث انحدار كبير ولا شك في معظم أقطار العالم الإسلامي إن لم يكن كله (بعد سقوط الخلافة العثمانية أقيمت الدول العربية عدا السعودية على أساس علماني شبيه بالدول الغربية)، وظل هذا الوضع حتى أوائل السبعينيات، ثم كانت الهزة والصحوة في كل أطراف الأمة الإسلامية في منتصف السبعينيات وإلى يومنا هذا.

ونظرة واحدة إلى أعداد المصلين في المساجد خاصة الشباب، وأعداد المحجبات في الشوارع في كل أطراف العالم الإسلامي، وانتشار المراكز الإسلامية في كل بلاد أوروبا وفي أمريكا، والصحوة الجهادية في البلاد المحتلة مثل فلسطين والعراق والشيشان وغيرها، وحال الإسلام في جمهوريات روسيا السابقة بعد احتلال نصراني وشيوعي دام لأكثر من ثلاثمائة عام نظرة واحدة إلى مثل هذه الأمور وغيرها الكثير يبشر بالقيام.

وهو ولا شك قيام ينحو الخطى البطيئة المتدرجة لكنه لا ينفي العلو والانتشار المرجو منه، وهذه أخرى سنة من سنن الله عز وجل فلا يجب أن يُستعجل التمكين، ولنا فيما مضى من تاريخ الأندلس، وفي التاريخ الإسلامي بصفة عامة، ومنذ أن أسس رسول الله صلى الله عليه وسلم في أقل من عشر سنين الدولة الإسلامية التي ناطحت أكبر قوتين في زمنهما، وكان قد أوذي وطرد وهو وأصحابه من بلدهم، منذ ذلك التاريخ وحتى سقوط الخلافة العثمانية لنا خير دليل ومعين

[فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلًا] {فاطر:43} .

--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

عودة إلى عهد ملوك الطوائف

اثنتين وعشرين دويلة ونظرة عامة إلى واقع الفُرقة

ذكرنا سابقا أنه بعد موت عبد الرحمن بن المنصور العامري، الحاجب الذي كان يتولى الحجابة على هشام بن الحكم الخليفة الصورة، حدث انهيار مروع وانفرط العقد تماما في أرض الأندلس، وقسمت البلاد إلى اثنتين وعشرين دويلة، رغم تآكل مساحة الأندلس عليهم من قِبل النصارى في الشمال.

وإذا نظرنا إلى واقع هذه الدويلات وواقع هذا التفتت وتلك الفرقة نجد الملامح التالية:

أولا: تلقب كل حاكم ممن حكموا هذه الدويلات بلقب أمير المؤمنين، ليس فقط أمير مدينة ولكنه أمير المؤمنين، وكأنه يستحق أن يكون أمير المؤمنين في الأرض.

فكان الرجل في هذا الوقت يسير مسيرة اليوم والليلة فيمر على ثلاثة من أمراء المؤمنين؛ لأن كل دويلة من هده الدويلات كانت مساحتها صغيرة جدا لا تتجاوز مساحة محافظة من المحافظات في أي دولة الآن، وكان لكل دويلة أمير وجيش خاص بها، وسياج من حولها وسفراء وأعلام، وهي لا تملك من مقومات الدولة شيء.

وليت بعد هذه المأساة وهذا التفتت أن يظل كل (أمير) في منطقته ولا يطمع في أرض أخيه المجاورة له، إلا أنه ورغم هذا فقد بدأ كل منهم بافتعال الصراعات بسبب الحدود، وأصبحت المدن الإسلامية وحواضر الإسلام في الأندلس وللأسف تحارب بعضها بعضا، فهذه قرطبة تتصارع مع أشبيلية، وهذه بلنسية تتصارع وسراقسطة، وعلى هذا الوضع ظل الصراع بين المالك الإسلامية في هذه الفترة.

وإنه لأمر يدعو إلى الدهشة ويجعل المرء ليتساءل: إذا كان هذا الأمير الذي يحارب أخاه شريرا، ورجلا خارجا عن القانون، وبعيدا عن تعليم الشرع، ويحارب من أجل الدنيا، فأين شعب هذا الأمير؟! أين الجيش الذي هو من عامة الشعب؟! وكيف زُيّن للشعوب أن يحاربوا إخوانهم؟!

وفي محاولة لتحليل ذلك الوضع نقول: قد كان هناك أمور مخجلة في المجتمع الأندلسي في ذلك الوقت، فهاك الإعلام السائد في هذه الفترة وهو الشعر الذي يمجد فيه الشعراءُ القادة أو الأمراء، ويصورونهم وكأنهم أنصاف آلهة، فهم أهل الحكمة والتشريع، وأهل العظمة والبأس، وأهل النخوة والنجدة، وهم (الأمراء) أهل الإنجازات الضخمة والأموال العظيمة، فيفتن الناس والشعوب بمثل هذه الصفات وهذا العلو في الأرض فيتبعونهم فيما يقولون [فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ] {الزُّخرف:54} .

وهناك أيضا تحكُّم وضغط شديدين من قِبل الجيوش التي تتبع الحكام على الشعوب، فكانوا يحكمونهم بالحديد والنار؛ فلا يستطيعون أن ينبثوا بمخالفة أو اعتراض أمام الطواغيت.

وبالإضافة إلى هذا فقد ظهر أيضا في هذه الفترة الفتاوى الخاصة والتي تصرح لهؤلاء الأمراء بفعل ما يحلو لهم، ففتوى تصرح لقرطبة غزو أشبيلية، وأخرى تصرح لأشبيلية غزو بطليوس، وثالثة تصرح لبطليوس غزو ما حولها.

ثانيا: كان هناك أيضا كارثة محققة وجريمة كبرى اقترفها أمراء بعض هذه الدويلات، وظلت ملمحا رئيسيا في هذه الفترة، وهي استجداء النصارى والاستقواء بهم، فقد كانت كل دويلة ذات جيش لكنه جيش ضعيف البنية قليل السلاح، ومن ثم فلا بد لهم من معين يستقوون به في حربهم ضد إخوانهم، فتزلفوا إلى النصارى في شمال الأندلس يتخذونهم أولياء ونصراء على إخوانهم، فمنهم من توجه إلى أمير قشتالة، ومنهم من توجه إلى أمير أراجون، وأيضا إلى أمير ليون.

هذه الممالك النصرانية التي لم تكن لتكوّن أكثر من خمس وعشرين بالمائة فقط من أرض الأندلس، وهي التي كانت تدفع الجزية إلى عبد الرحمن الناصر والحكم بن عبد الرحمن الناصر ومن بعده الحاجب المنصور.

ثالثا: وأشد وأنكى مما سبق فقد بدأ أمراء المؤمنين في هذه الفترة يدفعون الجزية للنصارى، فكانوا يدفعون الجزية لألفونسو السادس حاكم إمارة قشتالة، تلك التي توسعت على حساب المسلمين في هذا العهد (عهد ملوك الطوائف) وضمت إليها أيضا مملكة ليون، فأصبحت قشتالة وليون مملكة واحدة تحت زعامة ألفونسو السادس أكبر الحكام النصارى في ذلك الوقت.

فكان أمراء المؤمنين يدفعون الجزية حتى يحفظ لهم ألفونسو السادس أماكنهم وبقاءهم على الحكم في بلادهم، كانوا يدفعون له الجزية وهو يسبهم في وجوههم فما يزيدون على قول: ما نحن إلا جباة أموال لك في بلادنا على أن تحافظ لنا على مكاننا في هذه البلاد حاكمين.

وكأن قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ] {المائدة:51 ،52}. كأنه قد نزل في أهل الأندلس في ذلك الوقت؛ حيث يتعللون ويتأولون في مودة وموالاة النصارى بالخوف من دائرة تدور عليهم من قبل إخوانهم.

وهنا يعلق سبحانه وتعالى بقوله: [فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ] {المائدة:52} .

وهو بعينه ذلك الذي سيحدث في نهاية هذا العهد كما سنرى حين يكون النصر فيُسرّ هؤلاء في أنفسهم ما كان منهم من موالاة النصارى في الظاهر والباطن، ويندمون حين يفضحهم الله ويظهر أمرهم في الدنيا لعباده المؤمنين، وذلك بعد أن كانوا مستورين لا يدرى كيف حالهم.

وإنها لعبرة وعظة يصورها القرآن الكريم منهج ودستور الأمة في كل زمان ومكان: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] {المائدة:57} .

صور عابرة من أوضاع الطوائف والدويلات

أولا: أنفة وعزة في زمن عز أن تشم رائحتهما

كما رأينا حال وواقع كل الممالك وأمراء المؤمنين في هذه الفترة، وكل يدفع الجزية إلى ألفونسو السادس ومن معه، إلا أنه كان هناك رجلا واحدا كان يملك عزة وأنفا، ولم يرضَ بدفع الجزية، وهو المتوكل بن الأفطس أمير مملكة بطليوس.

فرغم ذلك الجو المفعم بالذل والخزي، ورغم أن مملكته كانت صغيرة جدا، إلا إن المتوكل بن الأفطس لم يكن يدفع الجزية للنصارى، وبالطبع فقد كان النصارى يعلمون أن هذا الرجل مارق وخارج عن الشرعية، تلك التي كانت تحكم البلاد في ذلك الوقت؛ حيث خرج عن المألوف واعتز بإسلامه ولم يقبل الذل كغيره من أبناء جلدته.

وهنا أرسل له ألفونسو السادس رسالة شديدة اللهجة يطلب فيها منه أن يدفع الجزية كما كان يدفعها إخوانه من المسلمين في الممالك الإسلامية المجاورة، فكان من نبأ المتوكل بن الأفطس أنه أرسل له ردا عجيبا، أرسل إليه برسالة حفظها التاريخ ليعلم قارئيه أن المؤمن وهو في أشد عصور الانحدار والانهيار إذا أراد أن تكون له عزة فلا محالة هي كائنة، يقول المتوكل بن الأفطس في رسالته:

وصل إلينا من عظيم الروم كتاب مدعٍ في المقادير وأحكام العزيز القدير، يرعد ويبرق، ويجمع تارة ثم يفرق، ويهدد بجنوده المتوافرة وأحواله المتظاهرة، ولو علم أن لله جنودا أعز بهم الإسلام وأظهر بهم دين نبيه محمد عليه الصلاة والسلام أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله لا يخافون، بالتقوى يُعرفون وبالتوبة يتضرعون، ولإن لمعت من خلف الروم بارقة فبإذن الله وليعلم المؤمنين، وليميز الله الخبيث من الطيب ويعلم المنافقين.

أما تعييرك للمسلمين فيما وهى من أحوالهم فبالذنوب المركومة، ولو اتفقت كلمتنا مع سائرنا من الأملاك لعلمت أي مصاب أذقناك كما كانت آباؤك تتجرعه، وبالأمس كانت قطيعة المنصور على سلفك لما أجبر أجدادك على دفع الجزية حتى أهدى بناته إليه. وكان ملك نافار جد ألفونسو السادس قد أرسل ابنته هديه إلى المنصور حتى يأمن جانبه، وهي أم عبد الرحمن بن المنصور الذي انتهت بحكمه الدولة العامرية كما ذكرنا.

ويضيف المتوكل بن الأفطس قائلا: أما نحن إن قلّت أعدادنا وعدم من المخلوقين استمدادنا، فما بيننا وبينك بحر نخوضه ولا صعب نروضه، ليس بيننا وبينك إلا السيوف، تشهد بحدها رقاب قومك، وجلاد تبصره في نهارك وليلك، وبالله تعالى وملائكته المسومين نتقوى عليك ونستعين، ليس لنا سوى الله مطلب، ولا لنا إلى غيره مهرب، وما تتربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، نصر عليكم فيا لها من نعمة ومنة، أو شهادة في سبيل الله فيا لها من جنة، وفي الله العوض مما به هددت، وفرج يفرج بما نددت ويقطع بما أعددت.

ما كان من ألفونسو السادس إلا أن وجم ولم يفكر ولم يستطع أن يرسل له جيشا، فقد غزا كل بلاد المسلمين في الأندلس خلا بطليوس، لم يتجرأ على أن يغزوها، فكان يعلم أن هؤلاء الرجال لا يقدر أهل الأرض جميعهم على مقاومتهم، فأعز الإسلامُ ورفع من شأن المتوكل بن الأفطس ومن معه من الجنود القليلين حين رجعوا إليه، وبمجرد أن لوحوا بجهاد لا يرضون فيه إلا بإحدى الحسنيين، نصر أو شهادة.

ثانيا: ضعف وخور وذل وهوان

لم يكن عموم الوضع في أرض الأندلس على شاكلة الصورة السابقة في موقف المتوكل بن الأفطس من ألفونسو السادس، ونحن لسنا في معرض الخوض في تفاصيل باقي الدويلات الاثنتين والعشرين؛ إذ هي موجودة في كتب التاريخ، ولكن نعرض لبعض الصور من باقي هذه الدويلات، تكفي لتصور الوضع في هذه الفترة، ومدى التدني الذي وصل إليه المسلمون في الأندلس آنذاك.

والصورة الأولى من الشمال الشرقي للأندلس وبالقرب من فرنسا، وبالتحديد في سرقسطة التي كان يحكمها كما ذكرنا بنو هود، فحين وافت حاكم سرقسطة المنية أراد أن يستخلف من بعده، وكان له ولدان، الكبير، وكان الأولى لكبره كما هي العادة في توارث الحكم، والصغير، وهو الأنجب والأفضل من الكبير، ولئلا يظلم أيا منهما كما خُيّل له فقد قام الأب الحاكم بعمل غريب لم يتكرر في التاريخ؛ حيث قسم الدويلة، الأرض والشعب والجيش، كل شيء إلى نصفين لكل منهما النصف.

يموت الأب وتمر الأيام ويختلف الأخوان على الحدود فيما بينهما، فيقوم أحدهما بالهجوم على أخيه لتحرير حقه وأرضه المسلوبة، ولأنه لم يكن له طاقة بالهجوم لأن الجيش مقسم والكيان ضعيف، فما كان من هذا الأخ إلا أنه استعان بملك نصراني ليحرر له أرضه من أخيه المسلم.

لم يستمع هذا الأخ ما قيل له من أن هذا الملك النصراني سيأخذ هذه الأرض ويضمها إلى أملاكه، فكان اعتقاده أن ملك برشلونة (مملكة أراجون) رئيس دولة صديقة، ويستطيع أن يأخذ له حقه من أخيه، وكان كل همه أن يظل ملكا على دويلته، وملكه لا بد وأن يعود إلى حوزته.

مأساة بربشتر

جاء النصارى بالفعل ودخلوا البلاد، وفي مملكة سرقسطة أحدثوا من المآسي ما يند له الجبين، ومن أشهر أفعالهم فيها ما عرف في التاريخ بمأساة بربشتر.

دخل النصارى على بربشتر البلد المسلم ليحرروه ويعطوه للأخ المسلم الذي ادعى أن أخاه قد اغتصبه منه، بدأ الأمر بالحصار وذلك في جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وأربعمائة من الهجرة، وظل مداه طيلة أربعين يوما كاملة، والمسلمون في الداخل يستغيثون بكل أمراء المؤمنين في كل أرض الأندلس، ولكن لا حراك، فالقلوب تمتلئ رهبة من النصارى، وأمراء المسلمين يعتقدون بأنهم ليس لهم طاقة بحربهم أو الدفاع عن إخوانهم ضدهم، وفكروا بأن يستعينوا بدولة أخرى غير تلك الدولة الصديقة المعتدية، وظلوا الأربعين يوما يتفاوضون ويتناقشون حتى فتح النصارى بربشتر.

ما إن دخل النصارى بربشتر، وفي اليوم الأول من دخولهم قتلوا من المسلمين أربعين ألفا، (من رواية ياقوت الحموي، وهناك رواية أخرى تزيدهم إلى مائة ألف) وسبوا سبعة آلاف فتاة بكر منتخبة (أجمل سبعة آلاف فتاة بكر في المدينة) وأعطين هدية لملك القسطنطينية، وأحدثوا من المآسي ما تقشعر منه الأبدان وتنخلع منه القلوب؛ إذ كانوا يعتدون على البكر أمام أبيها وعلى الثيًب أمام زوجها، والمسلمون في غمرة ساهون.

ومثل هذه الصورة لا نعدمها عبر التاريخ في حقل الصراع بين المسلمين والنصارى حتى عصرنا الشاهد، وليس ببعيد عنا ما قام به النصارى وإخوانهم اليهود في البوسنة والهرسك، حيث اغتصاب لخمسين ألف فتاة وقتل لمائتي وخمسين ألف مسلم، غير ما حدث في كشمير وكوسوفا، وما يقومون به اليوم في فلسطين وغيرها من بلاد المسلمين الممتحنة.

مأساة بلنسيه

ومثلها أيضا كانت مأساة بلنسيه في سنة ست وخمسين وأربعمائة من الهجرة، حيث قتل ستون ألف مسلم في هجوم للنصارى عليها. ولا أحد يتحرك من المسلمين.

ثالثا: غنى فاحش وأموال في غير مكانها

رغم ما كان من صور الضعف والمآسي السابقة وأمثالها الكثير والكثير إلا إن أمراء المسلمين كانوا لاهين غير عابئين بما يدور حولهم، فقد كانوا يملكون من المال الكثير، والذي شغلهم بدنياهم عن دينهم، ومما جاء في ذلك أن زوجة حاكم أشبيلية المعتمد على الله بن عباد كانت تقف ذات مرة في شرفة قصرها فشاهدت الجواري وهن يلعبن في الطين خارج القصر، فاشتهت نفسها أن تفعل مثلهن وتلعب في الطين.

ما كان من حاكم أشبيلية (المعتمد على الله) إلا أن صنع لها طينا خاصا لها، فاشترى كميات كبيرة من المسك والعنبر وماء الورد، وخلطها وجعلها طينا خاصا بالملوك، حتى وإن كان من أموال المسلمين، لعبت زوجة الملك بهذا الطين ثم سأمت منه، ومرت الأيام وضاع ملك المعتمد على الله، وحدث شجار مع زوجته تلك في أحد الأيام فقالت له كعادة من يكفرن العشير: ما رأيت منك من خير قط، فرد عليها واثقا: ولا يوم الطين؟! فسكتت واستحيت خجلا من الأموال (أموال المسلمين) التي أنفقت عليها في لُعبة كانت قد اشتهتها.

ورغم ذلك فقد كان هناك الشعر الذي يصف المعتمد على الله بن عباد بكل صفات العزة والكرامة والعظمة والمجد والبأس، وغيرها مما هو مخالف للواقع، وبما يعكس صورة الإعلام المقلوبة في ذلك الوقت.

رابعا: مصلحون ولكن

كسنة من سنن الله أيضا في المسلمين فإن أعمال الخير والدعوات الإصلاحية لم تعدم ولن تعدم إلى قيام الساعة برغم ما يحدث مما هو في عكس طريقها؛ فقد كانت هناك محاولات إصلاحية في هذا العهد، وأخرى تبدي عدم موافقتها لهذا الوضع المزري في البلاد، لكنها كانت دعوات مكبوتة، لم تستطع أن ترى النور، يقول أحد الشعراء واصفا هذه الفترة:

مِمَّا يُزَهِّدُنِي فِي أَرْضِ أَنْدَلُسٍ ، أَلْقَابُ مُعْتَضِدٍ فِيهَا وَمُعْتَمِدِ

أَلْقَابُ مَمْلَكَةٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا ، كَالهِرِّ يَحْكِي انْتِفَاخًا صَُورَةَ الْأَسَدِ

فقد كان في كل بلد من بلاد الأندلس قادر بالله ومعتمد على الله ومعتضد بالله ومعتصم بالله ومستكفٍ بالله ومؤيد بالله، وكلهم يدفعون الجزية لألفونسو السادس بما فيهم حاكم أشبيلية (المعتمد على الله) والتي تقع في أقصى الجنوب الغربي من بلاد الأندلس، والتي تبعد كثيرا جدا عن مملكة قشتالة.

كان من المصلحين في هذا العهد الفقيه الإسلامي المشهور ابن حزم، وأيضا ابن عبد البر، وكذلك ابن حيان، وأبو الوليد الباجي، وغيرهم الكثير من أبناء الأندلس نفسها، والحق أنهم حاولوا قدر استطاعتهم أن يُخرجوا الشعوب من هذا الموقف الحرج، ويجمّعوا الناس ويوحدوا الصفوف، لكن كان من المستحيل جمع وتوحيد المسلمين من اثنتين وعشرين دولة في دولة واحدة بمجهودهم فقط.

فمن الممكن الاتفاق على مبدأ الوحدة والتجمع، لكن العقبة عند الأمراء كانت تكمن فيمن سيكون الرئيس الأوحد، هل هو حاكم قرطبة أم هو حاكم أشبيلية، أم هو كل من يرى نفسه الأولى والأجدر؟!

فإن كان الظاهر هو الاتفاق لكن الباطن أو الأصل وهو الغالب رفض الوحدة والاتفاق، حتى في وجود مثل هؤلاء الأفاضل من علماء المسلمين؛ ففرطوا في واحدة من أعظم نعم الله تعالى على المسلمين، يقول تعالى: [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] {آل عمران:103} .

تلك النعمة التي حذر من التهاون فيها سبحانه وتعالى فقال: [وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] {الأنفال:46} وقال أيضا: [وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] {آل عمران:105} .

وإنها لأسئلة يوجهها لسان الحال إلى هؤلاء الأمراء المنقسمين على أنفسهم: أما سمعتم عن عزة الإسلام والمسلمين زمن عبد الرحمن الناصر في الدولة الإسلامية الموحدة، وكيف كانت؟! لماذا تفرطون في مثل هذه العزة في الدنيا وذاك الثواب العظيم في الآخرة؟! أمن أجل أيام معدودات على مدينة من مدن المسلمين تحكمونها؟! أم من أجل الاستكبار وعدم الرغبة في أن تكونوا تحت إمرة رجل واحد من المسلمين؟! أم من أجل التزلف والاستعباد لملك من ملوك النصارى؟!

سقوط طليطلة.. والبقية تأتي

ما زلنا في عهد ملوك الطوائف وقد تصاعدت المأساة كثيرا في بلاد الأندلس، ففي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة من الهجرة تسقط طليطلة، يسقط الثغر الإسلامي الأعلى في بلاد الأندلس، المدينة التي كانت عاصمة للقوط قبل دخول المسلمين في عهد موسى بن نصير وطارق بن زياد رحمهما الله، طليطلة التي فتحها طارق بن زياد بستة آلاف، فتحها بالرعب قبل مسيرة شهر منها، طليطلة الثغر الذي كان يستقبل فيه عبد الرحمن الناصر الجزية من بلاد النصارى، ومنه كان ينطلق هو ومن تبعه من الحكام الأتقياء لفتح بلادهم في الشمال، طليطلة المدينة العظيمة الحصينة التي تحوطها الجبال من كل النواحي عدا الناحية الجنوبية.

وكان قد سبق سقوط طليطلة استقبالٌ لملك من ملوك النصارى مدة تسعة أشهر كاملة، حيث كان قد فر هاربا من جراء خلاف حدث معه في بلاد النصارى، ومن ثم فقد لجأ إلى (صديقه) المقتدر بالله حاكم طليطلة، والذي قام بدوره (حاكم طليطلة) في ضيافته على أكمل وجه، فأخذ يتجول به في كل أنحاء البلد، في كل الحصون وكل المداخل، وعلى الأنهار الداخلة لمدينة طليطلة.

وحين عاد الرجل النصراني إلى بلاده حاكما كان أول خطوة خطاها هي الهجوم على طليطله، فقام بفتحها وضمها إلى بلاده، وقد كان معاونا وصديقا قبل ذلك، فكان كما أخبر سبحانه وتعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ] {الممتحنة:1} .

فضَلّ المقتدر بالله سواء السبيل، وأسرّ لملك النصارى بأسرارها، فسقطت طليطلة.

وبسقوط طليطلة اهتز العالم الإسلامي في الشرق والغرب، وحدث إحباط شديد في كل بلاد الأندلس، وفي تصوير بارع لهذا الإحباط نرى ابن عسال أحد الشعراء المعاصرين لهذا السقوط يقول:

شُدُّوا رَوَاحِلَكُمْ يَا أَهْلَ أَنْدَلُسِ ، فَمَا الْمَقَامُ فِيهَا إِلَّا مِنَ الْغَلَطِ

الثَّوْبُ يَنْسَلُّ مِنْ أَطْرَافِهِ ، وَأَرَى ثَوْبَ الْجَزِيرَةِ مَنْسُولًا مِنَ الْوَسَطِ

مَنْ جَاوَرَ الشَّرَّ لَا يَأْمَنْ بَوَائِقَهُ ، كَيْفَ الْحَيَاةُ مَعَ الْحَيَّاتِ فِي سَفَطٍ

وهي صورة عجيبة ينقلها ذلك الشاعر (إعلام ذلك الوقت) المحبط، حتى لكأنه يدعو أهل الأندلس جميعا بكل طوائفه ودويلاته إلى الهجرة والرحيل إلى بلاد أخرى غير الأندلس؛ لأن الأصل الآن هو الرحيل، أما الدفاع أو مجرد المكوث فهو ضرب من الباطل أو هو (الغلط) بعينه، ولقد سانده وعضد موقفه هذا أن من الطبيعي إذا ما انسلت حبة من العقد مثلا فإن الباقي لا محالة مفروط، فما البال وما الخطب إذا كان ما انسل هو الأوسط وهي طليطلة أوسط بلاد الأندلس، فذاك أمر ليس بالهزل، بل وكيف يعيشون بجوار هؤلاء (الحيات) إن هم رضوا لهم بالبقاء؟! فما من طريق إلا الفرار وشد الرحال.

حصار أشبيلية.

مع هذا الحدث السابق المؤسف تزامن حصار أشبيلية، وإن تعجب فعجب لماذا تُحاصر أشبيلية وحاكمها يدفع الجزية لألفونسو السادس، وهي أيضا بعيدة كل البعد عن مملكة قشتالة، حيث تقع في الجنوب الغربي من الأندلس؟!

وإن العجب ليكمن خلف قصة هذا الحصار، حيث أرسل ألفونسو السادس حاكم قشتالة وزيرا يهوديا على رأس وفد إلى أشبيلية لأخذ الجزية كالمعتاد، فذهب الوفد إلى المعتمد على الله بن عباد وحين أخرج له الجزية كما كل مرة وجد الوزير اليهودي يقول له متبجحا: إن لي طلبا آخر غير الجزية، فتساءل (المعتمد على الله) عن هذا الطلب، وفي صلف وغرور وإساءة أدب أجابه الوزير اليهودي بقوله: إن زوجة ألفونسو السادس ستضع قريبا، وألفونسو السادس يريد منك أن تجعل زوجته تلد في مسجد قرطبة.

تعجب المعتمد على الله وسأله عن هذا الطلب الغريب الذي لم يتعوده، فقال له الوزير اليهودي في رد يمثل قمة في التحدي ولا يقل إساءة وتبجحا عن سابقه: لقد قال قساوسة قشتالة لألفونسو السادس إنه لو ولد لك ولد في أكبر مساجد المسلمين دانت لك السيطرة عليهم.

وكعادة النفوس التي قد بقي بها شيء من عوالق الفطرة السوية أخذت الغيرة المعتمد على الله، فرفض هذا الطلب المزري ووافق على دفع الجزية فقط، وبطبيعته فما كان من الوزير اليهودي إلا أن أساء الأدب وسبه في حضرة وزرائه.

وبنخوة كانت مفقودة قام المعتمد على الله وأمسك بالوزير اليهودي وقطع رأسه، ثم اعتقل بقية الوفد، ثم أرسل رسالة إلى ألفونسو السادس مفادها أنه لن يدفع الجزية ولن يحدث أن تلد زوجتك في مسجد قرطبة.

جن جنون ألفونسو السادس، وعلى الفور جمع جيشه وأتى بحده وحديده، فأحرق كل القرى حول حصن أشبيلية الكبير، وحاصر البلاد، وطال الحصار فأرسل إلى المعتمد على الله: إن لم تفتح سأستأصل خبركم.

طاول المعتمد على الله في التحصن خوفا من نتيجة فك هذا الحصار، وفي محاولة لبث الهزيمة النفسية في قلوب المسلمين والفت في عضدهم أرسل ألفونسو السادس رسالة قبيحة أخرى إلى المعتمد على الله بن عباد يقول فيها: إن الذباب قد آذاني حول مدينتك، فإن أردت أن ترسل لي مروحة أروح بها عن نفسي فافعل.

يريد وبكل كبرياء وغرور أن أكثر ما يضايقه في هذا الحصار هو الذباب أو البعوض، أما أنت وجيشك وأمتك وحصونك فهي أهون عندي منه.

وبنخوة أخرى وفي رد فعل طبيعي أخذ المعتمد على الله بن عباد الرسالة وقلبها وكتب على ظهرها ردا وأرسله إلى ألفونسو السادس، لم يكن هذا الرد طويلا، إنما هو لا يكاد يتعدى السطر الواحد فقط، وما إن قرأه ألفونسو السادس حتى أخذ جيشه، وعاد من حيث أتى.

يتبع

لا حول ولا قوة إلا بالله

Share this post


Link to post
Share on other sites

لأ الصور عليها علامة X ولا تظهر و الحكاية دى اتكررت كتير

بس مش عارف لها حل

من الواضح أنها تظهر عند ايهاب سالم

يا ريت حد تاني من المتابعين يفيدنا

Share this post


Link to post
Share on other sites

الفصل التاسع : دولة المرابطين

مقدمة

في بداية لعهد جديد في الأندلس ودورة أخرى من دورات التاريخ بعد هذا الضعف وذاك السقوط، كانت رسالة المعتمد على الله إلى ألفونسو السادس - والذي بمجرد قراءتها أخذ جيشه وعاد إلى قشتالة - هي مهد ذلك العهد وبداية لتلك الدورة الجديدة.

فحين أرسل ألفونسو السادس رسالته المهينة إلى المعتمد على الله بن عباد يطلب منه متهكما مروحة يروّح بها عن نفسه، أخذها المعتمد على الله وقلبها ثم كتب على ظهرها: والله لئن لم ترجع لأروحنّ لك بمروحة من المرابطين.

لم يكن أمام المعتمد على الله غير أسلوب التهديد هذا، فقط لوح بالاستعانة بالمرابطين، وقد كان ألفونسو السادس يعلم جيدا من هم المرابطون، فهو مطّلع على أحوال العالم الخارجي، فما كان منه إلا أن أخذ جيشه وانصرف.

فتُرى من هم المرابطون الذين كان لمجرد ذكرهم كل هذا الأثر؟ إنهم أبطال مجاهدون، لا يهابون الموت، أقاموا دولة إسلامية تملكت كل مقومات القوة، تربعت على المغرب العربي وما تحته، وقبل أن نتحدث عن دولتهم تلك نتعرف أولا على أحوال بلاد الأندلس بعد حصار أشبيلية؛ حتى نعي الوضع جيدا قبل بداية عهدهم.

الأندلس بعد حصار أشبيلية

في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة من الهجرة - كما ذكرنا - كانت قد سقطت طليطلة، وللملاحظة فمنذ سقوطها في ذلك التاريخ لم تعد للمسلمين حتى الآن، ثم حوصرت أشبيلية مع أنها تقع في الجنوب الغربي للأندلس وبعيدة جدا عن مملكة قشتالة النصرانية التي تقع في الشمال، وكاد المعتمد على الله بن عباد أن يحدث معه مثلما حدث مع بربشتر أو بلنسية لولا أن مَنّ الله عليه بفكرة الاستعانة أو التلويح بالاستعانة بالمرابطين.

وحيال ذلك فكر أمراء المؤمنين في الأندلس في تلك الكارثة التي حلت بدارهم، وكانوا يعلمون أنه إن عاجلا أو آجلا ستسقط بقية المدن، فإذا كانت طليطلة واسطة العقد قد سقطت فمن المؤكد أن تسقط قرطبة وبطليوس وغرناطة وأشبيلية والكثير من حواضر الإسلام في الأندلس، فاتفقوا على عقد مؤتمر القمة الأندلسي الأول، وكان أول مؤتمر يجتمعون فيه للاتفاق على رأي موحد تجاه هذا الوضع.

كان أول قرارات ذلك المؤتمر هو التنديد بشدة بالاحتلال القشتالي لطليطلة، فقشتالة دولة صديقة كيف تقدم على هذا الفعل غير العادي، لا بد أن تُشتكى قشتالة لدولة محايدة من دول المنطقة، حتى لا نكون محاربين لدولة صديقة.

ولأن الخير لا يُعدم أبدا في كل مكان وزمان، فقد اجتمع الأمراء ومعهم العلماء، وكان العلماء يفهمون حقيقة الموقف ويعرفون الحل الأمثل له فأشاروا بالجهاد، وهم يعلمون أن في التاريخ ما يثبت أن المسلمين إذا ما ارتبطوا بربهم وجاهدوا في سبيله كان النصر حتما لهم حتى وإن كانوا قلة،

قوبل هذا الرأي بالرفض تماما، ورُدّ عليه بأنهم يريدون وقف نزيف الدماء، أهم ما في الأمر أن نوقف الحرب ونحاول حل الموقف بشيء من السلام مع قشتالة، نجلس مع ألفونسو السادس على مائدة المفاوضات، فلربما تكون في نيته فرصة في أن يترك طليطلة، أو حتى يأخذ جزءا منها ويترك الباقي، ثم نعيش جنبا إلى جنب في سلام وأمان، وهذه كانت إشارات مترجمة لحال الأمراء والرافضين لحل العلماء السابق.

رأى العلماء استحالة الجهاد، حيث الذل والهوان قد استبد بالناس فألفوه، وظلوا لأكثر من سبعين سنة يدفعون الجزية ولا يتحرجون، فمن الصعب أن يدَعوا الدنيا ويحملوا السلاح ويجاهدوا في سبيل الله، فأشاروا (العلماء) عليهم برأي آخر يستبعد الجهاد وهو: أرسلوا إلى دولة المرابطين، اطلبوا منها أن تأتي وتقاوم النصارى وتهاجمهم في موقعة فاصلة تبعدهم بها عن أرضنا.

ورغم عقلانية هذا الرأي إلا أن الأمراء لم يقبلوا به أيضا؛ خوفا من أن تسيطر دولة المرابطين القوية على أرض الأندلس بعد أن تهزم النصارى، وبعد جدال طويل فيما بينهم أنعم الله سبحانه وتعالى على رجل منهم وهو المعتمد على الله بن عباد، والذي منذ قليل كان قد لوح باسم المرابطين ففك ألفونسو السادس الحصار عنه، فلم يجد مانعا يمنعه - إذن - من الاستعانة بهم بالفعل، فقام وخطب في الحضور خطبة لم تكن على هوى غالب الحضور، جاء في نهايتها:

، ولا أحب أن أُلعن على منابر المسلمين، ولأن أرعى الإبل في صحراء المغرب (مركز المرابطين) خير لي من أن أرعى الخنازير في أوروبا.

زلزل هذا الخطاب قلوب البعض وحرك فيهم مكامن النخوة، فقام المتوكل بن الأفطس، وهو الرجل الوحيد الذي لم يدفع الجزية طيلة حياته - كما ذكرنا ورأينا رسالته في ذلك - قام ووافق المعتمد على الله على هذا الأمر، ومن بعده قام عبد الله بن بلقين صاحب غرناطة ووافقه أيضا، فأصبحت غرناطة وأشبيلية وبطليوس الثلاث حواضر الإسلامية الضخمة متفقة على الاستعانة بالمرابطين، على حين رفض الباقون.

وفور موافقتهم جعلوا منهم وفدا عظيما مهيبا، يضم العلماء والوزراء، ليذهب إلى بلاد المغرب العربي، ويطلب العون من زعيم المرابطين لينقذهم من النصارى المتربصين. وهنا وقفة مع المرابطين.

المرابطون

قبيلة جُدالة وأصل المرابطين

كان التاريخ هو سنة ثمان وسبعين وأربعمائة من الهجرة، حيث سقطت طليطلة، وحوصرت أشبيلية، وعقد مؤتمر القمة، ومن هذا التاريخ نعود إلى الوراء ثمانية وثلاثين عاما، وبالتحديد في سنة أربعين وأربعمائة من الهجرة، حيث أحداث بربشتر وبلنسية السابقة، لنكون مع بداية تاريخ المرابطين.

وكما غوّرنا في أعماق التاريخ، نعود ونغور في أعماق صحراء موريتانيا البلد الإسلامي الكبير، وبالتحديد في الجنوب القاحل، حيث الصحراء الممتدة، والجدب المقفر، والحر والقيظ الشديد، وحيث أناس لا يتقنون الزراعة ويعيشون على البداوة.

في هذه المناطق كانت تعيش قبائل البربر، ومن قبائل البربر الكبيرة كانت قبيلة صنهاجة، وكانت قبيلتي جدالة ولمتونة أكبر فرعين في صنهاجة،

كانت جدالة تقطن جنوب موريتانيا، وكانت قد دخلت في الإسلام منذ قرون، وكان على رأس جدالة رئيسهم يحيى بن إبراهيم الجدالي، وكان لهذا الرجل فطرة سوية وأخلاق حسنة.

نظر يحيى بن إبراهيم في قبيلته فوجد أمورا عجيبة (كان ذلك متزامنا مع مأساة بربشتر وبلنسية)، فقد وجد الناس وقد أدمنوا الخمور، وألفوا الزنى، حتى إن الرجل ليزاني حليلة جاره ولا يعترض جاره، تماما كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: [وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المُنْكَرَ] {العنكبوت:29}

ولماذا يعترض الجار وهو يفعل نفس الشيء مع جاره؟!

فقد فشى الزنى بشكل مريع في جنوب موريتانيا في ذلك الزمن، وكثر الزواج من أكثر من أربعة، والناس ما زالوا مسلمين ولا ينكر عليهم منكر، السلب والنهب هو العرف السائد، القبائل مشتتة ومفرقة، القبيلة القوية تأكل الضعيفة، والوضع شديد الشبه بما يحدث في دويلات الطوائف، بل هو أشد وأخزى.

لقد كانت هذه الأوضاع سواء في بلاد الأندلس أو في موريتانيا أشد وطأة مما نحن عليه الآن، فلننظر كيف يكون القيام، ولنتدبر تلك الخطوات الممنهجة وفق منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في تغيير هذا المنكر والعمل نحو الإصلاح.

يحيى بن إبراهيم وهمّ المسلمين

كان يحيى بن إبراهيم الجدالي صاحب الفطرة النقية يعلم أن كل ما يفعله قومه هذا من المنكرات، لكنه لم يكن بمقدوره التغيير؛ فالشعب كله في ضلال وعمى، وبعيد كل البعد عن الدين، كما أن الرجل نفسه لا يملك من العلم ما يستطيع به أن يغير الناس.

وبعد حيرة وتفكر هداه ربه لأن يذهب إلى الحج، ثم وهو في طريق عودته يُعرّج على حاضرة الإسلام في المنطقة وهي مدينة القيروان (في تونس الآن)، فيكلم علماءها المشهورين بالعلم علّ واحدا منهم أن يأتي معه فيُعلّم قبيلته الإسلام.

وبالفعل ذهب إلى الحج وفي طريق عودته ذهب إلى القيروان، وقابل هناك أبا عمران الفاسي، وهو شيخ المالكية في مدينة القيروان (كان المذهب المالكي هو المنتشر في كل بلاد الشمال الإفريقي وإلى عصرنا الحاضر، كما كان هو المذهب السائد في بلاد الأندلس)، فحكى له قصته وسأله عن الدواء، فما كان من أبي عمران الفاسي إلا أن أرسل معه شيخا جليلا يعلّم الناس أمور دينهم.

كان الشيخ عبد الله بن ياسين من شيوخ المالكية الكبار، له طلاب علم كثيرون في أرض المغرب والجزائر وتونس، كانوا يأتون إليه ويستمعوه منه، وكان يعيش في حاضرة من حواضر الإسلام على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وها هو الذي قبِل القيام بهذه المهمة الكبيرة، وفضّل أن يُغوّر في الصحراء ويترك كل ما هو فيه ليعلم الناس الإسلام، ويقوم بمهمة الرسل، وهي الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

عبد الله بن ياسين ومهمة الأنبياء

اتجه الشيخ عبد الله بن ياسين صوب الصحراء الكبرى، مخترقا جنوب الجزائر وشمال موريتانيا حتى وصل إلى الجنوب منها، حيث قبيلة جدالة، وحيث الأرض المجدبة والحر الشديد، وفي أناة شديدة، وبعد ما هاله أمر الناس في ارتكاب المنكرات أمام بعضهم البعض ولا ينكر عليهم منكر، بدأ يعلم الناس، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر.

ولكن - وللأسف - فقد ثار عليه أصحاب المصالح والشعب وجميع الفصائل، فالكل يريد أن يعيش شهواته وملذاته ودون قيد أو حجْر، وأصحاب المصالح هم أكبر مستفيد مما يحدث، فبدأ الناس يجادلونه ويصدونه عما يفعل، ولم يستطع يحيى بن إبراهيم الجدالي زعيم القبيلة أن يحميه، وذلك لأن الشعب كان لا يعرف الفضيلة، وفي ذات الوقت كان رافضا للتغيير، ولو كان أصر يحيى بن إبراهيم الجدالي على موقفه هذا لخلعه الشعب ولخلعته القبيلة.

لم يقنط الشيخ عبد الله بن ياسين، وحاول المرة تلو المرة، فبدأ الناس يهددونه بالضرب، وحين استمر على موقفه من تعليمهم الخير وهدايتهم إلى طريق رب العالمين، قاموا بضربه ثم هددوه بالطرد من البلاد أو القتل.

لم يزدد موقفه إلا صلابة، ومرت الأيام وهو يدعو ويدعو حتى قاموا بالفعل بطرده من البلاد، ولسان حالهم: دعك عنا، اتركنا وشأننا، ارجع إلى قومك فعلمهم بدلا منا، دع هذه البلاد تعيش كما تعيش فليس هذا من شأنك، وكأنا نراه رأي العين وهو يقف خارج القبيلة، تنحدر دموعه على خده، ويقول بحسرة تقطع قلبه: [يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُون] {يس:26}.

يريد أن يغيّر ولا يستطيع، أنفس تتفلت منه إلى طريق الغواية والحيدة عن النهج القويم ولا سبيل إلى تقويمها، حزّ في نفسه أن يولد الناس في هذه البلاد فلا يجدون من يعلمهم ويرشدهم، فأراد أن يبقى ولكن كيف يبقى؟ أيدخل جدالة من جديد؟ لكنه سيموت، ولو كان الموت مصلحا فأهلا بالموت، لكن هيهات ثم هيهات.

عبد الله بن ياسين ونواة دولة المرابطين

جلس رحمه الله يفكر ويفكر ثم هداه ربه سبحانه وتعالى، فما كان منه إلا أن تعمّق في الصحراء ناحية الجنوب، وبعيدا عن الحواضر والمدنية، حتى وصل إلى شمال السنغال (لا نعرف عن السنغال سوى فريقها القومي، رغم كونها بلدا إسلاميا كبيرا، حيث أكثر من تسعين بالمائة من سكانه من المسلمين).

وهناك وفي شمال السنغال وعلى مصب نهر من الأنهار في غابات أفريقيا يصنع خيمة بسيطة له ويجلس فيها وحده، ثم يبعث برسالة إلى أهل جدالة في جنوب موريتانيا، تلك التي أخرجه أهلها منها يخبرهم فيها بمكانه، فمن يريد أن يتعلم العلم فليأتني في هذا المكان.

كان من الطبيعي أن يكون في جدالة بعض الناس خاصة من الشباب الذين تحركت قلوبهم للفطرة السوية ولهذا الدين، لكن أصحاب المصالح ومراكز القوى في البلاد كانوا يمنعونهم من ذلك، فحين علموا أنهم سيكونون بعيدين عن قومهم، ومن ثم يكونون في مأمن مع شيخهم في أدغال السنغال، تاقت قلوبهم إلى لقياه، فنزلوا من جنوب موريتانيا إلى شمال السنغال، وجلسوا مع الشيخ عبد الله بن ياسين ولم يتجاوز عددهم في بادئ الأمر الخمسة نفر واحدا بعد الآخر.

وفي خيمته وبصبر شديد أخذ الشيخ عبد الله بن ياسين يعلمهم الإسلام كما أنزله الله سبحانه وتعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وكيف أن الإسلام نظام شامل متكامل ينتظم كل أمور الحياة، وبدأ يعلمهم العقيدة الصحيحة، والجهاد في سبيل الله، وكيف يركبون الخيل ويحملون السيوف، وكيف يعتمدون على أنفسهم في مطعمهم ومشربهم، وكيف ينزلون إلى الغابات فيصطادون الصيد ويأتون به إلى الخيمة يطبخونه ويأكلونه ولا يستجدون طعامهم ممن حولهم من الناس.

ذاق الرجال معه حلاوة الدين، ثم شعروا أن من واجبهم أن يأتوا بمعارفهم وأقربائهم وذويهم، لينهلوا من هذا المعين، ويتذوقوا حلاوة ما تذوقوه، فذهبوا إلى جدالة - وكانوا خمسة رجال - وقد رجع كل منهم برجل فأصبحوا عشرة، ثم زادوا إلى عشرين، وحين ضاقت عليهم الخيمة أقاموا خيمة ثانية فثالثة فرابعة، وبدأ العدد في ازدياد مستمر.

هذا ولم يمل الشيخ عبد الله بن ياسين تعليمهم الإسلام من كل جوانبه، وكان يكثر من تعليمهم أنه إذا ما تعارض شيء مع القرآن أو السنة فلا ينظر إليه، وأنه لا بد من المحافظة على هذه الأصول كي تبني ما تريد وتصل إلى ما تبغي.

بداية المرابطين، وبداية الرسول صلى الله عليه وسلم

مع كثرة الخيام وازدياد العدد إلى الخمسين فالمائة فالمائة وخمسين فالمائتين، أصبح من الصعب على الشيخ توصيل علمه إلى الجميع، فقسمهم إلى مجموعات صغيرة، على كل منها واحد من النابغين، وهو نفس منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم بداية من دار الأرقم بن أبي الأرقم، وحين كان يجلس صلى الله عليه وسلم مع صحابته في مكة يعلمهم الإسلام، ومرورا ببيعة العقبة الثانية حين قسم الاثنين والسبعين رجلا من أهل المدينة المنورة إلى اثني عشر قسما، وجعل على كل قسم (خمسة نفر) منهم قيبا عليهم، ثم أرسلهم مرة أخرى إلى المدينة المنورة حتى قامت للمسلمين دولتهم.

وهكذا أيضا كان منهج الشيخ عبد الله بن ياسين، حتى بلغ العدد في سنة أربع وأربعين وأربعمائة من الهجرة، بعد أربعة أعوام فقط من بداية دعوته ونزوحه إلى شمال السنغال إلى ألف نفس مسلمة [نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ] {الصَّف:13}.

فبعد أن طرد الرجل وأوذي في الله وضرب وهدد بالقتل، إذا به ينزل بمفرده إلى أعماق الصحراء حتى شمال السنغال وحيدا طريدا شريدا، ثم في زمن لم يتعدى الأربع سنوات يتخرج من تحت يديه ألف رجل على أفضل ما يكون من التبعية والتعليم.

وفي قبائل صنهاجة المفرقة والمشتتة توزع هؤلاء الألف الذين كانوا كما ينبغي أن يكون الرجال، فأخذوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، يعلمون الناس الخير ويعرفونهم أمور دينهم، فبدأت جماعتهم تزداد شيئا فشيئا، وبدأ الرقم يتخطى حاجز الألف إلى مائتان وألف ثم إلى ثلاثمائة وألف، يزداد التقدم ببطء لكنه تقدم ملموس جدا.

معنى المرابطون

أصل كلمة الرباط هي ما تربط به الخيل، ثم قيل لكل أهل ثغر يدفع عمن خلفه رباط، فكان الرباط هو ملازمة الجهاد، وهو في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا.

ولأن المرابطين أو المجاهدين كانوا يتخذون خياما على الثغور يحمون فيها ثغور المسلمين، ويجاهدون في سبيل الله، فقد تَسمى الشيخ عبد الله بن ياسين ومن معه ممن كانوا يرابطون في خيام على نهر السنغال بجماعة المرابطين، وعُرفوا في التاريخ بهذا الاسم.

يحيى بن عمر اللمتوني والمرابطون

وفي سنة خمس وأربعين وأربعمائة من الهجرة يحدث ما هو متوقع وليس بغريب عن سنن الله سبحانه وتعالى فكما عهدنا أن من سنن الله سبحانه وتعالى أن يتقدم المسلمون ببطء في سلم الارتفاع والعلو، ثم يفتح الله عليهم بشيء لم يكن هم أنفسهم يتوقعونه، وكما حدث للمسلمين - كما ذكرنا - في عهد عبد الرحمن الناصر من دخول سرقسطة وموت عمر بن حفصون، أيضا في هذه البلاد تحدث انفراجة كبيرة، ويقتنع بفكرة الشيخ عبد الله بن ياسين وجماعته من شباب قبيلة جدالة يحيى بن عمر اللمتوني زعيم ثاني أكبر قبيلتين من قبائل صنهاجة - القبيلة الأولى هي جدالة كما ذكرنا - وهي قبيلة لمتونة.

فدخل في جماعة المرابطين، وعلى الفور وكما فعل سعد بن معاذ رضي الله عنه حين دخل الإسلام وذهب إلى قومه وكان سيدا عليهم وقال لهم: إن كلام رجالكم ونسائكم وأطفالكم عليّ حرام، حتى تشهدوا أنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قام يحيى بن عمر اللمتوني وفعل الأمر نفسه، وذهب إلى قومه وأتى بهم ودخلوا مع الشيخ عبد الله بن ياسين في جماعته، وأصبح الثلاثمائة وألف سبعة آلاف في يوم وليلة، مسلمون كما ينبغي أن يكون الإسلام.

وفي مثال لحسن الختام وبعد قليل من دخول قبيلة لمتونة في جماعة المرابطين يموت زعيمهم الذي دلهم على طريق الهداية الشيخ يحيى بن عمر اللمتوني، ثم يتولى من بعده زعامة لمتونة الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني.

دخل الشيخ أبو بكر بن عمر المتوني بحماسة شديدة مع الشيخ عبد الله بن ياسين، وبدأ أمرهم يقوى وأعدادهم تزداد، وبدأ المرابطون يصلون إلى أماكن أوسع حول المنطقة التي كانوا فيها في شمال السنغال، فبدءوا يتوسعون حتى وصلت حدودهم من شمال السنغال إلى جنوب موريتانيا، وأدخلوا معهم جدالة، فأصبحت جدالة ولمتونة وهما القبيلتان الموجودتان في شمال السنغال وجنوب موريتانيا جماعة واحدة تمثل جماعة المرابطين.

أما الشيخ عبد الله بن ياسين ففي إحدى جولاته وهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في إحدى القبائل، حاربوه وقاتلوه حتى استشهد رحمه الله سنة إحدى وخمسين وأربعمائة من الهجرة، وبعد أحد عشر عاما من الدعوة، خلّف على إثرها اثنا عشر ألف رجل على منهج صحيح في فهم الاسلام.

أبو بكر بن عمر اللمتوني وزعامة دولة المرابطين

بعد الشيخ عبد الله بن ياسين يتولى الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني زعامة جماعة المرابطين، وفي خلال سنتين من زعامته لهذه الجماعة الناشئة يكون قد ظهر في التاريخ ما يعرف بدويلة المرابطين، وأرضها آنذاك شمال السنغال وجنوب موريتانيا، وهي بعد لا تكاد تُرى على خريطة العالم.

وبعد سنتين من تولي الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني زعامة المرابطين، وفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة من الهجرة يسمع بخلاف قد نشب بين المسلمين في جنوب السنغال في منطقة بعيدة تماما عن دويلة المرابطين، وبعلمه أن الخلاف شر وأنه لو استشرى بين الناس فلن يكون هناك مجال للدعوة، فينزل بعجالة ليحل هذا الخلاف رغم أن الناس ليسوا في جماعته وليسوا من قبيلته، لكنه وبحكمة شديدة يعلم أنه الحق ولا بد له من قوة تحميه.

وفي السنة المذكورة كان قد وصل تعداد المرابطين قرابة الأربعة عشر ألفا، فأخذ نصفهم وجاب أعماق السنغال في جنوبها ليحل الخلاف بين المتصارعين هناك، تاركا زعامة المرابطين لابن عمه يوسف بن تاشفين رحمه الله.

يستطيع أبو بكر بن عمر اللمتوني أن يحل الخلاف الذي حدث في جنوب السنغال، لكنه يفاجأ بشيء عجيب، فقد وجد في جنوب السنغال وبجانب هذه القبائل المتصارعة قبائل أخرى وثنية لا تعبد الله بالكلية، وجد قبائل تعبد الأشجار والأصنام وغير ذلك، وجد قبائل لم يصل إليها الإسلام بالمرة.

حزّ ذلك في نفسه رحمه الله حيث كان قد تعلم من الشيخ عبد الله بن ياسين أن يحمل همّ الدعوة إلى الله، وأن يحمل همّ هداية الناس أجمعين حتى إن لم يكونوا مسلمين، وأن يسعى إلى التغيير والإصلاح بنفسه، فأقبل الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني بالسبعة آلاف الذين معه يعلمونهم الإسلام ويعرفونهم دين الله، فأخذوا يتعلمون ويتعجبون: كيف لم نسمع بهذا الدين من قبل! كيف كنا بعيدين عن هذا الدين الشامل المتكامل! حيث كانوا يعيشون في أدغال أفريقيا ويفعلون أشياء عجيبة، ويعبدون أصناما غريبة، ولا يعرفون لهم ربا ولا إلها.

وبصبر شديد ظل أبو بكر بن عمر اللمتوني يدعوهم إلى الإسلام، فدخل منهم جمع كثير وقاومه جمع آخر؛ ذلك لأن أهل الباطل لا بد وأن يحافظوا على مصالحهم، حيث هم مستفيدون من وجود هذه الأصنام، ومن ثم فلا بد وأن يقاوموه، فصارعهم أيضا والتقى معهم في حروب طويلة.

ظل الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني يتوسع في دعوته ويتنقل من قبيلة إلى قبيلة، ثم في سنة ثمان وستين وأربعمائة من الهجرة، وبعد خمس عشرة سنة كاملة من تركه جنوب موريتانيا وهو زعيم على دويلة المرابطين، يعود رحمه الله بعد مهمة شاقة في سبيل الله عز وجل يدعو إلى الله على بصيرة، فيُدخل في دين الله ما يُدخل، ويحارب من صد الناس عن دين الله سبحانه وتعالى حتى يرده إلى الدين أو يصده عن صده.

يوسف بن تاشفين ومهام صعبة

منذ أن ترك الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني دويلة المرابطين في جنوب موريتانيا وشمال السنغال في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة من الهجرة والشيخ يوسف بن تاشفين ينتظر وصوله، مر يوم ويومان وشهر وشهران ولم يرجع، وحين علم أنه قد توغل في أفريقيا ما كان منه رحمه الله إلا أن بدأ ينظر في الشمال باحثا عمن ابتعد عن دين الله فيعلمه ويرده إليه.

نظر يوسف بن تاشفين في شمال موريتانيا (المنطقة التي تعلوه) وفي جنوب المغرب العربي فرأى من حال البربر الذين يعيشون في هذه المنطقة وبالتحديد في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة من الهجرة رأى أمورا عجبا، هذه بعض منها:

أولا: قبيلة غمارة:

هي من قبائل البربر وقد وجد فيها رجلا يُدعى حاييم بن منّ الله يدّعي النبوة وهو من المسلمين، والغريب أنه لم ينكر نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بل قال إنه نبي على دين الإسلام، ثم أخذ يُشرّع للناس شرعا جديدا وهم يتبعونه في ذلك ويظنون أن هذا هو الإسلام.

فرض حاييم بن منّ الله على قبيلته صلاتين فقط في اليوم والليلة، إحداها في الشروق والأخرى في الغروب، وبدأ يؤلف لهم قرآنا بالبربرية، ووضع عنهم الوضوء، ووضع عنهم الطُّهر من الجنابة، كما وضع عنهم فريضة الحج، وحرّم عليهم أكل بيض الطيور وأحلّ لهم أكل أنثى الخنزير، وأيضا حرّم أكل السمك حتى يُذبح.

وإنه لخلط وسفه بيّنٌ خاصة حين يدّعي أنّه من المسلمين، كما أنه من العجب أن يتبعه الناس على هذا الأمر ويعتقدون أن هذا هو الاسلام.

قبيلة برغواطة:

هي قبيلة أخرى من قبائل البربر في تلك المنطقة، على رأسها كان رجل يُدعى صالح بن طريف بن شمعون، ذلك الذي لم يكن بصالح ادّعى أيضا النبوة، وفرض على الناس خمس صلوات في الصباح وخمس في المساء، وفرض عليهم نفس وضوء المسلمين بالإضافة إلى غسل السُّرّة وغسل الخاصرتين، كما فرض عليهم الزواج من غير المسلمات فقط، وجوّز لهم الزواج بأكثر من أربعة، وأيضا فرض عليهم تربية الشعر للرجال في ضفائر وإلا أثموا، ومع كل هذا فقد كان يدّعي أنه من المسلمين.

قبيلة زناتة:

كانت قبيلة زناته من القبائل السنيّة في المنطقة، وكانت تعرف الإسلام جيدا، لكنها لم تكن تعرف منه غير جانب العبادات وأمور العقيدة، فقد كانوا يصلون كما ينبغي أن تكون الصلاة، ويزكون كما يجب أن تكون الزكاة، لكنهم كانوا يسلبون وينهبون مَن حولهم، والقوي فيهم يأكل الضعيف، فَصَلُوا الدين تماما عن أمور الدنيا وسياسة الحياة العامة، فلم يكن الدين عندهم إلا صلاة وصيام وحج، وفي غير ذلك من المعاملات افعل ما بدا لك ولا حرج.

كان من هذا القبيل الكثير والكثير الذي يكاد يكون قد مرق من الدين بالكلية، وقد كانت هناك قبيلة أخرى تعبد الكبش وتتقرب به إلى رب العالمين، وبالتحديد في جنوب المغرب، تلك البلاد التي فتحها عقبة بن نافع ثم موسى بن نصير رضي الله عنهما.

يوسف بن تاشفين وصناعة النصر والحضارة

شق ذلك الوضع كثيرا على يوسف بن تاشفين رحمه الله فأخذ جيشه وانطلق إلى الشمال ليدعو الناس إلى الإسلام، دخل معه بعضهم لكن الغالب قاومه وحاربه، فحاربه حاييم بن منّ الله، وحاربه صالح بن طريف، وحاربته كل القبائل الأخرى في المنطقة، حتى حاربته قبيلة زناتة السنية، فحاربهم بالسبعة آلاف رجل الذين تركهم معه أبو بكر بن عمر اللمتوني رحمه الله، ثم بمرور الأيام بدأ الناس يتعلمون منه الإسلام ويدخلون في جماعته المجاهدة.

وبعد رجوع الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني في سنة ثمان وستين وأربعمائة من الهجرة، وبعد خمس عشرة سنة من الدعوة - كما ذكرت - في جنوب السنغال وأدغال أفريقيا، يرى يوسف بن تاشفين رحمه الله الذي كان قد تركه فقط على شمال السنغال وجنوب موريتانيا في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة من الهجرة يراه أميرا على: السنغال بكاملها، موريتانيا بكاملها، المغرب بكاملها، الجزائر بكاملها، تونس بكاملها، وعلى جيش يتخطى حاجز السبعة آلاف ليصل إلى مائة ألف فارس غير الرجالة، يرفعون راية واحدة ويحملون اسم المرابطون.

وجد أبو بكر بن عمر اللمتوني كذلك أن هناك مدينة قد أُسست على التقوى لم تكن على الأرض مطلقا قبل أن يغادر، وتلك هي مدينة مراكش، والتي أسسها الأمير يوسف بن تاشفين، وكان أول بناء له فيها هو المسجد الذي بناه بالطين والطوب اللبن، تماما كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يحمل بنفسه الطين مع الناس تشبها أيضا به صلى الله عليه وسلم وهو الأمير على مائة ألف فارس.

وكذلك وجد الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني رجلا قد أسس حضارة لم تُعرف في المنطقة منذ سنوات وسنوات، ثم هو بعد ذلك يراه زاهدا متقشفا ورعا تقيا، عالما بدينه طائعا لربه، فقام الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني بعمل لم يحدث إلا في تاريخ المسلمين فقط، حيث قال ليوسف بن تاشفين: أنت أحق بالحكم مني، أنت الأمير، فإذا كنت قد استخلفتك لأجل حتى أعود فإنك تستحق الآن أن تكون أميرا على هذه البلاد، أنت تستطيع أن تجمع الناس، وتستطيع أن تملك البلاد وتنشر الإسلام أكثر من ذلك، أما أنا فقد ذقت حلاوة دخول الناس في الإسلام، فسأعود مرة أخرى إلى أدغال أفريقيا أدعو إلى الله هناك.

أبو بكر بن عمر اللمتوني رجل الجهاد والدعوة

نزل الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني رحمه الله مرة أخرى إلى أدغال أفريقيا يدعو من جديد، فأدخل الإسلام في غينيا بيساو جنوب السنغال، وفي سيراليون، وفي ساحل العاج، وفي مالي، وفي بوركينا فاسو، وفي النيجر، وفي غانا، وفي داهومي، وفي توجو، وفي نيجريا وكان هذا هو الدخول الثاني للإسلام في نيجريا؛ حيث دخلها قبل ذلك بقرون، وفي الكاميرون، وفي أفريقيا الوسطى، وفي الجابون.

فكان أكثر من خمس عشرة دولة أفريقية قد دخلها الإسلام على يد هذا المجاهد البطل الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني رحمه الله هذا الرجل الذي كان إذا دعا إلى الجهاد في سبيل الله - كما يذكر ابن كثير في البداية والنهاية - كان يقوم له خمسمائة ألف مقاتل، خمسمائة ألف مقاتل غير من لا يقومون من النساء والأطفال، وغير بقية الشعوب في هذه البلاد من أعداد لا تحصى قد اهتدت على يديه.

فلا شك أنه كلما صلى رجل صلاة في النيجر أو في مالي أو في نيجريا أو في غانا، كلما صلى رجل صلاة هناك، وكلما فعل أحد منهم من الخير شيئا إلا أُضيفت إلى حسنات الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني ومن معه رحمهم الله.

وها هو رحمه الله وبعد حياة طويلة متجردة له سبحانه وتعالى يستشهد في إحدى فتوحاته في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة من الهجرة، وما رأى عزًّا وما رأى ملكا، وكان يغزو في كل عام مرتين، يفتح البلاد ويعلم الناس الإسلام، لتصبح دولة المرابطين قبل استشهاده رحمه الله ومنذ سنة ثمان وسبعين وأربعمائة من الهجرة تتربع على خريطة العالم من تونس في الشمال إلى الجابون في وسط أفريقيا، وهي تملك أكثر من ثلث مساحة أفريقيا.

لذلك فحين قرأ ألفونسو السادس رد رسالة المعتمد على الله بن عباد أمير أشبيلية المحاصرة من قِبل الأول: لأروحنّ لك بمروحة من المرابطين، علم أنه سيواجه ثلث أفريقيا، وعلم أنه سيقابل أقواما عاشوا على الجهاد سنوات وسنوات، فقام من توه بفك الحصار ثم الرحيل.

دولة المرابطين ويوسف بن تاشفين أمير المسلمين وناصر

كان بداية حديثنا عن تاريخ المرابطين هو سنة أربعين وأربعمائة من الهجرة، وكانت البداية برجل واحد فقط هو الشيخ عبد الله بن ياسين، ثم بعد صبر وتربية متأنية في الدعوة إلى الله على النهج الصحيح القويم يصل عدد المرابطين وانتشارهم إلى هذا الشكل الذي أشرنا إليه، والذي يمثل الآن أكثر من عشرين دولة أفريقية.

فقط كان ذلك بعد ثمان وثلاثين سنة، وتحديدا في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة من الهجرة، ويصبح يوسف بن تاشفين رحمه الله زعيم هذه الدولة العظيمة، ويسمي نفسه: أمير المسلمين وناصر الدين، وحين سُئل لماذا لا تتسمى بأمير المؤمنين؟ أجاب: هذا شرف لا أدعيه، هذا شرف يخص العباسيين وأنا رجلهم في هذا المكان.

كان العباسيون في هذه الفترة لا يملكون سوى بغداد فقط، وكان يوسف بن تاشفين يريد أن يكون المسلمون تحت راية واحدة، فلم يرد رحمه الله أن يشق عصا الخلافة، ولا أن ينقلب على خليفة المسلمين، وكان يتمنى أن لو استطاع أن يضم قوته إلى قوة الخليفة العباسي هناك، ويصبح هو رجلا من رجاله في هذه البلاد فقال مجمّعا مؤمّلا: وأنا رجلهم في هذا المكان.

يوسف بن تاشفين ووفد الأندلس

في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة من الهجرة وفي مراكش يستقبل يوسف بن تاشفين الوفد الذي جاء من قِبل بعض ملوك الطوائف - كما ذكرنا - يطلبون العون والمساعدة في وقف وصد هجمات النصارى عليهم، وإذا به رحمه الله يتشوّق لمثل ما يطلبون، حيث الجهاد في سبيل الله ومحاربة النصارى، فيالها من نعمة، ويالها من منّة.

ما كان منه رحمه الله إلا أن انطلق معهم وبنحو سبعة آلاف فقط من المجاهدين، رغم أن قوته في الشمال الأفريقي مائة ألف مقاتل، وكان لديه في الجنوب خمسمائة ألف، وقد كان هذا ملمح ذكاء منه؛ إذ لم يكن رحمه الله وهو القائد المحنك ليخرج ويلقي بكل قواته في الأندلس، ويتحرك هكذا بمثل هذه العشوائية، ويترك كل هذه المساحات الكبيرة في شمال وجنوب أفريقيا بلا حراسة ولا حماية، ومن ثم فقد رأى أن يظل جيش رابض في تونس وآخر في الجزائر ومثله في المغرب وهكذا في كل البلاد الإفريقيه التي فتحت.

أعد العدة رحمه الله وجهز السفن، وهو يعبر مضيق جبل طارق، وفي وسطه يهيج البحر وترتفع الأمواج وتكاد السفن أن تغرق، وكما كان قائدا يقف هنا قدوة وإماما، خاشعا ذليلا، يرفع يديه إلى السماء ويقول:

اللهم إن كنت تعلم أن في عبورنا هذا البحر خيرا لنا وللمسلمين فسهّل علينا عبوره، وإن كنت تعلم غير ذلك فصعبه علينا حتى لا نعبره، فتسكن الريح، ويعبر الجيش، وعند أول وصول له، والوفود تنتظره ليستقبلونه استقبال الفاتحين، يسجد لله شكرا أن مكنّه من العبور، وأن اختاره ليكون جنديا من جنوده سبحانه وتعالى ومجاهدا في سبيله.

يوسف بن تاشفين وقدوة كانت قد افتقدت وغُيّبت

يدخل يوسف بن تاشفين أرض الأندلس، ويدخل إلى أشبيلية والناس يستقبلونه استقبال الفاتحين، ثم يعبر في اتجاه الشمال إلى ناحية مملكة قشتالة النصرانية، تلك التي أرعبت كل أمراء المؤمنين الموجودين في بلاد الأندلس في ذلك الوقت، يتجه إليها في عزة نفس ورباطة جأش منقطعة النظير بسبعة آلاف فقط من الرجال.

كان الأندلسيون ومنذ أكثر من سبعين سنة، في ذل وهوان وخنوع يدفعون الجزية للنصارى، وحينما شاهدوا هؤلاء الرجال الذين ما ألفوا الذل يوما، وما عرفوا غير الرباط في سبيل الله، حينما شاهدوهم يعبرون القفار ويتخطون البحار حاملين أرواحهم على أكفهم من أجل عز الإسلام وإعلاء كلمة الله ورفعة المسلمين، حينما شاهدوهم على هذه الحال تبدلوا كثيرا، وتاقت نفوسهم إلى مثل أفعالهم، فأقبلوا على الجهاد، وأذّنوا بحي على خير العمل.

وبدأ يلحق بركب يوسف بن تاشفين الرجل من قرطبة والرجل من أشبيلية، وآخر من بطليوس، وهكذا حتى وصل الجيش إلى الزلاّقة في شمال البلاد الإسلامية على حدود قشتالة، وكان عددهم يربو على الثلاثين ألف رجل.

ولا نعجب فهذه هي مهام القدوة وماهيتها وفعلها في المسلمين وصورتها كما يجب أن تكون، تحركت مكامن الفطرة الطيبة، وعواطف الأخوة الصادقة، والغيرة على الدين الخاتم، تلك الأمور التي توجد لدى عموم المسلمين بلا استثناء، وتحتاج فقط إلى من يحركها ويفيقها من سباتها.

بين جيش المسلمين وجيش النصارى

تحرك الثلاثون ألف رجل بقيادة يوسف بن تاشفين ليصلوا إلى الزلاّقة، وهو ذلك المكان الذي دارت فيه موقعة هي من أشهر المواقع الإسلاميه في التاريخ، وذلك المكان الذي لم يكن يُعرف بهذا الاسم قبل ذلك، لكنه اشتهر به بعد الموقعة، وسنعرف قريبا ودون قصد لماذا سُميت بالزّلاقة.

في الوقت الذي يصل فيه يوسف بن تاشفين وجيشه إلى الزلاقة يصله نبأ مفزع من بلاده بالمغرب، إنه يحمل مصيبة قد حلت به وبداره، فابنه الأكبر قد مات، لكنه ورغم ذلك فلم تفت هذه المصيبة في عضده، ولم يفكر لحظة في الرجوع، ولم يرض أن يرسل قائدا من قواده ويرجع هو، بل ذهب وهو الأمير على ثلث أفريقيا وأخذ معه أكبر قوّاد المرابطين وهو داود بن عائشة، وأرسل وزيره ليحكم البلاد في غيابه هناك.

كان النصارى قد استعدوا لقدوم يوسف بن تاشفين بستين ألفا من المقاتلين، على رأسهم ألفونسو السادس بعد أن جاءه العون من فرنسا وإيطاليا وإنجلترا وألمانيا، وبعد أن أخذ وعودا من البابا وصكوكا بالغفران لكل من شارك في حرب المسلمين هذه.

قدم ألفونسو السادس يحمل الصلبان وصور المسيح وهو يقول: بهذا الجيش أقاتل الجن والإنس وأقاتل ملائكة السماء وأقاتل محمدا وصحبه، فهو يعرف تماما أنها حرب صليبية ضد الإسلام.

الرسائل والحرب الإعلامية

وكعادة الجيوش في ذلك الوقت في تبادل الرسائل، أرسل يوسف بن تاشفين برسالة إلى ألفونسو السادس يقول له فيها: بلغنا أنك دعوت أن يكون لك سفنا تعبر بها إلينا، فقد عبرنا إليك، وستعلم عاقبة دعائك، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال، وإني أعرض عليك الإسلام، أو الجزية عن يد وأنت صاغر، أو الحرب، ولا أؤجلك إلا لثلاث.

تسلم ألفونسو السادس الرسالة وما إن قرأها حتى اشتاط غضبا، إذ كيف يدفع الجزية وقد أخذها هو من المسلمين، ومن قبله آباؤه وأجداده؟! فأرسل ليوسف بن تاشفين متوعدا ومهددا: فإني اخترت الحرب، فما ردك على ذلك؟ وعلى الفور أخذ يوسف بن تاشفين الرسالة، وقلبها وكتب على ظهرها: الجواب ما تراه بعينك لا ما تسمعه بأذنك، والسلام على من اتبع الهدى.

وفي محاولة ماكرة لخديعة المسلمين أرسل ألفونسو السادس يحدد يوم المعركة، وكان يوم ذاك هو الخميس، فأرسل أن غدا الجمعة، وهو عيد من أعياد المسلمين ونحن لا نقاتل في أعياد المسلمين، وأن السبت عيد اليهود وفي جيشنا كثير منهم، وأما الأحد فهو عيدنا، فلنؤجل القتال حتى يوم الإثنين.

استلم يوسف بن تاشفين الرسالة، وبوعي تام وبقيادة تعلم خبايا الحروب وفنون مقدماتها لم يُرِي جيشه هذه الرسالة، إذ إنه يعلم أن هذا الرجل مخادع، كيف وهم يكذبون على الله فيكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله، وكيف والله قال فيهم: [أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ] {البقرة:100}

تجهيز الجيش ورؤيا ابن رميلة

بحذر تام لم يلتفت يوسف بن تاشفين إلى ما جاء في رسالة ألفونسو السادس، وقام بتعبئة الجيش وتجهيزه يوم الخميس هذا، ووضعه على أتم الاستعداد، وفي ليلة الجمعة كان ينام مع الجيش شيخ كبير من شيوخ المالكية في قرطبة، وهو ابن رميلة، إذ لم تكن مهمة الشيخ يوما ما مجرد الجلوس في المسجد أو إلقاء الدروس أو تعليم القرآن فقط، فقد كان هذا الشيخ يفقه أمور دينه ويعلم أن هذا الجهاد هو ذروة سنام هذا الدين.

في هذه الليلة يرى ابن رميلة هذا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول له: يا ابن رميلة، إنكم منصورون، وإنك ملاقينا.

يستيقظ ابن رميلة من نومه وهو الذي يعلم أن رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام حق؛ لأن الشيطان لا يتمثل به، فيقوم فرحا مسرورا، لا يستطيع أن يملك نفسه، بشّره رسول الله، وسيموت في سبيل الله، الحسنيين أمام عينيه، نصر للمؤمنين وشهادة تناله، فيالها من فرحة، وياله من أجر.

وعلى الفور يذهب ابن رميلة رحمه الله في جنح الليل فيوقظ يوسف بن تاشفين، ويوقظ المعتمد على الله بن عبّاد الذي كان يقود وحدة كبيرة من قوات الأندلس، ويوقظ المتوكل بن الأفطس وعبد الله بن بلقين، ويوقظ كل قوّاد الجيش، وأخذ يقص عليهم رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هزت تلك الرؤيا يوسف بن تاشفين وكل قواد الجيش، وقاموا من شدة فرحهم وفي منتصف الليل وأيقظوا الجيش كله على صوت: رأى ابن رميلة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: إنكم لمنصورون وإنك ملاقينا.

وفي لحظة لم يتذوقوها منذ سنوات وسنوات في أرض الأندلس، يعيش الجيش كله أفضل لحظات السعادة، وتتوق النفوس إلى الشهادة، ويأمر يوسف بن تاشفين بقراءة سورة الأنفال، ويأمر الخطباء بتحفيز الناس على الجهاد، ويمر هو بنفسه رحمه الله على الفصائل ينادي ويقول: طوبى لمن أحرز الشهادة، ومن بقي فله الأجر والغنيمة.

الجيش الإسلامي وخطة الإعداد والهجوم

بعد ترتيب الجيش وصلاة فجر يوم الجمعة الموافق الثاني عشر من شهر رجب لسنة تسع وسبعين وأربعمائة من الهجرة، لم تكن مفاجأة ليوسف بن تاشفين أن يخالف ألفونسو السادس طبيعته وينقض عهده ويبدأ بالهجوم في ذلك اليوم، إذ ذاك هو الأصل، والذي يجب أن نعلمه جميعا.

أما المفاجئة فأصابت ألفونسو السادس الذي وجد الجيش الإسلامي على أتم تعبئة وأفضل استعداد، وبخطة محكمة، كان يوسف بن تاشفين قد قسم الجيش إلى نصفين، نصف أمامي ونصف خلفي، أما النصف الأمامي فقد طلب المعتمد على الله بن عبّاد أن يكون على قيادته على من معه من الأندلسيين، يريد بذلك أن يكون بين المسلمين وبين النصارى، يريد أن يغسل عار السنين السالفة، يريد أن يمحو الذل الذي أذاقه إياه ألفونسو السادس، إنه يريد أن يتلقى الضربة الأولى من جيش النصارى.

في نصف عدد الجيش، وفي خمسة عشر ألف مقاتل يقف المعتمد على الله بن عبّاد في مقدمة الجيش ومن خلفه داود بن عائشة كبير قوّاد المرابطين، أما النصف الثاني أو الجيش الخلفي ففيه يوسف بن تاشفين رحمه الله يختفي خلف أحد التلال البعيدة تماما عن أرض المعركة، ويضم أيضا خمسة عشر ألف مقاتل، ويستبقي من الجيش الثاني أو الخلفي الذي فيه يوسف بن تاشفين أربعة آلاف مقاتل، فيبعدهم أكثر عن هذا الجيش الخلفي، وقد كان هؤلاء الأربعة آلاف من رجال السودان المهرة، يحملون السيوف الهندية والرماح الطويلة، وكانوا أعظم المحاربين في جيش المرابطين، فاستبقاهم يوسف بن تاشفين في مؤخرة الجيش.

أصبح جيش المسلمين مقسم إلى ثلاث فرق، الفرقة الأولى وهي المقدمة بقيادة المعتمد على الله وتضم خمسة عشر ألف مقاتل، والفرقة الثانية خلف الأولى وعلى رأسها يوسف بن تاشفين وتضم أحد عشر ألف مقاتل، وأخيرا ومن بعيد تأتي الفرقة الثالثة وتضم أربعة آلاف مقاتل هم من أمهر الرماة والمحاربين.

لم تكن خطة يوسف بن تاشفين رحمه الله جديدة في حروب المسلمين، فقد كانت هي نفس الخطة التي استعملها خالد بن الوليد رضي الله عنه في موقعة الولجة في فتوح فارس، وهي أيضا نفس الخطة التي استعملها النعمان بن مقرن رضي الله عنه في موقعة نهاوند في فتوح فارس أيضا، فكان رحمه الله رجلا يقرأ التاريخ ويعرف رجالاته ويعتبر بهم.

الزلاّقة ومعركة الوجود الإسلامي في الأندلس

لما كان يوم الجمعة الموافق الثاني عشر من شهر رجب لسنة تسع وسبعين وأربعمائة من الهجرة هجم ألفونسو السادس بستين ألفا نصرانيا على الجيش الأول للمسلمين المؤلف من خمسة عشر ألف فقط، وقد أراد يوسف بن تاشفين من وراء ذلك أن تحتدم الموقعة فتنهك قوى الطرفين حتى لا يستطيعان القتال، وكما يحدث في سباق الماراثون فيقوم هو ويتدخل بجيشه ليعدل الكفة لصالح صف المسلمين.

وأمام أمواج تتلوها أمواج وأسراب تتبعها أسراب، يصبر المسلمون أمام ستين ألفا من النصارى، حتى مات تحت المعتمد على الله بن عبّاد ثلاث خيول كان يقاتل عليها، حتى إنه كان لا يُرى من الدماء عليه.

وهناك وبعد عصر ذلك اليوم يشير يوسف بن تاشفين إلى من معه أن انزلوا وساعدوا إخوانكم، وذلك بعد أن كانت قد أُنهكت قوى الطرفين من المسلمين والنصارى، وبعد طول صبر ينزل يوسف بن تاشفين بالأحد عشر مقاتلا الذين كانوا معه وهم في كامل قوتهم، فيحاصرون الجيش النصراني.

قسّم يوسف بن تاشفين الجيش الذي كان معه إلى قسمين، فالأول يساعد مقدمة المسلمين، والثاني يلتف خلف جيش النصارى، وكان أول فعل له خلف جيش النصارى هو أن حرّق خيامهم، وذلك حتى يعلم النصارى أن يوسف بن تاشفين ومن معه من ورائهم وهم محيطون بهم، فقد كان يعلم رحمه الله أن مثل هؤلاء الناس ما يهمهم من الدنيا إلا أن يظلوا أحياء، وأن ينجوا بأنفسهم.

حين علم النصارى أن المسلمين من ورائهم وأنهم محاصرون بهم دبت الهزيمة في قلوبهم، وبدأ الخلل يتغلغل في صفوفهم، وبالفعل بدأ الانسحاب التدريجي التكتيكي الذي ينحو أقل خسارة ممكنة، وقد التف الناس حول ألفونسو السادس يحمونه، ثم حدثت خلخلة عظيمة في جيشهم.

وفي الضربة الأولى ليوسف بن تاشفين يُقتل من النصارى عشرة آلاف رجل، وفي وصف لهذا القائد في تلك المعركة يقول المؤرخون بأن يوسف بن تاشفين وهو الأمير على ثلث إفريقيا كان في هذه الموقعة يتعرض للموت ويتعرض للشهادة ولا يصيبها، يلقي بنفسه في المهالك، رحمه الله ورضي عنه وأمثاله.

تزداد شراسة الموقعة حتى قبيل المغرب، ثم ومن بعيد يشير يوسف بن تاشفين إلى الأربعة آلاف فارس أو الفرقة الثالثة والأخيرة، والتي كانت من رجال السودان المهرة، فيأتون فيعملون القتل في النصارى ويستأصلونهم.

وتنجلي الحقيقة المروعة عن قتل خمسين وخمسمائة وتسع وخمسين ألفا من النصارى من مجموع ستين ألفا منهم، ممن كانوا سيهزمون الإنس والجن والملائكة، في موقعة كانت تنزلق فيها أقتاب الخيول وأرجل الفرسان من كثرة الدماء في هذه الأرض الصخرية، حتى سُمّيت من بعدها بالزلاقة.

وكان قد بقي من النصارى أربعمائة وخمسون فارسا فقط، منهم ألفونسو السادس الذي نجا من الموت بساق واحدة، ثم انسحب في جنح الظلام بمن معه إلى طليطلة، وقد مات منهم في الطريق من أثر الجراح المثخنة ثلاثمائة وخمسون فارسا، وهناك دخل طليطلة بمائة فارس فقط.

فكانت الزلاقة وبلا أدنى مبالغة يرموكا أخرى وقادسية ثانية.

لا نريد منكم جزاء ولا شكورا

بعد هذه المعركة جمع المسلمون من الغنائم الكثير، لكن يوسف بن تاشفين وفي صورة عقمت الدنيا أن تلد مثلها يترك كل هذه الغنائم لأهل الأندلس، ويرجع في زهد عجيب وورع كبير إلى بلاد المغرب، لسان حاله:

[لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورً] {الإنسان:9} .

فيعود رحمه الله إلى بلاد المغرب ليس معه إلا وعودا منهم بالوحدة والتجمع ونبذ الفرقة، والتمسك بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد نصحهم باتباع سنة الجهاد في سبيل الله، وعاد يوسف بن تاشفين البطل الإسلامي المغوار وعمره آنذاك تسع وسبعون سنة.

كان من الممكن له رحمه الله أن يرسل قائدا من قواده إلى أرض الأندلس ويبقى هو في بلاد المغرب، بعيدا عن تخطي القفار وعبور البحار، وبعيدا عن ويلات الحروب وإهلاك النفوس، وبعيدا عن أرض غريبة وأناس أغرب، لكنه رحمه الله وهو الشيخ الكبير يتخطى تلك الصعاب ويركب فرسه ويحمل روحه بين يديه، لسان حاله: أذهب إلى أرض الجهاد علّي أموت في سبيل الله، شعاره هو:

إِذَا غَامَرْتَ فِي شَرَفٍ مَرُومٍ فَلَا تَقْنَعُ بِمَا دُونَ النُّجُومِ

فَطَعْمُ الْمَوْتِ فِي أَمْرٍ حَقِيرٍ كَطَعْمِ الْمَوْتِ فِي أَمْرٍ عَظِيمٍ

لكنه رحمه الله لم يمت هناك، فلا نامت أعين الجبناء.

صراعات ملوك الطوائف وعودة يوسف بن تاشفين من جديد

بعد عودة يوسف بن تاشفين إلى أرض المغرب، حدثت الصراعات بين أمراء المؤمنين الموجودين في بلاد الأندلس بسبب الغنائم وتقسيم البلاد المحررة.

وهنا ضج علماء الأندلس وذهبوا يستنجدون بيوسف بن تاشفين من جديد، لا لتخليصهم هذه المرة من النصارى، وإنما أنقذنا من أمرائنا.

يتورع يوسف بن تاشفين عن هذ الأمر، إذ كيف يهجم على بلاد المسلمين وكيف يحاربهم؟! فتأتيه رحمه الله الفتاوى من كل بلاد المسلمين تحمّله مسئولية ما يحدث في بلاد الأندلس إن هو تأخر عنها، وتحذره من ضياعها إلى الأبد، وتطلب منه أن يضمها إلى أملاك المسلمين تحت دولة واحدة وراية واحدة، هي دولة المرابطين.

فجاءته الفتوى بذلك من بلاد الشام من أبي حامد الغزالي صاحب "إحياء علوم الدين"، وقد كان معاصرا لهذه الأحداث، وجاءته الفتوى من أبي بكر الطرطوشي العالم المصري الكبير، وجاءته الفتوى من كل علماء المالكية في شمال أفريقيا.

لم يجد يوسف بن تاشفين إلا أن يستجيب لمطلبهم، فقام في سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة من الهجرة، وبعد مرور أربعة أعوام على موقعة الزلاقة، وجهز نفسه ودخل الأندلس.

يوسف بن تاشفين ودولة واحدة على المغرب والأندلس

لم يكن دخول يوسف بن تاشفين الأندلس أمرا سهلا، فقد حاربه أمراء المؤمنين هناك بما فيهم المعتمد على الله بن عبّاد، ذلك الرجل الذي لم يجد العزة إلا تحت راية يوسف بن تاشفين رحمه الله قبل وبعد الزلاقة، قام المعتمد على الله بمحاربته وأنّى له أن يحارب مثله.

استطاع يوسف بن تاشفين أن يضم كل بلاد الأندلس تحت لوائه، وأن يحرر سرقسطة، تلك التي كانت قد احتُلت بعد أن قسمها أميرها بين ولديه - كما ذكرنا - واستطاع أن يضمها إلى بلاد المسلمين، وقد أصبح أميرا على دولة تملك من شمال الأندلس وبالقرب من فرنسا وحتى وسط أفريقيا، دولة واحدة اسمها دولة المرابطين.

ظل هذا الشيخ الكبير يحكم حتى سنة خمسمائة من الهجرة، وكان قد بلغ من العمر أرذله، حتى توفي رحمه الله وقد وفّى تمام المائة، وقرابة سبع وأربعين سنة في الحكم، وكان تمام ستين سنة على ميلاد دولة المرابطين، تلك التي أصبحت من أقوى دول العالم في ذلك الزمان.

ذلكم هو الشيخ الكبير الذي كانت أموال الدنيا تحت يديه، حيث الأندلس تلك البلاد الغنية، لكنه رحمه الله يزهد في كل هذا، ولم يُفتن بالدنيا لحظة واحدة، وكان لباسه حتى مات الخشن من الصوف، وأكله الخبز من الشعير، وشربته لبن الإبل، فرحمة الله عليه.

Share this post


Link to post
Share on other sites

الفصل العاشر : بين المرابطين والموحدين

حروب اليوم وهل تتكرر انتصارات المسلمين؟ وقفة متأني

قبل أن نخوض في الأحداث التي تلت موقعة الزلاقة، وامتداد دولة المرابطين إلى الأندلس، كان هناك سؤال يفرضه الذهن الشارد على طول ما سبق من أحداث:

لا شك أن انتصارات المسلمين في السابق في مثل مواقع الزلاقة ووادي برباط، وأي من المواقع الإسلامية الأخرى في غير تاريخ الأندلس، لا شك أنه أمر يبعث العزة ويدعو إلى الفخر، لكن مثل هذه الانتصارات السابقة كانت حيث السيوف والرماح والخيول، ولقاء الجندي بالجندي، أما الآن وقد اختفت مثل هذه الأمور، بل واندثرت تماما، وتبدّل الوضع؛ فأصبحت الحرب غير الحرب، والطاقة غير الطاقة، حيث الحرب الإلكترونية، وحيث الطائرات والقنابل العنقودية، والصواريخ العابرة والموجهة، والأسلحة الكيماوية والنووية، وغير ذلك مما لم يكن على سابق ما مضى تماما،

فهل يستطع المسلمون أن يحققوا نصرا في مثل هذه الظروف وتلك المستجدات ورغم ما هم فيه من تخلف وانحطاط كانتصارات سابقيهم؟!

والحقيقة أن مبعث مثل هذا الخاطر وذاك السؤال هو عدم فهمٍ ووعي لعامليْن مهمين جدا كنا قد تحدثنا عنهما فيما مضى، وهما:

العامل الأول: أمة الاسلام أمة لا تموت

فقد اقتضت سنة الله في كونه كما ذكرنا أن تكون أمة الإسلام أمة لا تموت، وأنها أبدا في قيام، وأنه لا بد من القيام بعد السقوط كما كان السقوط بعد القيام، بصرف النظر عن مدى قوة وعظم الكافرين وضعف المسلمين، فالله سبحانه وتعالى يقول: [لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي البِلَادِ] {آل عمران:196}.

العامل الثاني: طبيعة المعركة بين الحق والباطل

فالحرب بين المسلمين وغيرهم ليست متمثلة في شكل دول أو أشخاص، إنما هي حرب عقائدية، حرب بين الحق والباطل، وهي بأيسر تعبير معركة بين أولياء الله سبحانه وتعالى وبين أولياء الشيطان.

فماذا تكون النتيجة إذن إذا كانت المعركة على هذا النحو؟ وهل ينتصر حزب الشيطان وأولياؤه مهما تعاظمت عناصر القوة لديهم، أم ينتصر حزب الله وأولياؤه وإن قلت وضعفت إمكاناتهم وطاقاتهم؟

وفي استدعاء للتاريخ والمواقع الإسلامية السابقة خير مثال ودليل على ما ذهبنا إليه، فهل كان من الطبيعي بالقياسات القديمة أن يحقق المسلمون النصر في معاركهم أجمع فيما مضى؟! هل كان من الطبيعي في معركة القادسية على سبيل المثال أن ينتصر اثنان وثلاثون ألف مسلم على مائتي ألف فارسي؟! بكل قياسات الماضي وقياسات الوضع الطبيعي هل من الممكن أن يحدث مثل هذا؟ وأين؟ في بلادهم وعقر دارهم.

وهل كان من الطبيعي في معركة اليرموك أن ينتصر تسع وثلاثون ألف مسلم على مائتي ألف رومي؟! وهل كان من الطبيعي أن ينتصر ثلاثون ألف مسلم في توستر على مائة وخمسين ألف فارسي ثمانين مرة متتالية في خلال سنة ونصف وفي عقر دارهم أيضا؟! وهل كان من الطبيعي كما ذكرنا في أحداث الأندلس السابقة أن ينتصر اثنا عشر ألف مسلم على مائة ألف قوطي في معركة وادي برباط؟!

هذه كلها أمور من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن تحدث حتى بقياسات الماضي، وهو لغز لا يمكن حله إلا بطريقة واحدة، هي أن نعلم ونتيقن أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يحارب الكافرين [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى] {الأنفال:17} . يقول أيضا سبحانه وتعالى: [وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ] {محمد:4}.

فالله سبحانه وتعالى يختبر المؤمنين بحربهم مع الكافرين، وليس هو سبحانه وتعالى في حاجة إلينا لينتصر على أعدائه أو المشركين به من اليهود والأمريكان والروس، أو غيرهم من أمم الأرض الذين جحدوا وحدانيته واجتاحوا بلاد المسلمين، إنما كان من فضله علينا وجوده وكرمه أن عملنا جنودا عنده سبحانه وتعالى، وإنما نحن كمن يستر القدرة ويأخذ الأجرة، فنحن نستر قدرة الله سبحانه وتعالى في هزيمته للكافرين، ونأخذ الأجر على الثبات في هذا الموقف أمام الكفار.

والذي يقول بأن الموقف في الماضي مخالف عن الموقف في الحاضر، أو أن حروب الماضي مختلفة بالكلية عن حروب الحاضر وهو يعلم أن الله سبحانه وتعالى هو الذي نصر الصحابه ونصر من تبعهم بإحسان وإلى يوم الدين، من يرى هذا كأنه يقول وحاشا لله من هذا بأن الله كان قادرا على عاد وثمود وفارس والروم، ولكنه ونعوذ بالله من ذلك ليس بقادر على أمريكا واليهود وروسيا ومن حالفهم أو شايعهم من الأمم الحاضرة المقاتلة لأمة الاسلام.

يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم حكاية عن الأمم العاتية السابقة: [فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ] {فصِّلت:15} .

ويقول أيضا في وصف حال الكافرين: [اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلًا (43) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا] {فاطر : 43 ،44}.

لكن المهم والذي من المفترض أن يشغل بال المسلم الحريص على دينه هو معرفة دوره هو في هذا القيام وهذه الدعوة، ومعرفة دوره في انتصار مثل انتصار الزلاقة أو غير الزلاقة من مواقع المسلمين الخالدة.

فإن كان قيام أمة المسلمين بنا فنحن مأجورون على ذلك حتى ولو لم نرى نصرا، وإن كان القيام بغيرنا فقد ضاع منا الأجر، حتى ولو كنا معاصرين لذلك النصر وذاك التمكين، وهذا هو الذي يجب أن يستحوذ على أذهان المسلمين، وأن يعملوا ليكون لهم دور في إعادة بنيان هذه الأمة بعد ذاك السقوط الذي تحدثنا عنه.

الموقف بعد الزلاقة وقفة تحليلية

كانت الزلاقة- كما ذكرنا- في سنة تسع وسبعين وأربعمائة من الهجرة، وبعدها بما يقارب الثلاثة أشهر مات كمدا وحزنا ألفونسو السادس قائد النصارى في هذه المعركة بعد تلك الهزيمة الساحقة التي نالته، والتي راح ضحيتها تقريبا كل الجيش الصليبي، وبترت فيها ساقه.

وقبل موته استخلف ألفونسو السادس ابنه على الحكم، ومع أن الاستخلاف كان سريعا إلا أن النصارى لم يستطيعوا أن يقيموا لهم قوة لمدة عشرين سنة تالية أو أكثر من ذلك؛ حيث لم تحدث مواقع بين المسلمين وبين النصارى إلا بعد سنة خمسمائة من الهجرة، أي بعد حوالي اثنتين وعشرين سنة من الزلاقة.

وعلى الجانب الآخر فقد ظل يوسف بن تاشفين رحمه الله في الحكم حتى وفاته سنة خمسمائة من الهجرة عن مائة عام كاملة، وقد استُخلف على دولة المرابطين من بعده ابنه عليّ بن يوسف بن تاشفين.

حاول المرابطون بعد دخولهم الأندلس تحرير الأراضي الأندلسية التي أُخذت من المسلمين على مدار السنوات السابقة، فحاربوا في أكثر من جبهة، واستطاعوا أن يحرروا سرقسطة في الشمال الشرقي من بلاد الأندلس ويضمونها إلى بلاد المسلمين، وقد اقتربت حدود دولة المرابطين من فرنسا.

كما حاولوا كثيرا تحرير طليطلة (وكانت كما ذكرنا من قبل أنّها من أكثر وأشد مدن الأندلس حصانة على الإطلاق) لكن الحق أنهم فشلوا في هذا الأمر وإن كانوا قد أخذوا معظم القرى والمدن التي حولها.

المرابطون ومواصلة الانتصارات

بعد موت يوسف بن تاشفين بعام واحد، وفي سنة إحدى وخمسمائة من الهجرة، وبعد ما يقرب من اثنتين وعشرين سنة من الزلاقة، تدور واحدة من أضخم المواقع بين المسلمين وبين النصارى، وهي التي سميت في التاريخ بموقعة أقليش، وقد تولى القيادة فيها على المسلمين عليّ بن يوسف بن تاشفين، وتولى القيادة على الصليبيين ابن ألفونسو السادس، وانتصر المسلمون أيضا انتصارا ساحقا في هذه الموقعة، وقُتل من النصارى ثلاثة وعشرون ألف نصراني.

استمرت انتصارات المسلمين بعد هذه المعركة تتوالى، ففي عام تسعة وخمسمائة من الهجرة استطاع المسلمون أن يفتحوا جزر البليار، تلك التي كانت قد سقطت من جديد في عهد ملوك الطوائف، وقد أصبح المسلمون يسيطرون على جزء كبير جدا من أراضي الأندلس تحت اسم دولة المرابطين.

وفي سنة اثنتي عشرة وخمسمائة من الهجرة تحدث في داخل بلاد المغرب وفي عقر دار المرابطين ثورة تؤدي بأثر سلبي إلى هزيمتين متتاليتين لهم في بلاد الأندلس، كانت الأولى هزيمة قاتندة، والثانية هزيمة القُليّعة.

المرابطون الهزيمة والانحدار.. وقفة متأنية

على إثر قيام ثورة في المغرب في عقر دار المرابطين، وعلى إثر هزيمتين متتاليتين لهم في الأندلس من قِبل النصارى، يحق لنا أن نتساءل: لماذا تقوم الثورة في هذا الوقت في دولة المرابطين؟! ولماذا هذا الانحدار وتلك الهزائم المتتالية؟!

وفي تحليل موضوعي لهذه الأحداث نعود بالتاريخ إلى بداية نشأة دولة المرابطين وقيامها، ففي سنة أربعين وأربعمائة من الهجرة، وحيث قدوم الشيخ عبد الله بن ياسين، ظلت الأمور بعدها تتدرج ببطء حتى دخل أبو بكر بن عمر اللمتوني رحمه الله مع الشيخ عبد الله بن ياسين وحدثت انفراجة قليلة للمسلمين كانت غير متوقعة في ذلك الوقت، حدث بعدها انتشار بطيء ثم انتشار سريع، ثم فتح عظيم وتمكين، ثم دنيا وسلطان وعز كبير للمسلمين، حتى عام تسع وخمسمائة من الهجرة كما رأينا سابقا.

ومن خلال واقع دراستنا تلك، ومن خلال واقع تاريخ المسلمين قبل ذلك، ما الذي يمكن أن نتخيله بعد هذا؟!

فمنذ سنة أربعين وأربعمائة من الهجرة ولمدة سبعين سنة، وحتى سنة تسع وخمسمائة من الهجرة حيث الانتصارات المتتالية، وحيث العلو والارتفاع، وحيث الأموال والغنائم والقصور، وحيث الدنيا التي فتحت على المسلمين، والتي وصلوا فيها إلى درجة عالية من العز والسلطان والتمكين، فما هو المتوقع بعد ذلك، وما هي الأحداث الطبيعية التي من الممكن أن تحدث كما سبق ورأينا؟!

لا شك أن الشيء الطبيعي والمتوقع حدوثه هو حصول انكسار من جديد للمسلمين، وحدوث فتنة من هذه الدنيا التي فتحت على المسلمين، وفتنه من هذه الأموال التي كثرت في أيديهم.

وقد يتساءل البعض: هل من المعقول بعد انتصارات أبو بكر بن عمر اللمتوني، وانتصارات وأعمال يوسف بن تاشفين، وبعد الزلاقة، هل من المعقول بعد كل هذا أن يحدث انكسار للمسلمين؟!

وفي معرض الرد على هذا فكيف نتعجب حدوث هذا الانكسار الذي حدث بعد وفاة يوسف بن تاشفين، ولا نستغربه وقد حدث بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم متجسدا في الردّة الكبيرة التي حدثت بين المسلمين؟! وهو بلا شك أعظم تربية وأقوى أثرا من يوسف بن تاشفين ومن على شاكلته، وخاصة إذا كانت هناك شواهد بينة لهذا الانكسار وتلك الرجعة.

شواهد الانكسار في دولة المرابطين

كدورة طبيعية جدا من دورات التاريخ، ومما لا يعد أمرا غريبا أو غير متوقعا، كانت هناك شواهد بينة لانكسار وتراجع دولة المرابطين عما كانت عليه قبل ذلك، نستطيع أن نجملها فيما يلي:

أولا: فتنة الدنيا وإن ظل أمر الجهاد قائما

بالرغم من عدم توقف الجهاد، وبالرغم من صولات وجولات علي بن يوسف بن تاشفين التي كانت له مع النصارى وفي أكثر من موقعة، إلا أن المرابطين كانوا قد فتنوا بالدنيا، وهو يعد في بادئ الأمر شيء غريب جدا،

وفي تحليل لمنشأ هذا الشاهد وُجد أن سببه خطأ كبير جدا كان قد ارتكبه المسلمون في دولة المرابطين وهم عنه غافلون، وليت العظة تكون لنا منه، فجعلوا جل اهتمامهم التركيز على جانب واحد من جوانب الإسلام وتركوا أو أهملوا الجوانب الأخرى، فقد انشغل المرابطون في أرض الأندلس وفي بلاد المغرب وما حولها من البلاد، انشغلوا بالجهاد في سبيل الله عن تعليم الناس وتثقيفهم أمور دينهم، ومهمة التعليم بالذات مهمة شاقة جدا خاصة في هذا الزمن؛ فالناس بطبيعتها متفلّتة من التعلم ومن الالتزام بتعاليم الدين، والناس بطبيعتها لا تحب من يأتي لها بقوانين وبرامج تربوية تعتقد أنها في غنى عنها، ومن ثم كان لا بد وأن يتضاعف المجهود الضخم الذي يُبذل من أجل هذه المهمة، حتى تتعلم الأمة أمور دينها، وتعرف ما يجوز وما لا يجوز، وتعرف الواجبات من المحرمات من المستحبات، وقد انشغل المرابطون بالجهاد في سبيل الله عن غيره من المهمات ذات الأولوية المطلقة مثل قضية التعليم تلك، ولم يعد الأمر مثل ما كان عليه عهد عبد الله بن ياسين ويوسف بن تاشفين في حرصهم على تعليم الناس وتفقيههم أمور دينهم، وجعلهم كُلّا في رباط وكُلّا في مهمة منوطة به عليه أن يؤديها.

شُغل المرابطون بالجهاد عن إدارة الحكم وعن السياسة داخل البلاد، شغلوا بالأمور الخارجية عن الأمور الداخلية، والإسلام بطبيعته دين متوازن ونظام شامل لا يغلّب جانبا على جانب، وقد رأينا مثال ذلك واضحا في تلك الدولة المتوازنة التي أقامها عبد الرحمن الناصر رحمه الله في نواحي العلم والجهاد والاقتصاد والقانون والعمران والعبادة، وكل شيء، حيث الدولة التي تسد حاجات الروح والجسد، فسادت وتمكنت وظلت حينا من الدهر،

ومثلها أيضا كانت بداية دولة المرابطين وإقامة الجماعة المتوازنة على يد الشيخ عبد الله بن ياسين، تلك التي اهتم في قيامها بكل جوانب الحياة وعوامل ومقومات الدولة المتكاملة، التي تعطي كل جانب من مقوماتها قدرا مناسبا من الجهد والوقت والعمل، فتعلموا أن يكونوا فرسانا مجاهدين ورهبانا عابدين، كما تعلموا أن يكونوا سياسيين بارعين، ومتعاونين على منهج صحيح من الإسلام وأصوله، لكن أن يوجه المسلمون كل طاقاتهم إلى الجهاد في سبيل الله في سنة خمسمائة من الهجرة وما بعدها، ويتركوا أمور السياسة الداخلية وتثقيف الناس وتعليمهم أمور دينهم، فتلك هي قاصمة الظهر ومهبط التل.

ثانيا: كثرة الذنوب رغم وجود العلماء

كثرت الذنوب جدا في أرض دولة المرابطين، سواء أكان ذلك في الأندلس أم في أرض المغرب، مع وجود علماء كثيرين في ذلك الوقت، وكثرة الذنوب كان أمرا طبيعيا خاصة بعد أن فُتحت البلاد وكثرت الأموال؛ وذلك لأن معظم الذنوب تحتاج إلى أموال كثيرة جدا لاقترافها، فالخمر والمخدرات والملاهي الليلية، ذنوب تحتاج إلى كثير مال للحصول عليها واقترافها، تلك الأموال التي لو كثرت ما برحت هذه الذنوب تكثر وتصير إلفا بين الأقران، وأصحاب النفوس الضعيفة الذين كانوا يقطنون في دولة المرابطين (في المغرب) كانوا يفكرون في الذنوب لكن لا يقدرون عليها، أما الآن وقد فُتحت الدنيا عليهم وكثرت الأموال في أيديهم، فتحركت هذه النفوس الضعيفة ناحية الذنوب، وبدأت ترتكب من الذنوب والكبائر ألوانا وأشكالا.

ولا شك أنه كان هناك الغني الشاكر، لكن الحق أن هذا هو الاستثناء وليس القاعدة، والأصل أن الناس جميعا يُفتنون بالدنيا ويقعون في الذنوب إذا كثر المال في أيديهم، يقول سبحانه وتعالى في معرض قصة نوح عليه السلام : [فَقَالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ] {هود:27} . والأراذل هم ضعاف الناس وبسطاء القوم وفقراؤهم، وهم الذين اتبعوا نوحا عليه السلام، واتبعوا الرسل من بعده، واتبعوا كل الدعاة إلى يوم القيامة،

ومن هنا فإن كثرة الذنوب أمر طبيعي ومتوقع كنتيجة مباشرة لكثرة الأموال، لكن أين العلماء الكثيرون المنتشرون في بلاد الأندلس وبلاد المغرب العربي في ذلك الوقت؟!

كيف تفتن الناس بالدنيا والجهاد رايته خفاقة، وكيف تكثر الذنوب رغم وجود العلماء الأجلاء؟!

وواقع الأمر أن العلماء هم الذين يقع على عاتقهم العبء الأكبر من هذا التدني وذاك الانحدار، إذ نراهم وقد انشغلوا بفرعيات الأمور وأغفلوا أساسياتها، طرقوا المهم وتركوا الأولى والأهم، أخذوا يؤلفون المؤلفات ويعقدون المناظرات ويقسمون التقسيمات في أمور لا ينبني عليها كثير عمل ولا كثير جدوى، بينما أغفلوا أمورا ما صح لهم أبدا أن يتركوها أو يغفلوها، شغلوا أنفسهم بوضع اليد أثناء الصلاة، هل توضع على الصدر أم على البطن؟ وإذا كانت على الصدر ففي أي مكان منه؟ وكيف يكون وضع السبابة أثناء التشهد؟ هل ترفع من بداية التشهد أم من منتصفه؟ وهل ترفع ساكنة أم متحركة؟ وإذا كانت متحركة فهل حركتها رأسية أم هي دائرية؟ ثم ما هو معدل الحركة أسريع هو أم بطيء؟

وهذا بخلاف المناظرات والمجادلات الحادة والطويلة في أمر الخوارج والشيعة والمرجئة والمعطلة والمشبهة والمجسمة، وغيرها من الأسماء والفرق التي ما كان يراها المسلمون أو يسمعون عنها، أخذوا يُنقّبون في الكتب ويبحثون عن كل غريب من أجل هذه المناظرات وتلك المجادلات التي لا نهاية لها، والتي لم يفتحها عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم.

النتائج التي تربت على تعمق العلماء في الفروع دون الأصول:

كان اتجاه العلماء في ذلك الوقت إلى التعمق في الفروع وإهمال الأصول كمن ترك لجة البحر واتجه إلى القنوات الفرعية، فأنى له الوصول وأنى لعمله الفائدة المرجوة منه؟! فكان وكنتيجة طبيعية لذلك أن نتج عن هذا القلب الخاطئ وذاك التعمق في الفروع تلك الأمور الخطيرة التالية:

أولا: جدال عظيم بين العلماء والعامة

وذلك أن العلماء لم يفهموا أو لم يستطيعوا أن يتفهموا حاجة العامة، كما لم تعرف العامة ما يتنطع به العلماء، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم وهو أعلم البشر وأحكم الخلق يتكلم بالكلمة فيفهمه علماء الصحابة ويفهمه الأعرابي البسيط، كما كان يفهمه الرجل وتفهمه المرأة والكبير والصغير كل على حد سواء.

ثانيا: عزلة العلماء عن مجتمعاتهم

باتجاه العلماء إلى دقائق الأمور من الفروع لم يعد يشغلهم بال مجتمعاتهم، ولم يعودوا هم يعرفون شيئا عما يدور فيها وما يحل بها من مصائب وذنوب، فتوسعت الهوة كثيرا بينهم وبين مجتمعاتهم، وحدث بذلك عزلة خطيرة لهم في عهد المرابطين الأخير، فكانت الخمور تباع وتشترى بل وتصنّع في البلاد ولا يتكلم أحد، وكانت الضرائب الباهظة تفرض على الناس غير الزكاة وبغير وجه حق ولا يتكلم من العلماء أحد، وكان ظلم الولاة لأفراد الشعب ولا يتكلم من العلماء أحد، وكانت هناك ملاهي الرقص لا تتستر بل تعلن عن نفسها بسفور ولا يتكلم من العلماء أحد، وإنه لعجب والله أن تحدث مثل هذه الأمور في هذا الزمن (من بعد سنة خمسمائة من الهجرة) وتلك الدولة المرابطية، فقد كانت النساء تخرج سافرات بلا حجاب والعلماء لاهون بالحديث عن المرجئة والمعطلة وغيرها من أمور الجدال والفرقة، ويعتقدون أن مثل هذه الأمور هي التي يجب أن يشغل بها المسلمون، وغيرها هي الأقل قيمة من وجهة نظرهم.

ثالثا: أزمة اقتصادية حادة

كان من بين شواهد الانكسار الأخرى في نهاية دولة المرابطين، وبعد فتنة الدنيا والمال، وغياب الشمولية، وكثرة الذنوب، وجمود الفكر عند العلماء وانعزالهم عن المجتمع كان فوق كل هذه الأمور أن حدثت أزمة اقتصاديّة حادة في دولة المرابطين؛ حيث غاب المطر لسنوات وسنوات، فيبست الأرض وجف الزرع وهلكت الدواب، وقد يرى البعض أن هذا من قبيل المصادفة البحتة والعجيبة في نفس الوقت، لكنها والله ليست مصادفة بل هي في كتاب الله عز وجل ومن سننه الثوابت، يقول تعالى في كتابه الكريم: [وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] {الأعراف:96}.

وهذا كلام نوح عليه السلام في حديثه لقومه حيث يقول: [فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10)يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11)وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا(12)مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ للهِ وَقَارًا] {نوح:10 ،11 ،12 ،13} .

فالله سبحانه وتعالى يبتلي المؤمنين دائما بالقحط وبالأزمات الاقتصادية الحادة عندما يبتعدوا عن طريقه وعن نهجه القويم الذي رسمه لهم، ومن هنا فلو لوحظ تدهور في الحالة الاقتصادية لأحد البلدان أو المجتمعات، وبدأت الأموال تقل في أيدي الناس، وبدءوا يعملون لساعات وساعات ولا يحصل لهم ما يكفي لسد رمقهم أو ما يكفي لعيشهم عيشة كريمة، فاعلم أن هناك خللا في العلاقة بين العباد وربهم سبحانه وتعالى، وأن هناك ابتعاد عن منهجه وطريقه المستقيم؛ إذ لو كانوا يطيعونه لبارك لهم سبحانه وتعالى في أقواتهم وأرزاقهم.

وبالطبع تلا هذه الأحداث التي وقعت في بلاد المرابطين هزائم متعددة من قِبل النصارى، فكانت كما ذكرنا موقعة قاتندة في سنة أربع عشرة وخمسمائة من الهجرة، والتي هُزم فيها المسلمون هزيمة منكرة، ومثلها وبعدها أيضا كانت موقعة القُليّعة في سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة من الهجرة، مُني فيها المسلمون أيضا بالهزيمة المنكرة.

محمد بن تومرت وبداية الثورة الإصلاحية

كانت البلاد تتجه بقوة صوب هاوية وكارثة محققة، وكان لا بد وأن يقوم مصلحون من جديد يعدلون المسار نحو الجادة، ونحو طريق الله سبحانه وتعالى وطريق رسوله صلى الله عليه وسلم، فقام رجل من قبائل مصمودة البربريّة يُدعى محمد بن تومرت، والذي قال عنه البعض بأنه عربي، بل وهناك من نسبه إلى القرشيّة، لكن غالب الأمر أنه من قبائل البربر في هذه المنطقة، قام في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة من الهجرة بثورة إصلاحية في دولة المرابطين، كان منهج محمد بن تومرت في التغيير والإصلاح مختلفا بالكلية عن منهج الشيخ عبد الله بن ياسين رحمه الله فقد ولد محمد بن تومرت المصمودي سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة من الهجرة، ونشأ في بيت متدين في قبيلة مصمودة، وقد ظلّ في هذا البيت إلى سنة خمسمائة من الهجرة، وكان قد بلغ من العمر آنذاك سبع وعشرين سنة، ولأنه كان شغوفا بالعلم، ولأنه كان من عادة العلماء في ذلك الزمن أنهم يتجولون ويسيحون في سائر الأرض يتعلمون من علماء المسلمين في مختلف الأقطار، سافر محمد بن تومرت في سنة خمسمائة من الهجرة إلى قرطبة وتلقى العلم هناك، ثم لم يكتف بذلك بل عاد وسافر إلى بلاد المشرق، فذهب إلى الأسكندرية ثم إلى مكة حيث أدى فريضة الحج، وهناك أخذ يتعلم على أيدي علماء مكّة فترة من الزمان، ثم رحل إلى بغداد وقضى فيها عشر سنوات كاملة يتلقى العلم على أيدي علماء بغداد جميعهم، وقد كانت تموج آنذاك بتيارات مختلفة من علماء السنة وعلماء الشيعة والمعتزلة وغيرهم الكثير ممن أخذ وتلقى على أيديهم العلم.

ذهب محمد بن تومرت بعد ذلك إلى الشام، وفيها تلقى العلم على أيدي أبي حامد الغزالي رحمه الله وعاد بعدها إلى الأسكندرية ثم إلى بلاد المغرب العربي، يقول ابن خلدون يصف محمد بن تومرت بعد عودته تلك في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة من الهجرة، حيث كان قد بلغ من العمر تسعا وثلاثين سنة، يقول: أصبح محمد بن تومرت بحرا متفجرا من العلم وشهابا في الدين. يعني أنه جمع علوما كثيرة وأفكارا جمة من تيارات مختلفة من تيارات المسلمين، وأصبح بالفعل من كبار علماء المسلمين في هذه الآونة.

محمد بن تومرت ونهجه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

في طريق عودته من بلاد العراق والشام مكث محمد بن تومرت فترة في الأسكندريه يُكمل فيها تعليمه، وهناك بدأ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ومن خلال سيرته ورغم أنه- كما ذكرنا- كان عالما كبيرا إلا أنه كان يتصف بصفة قلما نجدها عند أمثاله من العلماء، وهي مما يثير الدهشة وتدعو إلى التعجب، ذلك أنه كان شديدا جدا في إنكار المنكر والأمر بالمعروف، شدة تصل إلى حد التنفير، فكان ينفر عنه كثير من الناس حينما يأمرهم بالمعروف أو يناهم عن المنكر، وصلت حدته وفظاظته في دعوته تلك إلى الدرجة التي جعلت أهل الأسكندرية يطردونه منها ويلقون به في سفينة متجهة إلى بلاد المغرب العربي، وعلى السفينة أيضا ظل محمد بن تومرت على حدته في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر حتى منع الخمور على ظهر السفينة وأمر بقراءة القرآن.

وبالطبع فقد كان الناس على السفينة بعيدين تمام البعد عن المنهج الإسلامي، فاشتد عليهم واختلف معهم كثيرا، الأمر الذي دفعهم إلى إلقائه في عرض البحر وتركوه وساروا إلى بلاد المغرب، وبعد فترة من السباحة جانب السفينة أشفقوا عليه ورقوا لحاله، ومن ثم فقد أخذوه معهم مرة ثانية شريطة أن يظل صامتا إلى أن يصل إلى بلاد المغرب العربي، وفي تونس تنتهي رحلته فينزل إلى بلد تسمى المهدية، وهناك وكالعاده بدأ من جديد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وبنفس الطريقة التي كان قد سلكها قبل ذلك، وكردٍّ طبيعي من قِبل الناس نفروا منه وبعدوا عن طريقته، فقد كان محمد بن تومرت يريد تغيير المنكر كله تغييرا جذريا ودفعة واحدة وسريعا.

والحق أن هذا أمر مخالف لسنن الله تعالى؛ فحين بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في مكة ما أُمر وما سعى إلى هذا التغيير المفاجئ الجذري، بل إن الأمور كانت تتنزل عليه صلى الله عليه وسلم من عند الله سبحانه وتعالى بصورة متدرجة، فقد نزل أمر اجتناب الربا على درجات متسلسلة ومراعية التدرج مع الناس، وكذلك كان الأمر في تحريم الخمور وتجريمها، والناس قبل لم تكن تعرف لكليهما حرمة، حتى في أمر الجهاد والقتال في سبيل الله؛ فلم يتنزل هذا التكليف دفعة واحدة.

تلك الأمور التي فقهها جيدا عمر بن عبد العزيز رحمه الله حين تولى الخلافة، فقد كان هناك كثير من المنكرات في دمشق وما حولها من البلاد، وكان ابن عمر بن عبد العزيز رحمه الله شديدا في الحق، فأراد أن يغير كل هذه المنكرات مستقويا بسلطان أبيه، إلا أنه وجد أن أباه عمر بن عبد العزيز يسير فيها بطريقة متدرجة فشق ذلك عليه، فذهب إليه وقال له: يا أبي، أنت تملك الأمور الآن، ولك هيمنة على بلاد المسلمين، فيجب أن تغير هذا المنكر كله وتقيم الإسلام كما ينبغي أن يُقام، فقال له عمر بن عبد العزيز رحمه الله : يا بني، لو حملت الناس على الحق جملةً واحدة تركوه جملةً واحدة.

لكن محمد بن تومرت لم يكن ينحو مثل هذا النهج ومثل تلك الخطى، إنما يريد أن يغير كل شيء تغييرا جذريا، بل وبأسلوب فظ شديد، وقد قال جل شأنه يخاطب نبيه الكريم: [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ] {آل عمران:159} . خطاب لشخصه صلى الله عليه وسلم وهو المؤيد بالوحي وأحكم الخلق وأعلم البشر جميعا، إن دعوت إلى الله سبحانه وتعالى بفظاظة وغلظة انفضّ الناس عنك، فما البال وما الخطب بعموم الناس من دونه؟!

محمد بن تومرت وعبد المؤمن بن عليّ ولقاء الأفكار الثورية

عندما كان في تونس وفي المهديّة قابل محمد بن تومرت رجلا كان يبغي ما كان يبغيه هو في أول رحلته في طلب العلم إلى الأقطار الإسلامية المختلفة، ذلك الرجل كان يُدعى عبد المؤمن بن عليّ، وفي أول لقاء له به سأله عن سبب تركه لبلاد المغرب العربي وسياحته في البلاد، فأجابه بأنه يبحث عن العلم والدين، فرد عليه محمد بن تومرت بأن بضاعتك وما تبغيه لديّ وعندي، فالتقيا كثيرا، وقد أخذ محمد بن تومرت يعلمه من علمه ما أعجب عبد المؤمن بن علي كثيرا، وتآخيا في الله، وظلا سويا في طريقهما لم يفترقا حتى مات محمد بن تومرت على نحو ما سيأتي بيانه.

تعلم العلم عبد المؤمن بن علي من محمد بن تومرت مع الطريقة الفظة في الدعوة إلى الله، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبدآ يدعوان إلى الله سبحانه وتعالى في بلاد المغرب العربي، وقد انضم إليهما خمسة آخرون وأصبحوا بذلك سبعة أفراد بمحمد بن تومرت نفسه، وعلى هذا الحال وجد محمد بن تومرت ومن معه أن المنكرات قد كثرت بصورة لافتة في بلاد المرابطين، ووجد أن الخمور قد تفشت حتى في مراكش، تلك العاصمة التي أسسها يوسف بن تاشفين رحمه الله من قبل وكانت ثغرا من ثغور الإسلام، كما رأى الولاة وقد بدأوا يظلمون الناس ويفرضون عليهم الضرائب، ويأكلون أموال اليتامى، ووجد أيضا ذاك السفور والاختلاط وقد انتشر وصار شيئا مألوفا بين الناس، حتى إنه شاهد بنفسه امرأة سافرة وقد خرجت في فوج كبير وعليه حراسة مما يماثل أفواج الملوك، وحينما سأل عن صاحبة هذا الفوج وتلك المرأة السافرة علم أنها ابنة عليّ بن يوسف بن تاشفين، ابنة أمير المسلمين.

محمد بن تومرت وفكرته في التغيير

لا بد من تغيير لهذا الوضع المخزي، كانت هذه هي الفكرة التي اختمرت واستحوذت على رأس محمد بن تومرت، فجلس مع أصحابه وعددهم ستة نفر، ثم عرض عليهم فكرته في التغيير، فكان رأيه أن المعاصي والمنكرات قد استشرت في بلاد المرابطين، وأن السيل قد بلغ الزبى، وأن الحل في هذا الأمر هو أن نبدأ بالرأس ونُقصي الحكام عن الحكم، فنبدأ بعليّ بن يوسف بن تاشفين ومن معه من الحكام والولاة وقادة الجيش، فنخرج عليهم فنقصيهم عن الحكم، ومن ثم فيكون الأمر في أيدينا فنستطيع أن نغير في البلاد وفق ما يقتضيه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

يريد محمد بن تومرت أن يختصر طريق التربية ويختصر الطريق الطويل الذي بدأه عبد الله بن ياسين من قبل، والذي سار فيه سنوات وسنوات حتى تمكن من الأمور، يريد إقصاء علي بن يوسف بن تاشفين ومن معه ثم بعد أن يتملك الأمور يبدأ في تعليم الناس من فوق كرسي الحكم وبسلطان القانون.

وإذا أكملنا السير مع محمد بن تومرت فإن عليّ بن يوسف بن تاشفين كان يقيم شرع الله سبحانه وتعالى وكان يجاهد في سبيل الله، إلا أنه كانت تشوبه بعض التجاوزات والمخالفات مثل التي ذكرناها وهذه المخالفات لم تكن تعطي الحق لمحمد بن تومرت ومن معه أيا كانت نواياهم فيما يبدو لنا، وأيا كان تقشفهم وزهدهم وعلمهم الغزير أن يخرجوا عليه، بل كان عليهم أن يُقيموا الأمر من جديد، وأن يعاونوه على العوده إلى طريق الإسلام الصحيح، وكان عليهم تعليم الناس وتربيتهم تربية إسلامية صحيحة.

ولننظر إلى تغيير رسول الله صلى الله عليه وسلم في بداية الدعوة، وحين خالفه المشركون في مكة، فقد كان من الممكن أن يفعل الأمر نفسه الذي فكّر فيه محمد بن تومرت، كان من الممكن أن يوصي عليّ بن أبي طالب والزبير بن العوّام وطلحة بن عبيد الله أن يقوم كل منهم فيقتل رجلا من صنانيد قريش، ثم يتولى هو الحكم في مكة ومن ثم يقيم شرع الله سبحانه وتعالى.

ولأنها ليست سنة الله في التغيير لم يتبعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل أخذ يربي الناس بالتدريج سنة بعد سنة بعد سنة، حتى قضى ثلاث عشرة سنة في مكة على هذا الحال، ثم هاجر إلى المدينة المنورة وتابع مسيرته في تربية الناس بالتدريج، حتى كانت موقعة بدر مع الكافرين وتلتها المواقع الكثيرة التي أصقلت معادن المؤمنين، حتى تمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك من السيطرة على الأمور كلها في جزيرة العرب، واستطاع أن يُنشئ جيلا من الرجال على طراز فريد من نوعه، استطاعوا من بعده أن يحملوا الرسالة إلى أهل الأرض قاطبة.

بين علي بن يوسف بن تاشفين ومحمد بن تومرت

كان ما سبق هو المنهج الذي سلكه محمد بن تومرت قاصدا به الإصلاح والتغيير، وهو بلا أدنى شك مخالف تماما للنهج القويم ونهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمل ذاته على نحو ما رأينا.

سمع عليّ بن يوسف بن تاشفين بمحمد بن تومرت وعلم أنه يدعو الناس إلى الخروج عليه، وبمنطق سليم فكر في عقد مناظرة بينه (محمد بن تومرت) وبين علماء دولة المرابطين، يكون مقرها قصر الخليفة نفسه.

قدم محمد بن تومرت على رأس أتباعه الستة، وأتى علماء المرابطين وكان على رأسهم كبير العلماء وقاضي القضاة مالك بن وهيب، وبدأ الفريقان في المناظرة.

ونظرة أولية إلى فكرة عقد مثل هذه المناظرة ليوحي بأن عليّ بن يوسف بن تاشفين كان رجلا ما زال يحمل من الخير الكثير، وإلاّ وعلى أقل تقدير كان من الممكن أن يفتعل مثل هذه المناظرة ويقوم بعدها بسجن محمد بن تومرت أو قتله أو فعل أي شيء آخر من هذا القبيل، خاصة وهو ذلك الثائر على الحاكم، والذي يريد قلب وتغيير نظام الحكم، الأمر الذي سيزداد تأكيدا في نهايه هذه المناظرة في صالح الأمير على نحو ما سيأتي.

وفي هذه المناظرة تفوّق محمد بن تومرت على علماء دولة المرابطين تفوقا ملحوظا، فقد كان كما ذكرنا من كبار العلماء المتشبعين بالعلم، وكان كما وصفه ابن خلدون بحرا متفجرا من العلم وشهابا في الدين، وهو الذي أمضى عشر سنين في بغداد يتعلم علم المجادلة وفنون المحاورة على يد العقليين من المعتزلة وغيرهم، استطاع محمد بن تومرت أن يحاجّ علماء دولة المرابطين جميعا في كل القضايا التي أثيرت بينه وبينهم، حتى بكى عليّ بن يوسف بن تاشفين في مجلسه لما رأى من كثرة المعاصي في دولته وهو لا يدري عنها شيئا، أو هو يدري عنها لكنه لم يغيرها، بكى من الخشية لما سمع حجج وأقاويل محمد بن تومرت، لكن ذلك لم يشفع له عنده وظلت الحدة واضحة جلية في كلامه وحديثه مع الأمير، كان علماء الدولة ووزراؤها يعلمون أنه يحرّض الناس على الخروج على الحاكم، فأسر مالك بن وهيب قاضي القضاة في أذن عليّ بن يوسف بن تاشفين بأن عليه أن يعتقل هذا الرجل وينفق عليه دينارا كل يوم في السجن وإلا ستمر عليك الأيام فتنفق عليه كل خزائنك دون أن تقدر عليه، لكن الوزير أشار على علي بن يوسف بن تاشفين بعدم فعل ذلك حتى لا يكون متناقضا مع نفسه، خاصة وأنه جلس في مجلسه وبكى من خشية الله سبحانه وتعالى حين سمع كلماته، فلا يُعقل أن تأتي بعد ذلك وتعتقله، فتحدث بذلك بلبلة عند عموم الناس، كما أنه بمن معه سبعة نفر فقط أما أنت فحاكم دولة ضخمة وهي دولة المرابطين، فكيف تخشى من هذا الرجل؟!

وازن عليّ بن يوسف بن تاشفين بين رأي مالك بن وهيب قاضي القضاة وبين رأي الوزير، واستقر أخيرا على إطلاق سراح محمد بن تومرت تأثما أن يحبسه دون وجه حق، فالرجل كان ما زال به خير، وكان من الممكن أن يصلح أمره إذا حاول معه محمد بن تومرت ومن معه بالتي هي أحسن، لكنه لم يفعل.

محمد بن تومرت وجماعة الموحدين

ما إن خرج محمد بن تومرت من مجلس الأمير علي بن يوسف بن تاشفين من مراكش حتى نزل على صديق له في بلد مجاور، وذهبوا بعدها إلى قرية في عمق الجبل اسمها تاين ملل وهي التي ستكون عاصمة للدولة التي سوف يؤسسها محمد بن تومرت بعد ذلك.

كان محمد بن تومرت في الحق زاهدا جدا، وكان لا يحمل في يده إلا العصا ولا يأكل إلا القليل من الطعام، وكان كما ذكرنا صاحب علم غزير، فبدأ الناس في هذه القرية الصغيرة يلتفون حوله ويسمعون لكلامه، وبدأ هو يؤثر فيهم نتيجة طبيعية لما كانوا عليه من المعاصي والمنكرات تلك التي انتشرت في بلاد المرابطين، ثم بدأ يكوّن حوله جماعة بدأت صغيرة وقد سماها جماعة الموحدين، وهي تسمية خطيرة جدا لما سنعلمه بعد قليل.

قويت شوكة محمد بن تومرت، وبمجرد أن قويت شوكته ظهرت عليه انحرافات عقائدية خطيرة، فقد كان لاستقائه العلم من تيارات مختلفة تمثل سنة وشيعة ومعتزلة، وغيرهم في بلاد الشام وبغداد ومكة ومصر وغيرها من البلاد كان من جراء ذلك أن ظهر عليه خليط من العقائد المختلفة، والتي تمثلت فيما يلي:

أولا: ادّعى العصمة:

وكان ادعاء العصمة في الإمامة خاص بطوائف الشيعة، فتأثر بهم وتمثل بهذا الادعاء وهو عصمته من الخطأ.

ثانيا: ادعى أن المرابطين من المجسمة:

كان المرابطون يثبتون لله تعالى صفاته كما هي، لكن محمد بن تومرت أخذ فكر المعتزلة في نفي الصفات عن الله سبحانه وتعالى وهي قضية جدليّة طويلة لا نخوض في تفصيلاتها، وخلاصة الأمر في ذلك أنه لما أثبت أن المرابطين يُثبتون الصفات لله سبحانه وتعالى ادّعى أنهم من المجسمة، و تبعا لهذا الادعاء فقد راح يُكفر المرابطين، وادّعى بأن عليّ بن يوسف بن تاشفين ومن معه من الولاة والعلماء، ومن يعمل تحت حكمهم ومن يرضى بحكمهم، هو من الكافرين.

وهذا منحى خطير جدا؛ إذ إنه كفر حكام البلد التي كان يعيش فيها، وهي بلاد الأندلس والمغرب العربي في ذلك الوقت.

ثالثا: استحل دماء المرابطين:

وتبعا لهذا التكفير السابق استحل محمد بن تومرت دماء المرابطين، ومن ثم فقد أمر بالخروج عليهم وقتلهم، وأنه ليس هناك إثم في ذلك، بل إن قتلهم فيه إحراز لثواب عظيم، وقد كان متساهلا جدا في الدماء، وهي خاصية من خصائص الخوارج الذين تعلم على أيدي بعضهم كما ذكرنا أثناء رحلته لطلب العلم.

وقفة مع محمد بن تومرت وجماعته الموحدة

في جماعته الجديدة كان محمد بن تومرت يقتل العشرات من المخالفين له حتى من فرقته وجماعته (الموحدين)، فالذي يخالفه في الرأي ليس له من دواء إلا القتل، وهو أمر في غاية الغرابة نظرا لما عنده من العلم الغزير، وأغرب منه كان ادعاؤه بعض الخوارق، وأنه هو المهدي المنتظر،

ولا شك في أن يعتقد في صدقه وما يذهب إليه من أقواله تلك كثير من الناس، وذلك كما ذكرنا لانشغال علماء الدولة بالأمور الفرعية عن تعليم هؤلاء الناس أصول العقائد وأصول العبادات، وقد أقاموا (العلماء) جدارا عازلا بينهم وبين العامة الذين لا يعرفون أين الحق وأين الصواب، والذين لا يستطيعون أن يميزوه (الحق) كثيرا عن الباطل،

ومن هنا فحين رأى مثل هؤلاء الناس رجلا مثل محمد بن تومرت في شخص العالم الكبير، وهو يروي من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فلان وفلان، ثم هو يحفظ كتاب الله ويعلم سير الصالحين والسابقين، ويعلم فقه كذا وكذا وكذا، حين رأوا ذلك ما كان منهم إلا أن يسمعوا ويطيعوا لما يقوله وما يمليه عليهم محمد بن تومرت عالمهم ومعلمهم، وقد اعتقدوا جميعا بعصمته واعتقدوا جميعا بحل قتل المرابطين، بل والثواب الجزيل على قتلهم.

ولنا أن نتخيل مثل هذا الأمر في حق المرابطين الذين فتحوا البلاد وأقاموا صرح الاسلام في بلاد المغرب والأندلس لسنوات وسنوات، الآن وبعد ظهور بعض المنكرات في بلادهم، وبعد انشغالهم بالجهاد عن التعليم أصبحوا يُكفّرون ويحل دمهم ويقاتلون من قبل جماعة الموّحدين، ذلك الاسم (الموحدين) الذي فيه إشارة قوية إلى أن غيرهم كفار وليسوا بموحدين أو مسلمين.

المرابطون والموحدون وقتال الأعداء

من هذا المنطلق السابق حمل محمد بن تومرت على عاتقه وجماعته الموحدون أمر مقاتلة المرابطين وسفك دمهم، وقد التقوا مع المرابطين في مواقع عديدة، كان منها تسع مواقع ضخمة جدا انتهت سبع منها بانتصارهم على المرابطين، وهُزموا في اثنتين.

ومن مواقعهم مع المرابطين كان هناك على سبيل المثال واحدة في سنة ثمان عشرة وخمسمائة من الهجرة، قتل فيها من المرابطين خمسة عشر ألف مسلم على أيدي الموحدين، خمسة عشر ألف مسلم ممن كانوا شوكة في عنق النصارى لسنوات وسنوات يقتلهم الموحدون حتى يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويقيموا دولة على نهج الله ونهج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومثلها أيضا كانت موقعة البحيرة أو موقعة البستان، في سنة أربع وعشرين وخمسمائة من الهجرة، والتي انتصر فيها المرابطون على الموحدين، وقتل فيها من الموحدين أربعون ألفا.

وبنظرة إجمالية فإن عدد من قتل من المسلمين في المواقع التي دارت بين المرابطين والموحدين وفي نحو ثمان وعشرين سنة، وذلك منذ سنة اثنتي عشرة وخمسمائة وحتى قيام دولة الموحدين في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة من الهجرة عدد من قُتل منهم في تلك الفترة يربو على الثمانين ألف مسلم.

قامت دولة الموحدين كما قامت دولة المرابطين من قبل، قامت لكن على أشلاء ثمانين ألف مسلم، وكان هذا هو الطريق الذي سلكه محمد بن تومرت ومن معه، وكان هذا نهجهم في التغيير والإصلاح.

وكنا قد رأينا سابقا كيف كان الطريق الذي سار فيه الشيخ عبد الله بن ياسين ومن معه، وقد وصل الاثنان إلى قيام دولة وتأسيس حكم، لكن شتان بين أحداث ونتائج قيام كل منهما، وشتان بين كلا المنهجين في القيام، وإنا لنعجب كيف يسير محمد بن تومرت في مثل هذا الطريق وقد رسم له السابقون قبلا الطريق الصحيح الذي ليس فيه دماء تراق، وليس فيه قتل وذبح لأمة كبيرة من المجاهدين مثل أمة المرابطين.

عبد المؤمن بن علي وأفول نجم المرابطين وبزوغ نجم الموحدين

في سنة أربعة وعشرين وخمسمائة من الهجرة وبعد موقعة البحيرة يموت محمد بن تومرت، وإلى آخر لحظة من حياته يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويأمرهم باتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباع نهج الخلفاء الراشدين، وعدم النقوص أبدا عن الجهاد في سبيل الله، لكن على فهمه وعلى طريقته.

وقبل موته أمر الناس أن يسمعوا ويطيعوا لعبد المؤمن بن عليّ من بعده (الرجل الذي قابله لأول مرة في مدينة المهدية في بداية طريقه لدعوته سنة اثنتي عشرة وخمسمائة)، أمرهم أن يسمعوا ويطيعوا له ما أطاع الله فيهم، فإن بدل فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، هكذا كان يأمر أتباعه قبل موته محمد بن تومرت.

ومن بعده تولى عبد المؤمن بن عليّ مقاليد الأمور في جماعة الموحدين في سنة أربع وعشرين وخمسمائة من الهجرة، واستمر يقود الجماعة على النهج السالف إلى أن سقطت دولة المرابطين السنيّة المجاهدة بالكلية في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة من الهجرة على إثر مجزرة شديدة داخل مراكش، قتل فيها معظم المرابطين الذين كانوا بالمدينة المذكورة، وتملّك الموحدون الحكم في البلاد

Share this post


Link to post
Share on other sites

أخى العزيز صبح

حسنا انك فاتح دلوقتى

انا فوجئت إن الموضوع النهاردة نزل تحت عشان كدة قلت أرفعه و مش عارف فيه طريقة يفضل فى قائمة الموضوعات الثابتة ؟

اعتقد يا أخى إن موضوعك المهم بدا و لم ينتهى و ما بدأ هو الدروس المستفادة و التعليقات و نا مش عارف الناس صايمة والا ايه

يالله خد عندك يا شيخنا أول درس وهو العنصرية وإذا راجعنا سويا فسوف نجد تكرار هذه العبارات بطريقة غريبة :

العامرية - البربر - بنى امية

إن سيدنا محمد (ص) قد نهر كل من الأوسى و الخزرجى لمجرد ذكر انتماءاتهما و نحن هنا ذكرنا هذه الإنتماءات ربما بحسن نية

ولكن ما رأيك فى هذا ؟- معذرة - و إلى لقاء

Share this post


Link to post
Share on other sites

أخى العزيز صبح

حسنا انك فاتح دلوقتى

انا فوجئت إن الموضوع النهاردة نزل تحت عشان كدة قلت أرفعه و مش عارف فيه طريقة يفضل فى قائمة الموضوعات الثابتة ؟

اعتقد يا أخى إن موضوعك المهم بدا و لم ينتهى و ما بدأ هو الدروس المستفادة و التعليقات و نا مش عارف الناس صايمة والا ايه

يالله خد عندك يا شيخنا أول درس وهو العنصرية وإذا راجعنا سويا فسوف نجد تكرار هذه العبارات بطريقة غريبة :

العامرية - البربر - بنى امية

إن سيدنا محمد (ص) قد نهر كل من الأوسى و الخزرجى لمجرد ذكر انتماءاتهما و نحن هنا ذكرنا هذه الإنتماءات ربما بحسن نية

ولكن ما رأيك فى هذا ؟- معذرة - و إلى لقاء

جزاك الله خيرا على حسن المتابعة

تم تثبيت الموضوع مؤقتا حتى يتم تبويب الباب بالكامل في أقرب فرصة ان شاء الله

الموضوع باقي فيه الكثير

وبالنسبة لقصة العنصرية فأنا نقلت بأمانة النقل ولكن لي لرأي والله أعلم وسأبحث لك عن فتوى فيه

رأييي أن موضوع العنصرية يكون بحسب سياق الكلام وتوجه الكاتب

بمعنى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينادي على الأنصار بيا معشر الأنصار والمهاجرين كذلك

ولله المثل الأعلى في كتابه العزيز

نحن هنا لا نطلق هذه المسميات لغرض لا سمح الله ولكن لنبين اما الجنسية أو القبيلة كتاريخ وليس كعنصرية

والدليل أنك ستجد الكثير من المدح فيهم جميعا والعكس أيضا وليس بناءا على أي عنصرية

اسمح لي نكمل ...

Share this post


Link to post
Share on other sites

الفصل الحادي عشر : دولة الموحدين

مقدمة

في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة من الهجرة بزغ نجم دولة الموحدين، وكان أول حكامها عبد المؤمن بن عليّ صاحب محمد بن تومرت المؤسس الحقيقي والفعلي لجماعة الموحدين.

أخذ عبد المؤمن بن عليّ من محمد بن تومرت وكذلك أخذ عنه كل أتباعه أسلوب الحدة والغلظة في المعاملة، وتعلم منه التقشف والزهد في الدنيا، وحب الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا أنه كان شخصية قوية مهابة، وكان صاحب جهاد كبير وصولات وجولات، وقد استطاع أن يُقيم دولة قوية تربعت على بلاد المغرب وبلاد الأندلس وهي دولة الموحدين.

مؤسسو الموحدين.. ورهبانية ابتدعوها

في وصف لشخص عبد المؤمن بن عليّ ذكر الذهبي في كتابه العبر، وابن العماد في شذرات الذهب أنه كان ملكا عادلا، سائسا، عظيم الهيبة، عالي الهمة، متين الديانة، كثير المحاسن، قليل المِثل، وكان يقرأ كل يوم سُبُعًا من القرآن العظيم، ويجتنب لبس الحرير - وهذا يعني أن لبس الحرير كان عادة وإلفا في زمانه - وكان يصوم الاثنين والخميس، ويهتم بالجهاد والنظر في الملك كأنما خُلق له. ثم بعد هذه الأوصاف نجد هذه العبارة التي تحمل كثيرا من علامات الاستفهام، وهي: وكان سفّاكا لدماء من خالفه.

ومثل هذه الأوصاف ذكرها ابن كثير أيضا في البداية والنهاية، وأضاف أنه كان يعيبه كثرة سفك الدماء لمن عارضه من أتباعه أو من غير أتباعه.

وهذه بالطبع- وكما ذكرنا- هي تعاليم محمد بن تومرت.

وإضافة إلى هذا المنهج العقيم وتلك الصفة السابقة فقد كان محمد بن تومرت حين يعلم أن أتباعه ينظرون إلى الغنائم التي حصّلوها من دولة المرابطين في حربهم معهم كان يأخذها كلها فيحرقها.. وكان يعذّر بالضرب من يفوته قيام الليل من جماعته. فنشأت جماعة من الطائعين الزاهدين العابدين، لكن على غير نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم يكن يحرق الغنائم أو يضرب المتباطئين أو المتثاقلين عن قيام الليل، أو يتبع مثل هذا المنهج وتلك الرهبنة المتشددة، فكره كثير من الناس مثل هذا الأسلوب، لكنهم اتبعوه بحكم أنه الغالب والمتفرد الذي ليس هناك غيره.

وعلى ما يبدو فقد كانت فكرتا العصمة والمهدية التي ادعاهما محمد بن تومرت واقتنع بها أتباعه من بعده لم يكن مقتنعا بهما عبد المؤمن بن عليّ؛ لأنه أبدا ما دعى أيا منهما، ولا أيٍا من فكر الخوارج الذي كان قد اعتقد به أو ببعضه محمد بن تومرت.

وعلى الجانب الآخر فإن عبد المؤمن بن عليّ لم ينف مثل هذه الأفكار الضالة صراحة؛ وذلك لأن غالب شيوخ الموحدين كانوا على هذا الفكر وذلك الاعتقاد، فخاف إن هو أعلن أن أفكار محمد بن تومرت هذه مخالفة للشرع أن ينفرط العقد ويحدث التفكك في هذه الفترة الحرجة من دولة الموحدين.

تداعيات سقوط دولة المرابطين وقيام دولة الموحدين

متابعة للأحداث بصورة متسلسلة فقد كان لسقوط دولة المرابطين وقيام دولة الموحدين في عام واحد وأربعين وخمسمائة من الهجرة، ومقتل ما يربو على الثمانين ألف مسلم في بلاد الأندلس نتيجة الحروب بينهما - كان لهذه الأحداث العظام تداعيات خطيرة على كل بلاد المغرب العربي والأندلس، وما يهمنا هنا هو ما حدث في الأندلس، فكان ما يلي:

أولا: بعد قيام دولة الموحدين بعام واحد وفي سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة من الهجرة سقطت ألمرية في أيدي النصارى، وهي تقع على ساحل البحر المتوسط في جنوب الأندلس، أي أنها بعيدة جدا عن ممالك النصارى، لكنها سقطت عن طريق البحر بمساعدة فرنسا.. وفي ألمرية استشهد آلاف من المسلمين وسبيت أربعة عشر ألف فتاة مسلمة.

ثانيا: بعد ذلك أيضا بعام واحد وفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة من الهجرة سقطت طرطوشة ثم لاردة في أيدي النصارى أيضا، وهما في مملكة سراقسطة التي تقع في الشمال الشرقي، والتي كان قد حررها المرابطون قبل ذلك.

ثالثا: وفي نفس العام أيضا توسعت مملكة البرتغال في الجنوب، وكانت من أشد الممالك ضراوة وحربا على المسلمين.

رابعا: بدأ النصارى يتخطون حدود الأندلس ويهاجمون بلاد المغرب العربي، فاحتلت تونس في ذات السنة أيضا من قِبل النصارى، وهي خارج بلاد الأندلس.

ولقد كانت مثل هذه التداعيات شيئا متوقعا نتيجة الفتنة الكبيرة والحروب التي دارت بين المسلمين في بلاد المغرب العربي.

عبد المؤمن بن عليّ وأعمال عظام في المغرب

كان عبد المؤمن بن علي - كما ذكرنا - صاحب شخصية قوية جدا وفكر سياسي عالٍ، فبدأ وبطريقة عملية منظمة وشديدة في تأسيس وبناء دولته الفتية الناشئة، فعمل على ما يلي:

أولا: أطلق حرية العلوم والمعارف وأنشأ الكثير من المدارس والمساجد، وكان هذا على خلاف نهج محمد بن تومرت صاحب الفكر الأوحد، فأصبح الناس يتعلمون أكثر من طريقة ومنهج وأكثر من فكر وفقه، وأصبحوا لا يرتبطون بقطب واحد كما كان العهد أيام محمد بن تومرت، لكن هذا لم يكن ليغضّ الطرف عن كون عبد المؤمن بن عليّ ذو فرديّة في نظام الحكم والإدارة، أي أنه كان - بلغة العصر - حاكما ديكتاتورا، فردي الرأي لا يأخذ بالشورى.

ثانيا: عمل عبد المؤمن بن عليّ على إقران الخدمة العسكريّة بالعلوم التثقيفية، وأنشأ مدارس كثيرة لتعليم وتخريج رجال السياسة والحكم، وكان يمتحن الطلاب بنفسه، فأنشأ جيلا فريدا من قوّاد الحروب والسياسيين البارعين في دولة الموحدين، وكان يدربهم على كل فنون الحرب، حتى إنه أنشأ بحيرة صناعية كبيرة في بلاد المغرب لتعليم الناس كيف يتقاتلون في الماء، وكيف تكون الحروب البحرية، وكان أيضا يختبر المقاتلين الموحدين بنفسه.

ثالثا: أقام مصانع ومخازن ضخمة وكثيرة للأسلحة، و أصبحت دولة الموحدين من أقوى الدول الموجودة في المنطقة من الناحية العسكرية.

هذا كله في بلاد المغرب العربي، ولم تكن بلاد الأندلس بعد قد دخلت في حسابات عبد المؤمن بن عليّ في ذلك الوقت؛ لأنه كان يحاول أن يستتب له الأمر أولا في بلاد المغرب العربي حيث أنصار المرابطين في كل مكان. وكان الوضع في بلاد الأندلس - كما ذكرنا - حيث سقوط أكثر من مدينة في أيدي النصارى، وأصبح التدهور هناك سريعا.

عبد المؤمن بن عليّ في الأندلس

في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة من الهجرة، وبعد التدهور الكبير الذي حدث في بلاد الأندلس، قدم إلى بلاد المغرب العربي القاضي ابن العربي صاحب (العواصم من القواصم) قدم من الأندلس وبايع عبد المؤمن بن علي، وطلب النجدة لأهل الأندلس.

وإن مبايعة القاضي ابن العربي لعبد المؤمن بن عليّ لتعطي إشارة واضحة إلى أن عبد المؤمن بن عليّ لم يكن ليعتقد أو يدعو إلى أفكار ضالة كما في الدعوة إلى العصمة أو المهدية أو غيرها مما كان يدين بها محمد بن تومرت وبعض من أتباعه، وإلا لم يكن للقاضي ابن العربي - وهو الذي اشتهر وعرف عنه الذبّ عن الإسلام من الضلالات والانحرافات - أن يقدم من بلاد الأندلس لمبايعته على الطاعة والنصرة.

قبِل عبد المؤمن بن عليّ الدعوة من القاضي ابن العربي، وجهزّ جيوشه وانطلق إلى بلاد الأندلس، وهناك بدأ يحارب القوات الصليبية حتى ضم معظم بلاد الأندلس الإسلامية التي كانت في أملاك المرابطين إلى دولة الموحدين، وكان ممن قاتله هناك بعض أنصار دولة المرابطين إلا أنه قاتلهم وانتصر عليهم وذلك في سنة خمس وأربعين وخمسمائة من الهجرة.

وفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة من الهجرة استطاع أن يستعيد ألمريّة، وفي سنة خمس وخمسين وخمسمائة من الهجرة استعاد تونس من يد النصارى، وبعدها بقليل - ولأول مرة - استطاع أن يضم ليبيا إلى دولة الموحدين، وهي بعد لم تكن ضمن حدود دولة المرابطين.

وهو بهذا يكون قد وصل بحدود دولة الموحدين إلى ما كانت عليه أثناء دولة المرابطين إضافة إلى ليبيا، وقد اقتربت حدود دولته من مصر كثيرا، وكان يفكر في أن يوحّد كل أطراف الدولة الاسلامية تحت راية واحدة تكون لدولة الموحدين.

يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ وحكم الموحدين

في عام ثمانية وخمسين وخمسمائة من الهجرة يتوفي عبد المؤمن بن عليّ، ثم يخلفه على الحكم ابنه يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ، وكان يبلغ من العمر اثنين وعشرين عاما، وقد كان مجاهدا شهما كريما إلا أنه لم يكن في كفاءة أبيه القتالية.

ظل يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ يحكم دولة الموحدين الفتية اثنين وعشرين عاما متصلة، منذ سنة ثمان وخمسين وخمسمائة وحتى سنة ثمانين وخمسمائة من الهجرة، وقد نظم الأمور وأحكمها في كل بلاد الأندلس وبلاد المغرب العربي، وكانت له أعمال جهادية ضخمة ضد النصارى، لكنه كان يعيبه شيء خطير وهو أنه كان متفرد الرأي لا يأخذ بالشورى، وهذا - بالطبع - كان من تعليم وتربية أبيه عبد المؤمن بن علي صاحب محمد بن تومرت كما ذكرنا.

كان لانفراد يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ بالرأي سببا قويا في حدوث أخطاء كثيرة في دولته، كان آخرها ما حدث في موقعة له مع النصارى حول قلعة من قلاع البرتغال كان يقاتل فيها بنفسه، فقد قتل فيها ستة من النصارى، ثم طُعن بعد ذلك واستشهد رحمه الله في هذه الموقعة في سنة ثمانين وخمسمائة من الهجرة.

أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي والعصر الذهبي لدولة الموحدين

بعد وفاة يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ تولى من بعده ابنه يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ، وقد لُقب في التاريخ بالمنصور، وكان له ابن يُدعى يوسف فعُرف بأبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي.

تولى أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي حكم دولة الموحدين خمس عشرة سنة متصلة، من سنة ثمانين وخمسمائة وحتى سنة خمسة وتسعين وخمسمائة من الهجرة، وكان أقوى شخصيه في تاريخ دولة الموحدين، ومن أعظم الشخصيات في تاريخ المسلمين بصفة عامة، وقد عُدّ عصره في دولة الموحدين بالعصر الذهبي.

ونستطيع أن نتناول سيرته في الأندلس من خلال هذين العنصرين:

أولا: المنصور الموحدي الرجل الإنسان

مثل عبد الرحمن الداخل ومن قبله عبد الرحمن الناصر وغيرهم ممن فعلوا ما لم يفعله الشيوخ والكبار تولى أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي وكان عمره خمسا وعشرين سنة فقط، وقد قام بالأمر أحسن ما يكون القيام، وقد رفع راية الجهاد، ونصب ميزان العدل، ونظر في أمور الدين والوعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالتي هي أحسن.

واستطاع أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي أن يغير كثيرا من أسلوب السابقين له، فكان سمته الهدوء والسكينة والعدل والحلم، حتى إنه كان يقف ليقضي حاجة المرأة وحاجة الضعيف في قارعة الطريق، وكان يؤم الناس في الصلوات الخمس، وكان زاهدا يلبس الصوف الخشن من الثياب، وقد أقام الحدود حتى في أهله وعشيرته، فاستقامت الأحوال في البلاد وعظمت الفتوحات.

بلغت أعمال أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي الجليلة في دولته أوجها، حتى وصلت إلى أن حارب الخمور، وأحرق كتب الفلاسفة، واهتم بالطب والهندسة، وألغى المناظرات العقيمة التي كانت في أواخر عهد المرابطين وأوائل عهد الموحدين، وقد أسقط الديون عن الأفراد وزاد كثيرا في العطاء للعلماء، ومال هو إلى مذهب ابن حزم الظاهري لكنه لم يفرضه على الناس، بل إنه أحرق الكثير من كتب الفروع وأمر بالاعتماد على كتاب الله وعلى كتب السنة الصحيحة.

وفي دولته اهتم أيضا أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي بالعمران، وقد أنشأ مدينة الرباط وسمّاها رباط الفتح، وأقام المستشفيات وغرس فيها الأشجار، وخصّص الأموال الثابتة لكل مريض، وكان رحمه الله يعود المرضى بنفسه يوم الجمعة، وأيضا كان يجمع الزكاة بنفسه ويفرقها على أهلها، وكان كريما كثير الإنفاق حتى إنه وزّع في يوم عيد أكثر من سبعين ألف شاة على الفقراء.

ويعد أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي أول من أعلن صراحة فساد أقوال محمد بن تومرت في فكرة العصمة والمهدية، وقال بأن هذا من الضلالات، وأنه ليس لأحد عصمة بعد الأنبياء، وكان مجلسه رحمه الله عامرا بالعلماء وأهل الخير والصالحين. وقد ذكر الذهبي رحمه الله في العبر أنه كان يجيد حفظ القرآن والحديث، ويتكلم في الفقه ويناظر، وكان فصيحا مهيبا، يرتدي زي الزهّاد والعلماء ومع ذلك عليه جلالة الملوك.

كل هذه الصفات السابقة لأبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي وهو ما زال شابا بدأ الحكم وعمره خمس وعشرون سنة فقط.

ثانيا: المنصور الموحدي وبلاد الأندلس

إضافة إلى أعماله السابقة في دولة الموحدين بصفة عامة، فقد وطد أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي الأوضاع كثيرا في بلاد الأندلس، وقوى الثغور هناك، وكان يقاتل فيها بنفسه، وقد كانت أشد الممالك ضراوة عليه مملكة البرتغال ثم من بعدها مملكة قشتالة. وقد كان له في الأندلس ما يلي:

أولا: القضاء على ثورات بني غانية:

في سنة خمسة وثمانين وخمسمائة من الهجرة وفي جزر البليار من بلاد الأندلس قامت قبيلة بني غانية من أتباع المرابطين بثورة عارمة على الموحدين، وقد كان لهذه القبيلة ثورات من قبل على عبد المؤمن بن عليّ وابنه يوسف بن علي أيضا من بعده، فقاموا بثورة في جزر البليار وأخرى في تونس.

ما كان من أبي يوسف يعقوب المنصور إلا أن عاد من داخل بلاد الأندلس إلى جزر البليار فقمع ثورة بني غانية هناك، ثم رجع إلى تونس فقمع أيضا ثورتهم، وكان من جراء ذلك أن ضعفت كثيرا قوة الموحدين في الأندلس.

استغل ملك البرتغال انشغال أبي يوسف يعقوب المنصور بالقضاء على هذه الثورات واستغل الضعف الذي كان نتيجة طبيعية لذلك، واستعان بجيوش ألمانيا وإنجلترا البرية والبحرية، ثم حاصر أحد مدن المسلمين هناك واستطاع أن يحتلها ويخرج المسلمين منها، وقد فعل فيها من الموبقات ما فعل، ثم استطاع أن يواصل تقدمه إلى غرب مدينة أشبيليّة في جنوب الأندلس. وهنا يكون الوضع قد أضحى في غاية الخطورة.

وحول ثورات بني غانية. فقد كان مقبولا منهم أن يقوموا بثورات على السابقين من حكام الموحدين قبل أبي يوسف يعقوب المنصور بحجة أفكارهم الضالة التي خرجت عن منهج الله سبحانه وتعالى، لكن السؤال هو لماذا الثورة على هذا الرجل الذي أعاد للشرع هيبته من جديد، والذي أقام الإسلام كما ينبغي أن يقام، والذي أعاد القرآن والسنة إلى مكانهما الصحيح؟!

كان من الواجب على بني غانية أن يضعوا أيديهم في يد أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي رحمه الله ويضموا قوتهم إلى قوته ليحاربوا العدو الرئيس الرابض والمتربص لهم، والمتمثل في دول الشمال الأندلسي، سواء أكانت دول قشتالة أو البرتغال أو الممالك الأخرى، لكن هذا لم يحدث، فأدت هذه الثورات الداخلية إلى ضعف قوة الموحدين في بلاد الأندلس، وإلى هذا الانهيار المتدرج في هذه المنطقة.

ثانيا: المواجهات مع النصارى واستعادة السيطرة:

بعد القضاء على ثورات بني غانية أخذ أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي يفكر في كيفية إعادة الوضع إلى ما كان عليه، ووقف أطماع النصارى في بلاد الأندلس.

علم أولا أن أشد قوتين عليه هما قوة قشتالة وقوة البرتغال، لكنه رأى أن قوة البرتغال أشد وأعنف من سابقتها، فقام بعقد اتفاقيه مع قشتالة عاهدهم فيها على الهدنة وعدم القتال مدة عشر سنوات.

اتجه أبو يوسف يعقوب المنصور بعد ذلك إلى منطقة البرتغال، وهناك حاربهم حروبا شديدة وانتصر عليهم في أكثر من مرة، واستطاع أن يحرر المنطقة بكاملها ويسترد إلى أملاك المسلمين من جديد ما كان قد فقد هناك.

وقبل أن يكتمل له تحرير تلك المنطقة نقض ملك قشتاله العهد الذي كان قد أبرمه معه، وعليه فقد بدأ يعيث تهجما وفسادا على أراضي المسلمين، ثم بعث ألفونسو الثامن- ملك قشتالة في ذلك الوقت، وهو من أحفاد ألفونسو السادس الذي هُزم في موقعة الزلاّقة الشهيرة - بعث برسالة إلى أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي يهين فيها المسلمين ويهدده ويتوعده.

ما كان من المنصور الموحدي إلا أن مزق خطاب ألفونسو الثامن، ثم على جزء منه وقد أرسله مع رسولهم كتب: [ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ] {النمل:37} . وعلى الفور أعلن الجهاد والاستنفار العام في كل ربوع المغرب والصحراء، وقد نشر ما جاء في كتاب ألفونسو الثامن ليحمس الناس ويزيد من تشويقهم للجهاد.

قبل هذا الوقت بسنوات قلائل كان المسلمون في كل مكان يعيشون نشوة النصر الكبير الذي حققه صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين في موقعة حطين الخالدة في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة من الهجرة، أي قبل هذه الأحداث بسبع سنوات فقط، وما زال المسلمون في المغرب يعيشون هذا الحدث الإسلامي الكبير ويتمنون ويريدون أن يكرروا ما حدث في المشرق، خاصة بعد أن قام فيهم أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي بتحفيزهم في الخروج إلى الجهاد، فتنافسوا في ذلك [وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ] {المطَّففين:26} .

بدأ هذا الاستنفار في سنة تسعين وخمسمائة من الهجرة، وبعدها بعام واحد وفي سنة إحدى وتسعين وخمسمائة انطلقت الجيوش الإسلامية من المغرب العربي والصحراء وعبرت مضيق جبل طارق إلى بلاد الأندلس لتلتقي مع قوات الصليبيين الرابضة هناك في موقعة ما برح التاريخ يذكرها ويجلها.

موقعة الأرك الخالدة

في التاسع من شهر شعبان لسنة إحدى وتسعين وخمسمائة من الهجرة وعند حصن كبير يقع في جنوب طليطلة على الحدود بين قشتالة ودولة الأندلس في ذلك الوقت يسمى حصن الأرك التقت الجيوش الإسلامية مع جيوش النصارى هناك.

أعد الفونسو الثامن جيشه بعد أن استعان بمملكتي ليون ونافار، وبجيوش ألمانيا وإنجلترا وهولندا.. في قوة يبلغ قوامها خمسة وعشرين ألفا ومائتي ألف نصراني، وقد أحضروا معهم بعض جماعات اليهود لشراء أسرى المسلمين بعد انتهاء المعركة لصالحهم، ليبيعونهم بعد ذلك بدورهم في أوروبا.

وعلى الجانب الآخر فقد أعد أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي جيشا كبيرا، بلغ قوامه مائتي ألف مسلم من جراء تلك الحمية التي كانت في قلوب أهل المغرب العربي وأهل الأندلس على السواء، خاصة بعد انتصارات المسلمين في حطين القريبة.

البدايات وأمور جديدة على الموحدين

في منطقة الأرك وفي أول عمل له عقد أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي مجلسا استشاريا يستوضح فيه الآراء والخطط المقترحة في هذا الشأن، وقد كان هذا على غير نسق كل القادة الموحدين السابقين له والذين غلب عليهم التفرد في الرأي، فنهج منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الأمر.

وفي هذا المجلس الاستشاري استرشد أبو يوسف يعقوب المنصور بكل الآراء، حتى إنه استعان برأي أبي عبد الله بن صناديد في وضع خطة الحرب، وهو زعيم الأندلسيين وليس من قبائل المغرب البربرية، وهذا أيضا كان أمرا جديدا على دولة الموحدين التي كانت تعتمد فقط على جيوش المغرب العربي، فضم أبو يوسف يعقوب المنصور قوة الأندلسيين إلى قوة المغاربة وقوة البربر القادمين من الصحراء.

الاستعداد ووضع الخطط

في خُطة شبيهة جدا بخطة موقعة الزلاقة قسم أبو يوسف يعقوب المنصور الجيش إلى نصفين، فجعل جزءا في المقدمة وأخفى الآخر خلف التلال كان هو على رأسه، ثم اختار أميرا عاما للجيش هو كبير وزرائه أبو يحيى بن أبي حفص، وقد ولى قيادة الأندلسيين لأبي عبد الله بن صناديد؛ وذلك حتى لا يوغر صدور الأندلسيين وتضعف حماستهم حين يتولى عليهم مغربي أو بربري.

وإتماما لهذه الخطة فقد جعل الجزء الأول من الجيش النظامي الموحدي ومن الأندلسيين، وقد قسمه إلى ميمنه من الأندلسيين وقلب من الموحدين وميسرة من العرب، ثم جعل من خلفهم مجموعة المتطوعين غير النظاميين، الذين ليست لهم كفاءة عالية في القتال.

وهو يريد بذلك أن تتلقى الجيوش النظامية التي في المقدمة الصدمة والضربة الأولى من قوات الصليبيين فيصدونهم صدا يليق بتدريباتهم؛ مما يوقع الرهبة في قلوب الصليبيين ويرفع من معنويات الجيش الإسلامي، أما المتطوعين غير النظاميين الذين ليست لهم كفاءة عالية في القتال فوضعهم من وراء المقدمة حتى لا يُكسروا أول الأمر، ومكث هو - كما ذكرنا - في المجموعة الأخيرة خلف التلال.

راح بعد ذلك أبو يوسف يعقوب المنصور يوزع الخطباء على أطراف الجيش يحمسونه على الجهاد، وعند اكتمال الحشد وانتهاء الاستعداد للقتال أرسل الأمير الموحدي رسالة إلى كل المسلمين يقول فيها: إن الأمير يقول لكم اغفروا له فإن هذا موضع غفران، وتغافروا فيما بينكم، وطيبوا نفوسكم، وأخلصوا لله نياتكم. فبكى الناس جميعهم، وأعظموا ما سمعوه من أميرهم المؤمن المخلص، وعلموا أنه موقف وداع، وفي موقف مهيب التقى المسلمون مع بعضهم البعض وعانقوا بعضهم بعضا، وقد ودّعوا الدنيا وأقبلوا على الآخرة.

اللقاء المرتقب

في تلك الموقعة كان موقع النصارى في أعلى تل كبير، وكان على المسلمين أن يقاتلوا من أسفل ذلك التل، لكن ذلك لم يرد المسلمين عن القتال.

وقد بدأ اللقاء ونزل القشتاليون كالسيل الجارف المندفع من أقصى ارتفاع، فهبطوا من مراكزهم كالليل الدامس وكالبحر الزاخر، أسرابا تتلوها أسراب، وأفواجا تعقبها أفواج، وكانت الصدمة كبيرة جدا على المسلمين، فقد وقع منهم الكثير في تعداد الشهداء، ثم ثبتوا بعض الشيء ثم تراجعوا، وحين رأى المنصور ذلك نزل بنفسه ودون جيشه، وفي شجاعة نادرة قام يمر على كل الفرق مناديا بأعلى صوته في كل الصفوف: جددوا نياتكم وأحضروا قلوبكم. ثم عاد رحمه الله إلى مكانه من جديد.

استطاع المسلمون بعدها أن يردوا النصارى في هذا الهجوم، ثم ما لبث النصارى أن قاموا بهجوم آخر، وكان كسابقه، انكسار للمسلمين ثم ثبات من جديد وردّ للهجوم للمرة الثانية، ثم كان الهجوم الثالث للنصارى وكان شرسا ومركزا على القلب من الموحدين، فسقط آلاف من المسلمين شهداء، واستشهد القائد العام للجيش أبو يحيى بن أبي حفص.

وهنا ظن النصارى أن الدائرة قد دارت على المسلمين وأن المعركة قد باتت لصالحهم، فنزل ملك قشتالة إلى الموقعة يحوطه عشرة آلاف فارس، عندئذ كانت قد تحركت ميمنة المسلمين من الأندلسيين وهجمت على قلب الجيش القشتالي مستغلة ضعفه في تقدم الفرسان القشتاليين نحو الموحدين في القلب، وهجمت بشدة على النصارى ، واستطاعت حصار العشرة آلاف الذين يحوطون ألفونسو الثامن.

حدث لذلك اضطراب كبير داخل صفوف الجيش القشتالي، واستمرت الموقعة طويلا، وقد ارتفعت ألسنة الغبار الكثيف، وأصبح لا يسمع إلا صوت الحديد وقرع الطبول وصيحات التكبير من جيش المؤمنين، وبدأت الدائرة تدريجيا تدور على النصارى، فالتفوا حول ملكهم وقد تزعزت قلوبهم.

وهنا وحين رأى ذلك أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي أمر جيشه الكامن خلف التلال بالتحرك، وقد انطلق معهم وفي مقدمة جيشه علم دولة الموحدين الأبيض، وقد نقش عليه: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، لا غالب إلا الله.

ارتفعت بذلك معنويات الجيش الإسلامي كثيرا، وقد أسلم النصارى رقابهم لسيوف المسلمين فأعملوها فيهم قتلا وتشريدا، وانتصر المسلمون انتصارا باهرا في ذلك اليوم الموافق التاسع من شهر شعبان لسنة إحدى وتسعين وخمسمائة من الهجرة، وأصبح يوم الأرك من أيام الإسلام المشهودة، قالوا عنه: مثل الزلاقة، وقالوا عنه: بل فاق الزلاقة.

وقد هرب ألفونسو الثامن في فرقة من جنوده إلى طليطلة، وطارت أخبار النصر في كل مكان، ودوت أخبار ذلك الانتصار العظيم على منابر المسلمين في أطراف دولة الموحدين الشاسعة، بل وصلت هذه الأخبار إلى المشرق الاسلامي، وكانت سعادة لا توصف، خاصة وأنها بعد ثمانية أعوام فقط من انتصار حطيّن العظيم.

نتائج انتصار الأرك

تمخض عن انتصار الأرك الكبير آثار ونتائج جمة وعظيمة، أهمها ما يلي:

أولا: الهزيمة الساحقة لقوات النصارى

كان من أهم آثار انتصار الأرك تبدد جيش النصارى بين القتل والأسر، فقد قتل منهم في اليوم الأول فقط - على أقل تقدير - ثلاثون ألفا، وقد جاء في نفح الطيب للمقرّي، وفي وفيات الأعيان لابن خلّكان أن عدد قتلى النصارى وصل إلى ستة وأربعين ألف ومائة ألف قتيل من أصل خمسة وعشرين ألفا ومائتي ألف مقاتل، وكان عدد الأسرى بين عشرين وثلاثين ألف أسير، وقد منّ عليهم المنصور بغير فداء؛ إظهارا لعظمة الإسلام ورأفته بهم، و عدم اكتراثه بقوة النصارى.

ثانيا: النصر المادي:

رغم الكسب المادي الكبير جدا، إلا أنه كان أقل النتائج المترتبة على انتصار المسلمين في موقعة الأرك، فقد حصد المسلمون من الغنائم ما لا يحصى، وقد بلغت - كما جاء في نفح الطيب - ثمانين ألفا من الخيول، ومائة ألف من البغال، وما لا يحصى من الخيام.

وقد وزع المنصور رحمه الله هذه الأموال الضخمة وهذه الغنائم كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فوزع على الجيش أربعة أخماسها، واستغل الخمس الباقي في بناء مسجد جامع كبير في أشبيلية؛ تخليدا لذكرى الأرك، وقد أنشأ له مئذنة سامقة يبلغ طولها مائتي متر، وكانت من أعظم المآذن في الأندلس في ذلك الوقت، إلا أنها - وسبحان الله - حين سقطت أشبيليّه بعد ذلك في أيدي النصارى تحولت هذه المئذنة والتي كانت رمزا للسيادة الإسلامية إلى برج نواقيس للكنيسة التي حلت مكان المسجد الجامع، وهي موجودة إلى الآن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ثالثا: النصر المعنوي:

كان من نتائج موقعة الأرك أيضا ذلك النصر المعنوي الكبير الذي ملأ قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فقد ارتفع نجم دولة الموحدين كثيرا، وارتفعت معنويات الأندلسيين وهانت عليهم قوة النصارى، وارتفعت أيضا معنويات المسلمين في كل بلاد العالم الإسلامي حتى راحوا يعتقون الرقاب ويخرجون الصدقات فرحا بهذا الانتصار.

وكان من جراء ذلك أيضا أن استمرت حركة الفتوح الإسلامية، واستطاع المسلمون فتح بعض الحصون الأخرى، وضموا الشمال الشرقي من جديد إلى أملاك المسلمين كما كان في عهد المرابطين، وحاصروا طليطلة سنوات عديدة إلا أنها - كما ذكرنا من قبل - كانت من أحصن المدن الأندلسية فلم يستطيعوا فتحها.

وارتفعت معنويات الموحدين كثيرا حتى فكروا بجدية في ضم كل بلاد المسلمين تحت راية واحدة، خاصة وأن المعاصر لأبي يوسف يعقوب المنصور في المشرق هو صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، لكن لم يرد الله سبحانه وتعالى لهذا الأمر أن يتم، حيث وافت أبا يوسف يعقوب المنصور الموحدي المنية قبل أن يكتمل حلمه هذا.

رابعا: صراعات شتى بين ممالك النصارى:

نتيجة لموقعة الأرك أيضا حدثت صراعات شتى بين ليون ونافار من ناحية وبين قشتالة من ناحية أخرى.. فقد ألقى عليهم ألفونسو الثامن (ملك قشتالة) مسؤلية الهزيمة، وكان من نتائج ذلك أيضا أن وقعت لهم الهزيمة النفسية. وترتب على هذا أيضا أن أتت السفارات من بلاد أوروبا تطلب العهد والمصالحة مع المنصور الموحدي رحمه الله والتي كان من أشهرها سفارة إنجلترا، تلك التي جاءت المنصور الموحدي في أواخر أيامه.

خامسا: معاهدة جديدة بين قشتالة والمسلمين:

أيضا كان من نتائج موقعة الأرك أن تمت معاهدة جديدة بين قشتالة و المسلمين على الهدنة ووقف القتال مدة عشر سنوات، بداية من سنة خمس وتسعين وخمسمائة وحتى سنة خمس وستمائة من الهجرة، أراد المنصور أن يرتب فيها الأمور من جديد في بلاد الموحدين.

وفاة المنصور الموحدي وبداية عهد ينذر بالنهاية

في نفس العام الذي تمت فيه الهدنة بين قشتالة وبين المسلمين، وفي سنة خمس وتسعين وخمسمائة من الهجرة يلقى المنصور الموحدي ربه عن عمر لم يتعدى الأربعين سنة، تم له فيه حكم دولة الموحدين خمس عشرة سنة، منذ سنة ثمانين وخمسمائة وحتى وفاته في سنة خمس وتسعين وخمسمائة من الهجرة.

ومن بعده يتولى ابنه الناصر لدين الله أبو محمد عبد الله، وعمره آنذاك ثمان عشرة سنة فقط، ورغم أن صغر السن ليس به ما يشوبه في ولاية الحكم، خاصة وقد رأينا من ذلك الكثير، إلا أن الناصر لدين الله لم يكن على شاكلة أبيه في أمور القيادة.

كان المنصور الموحدي قد استخلف ابنه الناصر لدين الله قبل وفاته على أمل أن يمد الله في عمره فيستطيع الناصر لدين الله أن يكتسب من الخبرات ما يؤهله لأن يصبح بعد ذلك قائدا فذا على شاكلة أبيه، لكن الموت المفاجئ للمنصور الموحدي عن عمر لم يتجاوز الأربعين عاما بعد كان أن وضع الناصر لدين الله على رئاسة البلاد، وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره. وقد كان من الواجب على الموحدين أن ينتخبوا من بينهم ومن حين الوفاة من يصلح للقيادة بدلا منه.

الناصر لدين الله وعقبات في الطريق

كان الناصر لدين الله شابا طموحا قويا مجاهدا لكنه لم يكن في كفاءة أبيه، وفضلا عن هذا فقد كانت البلاد محاطة بالأعداء من كل جانب، و النصارى بعد لم ينسوا هزيمتهم في موقعة الأرك التي كانت قبل سنوات قلائل، ويريدون أن يعيدوا الكرة من جديد على بلاد المسلمين، وفوق ذلك فبعد وفاة المنصور الموحدي قامت من جديد ثورات بني غانية المؤيدة لدولة المرابطين السابقة.

وقطعا - كما ذكرنا قبل ذلك - ما كان يجوز لبني غانية أن يثوروا وينقلبوا على الناصر لدين الله، إلا إن ذلك هو عين ما حدث، فبدأت الخلخلة والاضطرابات تتزايد داخل الدولة الاسلاميّة الكبيرة.

وفي سبيل استعادة الوضع إلى ما كان عليه وجّه الناصر لدين الله جلّ طاقته للقضاء على ثورات بني غانية داخل دولة الموحدين، فخاض معهم معارك وحروب كثيرة، حتى استطاع نهاية الأمر إخمادها تماما، وذلك في سنة أربع وستمائة من الهجرة، أي أنها استمرت تسع سنوات كاملة منذ بداية حكمه وحتى ذلك التاريخ.

ألفونسو الثامن واستغلال الوضع الراهن

في هذه الأثناء التي كان يسعى فيها الناصر لدين الله للقضاء على ثورات بني غانية، كان قد تجدد الأمل عند ألفونسو الثامن، فعمل على تجهيز العدة لرد الاعتبار، وأقسم على ألا يقرب النساء ولا يركب فرسا ولا بغلا، وأن ينكس الصليب حتى يأخذ بثأره من المسلمين، فأخذ يعد العدة ويجهز الجيوش ويعقد الأحلاف ويعد الحصون تمهيدا لحرب جديدة معهم.

وقبل انتهاء الهدنة ومخالفة للمعاهدة التي كان قد عقدها مع المنصور الموحدي قبل موته هجم ألفونسو الثامن على بلاد المسلمين، فنهب القرى وأحرق الزروع، وقتل العزّل من المسلمين، وكانت هذه بداية حرب جديدة ضد المسلمين.

دولة الموحدين وعيوب خطيرة في مواجهة النصارى

إضافة إلى ضعف كفاءة القيادة في دولة الموحدين المتمثلة في الناصر لدين الله، والتي لم تكن بكفاءة السابقين، فقد كان ثمة عيب خطير آخر في القيادة كان متأصلا في أجداده من قبله، وهو اعتداد الناصر لدين الله برأيه ومخالفته أمر الشورى، ذلك العيب الذي تفاداه أبوه من قبله، فأفلح وساد وتمكن ونصره الله سبحانه وتعالى، وفوق هذا وذاك فكان المسلمون قد أنهكوا في رد الثورات المتتالية لبني غانية داخل دولة الموحدين.

وزاد من ذلك أمر آخر كان في غاية الخطورة، وهو أن الناصر لدين الله كان قد استعان ببطانة سوء ووزير ذميم الخلُق يدعى أبا سعيد بن جامع، والذي شكّ كثير من المؤرخين في نواياه، وشك كثير من الأندلسيين والمغاربة المعاصريين له في اقتراحاته.

ورغم أن هذا الوزير كان من أصل أسباني فإن كثيرا من الناس قالوا بأنه كان على اتصالات مع النصارى، والتي أدّت بعد ذلك إلى أمور خطيرة جدا في دولة الموحدين، ومع كل هذا فقد كان هو الرجل الوحيد الذي يأمن له الناصر لدين الله ويستعين بآرائه، ضاربا عرض الحائط كل آراء أشياخ الموحدين وقادة الأندلسيين في ذلك الوقت.

النصارى والتعبئة العامة

على الجانب الآخر من أحداث دولة الموحدين فقد كانت هناك تعبئة روحية عالية في جيش النصارى يقودها البابا في روما بنفسه، وقد أعلنوها حربا صليبية وراحوا يضفون عليها ألوانا من القداسة، وقد رفعوا صور المسيح، وصرح البابا بأن من يشارك في هذه الحرب سيمنح صكوك الغفران، تماما كما حدث في موقعة الزلاّقة.

أتبع ذلك استنفار عام في كل أنحاء أوروبا، اشتركت فيه معظم الدول الأوروبية حتى وصل إلى القسطنطينية في شرق أوروبا وبعيدا جدا عن بلاد الأندلس، وقد تولت فرنسا مهمة الإنفاق على الجيوش بالإضافة إلى إمداد الجيش القشتالي بالرجال، وكانت فرنسا يهمها كثيرا هزيمة المسلمين لكونها البلاد التالية لبلاد الأندلس، فإن قامت لدولة الموحدين دولة قوية فحتما ستكون الدائرة عليها في المرحلة التالية.

وقد زاد الأمر تعقيدا إرسال البابا رسالة إلى مملكة نافار - وكانت قد وقعت معاهدة مع المنصور الموحدي قبل وفاته - يحضها فيها على نبذ المعاهدة التي مع الموحدين، وعلى استعادة العلاقة مع القشتاليين، وكان القشتاليون - كما ذكرنا - قد اختلفوا مع مملكة ليون ونافار بعد هزيمة الأرك، لكن البابا الآن يريد منهم التوحد في مواجهة الصف المسلم، فخاطبه بنقض عهده مع المسلمين ومحالفة ملك قشتالة، فما كان من ملك نافار إلا أن أبدى السمع والطاعة.

تكون دول أوروبا بذلك قد توحدت، وبلغ عدد جيوشها مائتي ألف نصراني يتقدمهم الملوك والرهبان نحو موقعة فصل بينهم وبين المسلمين.

جيش الموحدين وطريقه نحو العقاب

في مقابل جيوش النصارى تلك كان الناصر لدين الله قد أعلن الجهاد وجمع المجاهدين من بلاد المغرب العربي والأندلس في عدد قد بلغ خمسمائة ألف مقاتل، أي أنه أكثر من ضعف جيوش النصارى مجتمعة، كانت أقل الروايات قد ذكرت أن عدد المسلمين قد بلغ ستين ألفا ومائتي ألف، وكانت هي نفسها التي ذكرت أن عدد النصارى لم يتجاوز ستين ألفا ومائة ألف، فكان جيش المسلمين في كل الأحيان يزيد على جيش النصارى أكثر من مرة ونصف أو مرتين على الأقل.

انطلق الناصر لدين الله بجيشه من بلاد المغرب وعبر مضيق جبل طارق، ثم توجّه إلى منطقة عُرفت باسم العِقَاب - وذلك لوجود قصر قديم كان يحمل هذا الاسم في تلك المنطقة -وهي تلك المنطقة التي دارت فيها الموقعة، وقد كانت- وسبحان الله - اسما على مسمى، فكانت بحق عقابا للمسلمين على مخالفات كثيرة، ظهر بعضها سابقا وسيظهر الباقي تباعا.

دخل الناصر لدين الله أرض الأندلس بهذا العدد الكثيف من المسلمين، وفي أول عمل له حاصر قلعة سَالْبَطْرَة، وكانت قلعة كبيرة وحصينة جدا وبها عدد قليل من النصارى، وكانت تقع في الجبل جنوب طليطلة، لكن حصانة القلعة أعجز المسلمين عن فتحها، وكان أن اجتمع قادة الأندلسيين وقادة الموحدين وأشاروا على الناصر لدين الله بأن يترك حامية عليها ثم يدعها ويتجه إلى جيش النصارى في الشمال؛ وذلك خوفا من إنهاك قوتهم فيما لا طائل من ورائه، لكن الناصر لدين الله رفض هذا الأمر واستمع لرأي وزيره الذي رأى أنه لا يجب أن تُجوّز هذه القلعة، فظل يحاصرها طيلة ثمانية أشهر كاملة.

نتائج الاستبداد وملامح الهزيمة

كان من جراء هذا العمل الذي قام به الناصر لدين الله أن حدث ما يلي:

أولا: إضاعة ثمانية أشهر كان من الممكن أن يستغلها في الشمال، والانتصار على النصارى هناك قبل أن يتجمعوا في كامل عدتهم.

ثانيا: أكمل النصارى استعداداتهم خلال هذه الفترة الطويلة، واستطاعوا أن يستجلبوا أعدادا أخرى كثيرة من أوروبا.

ثالثا: هلك الآلاف من المسلمين في صقيع جبال الأندلس في ذلك الوقت، حيث كان الناصر لدين الله قد دخل بلاد الأندلس في شهر مايو وكان مناسبا جدا للقتال، إلا أنه ظل يحاصر سَالْبَطْرَة حتى قدم الشتاء القارس وبدأ المسلمون يهلكون من شدة البرد وشدة الإنهاك في هذا الحصار الطويل.

أبو الحجاج يوسف بن قادس والتحيز إلى فئة المؤمنين

في بداية لحرب فاصلة قُسّم الجيش النصرانى القادم من الشمال إلى ثلاثة جيوش كبيرة، فالجيش الأول: هو الجيش الأوروبي، والجيش الثاني: هو جيش إمارة أراجون، والجيش الثالث: هو جيش قشتالة والبرتغال وليون ونافار، وهو أضخم الجيوش جميعها.

قامت هذه الجيوش الثلاث بحصار قلعة رباح، وهي قلعة إسلامية كان قد تملكها المسلمون بعد موقعة الأرك، وكان على رأسها القائد البارع الأندلسي الشهير أبو الحجاج يوسف بن قادس رحمه الله وهو من أشهر قواد الأندلس في تاريخها.

حوصرت قلعة رباح حصارا طويلا من قبل الجيوش النصرانية، وقد طال أمد الحصار حتى أدرك أبو الحجاج يوسف بن قادس أنه لن يفلت منه، كما بدأت بعض الحوائط في هذه القلعة تتهاوى أمام جيش مملكة أراجون.

أراد أبو الحجاج يوسف بن قادس أن يحقق الأمن والأمان لجيشه، وأراد أن يتحيز إلى فئة المؤمنين وينضم إلى جيش المسلمين، فعرض على النصارى معاهدة تقضي بأن يترك لهم القلعة بكامل المؤن وكامل السلاح على أن يخرج هو ومن معه من المسلمين سالمين ليتجهوا جنوبا فيلتقوا بجيش الموحدين هناك ودون مؤن أو سلاح.

وافق ألفونسو الثامن على هذا العرض، وبدأ بالفعل انسحاب أبي الحجاج يوسف بن قادس من الحصن ومن معه من المسلمين، وقد اتجهوا إلى جيش الناصر لدين الله.

ولأن الوليمة ليست قصرا على ألفونسو الثامن، فقد اعترض على هذا الانسحاب جيش النصارى الأوروبي المتحد مع جيش قشتالة.. فقد كانوا يرون أنهم ما أتوا من أبعد بلاد أوروبا ومن إنجلترا وفرنسا والقسطنطينية إلا لقتل المسلمين؛ فلا يجب أبدا أن يتركوا ليخرجوا سالمين.

وقد فعل ألفونسو الثامن ذلك حتى إذا حاصر مدينة أخرى من مدن المسلمين فيفتحون له كما فعل سابقوهم؛ لأنه لو قاتلهم بعد العهد الذي أبرمه معهم فلن يفتح له المسلمون بعد ذلك مدنهم، فاختلف الأوروبيون مع ألفونسو الثامن، وعليه فقد انسحبوا من الموقعة.

وبذلك يكون قد انسحب من موقعة العقاب وقبل خوضها مباشرة خمسون ألفا من النصارى، وبالطبع فقد كان هذا نصرا معنويا وماديا كبيرا للمسلمين، وهزيمة نفسية وهزة كبيرة في جيش النصارى، وقد أصبح جيش المسلمين بعد هذا الانسحاب أضعاف جيش النصارى.

أمر البطانة وقتل أبي الحجاج يوسف بن قادس

حين عاد أبو الحجاج يوسف بن قادس إلى الناصر لدين الله، وعندما علم منه أنه قد ترك قلعة رباح وسلمها بالمؤن والسلاح إلى النصارى، أشار عليه الوزير السوء أبو سعيد بن جامع بقتله بتهمة التقاعس عن حماية القلعة.

لم يتردد الناصر لدين الله، وفي ميدان موقعة العقاب يمسك بالقائد المجاهد أبي الحجاج يوسف بن قادس ثم يقتله.

وإن هذا - وبلا شك - ليعد خطأ كبيرا من الناصر لدين الله، وعملا غير مبرر، ويضاف إلى جملة أخطائه السابقة، وذلك للآتي:

أولا: أن أبا الحجاج يوسف بن قادس لم يخطئ بانسحابه هذا، بل كان متحرفا لقتال، ومتحيزا إلى الجيش المتأهب للحرب، كما أنه لو مكث لهلك، ولو لم يهلك لكانت قد حيدت قواته عن الاشتراك في الموقعة بسب الحصار المفروض عليها.

ثانيا: وعلى فرض أن أبا الحجاج يوسف بن قادس قد أخطأ، فلم يكن - على الإطلاق - عقاب هذا الخطأ القتل، خاصة وأنه لم يتعمده بل كان اجتهادا منه.

وإن مثل ذلك قد حدث في حروب الردة حينما أخطأ عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه في أحد المعارك، وكان خليفة المسلمين حينئذ أبو بكر الصديق رضي الله عنه فما كان من أبي بكر في معالجة خطأ عكرمة إلا أن عنّفه باللسان وأوضح له خطأه، ثمّ أعاده مع جيشه من جديد إلى القتال لمساعدة جيش آخر من جيوش المسلمين، بل أرسل إلى قائد هذا الجيش الآخر- يرفع من روح عكرمة وجيشه - بأن يستعين برأي عكرمة بن أبي جهل فإنّ له رأيا.

ومن هنا وبهذه الطريقة وبجانب فقْد قوة كبيرة جدا بفقد هذا القائد البارع، فقد فقَدَ الجيش الإسلامي أيضا قوة الأندلسيين الذين شعروا أن هناك فارقا بينهم وبين المغاربة؛ مما كان له أثر سلبي كبير على واقع المعركة على نحو ما سيأتي بيانه.

خطة الناصر لدين الله ومتابعة الأخطاء

تكملة للأخطاء السابقة فقد وضع الناصر لدين الله خطة شاذة في ترتيب جيشه وتقسيمه، حيث لم يسِر فيه على نهج السابقين، ولم يقرأ التاريخ كما قرأه المنصور الموحدي ويوسف بن تاشفين.. فقد قسم جيشه إلى فرقة أمامية وفرقه خلفيه، لكنه جعل الفرقة الأمامية من المتطوعين وعددهم ستين ألفا ومائة ألف متطوع، وضعهم في مقدمة الجيش ومن خلفهم الجيش النظامي الموحدي.

وإنْ كان هؤلاء المتطوعة الذين في المقدمة متحمسين للقتال بصورة كبيرة، فإنهم ليست لهم الخبرة والدراية بالقتال كما هو الحال بالنسبة لتلك الفرقة المنتخبة من أجود مقاتلي النصارى، والتي هي في مقدمة جيشهم.

فكان من المفترض أن يضع الناصر لدين الله في مقدمة الجيش القادرين على صد الهجمة الأولى للنصارى؛ وذلك حتى يتملك الخطوات الأولى في الموقعة، ويرفع بذلك من معنويات المسلمين ويحط من معنويات النصارى، لكن العكس هو الذي حدث حيث وضع المتطوعه في المقدمة.

ولقد زاد من ذلك أيضا فجعل الأندلسيين في ميمنة الجيش، وما زال الألم والحرقة تكمن في قلوبهم من جراء قتل قائدهم الأندلسي المجاهد المغوار أبي الحجاج يوسف بن قادس، فكان خطأ كبيرا أيضا أن جعلهم يتلقون الصدمة الأولى من النصارى.

فنستطيع الآن حصر أخطاء الناصر لدين الله وهو في طريقه نحو العقاب على النحو التالي:

أولا: حصار قلعة سَالْبَطْرَة طيلة ثمانية أشهر كاملة.

ثانيا: الاستعانة ببطانة السوء الممثلة في الوزير السوء أبي سعيد بن جامع.

ثالثا: قتل القائد الأندلسي المشهور أبي الحجاج يوسف بن قادس.

رابعا: تنظيم الجيش وتقسيمه الخاطئ في أرض الموقعة.

خامسا: أمر في غاية الخطورة وهو الاعتقاد في قوة العدد والعدة، فقد دخل الناصر لدين الله الموقعة وهو يعتقد أنه لا محالة منتصر؛ فجيشه أضعاف الجيش المقابل. ومن هنا تتبدى في الأفق سحائب حنين جديدة، يخبر عنها سبحانه وتعالى بقوله: [وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ] {التوبة:25}.

العقاب.. والعقاب المر

تماما وكما تكررت حُنين في أرض الأندلس قبل ذلك في بلاط الشهداء، وفي موقعة الخندق مع عبد الرحمن الناصر وهو في أعظم قوته، تتكرر حُنين أيضا مع الناصر لدين الله في موقعة العقاب وهو في أعظم قوة للموحدين، وفي أكبر جيش للموحدين على الإطلاق، بل وفي أكبر جيوش المسلمين في بلاد الأندلس منذ أن فتحت في سنة اثنتين وتسعين من الهجرة.

لتوالي الأخطاء السابقة كان طبيعيا جدا أن تحدث الهزيمة، فقد هجم المتطوعون من المسلمين على مقدمة النصارى، لكنهم ارتطموا ارتطاما شديدا بقلب قشتالة المدرّب على القتال، فصدوهم بكل قوة ومزّقوا مقدمة المسلمين وقتلوا منهم الآلاف في الضربة الأولى لهم.

واستطاعت مقدمة النصارى أن تخترق فرقة المتطوعة بكاملها، والبالغ عددهم - كما ذكرنا - ستين ألفا ومائة ألف مقاتل، وقد وصلوا إلى قلب الجيش الموحدي النظامي الذي استطاع أن يصد تلك الهجمة، لكن كانت قد هبطت وبشدة معنويات الجيش الإسلامي نتيجة قتل الآلاف منهم، وارتفعت كثيرا معنويات الجيش النصارى لنفس النتيجة.

وحين رأى ألفونسو الثامن ذلك أطلق قوات المدد المدربة لإنقاذ مقدمة النصارى ، وبالفعل كان لها أثر كبير وعادت من جديد الكرّة للنصارى.

في هذه الأثناء حدث حادث خطير في جيش المسلمين، فحين رأى الأندلسيون ما حدث في متطوعة المسلمين واستشهاد الآلاف منهم، إضافة إلى كونهم يقاتلون مرغمين مع الموحدين - كما ذكرنا قبل ذلك - وأيضا كونهم يعتقدون بالعدد وليس في الثقة بالله عز وجل كل هذه الأمور اعتملت في قلوبهم، ففروا من أرض القتال.

وحين فرت ميمنة المسلمين من أرض الموقعة التف النصارى حول جيش المسلمين وبدأت الهلكة فيهم، فقتل الآلاف من المسلمين بسيوف النصارى في ذلك اليوم، والذي سُمّي بيوم العقاب أو معركة العقاب.

قُتل سبعون ألفا من مسلمي دولة الموحدين ومن الأندلسيين.. قُتلوا على يد النصارى، وفر الناصر لدين الله من أرض الموقعة ومعه فلول الجيش المنهزم المنكسر والمصاب في كل أجزاء جسده الكبير. وقد قال الناصر لدين الله وهو يفر: صدق الرحمن وكذب الشيطان. حيث دخل الموقعة وهو يعلم أنه منصور بعدده، فعلم أن هذا من إلقاء الشيطان وكذبه، وصدق الرحمن: [وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ] {التوبة:25}. فولى الناصر لدين الله مدبرا.

ومما زاد من مررارة الهزيمة أنه ارتكب خطأ آخر لا يقل بحال من الأحوال عن هزيمته المنكرة السابقة وفراره من أرض المعركة، وهو أنه لم يمكث بعد موقعة العقاب في المدينة التي تلي مباشرة مدينة العقاب، وهي مدينة بيّاسة، بل فر وترك بيّاسة ثم ترك أوبدّة، ترك كلتيهما بلا حامية وانطلق إلى مدينة أشبيليّة، وما زالت قوة النصارى في عظمها وما زالت في بأسها الشديد.

الفواجع بعد العقاب

انطلقت قوة النصارى بعد عقاب وهزيمة المسلمين تلك في موقعة العقاب فحاصرت بيّاسة، وكانت مأوى للمرضى والنساء والأطفال، فجمعوهم في المسجد الجامع الكبير في المدينة وقاموا بقتلهم جميعهم بالسيف، ثم انطلقوا إلى مدينة أوبدة، وهناك حاصروها ثلاثة عشر يوما، ثم أعطوا أهلها الأمان على أن يخرجوا منها، وعند خروجهم أمر القساوسة الملوك بقتلهم وعدم تركهم، فقتل من المسلمين في مدينة أوبدّة وفي أعقاب موقعة العقاب وفي يوم واحد ستون ألف مسلم.

وقد تدهور حال المسلمين كثيرا في كل بلاد المغرب والأندلس على السواء، حتى قطع المؤرخون بأنه بعد موقعة العقاب ما كنت تجد شابا صالحا للقتال لا في بلاد المغرب ولا في بلاد الأندلس. فكانت موقعة واحدة قد بددت وأضاعت دولة في حجم وعظم دولة الموحدين.

ثم إنه قد انسحب الناصر لدين الله أكثر مما كان عليه، فانسحب من أشبيلية إلى بلاد المغرب العربي، ثم قد اعتكف في قصره واستخلف ابنه وليا للعهد من بعده وهو بعد لم يتجاوز العشر سنين.

وفي عمل قد يعد أمرا طبيعيا ونتيجة حتمية لمثل هذه الأفعال، فقد توفي الناصر لدين الله بعد هذا الاستخلاف بعام واحد في سنة عشر وستمائة من الهجرة، عن عمر لم يتجاوز الرابعة والثلاثين، وتولى حكم البلاد من بعده ولي عهده وابنه المستنصر بالله، وعمره آنذاك إحدى عشرة سنة فقط.

ومن جديد وكما حدث في عهد ملوك الطوائف تضيع الأمانة ويوسّد الأمر لغير أهله وتتوالى الهزائم على المسلمين بعد سنوات طويلة جدا من العلو والسيادة والتمكين لدولة الموحدين.

متابعة المأساة بعد موقعة العقاب

في موقف مدّ في عمر الإسلام في بلاد الأندلس بضع سنوات ظهرت بعض الأمراض في الجيوش القشتالية، الأمر الذي اضطرهم إلى العودة إلى داخل حدودهم.

وفي سنة أربعة عشرة وستمائة من الهجرة، وبعد موقعة العقاب بخمس سنين، ونظرا لتردي الأوضاع في بلاد المغرب، وتولي المستنصر بالله أمور الحكم وهو بعد طفل لم يبلغ الرشد، ظهرت حركة جديدة من قبيلة زناته في بلاد المغرب واستقلت عن حكم دولة الموحدين هناك، وأنشأت دولة سنية هي دولة بني مارين، والتي سيكون لها شأن كبير فيما بعد في بلاد الأندلس.

وفي سنة عشرين وستمائة من الهجرة سقطت جزر البليار، وقتل فيها عشرون ألفا من المسلمين على يد ملك أراجون بمساعدة إيطاليا.

وفي نفس العام أيضا استقل بنو حفص بتونس، وانفصلوا بها عن دولة الموحدين.. وهو ذلك العام الذي توفي فيه أمير الموحدين المستنصر بالله عن إحدى وعشرين سنة فقط.

وعلى إثر هذا فقد دار صراع شديد على السلطة؛ حيث لم يكن المستنصر بالله قد استخلف بعد، فتولى عم أبيه عبد الواحد من بعده، إلا أنه خلع وقتل، ثم تولى من بعده عبد الله العادل، وعلى هذا الحال ظل الصراع، وأصبح الرجل يتولى الحكم مدة أربع أو خمس سنوات فقط ثم يُخلع أو يُقتل ويأتي غيره وغيره، حتى سارت الدولة نحو هاوية سحيقة.

وفي سنة خمسة وعشرين وستمائة من الهجرة استقل رجل يسمى ابن هود بشرق وجنوب الأندلس، وكان كما يصفه المؤرخون: مفرطا في الجهل، ضعيف الرأي، لم يُنصر له على النصارى جيش.

وفي سنة ثلاثة وثلاثين وستمائة من الهجرة استقل بنو جيّان بالجزائر، وفي نفس هذا العام حدث حادث خطير ومروع. إنه حادث سقوط قرطبة حاضرة الإسلام.

المأساة الكبرى وسقوط قرطبة

في موقف لا نملك حياله إلا التأسف والندم، وفي سنة ثلاثة وثلاثين وستمائة من الهجرة، وبعد حصار طال عدة شهور، وبعد استغاثة بابن هود الذي استقل بدولته جنوب وشرق الأندلس، والذي لم يعر اهتماما لهذه الاستغاثات بسبب كونه منشغلا بحرب ابن الأحمر، ذلك الأخير الذي كان قد استقل أيضا بجزء آخر من بلاد الأندلس، في كل هذه الظروف سقطت قرطبة، وسقطت حاضرة الإسلام في بلاد الأندلس.

وكان أمرا غاية في القسوة حين لم يجد أهل قرطبة بدا من الإذعان والتسليم والخروج من قرطبة، وكان الرهبان مصرون على قتلهم جميعهم، لكن فرناندو الثالث ملك قشتالة رفض ذلك؛ خشية أن يدمر أهل المدينة كنوزها وآثارها الفاخرة، وبالفعل خرج أهلها متجهين جنوبا تاركين كل شيء، وتاركين حضارة ومنارة ومجدا عظيما كانوا قد خلفوه.

سقطت قرطبة التي أفاضت على العالم أجمع خيرا وبركة وعلما ونورا، سقطت قرطبة صاحبة الثلاثة آلاف مسجد، وصاحبة الثلاث عشرة ألف دار، سقطت قرطبة عاصمة الخلافة لأكثر من خمسمائة عام، سقطت قرطبة صاحبة أكبر مسجد في العالم، سقطت وسقط أعظم ثغور الجهاد في الإسلام.

سقطت قرطبة في الثالث والعشرين من شهر شوال لسنة ثلاثة وثلاثين وستمائة من الهجرة.. سقطت وفي يوم سقوطها تحوّل مسجدها الجامع الكبير إلى كنيسة، وما زال كنيسة إلى اليوم، ولا حول ولا قوّة إلا بالله.

تتابع المآسي

بعد سقوط قرطبة وفي سنة خمسة وثلاثين وستمائة من الهجرة استقل بنو الأحمر بغرناطة بعد موت ابن هود في نفس السنة، وسيكون لهم شأن كبير في بلاد الأندلس على نحو ما سنبينه، وفي سنة ستة وثلاثين وستمائة من الهجرة وبعد استقلال ابن الأحمر بغرناطة بسنة واحدة وبعد حصار دام خمس سنوات متصلة سقطت بلنسية على يد ملك أراجون بمساعدة فرنسا، وكان حصارا شديدا كاد الناس أن يهلكوا جوعا، وكان خلاله عدة مواقع أشهرها موقعة أنيشة سنة أربع وثلاثين وستمائة من الهجرة، والتي هلك فيها الكثير من المسلمين من بينهم الكثير من العلماء.

وكان بنو حفص في تونس قد حاولوا مساعدة بلنسية بالمؤن والسلاح لكن الحصار كان شديدا حتى اضطروا لترك البلد تماما في سنة ستة وثلاثين وستمائة، وهُجّر خمسون ألفا من المسلمين إلى تونس، وتحولت للتّو كل مساجد المسلمين إلى كنائس، وكانت هذه سياسة متبعة ومشهورة للنصارى في كل البلاد الإسلامية التي يسيطرون عليها، إما القتل وإما التهجير.

وفي سنة إحدى وأربعين وستمائة من الهجرة سقطت دانية بالقرب من بلنسية، وفي سنة ثلاثة وأربعين وستمائة سقطت جيّان. وهكذا لم يبق في بلاد الأندلس إلا ولايتان فقط، ولاية غرناطة في الجنوب الشرقي من البلاد، وولاية أشبيلية في الجنوب الغربي، وهما يمثلان حوالي ربع بلاد الأندلس.

هذا مع الأخذ في الاعتبار أن كل ولايات إفريقيا قد استقلّت عن دولة الموحدين، فسقطت بذلك الدولة العظيمة المهيبة المتسعة البلاد المترامية الأطراف.

دولة الموحدين وعوامل السقوط.. وقفة تحليلية

قد يفاجأ البعض ويتعجب باحثا عن الأسباب والعلل من هول هذا السقوط المريع لهذا الكيان الكبير بهذه الصورة السريعة المفاجئة، وحقيقة الأمر أن هذا السقوط لم يكن مفاجئا؛ فدولة الموحدين كانت تحمل في طياتها بذور الضعف وعوامل الانهيار، وكانت كثيرة، نذكر منها ما يلي:

أولا: تعاملها بالظلم مع دولة المرابطين، وقتلها الآلاف ممن لا يستحقون القتل.. وإن طريق الدم لا يمكن أبدا أن يثمر عدلا، يقول ابن تيمية: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة.

ثانيا: العقائد الفاسدة التي أدخلوها على منهج أهل السنة، وبالرغم من أن يعقوب المنصور رحمه الله قاومها بشدة، إلا أن أشياخ الموحدين ظلوا يعتقدون في عصمة محمد بن تومرت وفي صدق أقواله، حتى آخر أيام دولة الموحدين.

ثالثا: الثورات الداخلية الكثيرة التي قامت داخل دولة الموحدين، وكان أشهرها ثورة بني غانية، والتي كانت في جزر البليار، وأيضا في بلاد الأندلس وفي تونس.

رابعا: الإعداد الجيد من قبل النصارى في مقابل الإعداد غير المدروس من قبل الناصر لدين الله ومن تبعه بعد ذلك.

خامسا: وهو أمر هام وجد خطير، وهو انفتاح الدنيا على دولة الموحدين وكثرة الأموال في أيديهم والتي طالما غرق فيها كثير من المسلمين، وكذلك أيضا الترف والبذخ الشديد الذي أدى إلى التصارع على الحكم وإلى دعة الحكام وإلى الحركات الانفصالية كما ذكرنا.

سادسا: بطانة السوء المتمثلة في أبي سعيد بن جامع وزير الناصر لدين الله ومن كان على شاكلته بعد ذلك.

سابعا: إهمال الشورى من قبل الناصر لدين الله ومن بعده من الأمراء.

هذا وغيره الكثير من العوامل التي اجتمعت لتسقط هذا الكيان الكبير، والذي لم يبق منه في بلاد الأندلس إلا ولايتان فقط هما غرناطة وأشبيلية، ومع ذلك - وسبحان الله - ظل الإسلام في بلاد الأندلس لأكثر من خمسين ومائتي سنة من هذا السقوط المروع لدولة الموحدين.

يتبع

Share this post


Link to post
Share on other sites

الفصل الثاني عشر والأخير: سقوط الأندلس

مقدمة

الوضع الآن هو سقوط دولة الموحدين على إثر موقعة العقاب، ثم سقوط مدن المسلمين الواحدة تلو الأخرى، حتى سقطت قرطبة حاضرة الإسلام وعاصمة الخلافة، وسقطت جيان في سنة ثلاث وأربعين وستمائة من الهجرة.

هذا ولم يبق في الأندلس إلا ولايتان فقط كبيرتان نسبيا، الأولى هي ولاية غرناطة، وتقع في الجنوب الشرقي، وتمثل حوالي خمس عشرة بالمائة من بلاد الأندلس، والثانية هي ولاية أشبيلية، وتقع في الجنوب الغربي، وتمثل حوالي عشرة بالمائة من أرض الأندلس.

هاتان الولايتان هما اللتان بقيتا فقط من جملة بلاد الأندلس، وكان من العجيب كما ذكرنا أن يظل الإسلام في بلاد الأندلس بعد هذا الوضع وبعد سقوط قرطبة، وبعد هذا الانهيار الكبير لمدة تقرب من خمسين ومائتي سنة، فكانت هذه علامات استفهام كبيرة، ولا بد من وقفة معها بعض الشيء.

ابن الأحمر وملك قشتالة ومعاهدة الخزي والشنار

في نفس العام التي سقطت فيه جيان، وفي سنة ثلاث وأربعين وستمائة من الهجرة، وحماية لحقوق وواجبات مملكة قشتالة النصرانية وولاية غرناطة الإسلامية، يأتي فرناندو الثالث ملك قشتالة ويعاهد ابن الأحمر الذي يتزعم ولاية غرناطة، ويعقد معه معاهدة يضمن له فيها بعض الحقوق ويأخذ عليه بعض الشروط والواجبات.

وقبل أن نتحدث عن بنود هذه الاتفاقية وتلك المعاهدة، نتعرف أولا على أحد طرفي هذه المعاهدة وهو ابن الأحمر، فهو محمد بن يوسف بن نصر بن الأحمر، والذي ينتهي نسبه إلى سعد بن عبادة الخزرجي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن شتّان بين محمد بن يوسف بن نصر بن الأحمر هذا، وبين سعد بن عبادة الخزرجي، وقد سُمّي بابن الأحمر لاحمرار لون شعره، ولم يكن هذا اسما له، بل لقبا له ولأبنائه من بعده حتى نهاية حكم المسلمين في غرناطة.

وفي بنود المعاهدة التي تمت بين ملك قشتالة وبين محمد بن يوسف بن نصر بن الأحمر هذا أو محمد الأول كان ما يلي:

أولا: أن يدفع ابن الأحمر الجزية إلى ملك قشتالة، وكانت خمسين ومائة ألف دينار من الذهب سنويا، وكان هذا تجسيدا لحال الأمة الإسلامية، وتعبيرا عن مدى التهاوي والسقوط الذريع بعد أفول نجم دولة الموحدين القوية المهابة، والتي كانت قد فرضت سيطرتها على أطراف كثيرة جدا من بلاد الأندلس وإفريقيا.

ثانيا: أن يحضر بلاطه كأحد ولاته على البلاد، وفي هذا تكون غرناطة تابعة لقشتالة ضمنيا.

ثالثا: أن يحكم غرناطة باسم ملك قشتالة علانية، وبهذا يكون ملك قشتالة قد أتم وضمن تبعية غرناطة له تماما.

رابعا: أن يسلمه ما بقي من حصون جيّان- المدينة التي سقطت أخيرا- وأرجونه وغرب الجزيرة الخضراء حتى طرف الغار، وحصون أخرى كثيرة جدا تقع كلها في غرب غرناطة، وبذلك يكون ابن الأحمر قد سلم لفرناندو الثالث ملك قشتالة مواقع في غاية الأهمية تحيط بغرناطة نفسها.

خامسا: وهو أمر في غاية الخطورة، وهو أن يساعده في حروبه ضد أعدائه إذا احتاج إلى ذلك، أي أن ابن الأحمر يشترك مع ملك قشتالة في حروب ملك قشتالة التي يخوضها أيا كانت الدولة التي يحاربها.

قمة التدني والانحطاط وسقوط أشبيلية

في أول حرب له بعد هذه الاتفاقية قام ملك قشتالة بالزحف نحو أشبيلية، وبالطبع طلب من ابن الأحمر أن يساعده في حربها وفق بنود المعاهدة السابقة، والتزاما صاغرا بها، ودوسا بالأقدام لتعاليم الإسلام وشرائعه، وضربا عرض الحائط لرابطة النصرة والأخوة الإسلامية، وموالاة للنصارى وأعداء الإسلام على المسلمين، ما كان من ابن الأحمر إلا أن سمع وأطاع، وبكامل عدته يتقدم فرسان المسلمين الذين يتقدمون بدورهم جيوش قشتالة نحو أشبيلية، ضاربين حصارا طويلا وشديدا حولها.

وإنه لمما يثير الحيرة والدهشة ويدعو إلى التعجب والحسرة في ذات الوقت هو أنه إذا كان ابن الأحمر على هذه الصورة من هذه السلبية وذاك الفهم السقيم، والذي لا يُنبئ إلا عن مصلحة شخصية ودنيوية زائلة، فأين موقف شعب غرناطة الذي هو قوته وجيشه؟! وكيف يرتضي فعلته تلك ويوافقه عليها، ومن ثم يتحرك معه ويحاصر أشبيلية المسلمة المجاورة، وهما معا (أشبيلية وغرناطة) كانا مدينة واحدة في دولة إسلامية واحدة هي دولة الأندلس؟!

أليس الجيش من الشعب؟! أوليس هم مسلمون مثلهم وأخوة في الدين لهم حق النصرة والدفاع عنهم؟! فإنه ولا شك كان انهيارا كبيرا جدا في أخلاق القادة وأخلاق الشعوب.

يتحرك الجيش الغرناطي مع الجيش القشتالي ويحاصرون المسلمين في أشبيلية، ليس لشهر أو شهرين، إنما طيلة سبعة عشر شهرا كاملا، يستغيث فيها أهل أشبيلية بكل من حولهم، لكن هل يسمع من به صمم؟!

المغرب الآن مشغول بالثورات الداخلية، وبنو مارين يصارعون الموحدين في داخل المغرب، والمدينة الوحيدة المسلمة في الأندلس غرناطة هي التي تحاصر أشبيليّة، ولا حول ولاقوة إلا بالله.

وهناك وفي السابع والعشرين من شهر مضان لسنة ست وأربعين وستمائة من الهجرة، وبعد سبعة عشر شهرا كاملا من الحصار الشديد، تسقط أشبيليّة بأيدي المسلمين ومعاونتهم للنصارى، تسقط أشبيليّة ثاني أكبر مدينة في الأندلس، تلك المدينة صاحبة التاريخ المجيد والعمران العظيم، تسقط أشبيليّة أعظم ثغور الجنوب ومن أقوى حصون الأندلس، تسقط أشبيليّة ويغادر أهلها البلاد، ويهجّر ويشرّد منها أربعمائة ألف مسلم، وواحسرتاه على المسلمين، تفتح حصونهم وتدمر قوتهم بأيديهم

وَمَا فَتِئَ الزَّمَانُ يَدُورُ حَتَّى مَضَى بِالْمَجْدِ قَوْمٌ آخَرُونَ

وَأَصْبَحَ لَا يُرَى فِي الرَّكْبِ قَوْمِي وَقَدْ عَاشُوا أَئِمَّتُهُ سِنِينًا

وَآلَمَنِي وَآلَمَ كُلَّ حُرٍّ سُؤَالُ الدَّهْرِ: أَيْنَ الْمُسْلِمُونَ؟

أين المسلمون؟! إنهم يحاصرون المسلمين! المسلمون يقتلون المسلمين! المسلمون يشرّدون المسلمين!

وعلى هذا تكون أشبيلية قد اختفت وإلى الأبد من الخارطة الإسلامية، وما زال إلى الآن مسجدها الكبير الذي أسسّه يعقوب المنصور الموحدي بعد انتصار الأرك الخالد، والذي أسسّه بغنائم الأرك، مازال إلى اليوم كنيسة يعلّق فيها الصليب، ويُعبد فيها المسيح بعد أن كانت من أعظم ثغور الإسلام، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.

غرناطة ولماذا يعاهدها ملك قشتالة؟

لم يتبق في الأندلس في سنة ست وأربعين وستمائة من الهجرة بلادا إسلامية غير غرناطة وما حولها فقط من القرى والمدن، والتي لا تمثل كما ذكرنا أكثر من خمس عشرة بالمائة من أرض الأندلس، وهي تضم ثلاث ولايات متحدة هي: ولاية غرناطة، وولاية ملقة، وولاية ألمرية، ثلاث ولايات تقع تحت حكم ابن الأحمر، وإن كان هناك شيء من الاستقلال داخل كل ولاية.

ولنا أولا أن نتساءل ونتعجب: لماذا يعقد فرناندو الثالث اتفاقية ومعاهدة مع هذه القوة التي أصبح القضاء عليها أمرا ميسورا خاصة بعد هذا الانهيار المروّع لدولة المسلمين؟! لماذا يعقد معاهدة مع ابن الأحمر؟! ولماذا لم يأكل غرناطة كما أكل غيرها من بلاد المسلمين ودون عهود أو اتفاقيات؟!

والواقع أن ذلك كان للأمور التالية:

أولا: كانت غرناطة بها كثافة سكانية عالية؛ الأمر الذي يجعل من دخول جيوش النصارى إليها من الصعوبة بمكان، وقد كان من أسباب هذه الكثافة العالية أنه لما كانت تسقط مدينة من مدن المسلمين في أيدي النصارى فكان النصارى كما ذكرنا ينتهجون نهجا واحدا، وهو إما القتل أو التشريد والطرد من البلاد.

فكان كلما طُرد رجل من بلاده عمق واتجه ناحية الجنوب، فتجمع كل المسلمون الذين سقطت مدنهم في أيدي النصارى في منطقة غرناطة في الجنوب الشرقي من البلاد، فأصبحت ذات كثافة سكانية ضخمة، الأمر يصعب معه دخول قوات النصارى إليها.

ثانيا: كانت غرناطة ذات حصون كثيرة ومنيعة جدا، وكانت هذه الحصون تحيط بغرناطة وألمرية وملقة.

ثالثا: أنها (غرناطة) كانت تقع في الجنوب الشرقي وعلى البحر المتوسط، أي أنها قريبة من بلاد المغرب العربي، وكانت قد قامت في بلاد المغرب العربي كما ذكرنا نواة دولة إسلامية جديدة هي دولة بني مارين، وكانت دولة سنية تقوم على التقوى، فكانت بين الحين والآخر تساعد بلاد غرناطة؛ ومن جراء ذلك استطاعت غرناطة أن تصمد بعض الشيء وتقف على أقدامها ولو قليلا أمام فرناندو الثالث ومن معه من النصارى في مملكة قشتالة.

ومن هنا وافق فرناندو الثالث على عقد مثل هذه المعاهدة، وإن كانت كما رأينا معاهدة جائرة ومخزية، يدفع فيها ابن الأحمر الجزية، ويحارب بمقتضاها مع ملك قشتالة، ويتعهد فيها بألا يحاربه في يوم ما.

غرناطة وموعد مع الأجل المحتوم

كعادتهم ولطبيعة متأصلة في كينونتهم، ومع كون المعاهده السابقة والتي بين ابن الأحمر وملك قشتالة تقوم على أساس التعاون والتصالح والنصرة بين الفريقين، إلا أنه بين الحين والآخر كان النصارى القشتاليون بقيادة فرناندو الثالث ومن تبعه من ملوك النصارى يخونون العهد مع ابن الأحمر، فكانوا يتهجمون على بعض المدن ويحتلونها، وقد يحاول هو (ابن الأحمر) أن يسترد هذه البلاد فلا يفلح، فلا يجد إلا أن يعاهدهم من جديد على أن يترك لهم حصنا أو حصنين أو مدينة أو مدينتين مقابل أن يتركوه حاكما على بلاد غرناطة باسمهم، ولاحول ولا قوة إلا بالله.

فلم تؤسَّس غرناطة على التقوى، بل أسسها ابن الأحمر على شفا جرف هارٍ، معتمدا على صليبي لا عهد له ولا أمان [أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ] {البقرة:100} .

وقد ظل ابن الأحمر طيلة الفترة من سنة ثلاث وأربعين وستمائة من الهجرة، ومنذ أول معاهدة عقدها مع ملك قشتالة، وحتى سنة إحدى وسبعين وستمائة ظل طيلة هذه الفترة في اتفاقيات ومعاهدات.

وفي سنة إحدى وسبعين وستمائة من الهجرة بدأ ملك قشتالة وكان في ذلك الوقت ألفونسو العاشر بالمخالفة الصريحة لبنود المعاهدة المبرمة بينهما، وبدأ في تجييش الجيوش لدخول غرناطة، ومن ثم إنهاء الوجود الإسلامي تماما من أرض الأندلس.

هنا وجد ابن الأحمر نفسه في مأزق، وحينها فقط علم أنه عاهد من لا عهد له، فماذا يفعل؟ ما كان منه إلا أن يمّم وجه شطر بلاد المغرب حيث بنو مارين، وحيث الدولة التي قامت على أنقاض دولة الموحدين، والتي كان عليها رجل يُسمّى يعقوب بن منصور الماريني، الماريني تمييزا بينه ويعقوب بن منصور الموحدي في دولة الموحدين، وكلاهما كانا على شاكلة واحدة، وكلاهما من عظماء المسلمين، وكلاهما من أكبر القواد في تاريخ المسلمين.

يعقوب بن منصور الماريني رجل الشدائد

في وصف بليغ ليعقوب بن منصور الماريني يحدث المؤرخون المعاصرون له أنه كان: صوّاما قوّاما، دائم الذكر، كثير الفكر، لا يزال في أكثر نهاره ذاكرا، وفي أكثر ليله قائما يصلي، مكرما للصلحاء، كثير الرأفة والحنين على المساكين، متواضعا في ذات الله تعالى لأهل الدين، متوقفا في سفك الدماء، كريما جوّادا، وكان مظفرا، منصور الراية، ميمون النقيبة، لم تهزم له راية قط، ولم يكسر له جيش، ولم يغزو عدوا إلا قهره، ولا لقي جيشا إلا هزمه ودمّره، ولا قصد بلدا إلا فتحه، وكان خطيبا مفوها، يؤثّر في نفوس جنوده، شجاعا مقداما يبدأ الحرب بنفسه.

وإنها والله لصفات عظيمة جدا لهؤلاء القادة المجاهدين الفاتحين، يجب أن يقف أمامها المسلمون كثيرا وكثيرا، ويتمثلونها ولو في قرارة أنفسهم، ويجعلون منها نبراسا ولو في حياتهم العامة.

وفي تطبيق عملي لإحدى هذه الصفات وحين استعان محمد بن الأحمر الأول بيعقوب بن منصور الماريني ممثلا في دولة بني مارين، ما كان منه إلا أن أعد العدة وأتى بالفعل، وقام بصد هجوم النصارى على غرناطة.

بلاد الأندلس واستيراد النصر وقفة عابرة

لقد تعودت بلاد الأندلس استيراد النصر من خارجها كانت هذه مقولة ملموسة طيلة العهود السابقة لبلاد الأندلس، فلقد ظلت لأكثر من مائتي عام تستورد النصر من خارج أراضيها، فمرة من المرابطين، وأخرى من الموحدين، وثالثة كانت من بني مارين وهكذا، فلا تكاد تقوم للمسلمين قائمة في بلاد الأندلس إلا على أكتاف غيرهم من بلاد المغرب العربي وما حولها.

ومن الطبيعي ألا يستقيم الأمر لتلك البلاد التي تقوم على أكتاف غيرها أبدا، وأبدا لا تستكمل النصر، وأبدا لا تستحق الحياة، لا يستقيم أبدا أن تنفق الأموال الضخمة في بناء القصور في غرناطة مثل قصر الحمراء الذي يعد من أعظم قصور الأندلس ليحكم منها ابن الأحمر أوغيره وهو في هذه المحاصرة من جيوش النصارى، ثم يأتي غيره ومن خارج الأندلس ليدافع عن هذه البلاد وتلك القصور.

ولا يستقيم أبدا لابن الأحمر أن يُنشئ الجنان الكثيرة (أكثر من ثلاثمائة حديقة ضخمة في غرناطة، وكان يطلق على كل حديقة منها اسم (جنّة) لسعتها وكثرة الثمار والأشجار فيها) وينفق كل هذا الإنفاق والبلاد في حالة حرب مع النصارى، ثم حين يأتي وقت الجهاد يذهب ويستعين بالمجاهدين من البلاد المجاورة.

وعلى كلٍ فقد أتى بنو مارين كما ذكرنا واستطاعوا أن يردوا الهجوم عن غرناطة، وحفظها الله من السقوط المدوي

وفاة محمد الأول وولاية محمد الفقيه

في ذات العام الذي رُدّ فيه جيش النصارى، وفي سنة إحدى وسبعين وستمائة يموت محمد بن الأحمر الأول وقد قارب الثمانين من عمره، وقد استخلف على الحكم ابنه، ومثل اسمه واسم معظم أمراء بني الأحمر كان اسم ابنه هذا محمد، فكان هو محمد بن محمد بن يوسف بن الأحمر، وكانوا يلقبونه بالفقيه؛ لأنه كان صاحب علم غزير وفقه عميق.

لما تولى محمد الفقيه الأمور في غرناطة نظر إلى حال البلاد فوجد أن قوة المسلمين في بلاد الأندلس لن تستطيع أن تبقى صامدة في مواجهة قوة النصارى، هذا بالإضافة إلى أن ألفونسو العاشر حين مات ابن الأحمر الأول ظن أن البلاد قد تهاوت، فما كان منه إلا أن أسرع بالمخالفة من جديد وبالهجوم على أطراف غرناطة، ما كان أيضا من محمد الفقيه إلا أن استعان بيعقوب المنصور الماريني رحمه الله.

وفي سنة ثلاث وسبعين وستمائة من الهجرة يجهز المنصور جيشا قوامه خمسة آلاف رجل فقط، ويضع نفسه على رأسه، ويعبر به إلى بلاد الأندلس حتى يساعد محمد الفقيه في حربه ضد النصارى.

وهناك وفي مكان خارج غرناطة وبالقرب من قرطبة يلتقي المسلمون مع النصارى، المسلمون تعدادهم عشرة آلاف مقاتل فقط، خمسة آلاف من جيش بني مارين، ومثلهم من جيش غرناطة، وفي مقابلتهم تسعون ألفا من النصارى، وعلى رأسهم واحد من أكبر قواد مملكة قشتالة يدعى دون نونيو دي لارى ( تعمدنا ذكر اسمه لأن الموقعة التي دارت بين المسلمين والنصارى في هذا المكان عُرفت بموقعة الدونونيّة؛ نسبة إلى اسمه).

موقعة الدونونيّة ونصر مؤزر

في سنة أربع وسبعين وستمائة من الهجرة تقع موقعة الدونونية، وكان على رأس جيوش المسلمين المنصور الماريني رحمه الله، وقد أخذ يحفز الناس بنفسه على القتال، وكان مما قاله في خطبته الشهيره في تحفيز جنده في هذه الموقعة:

، ألا وإن الجنة قد فتحت لكم أبوابها، وزينت حورها وأترابها، فبادروا إليها وجِدُّوا في طلبها، وابذلوا النفوس في أثمانها، ألا وإنّ الجنّة تحت ظلال السيوف [إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ] {التوبة:111} . فاغتنموا هذه التجارة الرابحة، وسارعوا إلى الجنة بالأعمال الصالحة؛ فمن مات منكم مات شهيدا، ومن عاش رجع إلى أهله سالما غانما مأجورا حميدا، فـ [اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] {آل عمران:200} .

كان من جراء هذا أن عانق الناس بعضهم بعضا للوداع، وبكوا جميعا،

وبهؤلاء الرجال الذين أتوا من بلاد المغرب، وبهذه القيادة الربانية، وبهذا العدد الذي لم يتجاوز العشرة آلاف مقاتل حقق المسلمون انتصارا باهرا وعظيما، وقتل من النصارى ستة آلاف مقاتل، وتم أسر ثمانية آلاف آخرون، وقتل دون نونيو قائد قشتاله في هذه الموقعة، وقد غنم المسلمون غنائم لا تحصى، وما انتصر المسلمون منذ موقعة الأرك في سنة إحدى وتسعين وخمسمائة من الهجرة إلا في هذه الموقعة، موقعة الدونونية في سنة أربعة وسبعين وستمائة من الهجرة.

الفتوحات بعد الدونونية، وسنن تتكرر

بعد موقعة الدونونية انقسم جيش المسلمين إلى نصفين، توجه النصف الأول إلى جيّان وكان على رأسه ابن الأحمر، ففتح جيّان وانتصر عليهم، وتوجّه النصف الآخر وعلى رأسه المنصور الماريني إلى أشبيلية، فإذا به يحرر أشبيليّة ويصالح أهلها على الجزية.

وإنه والله لأمر عجيب هذا، أمر هؤلاء الخمسة آلاف رجل، والذين يذهب بهم المنصور الماريني ويحاصر أشبيلية، فيحررها ويصالح أهلها على الجزية، تماما كما قال صلى الله عليه وسلم: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ. فكان هذا مثال حي على صلاح الرجال وصلاح الجيوش.

وبعد ثلاث سنوات من هذه الموقعة، وفي سنة سبع وسبعين وستمائة من الهجرة ينتقض أهل أشبيلية فيذهب إليهم من جديد يعقوب الماريني رحمه الله، ومن جديد وبعد حصار فترة من الزمن يصالحونه على الجزية، ثم يتجه بعد ذلك إلى قرطبة ويحاصرها، فترضخ له أيضا على الجزية.

أمر والله في غاية الغرابة والعجب، يحرر قرطبة وجيّان وأشبيلية وقوام جيشه لا يتعدى الخمسة آلاف مقاتل! وإنه ليستحق وقفات ووقفات، وإن كان هذا ليس بغريب في التاريخ الاسلامي، بل إنه قد تحقق أن الغريب هو أن يحدث عكس ذلك كما ذكرنا من قبل.

الغريب هو أن يُهزم جيش مثل جيش المنصور الماريني بهذا العدد القليل الذي يعتمد فيه على الله ويأمل فيه الشهادة، والغريب هو أن ينتصر جيش مثل جيش الناصر لدين الله في موقعة العقاب حين كان قوامه خمسمائة ألف مقاتل وهم يعتقدون في عدتهم وقوتهم، وهي سنن الله الثوابت التي تتكرر في تاريخنا الإسلامي، ولنا فيها العبرة والعظة.

ومثل تلك السنن التي تتكرر كثيرا، فما أن يحقق المنصور الماريني كل هذه الانتصارات ويجمع مثل هذه الغنائم التي لا حصر لها، حتى يعطي وفي غاية الورع ومنتهى الزهد يعطي كل الغنائم لأهل الأندلس من غرناطة ويعود إلى بلاد المغرب ولا يأخذ معه شيئا، تماما كما فعل يوسف بن تاشفين رحمه الله بعد موقعة الزلاقة، وبحق كان هؤلاء هم الرجال المنصورون.

ابن حاكم ألمرية وصورة سامية ومحمد بن الأحمر الفقيه والخيانة العظمى

في أثناء رجوع يعقوب الماريني رحمه الله يموت حاكم ألمرية (من ضمن الولايات الثلاث في منطقة غرناطة، والأخريان هما ولاية ملقة وولاية غرناطة)، ومن بعده يتولى عليها ابنه وكان شابا فتيا، وقد أُعجب بأفعال ابن يعقوب الماريني وانتصاراته المتعددة إعجابا كبيرا، فعرض عليه حكم ألمرية بدلا منه، استجاب المنصور الماريني رحمه الله لطلبه، فخلّف عليها قوة صغيرة من المسلمين يبلغ قوامها ثلاثة آلاف رجل، ثم استجلب ثلاثة آلاف آخرين من بلاد المغرب، ووضعهم في جزيرة طريف حتى يكونوا مددا قريبا لبلاد الأندلس إذا احتاجوا إليهم في حربهم ضد النصارى، ثم عاد هو إلى بلاد المغرب.

هنا نظر محمد بن الأحمر الفقيه إلى ما فعله حاكم ألمرية فأوجس في نفسه خيفة ابن الأحمر، وقال: إن في التاريخ لعبرة، وهو يقصد بهذا أنه حينما استعان المعتمد على الله ابن عبّاد من ملوك الطوائف بيوسف بن تاشفين أمير دولة المرابطين في المغرب، فما كان من الأخير إلا أن أخذ البلاد وضمها كلها إلى دولة المرابطين، وها هو الآن يعقوب المنصور الماريني يبدأ بمدينتي طريف وألمريّة، إن في التاريخ لعبرة، ففكر عازما على أن يقف حائلا وسدا منيعا حتى لا تُضم بلاد الأندلس إلى دولة بني مارين.

ويا لهول هذا الفكر الذي كان عليه ذلك الرجل الذي لُقب بالفقيه الذي ما هو بفقيه، فماذا يفعل إذن لكي يمنع ما تكرر في الماضي ويمنع ما جال بخاطره؟ بنظرة واقعية وجد أنه ليست له طاقة بيعقوب بن منصور الماريني، ليست له ولا لشعبه ولا لجيشه ولا لحصونه طاقة به، فماذا يفعل؟!

ما كان من محمد ابن الأحمر الفقيه إلا أن أقدم على عمل لم يتخيله أحد من المسلمين، ما كان منه إلا أن ذهب إلى ملك قشتالة واستعان به في طرد يعقوب بن منصور الماريني من جزيرة طريف، يذهب إلى ملك قشتالة بعد أن كان قد انتصر عليه هو والمنصور الماريني في موقعة الدومونية وما تلاها في سنة سبع وسبعين وستمائة من الهجرة من فتح أشبيلية وجيّان وقرطبة، يذهب إلى الذي هو عدوٌّ لهما (لابن الأحمر والمنصور الماريني) ويستعين به على طرد الماريني من جزيرة طريف.

وعلى موعد مع الزمن يأتي ملك قشتالة بجيشه وأساطيله ويحاصر طريف من ناحيتين، فناحية يقف عليها ابن الأحمر الفقيه، والأخرى يقف عليها ملك قشتالة.

وما إن يسمع بذلك يعقوب المنصور الماريني رحمه الله حتى يعود من جديد إلى جزيرة طريف، وعلى الفور يجهز الجيوش ويعد العدة، ثم يدخل في معركة كبيرة مع النصارى هناك في سنة سبع وسبعين وستمائة من الهجرة، فينتصر يعقوب المنصور الماريني رحمه الله على النصارى، ويفرون من أمامه فرّا إلى الشمال، ويجد ابن الأحمر نفسه في مواجهة مع يعقوب المنصور الماريني.

المنصور الماريني وعلو المقاصد والهمم وابن الأحمر الفقيه والخسة والدناءة

ما كان من محمد بن الأحمر الفقيه حين وجد نفسه في مواجهة مع الماريني إلا أن أظهر الندم والاعتذار، وتعلل وأبدى الأسباب (الغير مقبولة بالطبع)، وبأمر من حكيم وبصورة لا تتكرر إلا من رجل ملَكَ قَلْبَه، يعفو عنه يعقوب بن منصور الماريني ويتوب عليه، بل ويعيده إلى حكمه.

وإن ما فعله محمد بن الأحمر الفقيه ليفسر لنا لماذا سقطت بلاد الأندلس بعد ذلك؟ ولماذا لا تستحقّ هذه البلاد النصر والحياة؟ وإن ما فعله ابن الأحمر هذا لم يقم به بمفرده، بل كان معه أمته وشعبه وجيشه، يحاربون الرجل الذي ساعدهم في حرب النصارى وتخليصهم من أيديهم، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.

وفي سنة أربع وثمانين وستمائة من الهجرة يأتي من جديد يعقوب بن منصور الماريني ليساعد ابن الأحمر في حرب جديده ضد النصارى، وهكذا كان يعقوب بن منصور الماريني قد وهب حياته للجهاد في سبيل الله، والدفاع عن دين الله، وفي هذه السنة ينتصر المسلمون على النصارى، ويعقدون معهم عهدا كانت له شروط أملاها وفرضها عليهم يعقوب بن منصور الماريني رحمه الله.

في هذه المعاهدة لم يطلب يعقوب بن منصور الماريني مالا ولا قصورا ولا جاها، إنما طلب منهم أن يأتوا له بكتب المسلمين، والتي هي في قرطبة وأشبيلية وطليطلة، وغيرها من البلاد التي سقطت في أيدي النصارى، هذا هو الذي طلبه واشترطه في معاهدته.

وبالفعل أتوا إليه بكميات ضخمه من كتب المسلمين، الأمر الذي حفظ تراث الأندلس إلى الآن من الضياع، وما زالت وإلى الآن الكتب التي أخذها يعقوب بن منصور الماريني في الموقعة التي تمت في سنة أربع وثمانين وستمائة من الهجرة ما زالت في مكتبة فاس في المغرب وإلى هذه اللحظة، وهكذا كانت علو المقاصد وعلو الهمم عند يعقوب بن منصور الماريني، وكانت الخسة والدناءة عند ابن الأحمر وأولاد ابن الأحمر.

تكرار الخيانة من ابن الأحمر الفقيه وسقوط طريف

بعد الموقعة السابقة بعام واحد وفي سنة خمس وثمانين وستمائة من الهجرة يموت المنصور الماريني رحمه الله ويخلفه على إمارة بني مارين ابنه يوسف بن المنصور، ومن حينها يذهب ابن الأحمر الفقيه إليه ويعرض عليه الولاء والطاعة وما شاء من أرض الأندلس ويقدم له ما يريد، طلب منه يوسف بن المنصور رحمه الله أن يأخذ الجزيرة الخضراء وجزيرة طريف؛ حتى تكون قاعدة له في حربه مع النصارى، وقد هدأت الأمور نسبيا هناك في غرناطة.

لكن حين أخذ يوسف بن المنصور الجزيرة الخضراء وطريف، كانت قد اعتملت الوساوس من جديد في قلب ابن الأحمر، ومن جديد يذهب ابن الأحمر الفقيه إلى النصارى ويستعين بهم في حرب يوسف بن المنصور وطرده وطرد بني مارين من طريف.

وكسابقه وعلى موعد أيضا مع الزمن يأتي بالفعل جيش النصارى ويحاصر طريف كما فعل في السابق، لكن في هذه المرة يستطيعون أن يسقطوا طريف.

وقد كان الاتفاق بين ابن الأحمر الفقيه وبين النصارى أنهم إذا استولوا على جزيرة طريف من بني مارين أن يعطوها إلى ابن الأحمر الفقيه، لكن النصارى بعد أن استولوا عليها لم يعيدوها إليه، وإنما أخذوها لأنفسهم، وبذلك يكونون قد خانوا العهد معه، وتكون قد حدثت الجريمة الكبرى والخيانة العظمى وسقطت طريف.

وكان موقع طريف هذه في غاية الخطورة، فهي تطل على مضيق جبل طارق، ومعنى ذلك أن سقوطها يعني انقطاع بلاد المغرب عن بلاد الأندلس، وانقطاع العون والمدد من بلاد المغرب إلى الأندلس تماما.

أبو عبد الله بن الحكيم وأمور يندى لها الجبين

في سنة إحدى وسبعمائة من الهجرة يموت ابن الأحمر الفقيه ويتولى من بعده محمد الثالث، والذي كان يلقب بالأعمش، وهذا كان رجلا ضعيفا جدا، وقد تولى الأمور في عهده الوزير أبو عبد الله بن الحكيم الذي ما هو بحكيم، حيث كانت له السيطرة على الأمور في بلاد غرناطة، وكان على شاكلة من سبقه في مراسلة ملك قشتالة والتحالف معه.

لم يكتف أبو عبد الله بن الحكيم بذلك، لكنه زاد على السابقين له في هذه المحالفات وغيرها بأن فعل أفعالا يندى لها الجبين، كان منها أنه جهّز جيشا وذهب ليقاتل، تُرى يقاتل من؟ أيقاتل النصارى الذين هم على حدود ولايته وقد فعلوا الأعاجيب، أم من يقاتل؟

كانت الإجابة المخزية أنه سلم منه النصارى، وذهب بجيشه واحتلّ سبتة في بلاد المغرب، ذهب إلى دولة بني مارين واحتلّ مدينة سبته حتى يقوي شأنه في مضيق جبل طارق.

وفي سبيل لزعزعة الحكم في بني مارين، وبعد اعتماده في حكمه تماما على ملك قشتالة، فقد فعل ما هو أشدّ من ذلك، حيث راسل رجلا من بني مارين وأمدّه بالسلاح ليقوم بانقلاب على يوسف بن المنصور، وقامت فتنة في بني مارين.

وإنه ولا شك غباء منقطع النظير، أمر لا يقره عقل ولا دين، لكن هذا ما حدث، فكانت النتيجة أنه بعد ذلك بأعوام قليلة سقط جبل طارق في أيدي النصارى، وذلك سنة تسع وسبعمائة من الهجرة، وعُزلت بالكلية بلاد الأندلس عن بلاد المغرب، وتركت غرناطة لمصيرها المحتوم.

انقطع الآن النصر الذي كان يأتي ويستورد ويعتمد ولسنوات طويلة على بلاد المغرب، انقطع عن شعب وحكام غرناطة الذين كثيرا ما ألفوه بينهم، وتُركوا لحالهم ولشأنهم.

وطيلة قرابة مائتي عام، ومنذ سنة تسع وسبعمائة وحتى سنة سبع وتسعين وثمانمائة من الهجرة ظل الحال كما هو عليه في بلاد غرناطة، معاهدات متتالية من أبناء الأحمر وملوك غرناطة مع ملك قشتالة، تسليم وجزية، وخزي وعار، سنوات طويلة لكنها وسبحان الله لم تسقط.

وكان السر في ذلك والسبب الرئيسي والذي من أجله حفظت هذه البلاد (وهي من غير مدد ولا عون من قبل بلاد المغرب)، هو وجود خلاف كبير وصراع طويل كان قد دار بين مملكة قشتالة ومملكة أراجون (المملكتان النصرانيّتان في الشمال)؛ حيث تصارعا سويا بعد أن صارت كل مملكة منهم ضخمة قوية، وكانتا قد قامتا على أنقاض الدولة الإسلامية في بلاد الأندلس، وكانت قوة غرناطة قد أصبحت هزيلة جدا، الأمر الذي لا يبعث على الخشية منها على الإطلاق؛ ومن ثم صرفوا أنظارهم عنها، وقد شغلوا بأنفسهم وتركوا المسلمين.

غرناطة قبل السقوط بخمس وعشرين سنة

في دراسة للوضع في آخر الخمس والعشرين سنة المتبقية من المائتي عام قبل السقوط النهائي لغرناطة وللدولة الإسلامية بصفة عامة في الأندلس، والذي كان يُعد (خلال المائتي عام) عهد خمول ودعة، وركون إلى معاهدات مخزية مع النصارى، تبدلت الأحوال (في الخمس والعشرين سنة الأخيرة من السقوط)، والتفت النصارى إلى غرناطة بعد أن كانوا قد شُغلوا عنها بحروبهم، الأمر الذي أدى في النهاية إلى سقوط الأندلس بالكلية.

مملكة غرناطة وممالك النصارى نحو الفرقة ونحو الوحدة

قبل السقوط بست وعشرين سنة تقريبا، وفي سنة إحدى وسبعين وثمانمائة كان يحكم غرناطة في ذلك الوقت رجل يدعى محمد بن سعد بن إسماعيل بن الأحمر، والذي كان يلقب بالغالب بالله، وكان له أحد الإخوة واسمه أيضا محمد، ويعرف بأبي عبد الله محمد الملقب بالزغل (الزغل يعني الشجاع) ، فكان الأول غالب بالله، وكان الثاني زغلا أو شجاعا.

وكما حدث في عهد ملوك الطوائف اختلف هذان الأخَوان على الحكم، وبدآ يتصارعان على مملكة غرناطة الهزيلة الضعيفة والمحاطة في الشمال بمملكتي قشتالة وأراجون النصرانيتين.

وكالعادة أيضا استعان أبو عبد الله محمد الزغل بملك قشتالة في حرب أخيه الغالب بالله، وقامت على إثر ذلك حرب بينهما، إلا أنها قد انتهت بالصلح، لكنهما وللأسف قد اصطلحا على تقسيم غرناطة البلد الضعيف جدا والمحاط بالنصارى إلى جزء شمالي على رأسه الغالب بالله وهي الولاية الرئيسة، وجزء جنوبي وهي ملقة، وعلى رأسها أبو عبد الله محمد الزغل،

وبعد هذا التقسيم بثلاثة أعوام، وفي سنة أربع وسبعين وثمانمائة يحدث أمر غاية في الخطورة في بلاد الأندلس، فقد تزوج فرناندو الثالث ملك أراجون من إيزابيلا وريثة عرش قشتالة؛ وبذلك تكون الدولتان قد اصطلحتا معا وأنهتا صراعا كان قد طال أمده، وبعد خمس سنوات من هذا الزواج كانت المملكتان قد توحدتا معا في مملكة واحدة هي مملكة أسبانيا، وكان ذلك في سنة تسع وسبعين وثمانمائة من الهجرة، وكانت هذه بداية النهاية لغرناطة.

غرناطة وصراع أُسَري في ولاية الغالب بالله

بعد زواج فرناندو الثالث ملك أراجون من وريثة عرش قشتالة إيزابيلا كانا قد أقسما على ألا يعقدا عرسا إلا في قصر الحمراء، قصر الرئاسة الذي هو في غرناطة.

على الجانب الآخر كانت غرناطة في ذلك الوقت وفي سنة تسع وسبعين وثمانمائة من الهجرة كانت منقسمة إلى شطرين، شطر مع الزغل والآخر مع الغالب بالله، ومن ناحية أخرى فكان الشعب يعيش حالة من الترف والخمول والدعة، وقد انتشرت الخمور والغناء بصورة لافتة في هذه الآونة، وفوق ذلك أيضا كان هناك الأشدّ والأشنع.

كان الغالب بالله الذي يحكم غرناطة متزوجا من امرأة تُدعى عائشة، وقد عرفت في التاريخ بعائشة الحرة، وكانت له جارية نصرانية تُسمى ثريّا قد فُتن بها وغرق في عشقها، وكانت قد أنجبت له ولدا اسمه يحيى، وقد أثرت عليه حتى تجعل يحيى هذا وريث عرش غرناطة من بعده.

كان المؤهل للحكم رسميا هو ابن عائشة الحرة، والذي يدعى محمد أبو عبد الله محمد، وللتفرقة بين اسم العم واسم ابن الأخ، سمّوا الأخير بالصغير، حيث هو أصغر من عمه، وقد كان وسبحان الله اسما على مسمى، فكان بالفعل صغيرا في سنه وصغيرا في مقامه.

وحتى يضمن ولاية العهد لابنه يحيى الذي هو من الجارية النصرانية، قام الغالب بالله بحبس ابنه الآخر أبو عبد الله محمد الصغير هو وأمه عائشة في قصر كبير، وقد قيد حركتهما تماما، ولأن هناك أناس كثيرون من الشعب كانوا يأبون أن يحكمهم رجل أمه جارية نصرانية، وكان هناك أيضا من يرى أحقية أبي عبد الله محمد الصغير في الحكم بعد أبيه، انطلق هؤلاء الناس حيث الابن وأمه، واستطاعوا تخليصهما، بعد فكاكه من السجن قام أبو عبد الله محمد الصغير بثورة على أبيه، وقد أحدث انقلابا في غرناطة ثم تولى الحكم وقام بطرد أبيه إلى الجنوب حيث أخيه الزغل (أخو الغالب بالله) في ملقة، وهكذا آلت البلاد إلى قسمين، قسم عليه الصغير في غرناطة، وقسم عليه الزغل في مالقة، ومعه وتحت حمايته أخوه الغالب بالله.

فرناندو الثالث واستغلال النزاع والفرقة

حيال هذا الوضع الذي آل إليه حال المسلمين في الأندلس استغل فرناندو الثالث هذا الموقف جيدا لصالحه، وبدأ يهاجم حصون غرناطة؛ حيث كان يعلم أن هناك خلافا وشقاقا كبيرا داخل البلد، وعلى غير عادة الغالب بالله الذي كان بينه وبين ملك أسبانيا معاهدات، قامت الحروب بين الصغير وبين ملك أسبانيا، لكنه (الصغير) لم يكن له طاقة بحرب ملك أسبانيا، فأُسر من قِبل الأخير وصار في يده.

وبعد أسْر الصغير استطاع الزغل أن يضم غرناطة إلى أملاكه، فأصبحت غرناطة من جديد إمارة واحدة تحت حكم الزغل.

وبعد ذلك بعام واحد مات هما وكمدا الغالب بالله، وذلك من جراء الذي حدث في البلاد، ولقد كان هذا هو ما جنته عليه نفسه وما اقترفته يداه، وما جناه عليه أحد.

وفي محاولة لفك أسر الصغير عرض الزغل على ملك أسبانيا أموالا كثيرة، ولأنه (ملك أسبانيا) كان يفكر في أمر غاية في الخطورة قابل طلبه بالرفض، فقد اتفق ملك أسبانيا مع الصغير (الذي هو في الأسر، وكان يبلغ من العمر آنذاك خمسة وعشرين عاما) على أن يُمكّنه من حكم بلاد غرناطة ويطرد منها الزغل بالكليّة.

الصغير وملك أسبانيا وخطة السراب الخادع

أشار ملك أسبانيا على الصغير بأن يدخل البلاد من جهة الشمال (شمال غرناطة)، فيثور فيها، أما هو (ملك أسبانيا) فسيأخذ جيشه ويحاصر ملقة من الجنوب، وبذلك تنحصر غرناطة بين فكي الكمّاشة.

وكان الهدف من وراء ذلك كما أراد ملك أسبانيا أنه حينما يقوم الزغل بصد ومحاربة ملك أسبانيا في ملقة في الجنوب، هو أن يدخل الصغير غرناطة في غياب الزغل عنها ويسيطر تماما عليها، ثم بعد أن يأخذ ملك أسبانيا ملقة فيعطيها بعد ذلك للصغير، ليصبح هو حاكما على غرناطة باسم ملك أسبانيا.

وافق الصغير على هذه الخطة، فثار في شمال غرناطة، واتجه فرناندو الثالث بجيوشه إلى ملقة، وعلى الفور توجه الزغل إلى ملقه لحرب النصارى هناك، لكنه لم يستطع أن يصمد، واستطاع النصارى أن يأخذوا ملقة منه، وهنا عاد سريعا إلى غرناطة فوجدها وقد صارت في يد ابن الأحمر الصغير.

انطلق الزغل إلى شرق غرناطة حيث منطقة تسمى وادي آش، واستقل بها وأقام فيها جزءا من مملكة، وبذلك تقلصت غرناطة في انقساماتها المتكررة إلى نصفين، والنصف بدوره إلى نصفين، فكان الوضع هو جزء في شرق غرناطة هو وادي آش وعلى رأسه الزغل، ثم جزء آخر في غرناطة على رأسه الصغير، وجزء أخير هو ملقة وقد أصبحت في يد ملك أسبانيا، ومن المفترض أن يعيدها إلى ابن الأحمر الصغير.

طلب ابن الأحمر الصغير من ملك أسبانيا أن يعيد إليه ملقة كما كان العهد والاتفاق، إلا أن ملك أسبانيا أجابه بأنه إن هو سحب جيشه منها (من ملقة) فسيطمع الزغل فيها ويأخذها منه (من الصغير)، فالحل إذن هو أن أُبقي جيوشي فيها لحمايتك.

ثم ما مرت إلا شهور حتى استرقّ ملك أسبانيا أهل ملقة جميعا (أخذهم رقيقا، وكانوا مسلمين)، ولم يرعى المعاهده التي تمت بينه وبين الصغير، وإن هذا وأيم الله لديدنهم وطبيعتهم [لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ] {التوبة:10} .

ملك أسبانيا والتداعي على باقي القصعة

كان على الساحة الآن الصغير ومعه ولاية غرناطة، والزغل ومعه وادي آش، ثم ملك أسبانيا وتحت قبضته ملقة، واستكمالا لآمال كان قد عقدها قديما، وفي سنة خمس وتسعين وثمانمائة من الهجرة انطلق ملك أسبانيا من ملقة إلى ألمرية على ساحل البحر المتوسط فاحتلها، ثم منها توجه إلى وادي آش (التي هي في يد الزغل) فاستولى عليها، وهرب الزغل منها إلى تونس، وقد ترك البلاد بما فيها من المسلمين، تماما كما هو حال ملوك هذا الزمان.

كان الوضع الآن أن حوصرت مدينة غرناطة وكل قراها ومزارعها من كل مكان بجيوش النصارى، أحاطوها من الشرق ومن الغرب ومن الشمال ومن الجنوب، وكان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

تُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، قَالُوا: أَوَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ (ما يحمله السيل من وسخ) كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ مِنْ قُلُوبِ أَعْدَائِكُمْ، وَلَيُلْقِيَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ، قَالُو: وَمَا الْوَهْنُ يَا رَسَولَ اللَّهِ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةِ الْمَوْتِ.

فقد تداعت ملوك النصارى حول مملكة غرناطة الصغيرة والضعيفة جدا في ذلك الوقت، وقد حاصروها وأحرقوا القرى والمزارع حول حصونها، وطلبوا من الصغير أن يسلم مفاتيح المدينة، وكان ذلك في سنة خمس وتسعين وثمانمائة من الهجرة، وقبل السقوط بعامين.

حينها فقط شعر الصغير أن ما حدث من ملك أسبانيا هو خلاف ما كان يعتقده؛ فقد كان يعتقد أنه بينه وبين النصارى ولاء، وبينه وبين ملك أسبانيا تحالفات وعهود، لكن الذي حدث الآن هو أنهم ما أبقوه على كرسيّه كما وعدوه، بل طالبوه بأن يترك غرناطة ويرحل ليتولى هم أمرها، وذلك بعد إعطائه مهلة للتفكير في ذلك.

وفي هذا الأمر فكر كثيرا محمد بن الأحمر الصغير، إلا أنه لم يجد حلا سوى أن يحاربهم، فلو أطاع أمرهم واستجاب لمطلبهم ترك البلاد وترك الحكم، وهذا لا يريده ولا يقدر أن يتحمله، فاقتنع وبعد تفكير وجدال طويل مع وزرائه بأنه يجب أن يدافع عن البلد، يجب أن يدافع عن غرناطة.

دور الشعب وانتفاضة إسلامية قوية

كان المتوقع والطبيعي بعد أن أعلن الصغير الدفاع عن غرناطة هو أنه لن تكون له قدرة ولا طاقة هو ومن معه من جيشه ووزرائه وهيئته الحاكمة على الحرب أو الدفاع، فقامت في غرناطة في ذلك الوقت انتفاضة إسلامية قوية، وعلى رأسها رجل يُسمى موسى بن أبي غسّان، فكان أن حرّك الجهاد في قلوب الناس، وبدأ يحمسهم على الموت في سبيل الله وعلى الدفاع عن بلدهم وهويتهم، فاستجاب له الشعب وتحرك للدفاع عن غرناطة.

وطيلة سبعة أشهر كاملة ظل أصحاب الانتفاضة في دفاعهم عن حصون غرناطة ضد الهجمات النصرانية الشرسة، وفي ذات الوقت كان محمد بن الأحمر الصغير ينظر إلى الأمور ويستطلعها من بعيد حال الواقف المتفرج، ولم يستطع أن يفعل شيئا، يريد ويتمنى أن يجد حلا أو مخرجا يستر به ماء وجهه لكنه لا يجد.

وبعد سبعة أشهر يجد الصغير بريق أمل كان قد تمنى مثله، حيث أرسل فرناندو الثالث وإيزابيلا رسالة إليه يطلبان فيها أن يسلم غرناطة لهما على أن يضمنوا له ولقومه ولجيشه الأمان، وفي مقابل أكثر من سبعين شرطا يضمن له فيها البقاء.

كان من بين هذه الضمانات وتلك الشروط أن تُترك المساجد، ولا تُدخل الديار، ويُطلق الأسرى، وتُؤمّن الأعراض والأموال، ويوضع عبد الله بن الصغير كأحد الوزراء المعاونين لملك أسبانيا.

الصغير وكبح الانتفاضة

كان قد فهم مغزى الرسالة السابقة موسى بن أبي غسّان الرجل الذي قاد الانتفاضة في بلاد غرناطة وعلم أنها محاولة لوقف الانتفاضة، ووقف الدفاع عن البلاد، ووقف الحميّة للجهاد، ووقف حميّة الناس للموت في سبيل الله، لكن محمد الصغير لم يفهم هذا المغزى، فوافق على هذه الشروط، وذلك بعد أن وجد فيها حلا مناسبا للخروج من المأزق الذي هو فيه؛ إذ كان يرفض الجهاد، ويرفض الحرب، ويريد أن يبقى حيا حتى وإن ظل ذليلا،

من هنا وافق الصغير على هذه المعاهدة، إلا أنه وخوفا من الخيانة المعهودة، وحرصا على حياة أبدية وسرمدية، ونجاة بنفسه من نهاية لا يحمد عقباها، اشترط لنفسه شرطين هما:

أولا: أن يقوم فرناندو وإيزابيلا بالقسم على هذه العهود، فاستُجيب له، وأقسما الملكان له.

ثانيا: أن تحكم في هذه المعاهدة هيئة معينة، تضمن تطبيقها بالصورة السليمة، وبعد أن نظر في دول العالم لم يجد من يحترم ملك أسبانيا رأيه إلا البابا في إيطاليا، فألزم أن يوقّع البابا على هذه المعاهدة، ولا ضير، فوقّع البابا عليها.

وبعدها اتجه الصغير ليسلم مفاتيح مدينة غرناطة، ويوقف حركة الجهاد في البلد في مقابل أن يعطوه الأمان كما ذكروا، وذلك بعد أن وقّع له بابا روما، وأقسم على هذه العهود فرناندو وإيزابيلا.

موسى بن أبي غسّان وعملية استشهاديّة

في رد فعل طبيعي وصريح له حيال ما حدث وقف موسى بن أبي غسّان رحمه الله في قصر الحمراء ثم خطب خطبة مهيبة قال فيها:

، لا تخدعوا أنفسكم ولا تظنوا أن النصارى سيوفون بعهدهم، ولا تركنوا إلى شهامة مَلِكِهم؛ إن الموت أقل ما نخشى (يريد أن هناك ما هو أصعب من الموت)؛ فأمامنا نهب مدننا وتدميرها، وتدنيس مساجدنا، وتخريب بيوتنا، وهتك نسائنا وبناتنا، وأمامنا الجور الفاحش والتعصب الوحشي، والسياط والأغلال، وأمامنا السجون والأنطاق والمحارق، أما أنا فوالله لن أراه.

يريد موسى بن أبي غسّان أنه لن يرى كل هذا الذُلّ الذي سيحل بالبلاد جراء هذا التخاذل والتقاعس، أما أنا فسأموت الموت الشريف.

ثم غادر المجلس وذهب إلى بيته ولبس سلاحه وامتطى جواده، وانطلق يقابل سريّة من سرايا النصارى.

وبمفرده يقابل موسى بن أبي غسّان خمس عشرة رجلا من النصارى، فيقتل معظمهم ثم يُقتل هو في سبيل الله رحمه الله.

انتهاء عصر الدولة الإسلامية في الأندلس

كان مقتل موسى بن أبي غسّان وتسليم ابن الأحمر الصغير غرناطة إيذانا بانتهاء عصر الدولة الإسلامية في مملكة غرناطة.

أعطى أبو عبد الله محمد الصغير الموافقة بالتسليم للملكين فرناندو الثالث وإيزابيلا، ولم ينس أن يرسل إليهما بعضا من الهدايا الخاصة، وفي خيلاء يدخل الملكان قصر الحمراء الكبير ومعهما الرهبان، وفي أول عمل رسمي يقومون بتعليق صليب فضي كبير فوق برج القصر الأعلى، ويُعلن من فوق هذا البرج أن غرناطة أصبحت تابعة للملكين الكاثوليكيين، وأن حكم المسلمين قد انتهى من بلاد الأندلس.

وفي نكسة كبيرة وذل وصغار يخرج أبو عبد الله بن محمد بن الأحمر الصغير من القصر الملكي، ويسير بعيدا في اتجاه المغرب، حتى وصل إلى ربوة عالية تُطل على قصر الحمراء يتطلع منها إليه وإلى ذاك المجد الذي قد ولّى، وبحزن وأسى قد تبدّى عليه لم يستطع فيه الصغير أن يتمالك نفسه، انطلق يبكي حتى بللت دموعه لحيته، حتى قالت له أمه عائشة الحرة: أجل، فلتبك كالنساء مُلْكا لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال.

وإلى هذه اللحظة ما زال هذا التل الذي وقف عليه أبو عبد الله بن محمد الصغير ما زال موجودا في أسبانيا، وما زال الناس يذهبون إليه، يتأملون موضع هذا المَلِك الذي أضاع مُلكا عظيما كان قد أسسه الأجداد، ويعرف (هذا التل) بـ زفرة العربي الأخيرة، وهو بكاء أبي عبد الله محمد الصغير حين ترك ملكه.

وقد تم ذلك في الثاني من شهر ربيع الأول، لسنة سبع وتسعين وثمانمائة من الهجرة، الموافق الثاني من يناير، لسنة اثنتين وتسعين وأربعمائة وألف من الميلاد.

وقد هاجر بعدها أبو عبد الله بن محمد الصغير إلى بلاد المغرب، وهناك اعتقله ملكها بتهمة الخيانة لبلاد المسلمين، ثم وضعه في سجنه، وكما يقول المؤرخون فقد شوهد أولاده (أولاد أبي عبد الله بن محمد الصغير) بعد ذلك بسنوات وسنوات يشحذون في شوارع المغرب.

فلعنة الله على هذا الذُلّ، ولعنة الله على هذا التَرْك للجهاد اللذَيْن يوصلان إلى هذا المثوى وتلك المنزلة.

وما كان من أمر، فقد اندثرت حضارة ما عرفت أوروبا مثلها من قبل، إنها حضارة الدنيا والدين، وقد انطوت صفحة عريضة خسر العالم أجمع بسببها الكثير والكثير، وقد ارتفع علم النصرانية فوق صرح الإسلام المغلوب، وأفل وإلى الآن نجم دولة الإسلام في بلاد الأندلس.

وليت شعري، أين موسى بن نصير؟ أين طارق بن زياد؟ أين يوسف بن تاشفين؟ أين عبد الرحمن الداخل وعبد الرحمن الناصر؟ أين أبو بكر بن عمر اللمتوني؟ أين يعقوب المنصور المُوَحدي؟ أين يعقوب المنصور الماريني؟ أين كل هؤلاء؟ غابوا وانقطعت آثارهم وإمداداتهم، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.

النصارى في غرناطة.. لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة

كالعادة ولطبيعة جُبلت نفوسهم عليها، وبعد أن ترك أبو عبد الله بن محمد الصغير البلاد، لم يوف النصارى بعهودهم مع المسلمين، بل تنكّروا لكلامهم، وأغفلوا شروطهم السبعين، وقد أهانوا المسلمين بشدة، وصادروا أموالهم، وكان ذلك مصداق قوله تعالى: [كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ] {التوبة:8} .

وبعد تسع سنوات من سقوط غرناطة، وفي سنة إحدى وخمسمائة وألف من الميلاد أصدر الملكان فرناندو الثالث وإيزابيلا أمرا كان خلاصته أن الله قد اختارهما لتخليص الأندلس من الكفرة (يقصدان المسلمين)، ولذلك يحظر وجود المسلمين في بلاد الأندلس، ويعاقب من يخالف ذلك بالقتل.

ومن هذا المنطلق قام النصارى بعدة أمور، كان منها:

أولا: التهجير

هجر المسلمون بلاد الأندلس بالكلية، هجروها إلى بلاد المغرب والجزائر، وإلى تونس وغيرها من بلاد المسلمين.

ثانيا: التنصير

ولكي يعيش آخرون في بلاد الأندلس في ظل حكم النصارى الأسبان، تَنَصّر من المسلمين آخرون، وهؤلاء لم يرتض لهم النصارى الأسبان حتى بالنصرانية، فلم يتركوهم دون إهانة، وقد سمّوهم بالمُورِسْكِيين احتقارا لهم وتصغيرا من شأنهم، فلم يكن المُورِسْكِي نصرانيا من الدرجة الأولى، لكنه كان تصغيرا لهذا النصراني الأصيل.

ثالثا: محاكم التفتيش

لم يقف الأمر عند حد التهجير والتنصير، وإنما تلى ذلك أن قام رئيس الأساقفة الأسباني كان يُدعى كِنِّيس وكان صليبيا حاقدا قام بحرق ثمانين ألف كتاب إسلامي من مكتبة قرطبة وأشبيلية وغرناطة في يوم واحد.

وهو نفسه الذي قام بعد ذلك بما سُمّي في التاريخ بمحاكم التفتيش؛ وذلك للبحث عن المسلمين الذين ادّعوا النصرانية وأخفوا الإسلام، فكانوا إذا وجدوا رجلا يدّعي النصرانية ويخفي إسلامه، كأن يجدوا في بيته مصحفا، أو يجدوه يصلي، أو كان لا يشرب خمرا، أقاموا عليه الحدود المغلظة، فكانوا يلقون بهم في السجون، ويعذبونهم عذابا لا يخطر على بال بشر، فكانوا يملأون بطونهم بالماء حتى الاختناق، وكانوا يضعون في أجسادهم أسياخا محمية، وكانوا يسحقون عظامهم بآلات ضاغطة، وكانوا يمزقون الأرجل ويفسخون الفك، وكان لهم توابيت مغلقة بها مسامير حديدية ضخمة تنغرس في جسم المعذب تدريجيا، وأيضا أحواض يقيّد فيها الرجل ثم يسقط عليه الماء قطرة قطرة حتى يملأ الحوض ويموت.

كانوا أيضا يقومون بدفنهم أحياء، ويجلدونهم بسياط من حديد شائك، وكانوا يقطعون اللسان بآلات خاصة.

كل هذه الآلات الفتاكة وغيرها شاهدها جنود نابليون حين فتحوا أسبانيا بعد ذلك، وقد صوروها في كتاباتهم، وعبروا عن شناعتها بأنهم كانوا يصابون بالغثيان والقيء، بل والإغماء من مجرد تخيل أن هذه الآلات كان يُعذّب بها بشر، وقد كان يُعذّب بها مسلمون، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.

تاريخ الأندلس ووقفة معتبر

على طول الدراسة السابقة كان تاريخ الأندلس يحوي أكثر من ثمانمائة عام، الأمر الذي ينبغي على المسلمين أن يقفوا معه وقفات ووقفات، يأخذون منه العبرة والدرس، ويكررون ما حدث فيه من أفعال العظماء، وفي ذات الوقت يتجنبون أفعال الأقزام، تلك التي أدت إلى هذه الحال التي رأيناها آخر عهود الأندلس وفترات السقوط.

بداية لم يكن سقوط الأندلس بالسقوط المفاجئ، فقد كان هذا متوقعا منذ أكثر من مائتي عام، إلا أنها وبمدد من بني مارين مرة، وبخلاف النصارى مرة أخرى مع بعضهم البعض، صمدت وصبرت بعض الشيء، لكن الذي حدث في النهاية هو الذي كان متوقعا.

وهنا لا بد لنا من وقفة على أسباب هذا الانهيار والتي كان من شأنها أنها ما إن تكررت في أيٍ من الأزمان أو الأوقات، وفي أيٍ من البلدان أو القارات، فإنها ولا شك ستعمل عملها، وتكون العاقبة والنتيجة من نفس العاقبة وتلك النتيجة.

الدرس الأول:

سقوط وضياع غرناطة.. العوامل والأسباب

كانت عوامل انحدار وسقوط وضياع الأمم قد تشابهت وإلى حد كبير في كل فترات الضعف في تاريخ الأندلس، وهذه العوامل نفسها قد زادت وبشدة في فترة غرناطة؛ ولذلك كان السقوط كاملا وحاسما، وكان من هذه العوامل ما يلي:

العامل الأول:

كان الإغراق في الترف، والركون إلى الدنيا وملذاتها وشهواتها، والخنوع والدعة والميوعة، هي أولى العوامل التي أدت إلى تلك النهاية المؤلمة، وقد ارتبطت كثيرا فترات الهبوط والسقوط بكثرة الأموال والانغماس في الملذات، والميوعة الشديدة في شباب الأمة، والانحطاط الكبير في الأهداف، قال تعالى: [وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ(11)فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ(12)لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ] {الأنبياء:11 ،12 ،13} .

وهكذا يا أهل غرناطة، أين ستذهبون؟ وإلى أين ستركضون؟ ارجعوا إلى قصر الحمراء، وارجعوا إلى مساكنكم وما أترفتم فيه، وسلموا هذه البلاد إلى النصارى، وتذوقوا الذُلّ كما لم تعملوا للعزة وللكرامة.

ولننظر إلى ذاك الرجل الذي كان يرثي سقوط غرناطة، ولنعي ما يقول في شعره الذي كان يعد كما ذكرنا إعلام هذا العصر الذي يُحَفّز الناس على أفكار معينة، يقول يرثي غرناطة:

غرناطة يا أجمل المدن

لن تَسريَ بعد اليوم نغمات العود الناعمة

في شوارعك المُقمرة

ولن تُسمع ألحان العُشّاق

تحت قصورك العالية

وستسكت دقات الصنوج المرحة

التي كانت تتناغم فوق تلالك الخصبة

وستقف الرقصات الجميلة

تحت عرائشك الوريفة

واحسرتاه

لن يستمع عربي بعد اليوم إلى البلابل

تصدح في مروجك الفسيحة

ولن يُستَروح أريج الريحان وأزهار البرتقال

في ربوعك المؤنسة

لأن نور الحمراء أُطفئ إلى الأبد

فحتى بعد هذا السقوط الشنيع لغرناطة يقف هذا الرجل وبهذه الكلمات الفجة يرثيها، هذا ما كان يهمه في هذه البلاد، لا يهمه الثغور التي خرجت منها الجيوش تجاهد في سبيل الله، ولا يهمه المكتبات التي أُحرقت، ولا المساجد التي دُنّست وحُولت إلى كنائس، بل لا يهمه المسلمون الذين قُتلوا بأيدي النصارى.

فلننظر إلى مثل هذا ونقارنه بأحوال الشباب الذين انحطتّ أهدافهم، حتى أصبح حلم حياتهم أن يُحدّث فتاة من الفتيات أو يخرج معها، أو يبادلها حبا غير مشروع لا يرتضيه هو لأخته أو لابنته.

لننظر حين يُصَوّر مثل هذا الشعر هذا الحب على أنه أسمى درجات الحب، فيضحي الرجل من أجله، ويسمو عنده فوق كل حب، حتى يسمو عنده فوق حب الدين وحب الله وحب رسوله وحب الجهاد وحب الوالدين وحب الوطن وحب الفضيلة، بل وقد يضحي بحياته انتحارا إذا فارق محبوبه.

فأي انحدار هذا؟! وأي انحطاط هذا؟! وأي سفاهة وأي تفاهة أكبر من هذا؟ وقد قال الله تعالى: [قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ] {التوبة:24} .

وليس ببعيد عنا ما فعله زرياب وأمثال زرياب في تاريخ الأندلس، وكيف قادوا الشباب إلى هذه الميوعة التي أسقطتها في النهاية وإلى الأبد.

العامل الثاني:

ترك الجهاد في سبيل الله، وهو أمر ملازم لمن أُغرق في الترف؛ فالجهاد سنة ماضية إلى يوم القيامة، وقد شرعه الله ليعيش المسلمون في عزة ويموتون في عزة، ثم يدخلون بعد ذلك الجنّة ويُخلّدون فيها.

وإن الناظر إلى عهد الأندلس ليتساءل: أين أولئك الذين كانوا يجاهدون في حياتهم مرة أو مرتين كل عام، وبصفة مستمرة ودائمة؟! أين يوسف بن تاشفين، وأين أبو بكر بن عمر اللمتوني؟ وأين الحاجب المنصور؟ وأين عبد الرحمن الناصر وغيرهم؟

وإنها لعبرة وعظة حين ننظر إلى ملوك غرناطة، ومن كان على شاكلتهم حين ذُلوا وأُهينو لما تركوا الجهاد في سبيل الله، يقول تعالى:

[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ(38)إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] {التوبة:38 ،39} .

وقد يظن البعض أنه يجب على الملتزمين بالمنهج الإسلامي أن يضحوا بأرواحهم ويظلوا يعيشون حياة الضنك والتعب والألم في الدنيا؛ وذلك حتى يصلوا إلى الآخرة، وإن حقيقة الأمر على عكس ذلك تماما؛ إذ لو عاش المسلمون الملتزمون بمنهج الإسلام على الجهاد لعاشوا في عزة ومجد، وفي سلطان وملك من الدنيا عريض، ثم لهم في الآخرة الجنّة خالدين فيها بإذن الله.

العامل الثالث:

يتبع العامليْن السابقين عامل الإسراف في المعاصي، فجيش المسلمين لا يُنصَر بالقوة ولا بالعدد والسلاح، لكنه يُنصر بالتقوى، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنكم لا تُنصرون على عدوكم بقوتكم ولا عُدتكم، ولكن تُنصرون عليه بطاعتكم لربكم ومعصيتهم له، فإن تساويتم في المعصية كانت لهم الغلبة عليكم بقوة العُدّة والعتاد.

فإذا بعُد المسلمون عن دين ربهم، وإذا هجروا نهج رسولهم صلى الله عليه وسلم كُتب عليهم الهلكة والذلّة والصغار، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ؛ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ.

وإذا كان هذا حال محقّرات الذنوب، تلك التي يستحقرها العبد من فرط هوانها، فما تزال تجتمع عليه حتى تهلكه، فما البال وما الخطب بكبائر الذنوب من ترك الصلاة، والزنا، والتعامل بالربا، وشرب الخمور، والسب واللعن، وأكل المال الحرام، فأي نصر يُرجى ويُتَوقّع بعد هذا.

وهذه كانت أهم عوامل السقوط في دولة الأندلس، وهناك غيرها الكثير مثل:

- الفُرقَة والتَشرذُم.

- موالاة النصارى واليهود والمشركين.

وقد قال سبحانه وتعالى: [وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ] {البقرة:120} . وقال أيضا:

[لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ] {التوبة:10} . وأيضا:

[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ] {المائدة:51} . وآيات غيرها كثير.

- توسيد الأمر لغير أهله

وكان ذلك واضحا جدا خاصة في ولاية هشام بن الحكم، وولاية الناصر بعد أبيه يعقوب المنصور الموحدي، وأيضا ولاية جميع أبناء الأحمر في ولاية غرناطة.

- الجهل بالدين

وقد وضح جيدا قيمة العلم والعلماء في زمن عبد الله بن ياسين، وزمن الحَكم بن عبد الرحمن الناصر، وما حدث في عهدهما من قوّة بعد هذا العلم، ووضح أيضا أثر الجهل في نهاية عهد المرابطين، وفي عهد دولة الموحدين، حيث انتشر الجهل بين الناس، وسادت بينهم آراء ومعتقدات غريبة وعجيبة،

كان من ذلك أيضا ما حدث من الجهل بأمر الشورى، والذي هو أصل من الأصول التي يجب أن يحكم بها المسلمون، وكيف اعتدوا بآرائهم، وكيف قبل الناس ذلك منهم؟!

ومثل أيضا ما كان من غزو محمد بن الأحمر الأول لأشبيليّلة، وقد تبعه الناس في ذلك ظنا منهم أنهم على صواب، وأنهم أصحاب رسالة وفضيلة، وأيّ جهل بالدين أكثر من هذا؟!

الدرس الثاني:

أمل النصر لا تخبو جذوته أبدا

بعد الدرس الأول والوقوف على عوامل وأسباب السقوط كان هذا الدرس الثاني، وهو ما نستقيه من تاريخ الأندلس، حيث إنه لا يغيب الأمل أبدا في نصر الله، فإن الله دائما ما يقيض لهذه الأمة من ينصرها، ومن يجدد لها أمر دينها.

وقد حدث مثل ذلك كثيرا في تاريخ الأنلس، كان منه ما حدث في نهاية عهد الولاة، وذلك بقيام عبد الرحمن الداخل، ثم ما حدث أيضا في نهاية الإمارة الأموية على يد عبد الرحمن الناصر، وهكذا في كل عهد تجد من يجدد لهذه الأمة أمر دينها، تجد يوسف بن تاشفين، وتجد يعقوب المنصور الموحدي، وتجد يعقوب المنصور الماريني، وغيرهم الكثير.

وقد يتساءل البعض قائلا: لقد انتهى الإسلام من بلاد الأندلس بالكلية، فأين ذاك القيام، الذي من المفترض أن يكون بعد هذا الانتهاء، طالما كانت قد جرت السنة على ذلك؟!

وفي معرض الرد على مثل هذا السؤال نسوق حدثا في غاية الغرابة، فقد حدث قبل سقوط الأندلس الأخير بنحو أربعين سنة حادثا عجيبا، وأعجب منه هذا التزامن الذي فيه، فقد فُتحت القسطنطينية في سنة سبع وخمسين وثمانمائة من الهجرة، أي قبل سقوط الأندلس بأربعين عاما، فكان غروب شمس الإسلام على أوروبا من ناحية المغرب يزامنه شروق جديد عليها من ناحية المشرق، واستبدل الله هؤلاء الذين باعوا، وأولئك الذين خانوا من ملوك غرناطة في الأندلس بغيرهم من العثمانيين المجاهدين الفاتحين الأبرار، الذين فتحوا القسطنطينية وما بعدها، وقد بدأ الإسلام ينتشر في شرق أوروبا انتشارا أسرع وأوسع مما كان عليه في بلاد الأندلس وفرنسا.

وإنها وأيم الله لآية من آيات الله سبحانه وتعالى تبعث الأمل وتبثه في نفوس المسلمين في كل وقت وكل حين، مبشرة ولسان حالها: أمة الإسلام أمة لا تموت.

الدرس الثالث:

فلسطين اليوم أندلس البارحة

كان الدرس الثالث من تاريخ الأندلس هو الأخطر من نوعه، وتبدو معالمه في سؤال ربما يكون قد شغل أذهان البعض كثيرا، وهو: لماذا انتهى الإسلام بالكليّة من بلاد الأندلس؟!

فبلاد الأندلس (أسبانيا والبرتغال) هي اليوم من أقل بلاد العالم في عدد المسلمين، والذين بلغ عددهم فيها مائة ألف مسلم فقط، أي أقل من عدد المسلمين في مدينة من مدن أمريكا.

ففي مدينة دالاس الأمريكية وحدها يصل عددهم إلى مائة ألف مسلم، وهي بعد لم تكن قد حكمت بالإسلام، بينما تعداد المسلمين في شبه الجزيرة الأيبيرية (أسبانيا والبرتغال) وبعد أن حُكمت ثمانية قرون بالإسلام لا يزيد عن مائة ألف مسلم، وهو أمر في غاية الغرابة.

ومن هنا كان هذا السؤال: لماذا انتهى الإسلام من بلاد الأندلس بالكليّة كأفراد وشعوب ولم ينته من البلاد الأخرى، والتي استُعمرت استعمارا صليبيا، طال أمده في بعض الدول مثل الجزائر التي احتُلت ثلاثين ومائة سنة، ومصر التي احتُلت سبعين سنة، وفلسطين احتُلت مائتي سنة في زمن الصليبيين، وغيرها من الدول الإسلامية التي غُلبت على أمرها، ورغم ذلك لم يندثر المسلمون أيا كانت طريقة اندثارهم ولم يتغيروا، وظلوا مسلمين وإلى الآن؟!

وللإجابة على هذا التساؤل لننظر أولا ما كان يفعله الاستعمار الأسباني في بلاد الأندلس، فقد كان الاستعمار الأسباني استعمارا استيطانيا إحلاليا، ما إن يدخلوا بلدا إلا قتلوا كل من فيه من المسلمين في حرب إبادة جماعية، أو يطردونهم ويهجّرونهم إلى خارج البلد، ثم يُهجّروا إليها من النصارى من أماكن مختلفة من الأندلس وفرنسا من يحل ويعيش في هذه المدن وتلك الأماكن التي خلفها المسلمون، وبذلك لم يعد يبقى في البلاد مسلمون.

وحكم البلاد وعاش فيها بعد ذلك نصارى وأبناء نصارى، على عكس ما كان يحدث في احتلال البلاد الإسلامية الأخرى مثل مصر والجزائر وليبيا وسوريا وغيرها، فإن الاحتلال في هذه البلاد كان بالجيوش لا بالشعوب، واحتلال الجيوش ولا شك مصيره إلى ردة وزوال.

وإن مثل هذا ليضع أيدينا على شيء هو في غاية الأهمية، ذلك أن الاحتلال الاستيطاني هذا الذي حدث في بلاد الأندلس لم يتكرر في أيٍ من بلاد العالم إلا في مكان واحد فقط، وهو أيضا يخص المسلمين، وهو فلسطين.

وإن ما يحدث الآن فيها وعلى أرضها ما هو إلا تكرار لأندلس جديدة، ما يفعله اليهود الآن من تهجير اليهود إلى أرض فلسطين، وإبادة في الشعب الفلسطيني بالقتل والطرد والتشريد، وإصرارهم (اليهود) على عدم عودة اللاجئين إلى ديارهم، ثم الإكثار من بناء المستعمرات، كل ذلك وغيره ما هو إلا خطوة من خطوات إحلال الشعب اليهودي مكان الفلسطيني.

فقد شُرّد الشعب الفلسطيني وبات مصيره في طي النسيان، بات العالم أجمع ينسى قضيته يوما بعد الآخر، بل بات محتملا أن ينسى هو نفسه (الشعب الفلسطيني) قضيته، وأخشى والله أن ينسى الفلسطينيون المشردون القضية تماما كما نسيها أهل الأندلس الذين هاجروا إلى بلاد المغرب وإلى تونس والجزائر بعد عام أو عامين، أو حتى بعد عشرة أو مائة عام، فقد مر الآن على سقوط الأندلس خمسمائة عام، فمن يفكر في تحريرها؟!

وهكذا وعلى هذا الوضع يسير اليهود ويجمعون ويُهجّرون شتاتهم إلى بلاد فلسطين لإحلال الشعب اليهودي مكان الشعب الفلسطيني.

فكانت قضية فلسطين شديدة الشبه بالأندلس، وتُرى لماذا عُقد اتفاق السلام الأخير بين اليهود وبين الفلسطينيين، ومن بين كل بلاد العالم هناك يعقد في إحدى مدن الأندلس القديمة في مدريد؟!

كانت مفاوضات السلام تدور في أوسلو وترعاها أمريكا وروسيا وغيرها من البلاد، ومع ذلك أُقيمت في مدريد، وفي إزالة علامات التعجب أن ذلك كان بسبب أن المفاوضات قامت في سنة اثنتين وتسعين وتسعمائة وألف من الميلاد، وهي ذكرى سقوط الأندلس، حيث كان قد مر على سقوطها خمسمائة عام.

ففي تلك الأثناء كانت شوارع مدريد مكتظة بالاحتفالات والمهرجانات، حيث هزيمة المسلمين وانتصار الصليبيين في هذه الموقعة القديمة منذ خمسمائة عام، وكأنهم يبعثون برسالة مفادها: ها هو التاريخ يتكرر، وها هي أحداث الأندلس تتكرر من جديد في فلسطين، وها هي الانتفاضة التي تحدث في فلسطين تُقتَل كما قُتلت من قبل انتفاضة موسى بن أبي غسّان في غرناطة، ها هو التاريخ يتكرر، لا داعي للحرب ولا داعي للجدال والمحاورات الكثيرة؛ فإن مصيركم هو ما حدث في الأندلس من قبل.

وأخيرا

بعد هذه الدراسة، وبعد تلك الحقبة المهمة من تاريخ المسلمين، نستطيع أن نسطر من جديد: ما كان التاريخ- وتاريخ الأندلس خاصة- يوما ما بُكاء على اللبن المسكوب، ولا عيشا في صفحات الماضي، إنما كان لأخذ الدرس والعبرة، وكما ذكرنا في البداية : [فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] {الأعراف:176} . وأيضا: [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الأَلْبَابِ] {يوسف:111} .

والذي يجب أن يشغلنا الآن هو أن نقف مع تاريخ الأندلس وقفة نفهم منها أحداث فلسطين وأحداث الشيشان وكوسوفا والبوسنة والهرسك وكشمير، وغيرها من البلاد، وما هو دور الشعوب والأفراد في قضية فلسطين حتى لا تصبح أندلسا أخرى.

والذي يجب أن يشغلنا هو أن يعرف كل منا دوره في الحياة، ومن ثم يقوم عليه بأحسن ما يكون وأحسن ما يجب أن يكون القيام، وإن معرفة مثل ذلك لتقبع خلف كل صفحة من صفحات تاريخ الأندلس، وخلف كل صفحة من صفحات التاريخ الإسلامي بصفة عامة.

وليعلم كل منا أنه إنما هو على ثغرة عظيمة من ثغور الإسلام، فليحذر وليحرص كل الحرص على ألا يُؤْتى الإسلام من قِبله، ولا يُلدغ الثانية، وقد قال عز وجل: [وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ] {النور:55} .

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

Share this post


Link to post
Share on other sites

إضافة للموضوع

محاكم التفتيش

لم تكن الدموع التي ذرفها الأمير أبو عبد الله محمد وهو يسلم مفاتيح قصور الحمراء بغرناطة لملكي إسبانيا النصرانية ‘فرناندو’ و’إيزابيلا’، هي الدموع الأخيرة في بلاد الأندلس، إذ أعقبها الكثير والكثير من الدموع والدماء، فرغم العهود والأيمان المغلظة التي قطعها ‘ فرناندو’ على نفسه ووقع عليها في وثيقة استلام غرناطة الشهيرة، إلا أن الله عز وجل الذي هو أصدق قيلا قال في محكم التنزيل ‘لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ..’ وقال ‘إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا أيديهم وألسنتهم بالسوء ..’ فأبت على فرناندو صليبيته أن يفي للمسلمين بشيء من العهود والمواثيق، وكانت هذه الوثيقة ستارا للغدر والخيانة وشنيع ما سيقترف بالمسلمين في الأندلس.عهد الملك الصليبي ‘فرناندو’ إلى الكاردنيال ‘خمنيس’ مطران طليطلة ورأس الكنيسة الإسبانية مهمة تنصير مسلمي الأندلس، وكان هذا الرجل من أشد أهل الأرض قاطبة عداوة للإسلام والمسلمين، بل إن البغضاء المشحونة في قلبه كانت مضرباً للأمثال لعصور طويلة، فأنشأ هذا الرجل ما يسمى بديوان التحقيق أو عرف تاريخيا بمحاكم التفتيش وذلك سنة 905 هجرية، فكان أول عمل لهذه المحاكم أن جمعت كل المصاحف وكتب العلم والفقه والحديث وأحرقت في ميدان عام كخطوة أولى لتنصير المسلمين بقطع الصلة عن تراثهم وعلومهم الشرعية.بدأت حملة تنصير المسلمين بعد ذلك بتحويل المساجد إلى كنائس ثم جمع من بقى من الفقهاء وأهل العلم وتم إجبارهم على التنصر، فوافق البعض مكرهاً وأبى الباقون فقتلوا شر قتلة، وكان التمثيل بجثث القتلى جرس إنذار لباقي المسلمين إما التنصير وإما الموت والقتل والتنكيل وسلب الأموال والممتلكات وكانت عملية التنصير مركزة على إقليم غرناطة ومنه انتقلت حمى التنصير إلى باقي بلاد الأندلس حيث كان هناك الكثير من المسلمين تحت حكم النصارى خاصة في الوسط والشرق.هب المسلمون بما بقى عندهم من حمية وغيرة على الدين للدفاع عن هويتهم وعقيدتهم، فاندلعت الثورة في عدة أماكن من غرناطة وغيرها، واعتزم المسلمون الموت في سبيل دينهم، ولكنهم كانوا عزلاً بلا سلاح ولا عتاد، فقمع الصليبيون الثورات بمنتهى الشدة فقتل الرجال وسبيت النساء وقضي بالموت على مناطق بأسرها ماعدا الأطفال الذين دون الحادية عشرة حيث تم تنصيرهم، وبعد قمع الثورة بمنتهى العنف والقسوة، أصدر ‘فرناندو’ منشوراً بوجوب اعتناق المسلمين للنصرانية، وذلك سنة 906 هجرية ومن يومها ظهر ما يعرف في تاريخ الأندلس المفقود باسم ‘الموريسكيين’ وهى كلمة إسبانية معناها المسلمين الأصاغر أو العرب المتنصرين، ومحنتهم تفوق الخيال وما لاقوه وعانوه من إسبانيا الصليبية لا يخطر على بال.

الموريسكيون

ظهرت في بلاد الأندلس المفقود طائفة الموريسكيين وهم المسلمون الذين اضطروا للبقاء وأجبروا على إظهار النصرانية وترك الإسلام، وهذه الطائفة رغم البطش والتنكيل الشديد الذي تم بها لتجبر على التنصر، إلا إنها ظلت مستمسكة بدينها في السر، فالمسلمون يصلون سراً في بيوتهم، ويحافظون على شعائرهم قدر استطاعتهم وذلك وسط بحر متلاطم من الاضطهاد والتنكيل والشك والريبة.كانت العداوة الصليبية المستقرة في قلوب الأسبان تجاه مسلمي الأندلس أكبر من مسألة الدين أو غيرها، فقد كانت هناك رغبة جامحة عند قساوسة ورهبان أسبانيا لاستئصال الأمة الأندلسية، فظل الموريسكييون موضع ريب وشك من جانب الكاردينال اللعنة ‘خمنيس’ وديوان التحقيق، فعمل ‘خمنيس’ على الزج بآلاف الموريسكيين إلى محاكم التفتيش حيث آلات التعذيب والتنكيل التي تقشعر لها الأبدان ويشيب منها الولدان وذلك للتأكد من صدق تنصرهم وخالص ارتدادهم عن الإسلام، وكانت أدنى إشارة أو علامة تصدر من الموريسكيين وتدل على حنينهم للإسلام كفيلة بإهدار دمائهم وحرقهم وهم أحياء، واستمرت إسبانيا الصليبية في سياسة الاضطهاد والقمع والتنكيل بالموريسكيين، وبلغت المأساة مداها بعدما أصدر ‘شارل الخامس’ قراراً بمنع سفر الموريسكيين خارج إسبانيا باعتبارهم نصارى ومن يخالف يقتل وتصادر أملاكه وعندها اندلعت الصدور المحترقة بثورة كبيرة في بلاد الأندلس.

الثورة الشاملة

كان تولى الإمبراطور ‘فيليب الثاني’ عرش إسبانيا بداية حملة اضطهاد غير مسبوقة للموريسكيين الذين كانوا موضع شك دائم من قبل الكنيسة ورهبانها الذين كانوا يشعرون في قرارة أنفسهم أن الموريسكيين ما زالوا على الإسلام في سويداء قلوبهم، وكان ‘فيليب الثاني’ ملكاً شديد التعصب، كثير التأثر بنفوذ الأحبار، فأصدر حزمة من القرارات جاءت بمثابة الضربة القاتلة لبقايا الأمة الأندلسية وذلك بتجريدها من مقوماتها القومية الأخيرة بتحريم استخدام اللغة العربية والملابس العربية، وعندها قامت الثورة الشاملة وكان مركز الثورة في منطقة جبل ‘الشارات’ واندلع لهيب الثورة منها في أنحاء الأندلس ودوت صيحة الحرب القديمة وأعلن الموريسكيون استقلالهم، واستعدوا لخوض معركة الحياة أو الموت، واختار الثوار أميراً لهم اسمه ‘محمد بن أمية’ يرجع أصله إلى بنى أمية الخلفاء كإشارة على استعادة الخلافة ودولة الإسلام في الأندلس مرة أخرى. حقق الموريسكيون عدة انتصارات متتالية، اهتزت لها عروش النصرانية في أسبانيا وأوروبا، فأعدت أسبانيا حملة عسكرية ضخمة يقودها أمهر قادتهم هو ‘الدون خوان’، وجاء المجاهدون المسلمون من المغرب العربي وانضمت فرقة عسكرية عثمانية للثوار جاءتهم من تونس، وكان الأسبان يقتلون من يقع في أسرهم ويمثلون بجثثهم أبشع تمثيل حتى الأطفال والنساء لم يسلموا من أفعالهم، وزاد ذلك الثوار يقينا بحتمية الاستمرار في الثورة والقتال حتى الموت، وقويت العزائم وتقاطر المجاهدون المغاربة على الأندلس، وهنا امتدت أيدي الغدر والخيانة في الظلام لتغتال حلم الأندلسيين بمكيدة شريرة ويقتل الأمير ‘محمد بن أمية’ قبل أن يحقق هدفه المنشود.

القائد الجدي

بعد اغتيال ‘محمد بن أمية’ لم تكن هذه الثورة لتقف أو تنتهي بموت زعيمها، فاختار الثوار أميراً جديداً هو ابن عم القتيل واسمه ‘مولاي عبد الله محمد’، وكان أكثر فطنة وروية وتدبرا فحمل الجميع على احترامه ونظم جيش الثوار وجعله على الطراز الدولي ويفوق في تنظيمه الجيش الصليبي الأسباني واستطاع ‘مولاي عبد الله’ أن يستولي على عدة مدن هامة مثل مدينة ‘أرجبة’ التي كانت مفتاح غرناطة والتي كان سقوطها شرارة اندلاع ثورة الموريسكيين وذيوع شهرة ‘مولاي عبد الله محمد’.حشدت إسبانيا أعداداً ضخمة من مقاتليها يقودهم ‘الدون خوان’، فحاصر هذا الجيش الجرار الثوار في بلدة ‘جليرا’ وكان مع الثوار فرقة من الجنود العثمانيين، ودارت رحى معركة في منتهى الشراسة أبدى فيها المسلمون بسالة رائعة، ولكن المدينة سقطت في النهاية ودخلها الأسبان دخول الضواري المفترسة وارتكبوا مذبحة مروعة شنيعة لم يتركوا فيها صغيرا ولا كبيرا ولا طفلا ولا امرأة، وحاول ‘الدون خوان’ مطاردة فلول الثوار ولكنه وقع في كمين للثوار في شعب الجبال عند مدينة ‘بسطة’ وأوقع الثوار هزيمة فادحة بالصليبيين الأسبان ، جعلت الحكومة الأسبانية تفكر في مصالحة الثوار المسلمين.

السلام الفاشل

عرضت الحكومة الصليبية الإسبانية على المسلمين الثائرين معاهدة سلام لإنهاء القتال، فبعث ‘الدون جوان’ إلى أحد الثائرين واسمه ‘الحبقى’ وقد لمحت فيه إسبانيا الصليبية بعض المؤهلات التي ترشحه للتفاوض وقبول شروطها المجحفة في السلام، وكانت شروط المعاهدة تتضمن وقف انتفاضة المسلمين فورا وفى سبيل ذلك يصدر وعد ملكي بالعفو عن جميع الموريسكيين الذين يقدمون خضوعهم في ظرف عشرين يوما من إعلانه ولهم أن يقدموا تظلمهم وشكاواهم مع الوعد بالبحث فيها ودراستها..!وكل من رفض العفو والخضوع للسلطة الصليبية سيقتل ما عدا النساء والأطفال دون الرابعة عشرة والسبب بالقطع معروف النساء سبايا والأطفال ينصرون.كانت شروط السلام الصليبي المعروض على الموريسكيين كفيلة بأن يرفض الأمير مولاي عبد الله محمد هذه المعاهدة الجائرة التي لا تعطى المسلمين شيئا وليس لها سوى هدف واحد وهو إيقاف ثورة المسلمين فقط لا غير، وأيقن المسلمون أن الأسبان الصليبيين لا عهد لهم ولا ذمة، فانقلب النصارى يفتكون بكل المسلمين في أنحاء أسبانيا سواءًا من اشترك في الثورة أم لم يشترك، واشتبك الدون خوان مع قوات مولاي عبد الله في عدة معارك ولكنها غير حاسمة، وفى نفس الوقت أبقى الأسبان على خط التفاوض مع الزعيم ‘الحبقى’ الذي رأى فيه النصارى السبيل لشق صف الثوار المسلمين.سار مجرى القتال في غير صالح المسلمين لانعدام التكافؤ بين الطرفين خلا الإيمان بالله عز وجل، ورأى مولاي عبد الله أن أتباعه يسقطون من حوله تباعا وتجهم الموقف والقوة الغاشمة تجتاح كل شيء، فبدأ يفكر في الصلح والسلام ولكن بغير الشروط السابقة، وتدخل بعض زعماء الأسبان ممن له عقل وتدبير لإجراء الصلح، ولكن ‘الحبقى’ استبق الجميع وشق صف الثورة وخرج عن طاعة مولاي عبد الله ومن معه، وذهب بسرية من فرسانه إلى معسكر الصليبيين وقدم الخضوع والذلة إلى قائدهم ‘الدون خوان’.كانت هذه الخطوة الذليلة من ‘الحبقى’ محل سخط كل المسلمين وخاصة زعيمهم مولاي عبد الله، فلقد لمح أن ‘الحبقى’ يروج بمنتهى القوة لهذا السلام الذي هو خضوع وذلة بالكلية للصليبيين، وأن الصف المسلم يتصدع بمحاولات ‘الحبقى’ وأراجيفه، خاصة بعدما لمح المسلمون نية الصليبيين في نفيهم بالكلية عن الأندلس، وهذا يجعل الهدف والداعي الذي قامت من أجله الثورة في الأصل هباءاً منثوراً وكيف سيعيدون دولة الإسلام في الأندلس مرة أخرى إذا طردوا من أوطانهم، لهذه الأسباب كلها قرر مجلس قيادة الثورة إعدام ‘الحبقى’ الذي ظهر منه ما يدل على عمالته وولائه للصليبيين.

استئناف القتال

أعلن مولاي عبد الله أن الثورة لن تتوقف وأن الموريسكيين سيجاهدون حتى الموت وأن حلمهم بإعادة دولة الإسلام في الأندلس لم يمت في قلوبهم، وأنه يؤثر أن يموت مسلماً مخلصاً لدينه ووطنه مما بذلوا له من وعود معسولة وأماني كاذبة وكان لهذا الموقف الشجاع من مولاي عبد الله فعل السحر في نفوس المسلمين في جميع أنحاء أسبانيا، فاندلعت الثورة كالنار في الهشيم، وقابل الأسبان ذلك بمنتهى القسوة والشدة بل والحقد الجنوني، حيث مضوا في القتل والتخريب لكل ما هو مسلم، وهدموا القرى والضياع والحقول حتى لا يبقى للثوار مثوى أو مصدر للقوت.

كانت لهذه القسوة المفزعة أثر كبير على نفوس الموريسكيين حيث فر كثير منهم من البلاد كلها إلى إخوانهم المسلمين في إفريقية، وفى 28 أكتوبر سنة1570 أصدر فيليب الثاني قراراً بنفي الموريسكيين من مملكة غرناطة إلى داخل البلاد الأخرى بأسبانيا، ويوزعون على سائر الولايات الإسبانية بل مصادرة أملاكهم وأموالهم ، ووقع تنفيذ القرار في مشهد يندى له جبين البشرية من الخزي حيث السفك والنهب والاغتصاب، وسيق مسلمو غرناطة كالقطعان لمسافات طويلة حيث الجوع والعطش والمرض ثم وضعوا بعد ذلك فيما يشبه المعسكرات الجماعية حيث بقوا رهن المتابعة والرقابة الدائمة، وعين لهم مشرفاً خاصاً يتولى شئونهم ووضعت لهم جملة من القيود من يخالف أدناها يقتل شر قتلة.

الخيانة ونهاية البطل

بعد هذه الوحشية منقطعة النظير وبعد سلسلة من المذابح والمجازر البشرية المروعة في حق مسلمي الأندلس وبعد فرار الكثير من الموريسكيين إلى إفريقية وبعد نفي بقيتهم داخل أسبانيا لم يبق أمام الأسبان سوى آخر فرسان الأندلس مولاي عبد الله وجيشه الصغير الذي ظل مقاوماً للصليبيين معتصماً بأعماق الجبال، رافضاً للصلح أو المهادنة أو الخضوع لسلطة الصليب مهما كانت التضحيات، وهو في هذه الأثناء يقوم بحرب عصابات ضد الحاميات الأسبانية المنتشرة بغرناطة وأوقعت هذه الحرب خسائر فادحة بالأسبان، ولكنها أيضا أنهكت قوة جيش مولاي عبد الله الصغير.ولأن هذا العصر وتلك الأيام كانت توصف بالخيانة والعمالة وحب الدنيا وكراهية الموت والخوف على النفس والمال والعيال، فلقد استطاع أعداء الإسلام أن يستقطبوا ويجندوا أحد ضباط مولاي عبد الله محمد ويغروه بالأموال والمنح والوعود والعفو الشامل إذا استطاع أن يسلمهم مولاي عبد الله محمد حياً أو ميتاً، وكان الإغراء قوياً ومثيراً والنفوس ضعيفة، فدبر هذا الضابط الخائن خطته لاغتيال آخر أبطال الأندلس، وفى ذات يوم هجم الخائن مع بعض من أغواهم على البطل مولاي عبد الله الذي قاومهم قدر استطاعته ولكنه وبعد معركة غير متكافئة سقط شهيداً، فقام الخونة بفعلة شنيعة حيث ألقوا جثته من فوق الصخور لكي يراها الجميع ويعلم أسيادهم الأسبان بنجاح مخطط الغدر والخيانة، وهكذا تدفع الأمة من جديد ثمن خيانة بعض أبنائها وتفقد ولداً باراً وبطلاً عظيماً قام بنصرتها والدفاع عن عرضها وحاول استعادة مجدها ولكنه وللأسف الشديد زمن الخيانة والعمالة!.

هكذا يفعلون في أبطالنا

إن ميراث الحقد والعداوة الدفين في قلوب أعداء الإسلام ضد كل ما هو مسلم ليدعو كل صادق وغيور لأن يكون على استعداد دائم للمعركة التي يخطط لها أعداء الإسلام، والصدام الوشيك بين الحق والباطل، وما فعله الأسبان بجثة البطل الشهيد مولاي عبد الله يدل على مدى الحقد العمى المشتعل في قلوب أعداء الإسلام، حيث قام الأسبان بحمل الجثة إلى غرناطة وهناك استقبلوها في حفل ضخم حضره الكبار والصغار الرجال والنساء، ورتبوا موكباً أركبت فيه الجثة مسندة إلى بغل وعليها ثياب كاملة كأنه إنسان حي ومن ورائها أفواج كثيرة من الموريسكيين الذين سلموا عقب اغتيال زعيمهم، ثم حملت الجثة إلى النطع وأجرى فيها حكم الإعدام، فقطع رأسها ثم جرت في شوارع غرناطة مبالغة في التمثيل والتنكيل ومزقت أربعاً وأحرقت بعد ذلك في الميدان الكبير ووضع الرأس في قفص من الحديد، رفع فوق سارية في خاصة المدينة تجاه جبال البشرات معقل الثورة ومنشأها، وهكذا يفعلون في أبطالنا.

كان العالم الإسلامي مفتوح الحدود, تجتازه قوافل التجارة وأفواج الرحالة والحجاج المسلمون القاصدون بيت الله الحرام.

في مستهل القرن الثالث عشر للميلاد، السابع للهجرة، بدأ إنشاء الجامعات في أوروبا. ففي عام 1211م أنشئت جامعة باريس. وفي عام 1215م أنشئت جامعة أكسفورد. وفي عام 1221م أنشئت مونبلييه بفرنسا. وفي عام 1228م أنشئت جامعة سلمنكا في أسبانيا.

ومن هذه الجامعات التي ورثت علم العرب المطبوع بالثقافة الهيلينية انبثق عصر النهضة. وكما كان سقراط وأفلاطون وأرسطو وأرخميدس وايبوقراط وجالينوس وبطليموس وغيرهم من عباقرة اليونان رواد العرب في العلم والفلسفة كذلك فإن الكندي والرازي والبتاني وابن سينا والفارابي وابن الهيثم والبيروني وابن النفيس والزهراوي وابن زهر وابن رشد وابن الطفيل وابن باجة وابن البيطار وغيرهم كانوا رواد.

Share this post


Link to post
Share on other sites

الله يكرمك يا صبح

المسأله مش عدم حب للقراءه....بس اوقات الوقت مش بيسمح للقراءه

فيبقي السماع ممكن اثناء الانشغال بشئ تاني

و لان ايضا سماع وقراءه نفس الموضوع يسهل تثبيت المعلومه

ربنا يجزيك حير

Share this post


Link to post
Share on other sites

الله يكرمك يا صبح

المسأله مش عدم حب للقراءه....بس اوقات الوقت مش بيسمح للقراءه

فيبقي السماع ممكن اثناء الانشغال بشئ تاني

و لان ايضا سماع وقراءه نفس الموضوع يسهل تثبيت المعلومه

ربنا يجزيك حير

أنا عارف قصدك والله

بس أنا حبيت اني ما أحرقش الموضوع بنشر روابط الإستماع قبل نهايته

أنا فعلا أفضل القراءة ولكني ألجأ للإستماع لقلة الوقت

Share this post


Link to post
Share on other sites

الحياة الثقافية في الأندلس

clipimage001ta5.jpg

اسهم بيت الحكمة البغدادي في رفد الحركة الثقافية في الاندلس ودعمها وتشجيعها وتزويدها بالعلماء والعلوم والمؤلفات وحثها على الترجمة والتأليف، بفضل الروابط والاتصالات الثقافية بين الحاضرتين بغداد وقرطبة، اذ تتلمذ عدد كبير من طلبة الاندلس في مدارس بغداد والكوفة وواسط والبصرة وغيرها من المدن العراقية . ويعود الفضل الكبير في نقل الحضارة العراقية الى الاندلس للامير عبد الرحمن الثاني (الاوسط) وحكم الاعوام 206-238 هـ وعاصر انشاء بيت الحكمة في عهد الخليفة العباسي المامون 198 – 218 هـ ، ويؤكد المستشرق الفرنسي ليفي بروفنسال بان الامير هو الذي اعطى مملكة قرطبة النظام العباسي . فاهتم الامير بارسال وزيره القاضي عباس بن ناصح الجزيري الى العراق للحصول على الكتب القديمة ، فاتاه للاندلس بكتاب ( السندهند ) وهو اقدم الكتب التي ترجمت الى العربية في الحساب والاعداد الهندسية .

كما ان النظام القرطبي يقتفي اثر النظام العباسي في الثقافة ، وتكوين بلاط الامير كان يدل على تقليده لخلفاء بغداد .

ويؤكد المؤرخ الاندلسي احمد الرازي أن أهل الاندلس كانوا يستقبلون باعجاب او في الاقل باحترام كل مكان ياتي من بغداد ، ونتيجة الحوادث السياسية في بغداد دخلت الى الاندلس الكتب الفريدة والجواهر الثمينة كعقد الثعبان للاميرة زبيدة والاقمشة الغالية ، وقد خاطر كبار التجار لايصال النفائس والنوادر الى قرطبة لثرائها ، وولع امراؤها بالمجوهرات والمصنفات ، ويؤكد لنا ذلك حضور الفنان العراقي زرياب من بلاط الخليفة هارون الرشيد الى بلاط قرطبة في عصر الامير عبد الرحمن الثاني ونقل معه معالم حضارة عراقية في الفن و الادب وتقاليد اجتماعية واذواق حضارية اسهمت في نقلة حضارية سريعة في الاندلس .

اصبح المسجد الجامع في قرطبة الذي يحتوي في اروقته من الفن المعماري العراقي يزين جدرانه وسقوفه الخط الكوفي، اكبر اكاديمية في العالم تنافس بيت الحكمة البغدادي، و تخرجت فيه كوادر علمية خدمت الثقافة العربية الاسلامية .

يروي ابن حزم القرطبي في حكاية عابرة ان علماء قرطبة واصلوا جهود علماء ( بيت الحكمة ) ، وقد تشوق ابن حزم لزيارة بغداد فوصفها في قوله ( بغداد حاضرة الدنيا و معدن كل فضيلة و المحلة التي سبق اهلها الى حمل الوّية المعارف والتدقيق في تصريف العلوم..) ، اكد المستشرق الاسباني اميليو كاريثه كومث في مقالته عن بغداد بالاسبانية ما كان للحضارة البغدادية من نفوذ طاغ على مدن اسبانيا التي لم تكن الا صورا للمدينة المشرقية .

كما اظهر المستشرق الاسباني اسين بلاثيوس تاثر الفكر الفلسفي الاندلسي بالثقافة العراقية و غيرها .

وكان لوصول ابي علي البغدادي القالي ومؤلفاته العديدة الى الاندلس في عصر الخلافة ، و قدوم الاديب صاعد البغدادي صاحب كتاب ( الفصوص ) دليل على اسهامات بيت الحكمة في النهضة في بلاد الاندلس .

ظهرت تطورات حضارية في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله بفضل حرصه واهتمامه بالحركة الثقافية ،إذ حصل على كتاب ( الاغاني ) لابي الفرج الاصبهاني بمبلغ الف دينار قبل ظهوره من اسواق بغداد ، كما بنى مكتبة خاصة بالقصر كانت تحتوي على 400 الف مجلد للفهارس وتحتوي على امهات المصادر في مختلف العلوم ، وظهرت طبقة من الاطباء المرموقين امثال الزهراوي اكبر جراح في العالم آنذاك، وتتلمذ عدد من الاطباء في بغداد منهم ابناء يونس بن احمد الحراني ، وهما احمد واخوه عمر ، وعملا مذخرا لصناعة الادوية في قرطبة على غرار ما شاهدوه في بغداد و البصرة ، وذلك في مدينة الزهراء .

اعجب الرحالة ابن حوقل البغدادي وكتابه ( صورة الارض ) بما شاهده من حضارة متطورة في قرطبة التي يسميها بغداد الثانية، كما زار الرحالة الاندلسي ابن جبير البلنسي (ت 614 هـ ) بغداد و اعجب بمعالمها الحضارية ، وزار بغداد ايضا عدد كبير من العلماء والادباء و الفقهاء منهم الحميدي الميورقي، وابو الوليد الباجي ، وابو علي الصدفي ، والطرطوشي ( ابي رندقة ) ، وابن سعيد المغربي ، وابو بكر بن العربي الاشبيلي وغيرهم .

وظهرت من الاندلس عوائل علمية كما هو الحال في بغداد ، واختصت بالعلوم والاداب منهم:

بنو عاصم الثقفي ، وبنو شريف الحسني واصلهم من سبتة واستقروا في غرناطة ، وبنو مخلد في قرطبة ، وبنو عاصم في غرناطة ، وبنو سماك في مالقة وغرناطة ، وبنو عطية في غرناطة ، والتقى علماء الاندلس وفهاؤها وادباؤها باساتذة و معلمي ( بيت الحكمة ) وطلبته واخذوا عنهم و تتلمذوا عليهم وعادوا الى الاندلس و هم يحملون الثقافة البغدادية و المؤلفات و التقاليد .

وتاثر حاكم قشتالة وليون الملك الاسباني الفونسو العاشرAlfonso العالم بالثقافة المشرقية و اسس مدرسة للترجمة في طليطلة بعد سقوطها عام 478هـ على يد ملك قشتالة الفونسو السادس، وذلك على غرار اسلوب ( بيت الحكمة ) برنامجها اذ اصبحت طليطلة تنافس بغداد في حركة الترجمة، واستمرت زهاء قرن كامل، كما ظهرت طبقة من المترجمين وترجمت مؤلفات العرب في الطب والفلك والنجوم والرياضيات والفلسفة ومن المترجمين الاسقف ريموند، ويوحنا الاشبيلي، والشماس ماركوس الذي ترجم معاني القرآن الكريم، وهرمانوس المانوسي وترجم شروح ابن رشد على ارسطو، كما زار طليطلة مترجمون كثيرون منهم برونيتولابين اوفده ملك روما، وجيرار الكريموني الايطالي الذي ترجم رسالة الصبيان للرانزي، كما ترجمت رسائل اخوان الصفا في الجغرافية والفلسفة و كتاب ( التصريف ) للزهراوي . وترجم اكثر من 70 مؤلفا عربيا في الاندلس، كما وصل غروستست من اكسفورد بانكلترا .

شغف الملك الفونسو العاشر بالثقافة العربية وولع بالفن والادب والترجمة ودون موسوعة كبيرة تحتوي على لوحات مصورة من التراث العربي احتوت على 427 لوحة منها (51) لوحة عن المسلمين وتراثهم، يلاحظ على بعض اللوحات التاثر العراقي من رسوم للفنان الواسطي ولوحات من مقامات الحريري ومعالم الحياة المشرقية ومجالسها الادبية، ويبدو ان الرسامين كانوا من المشرق والاندلس .

ومن المترجمين من العربية الى اللاتينية ناثان المئوي وسليمان بن يوسف وجيوفاني دي كابوا ، وترجم اصطفيان ( الاقربازين ) لابن الجزار، كما ترجم ارمنجو ارجوزة ابن سينا وشروحها لابن رشد القرطبي وترجم ادلر الباثي الانكليزي فهارس المجريطي في الفلك والرياضيات ، كما ترجم الراهب الاسباني سرفيتوس نظريات ابن النفيس في الدورة الدموية، وترجم ابن عزرا اليهودي من العربية الى العبرية مؤلفات البيروني . واشتغلت اسرة طبون في ترجمة العربية الى العبرية اعجابا بالتراث العربي الاسلامي واهتماما واستفادة منه لخدمة البشرية.

Share this post


Link to post
Share on other sites

الحياة الاجتماعية في الأندلس في عهد ملوك الطوائف

كان المجتمع الأندلسي في القرن الخامس الهجري مزيجاً من الأجناس, إذ امتزج العرب بالمولدين والصقالبة والبربر والزنوج واليهود. ورغم هذا الاختلاف العرقي فقد استطاعت الثقافة العربيّة أن تحافظ على وحدتها.

مظاهر من الحياة اليومية للسكان

اشتهر أهل الأندلس بحبهم للنظافة في ملبسهم ومأكلهم وفرشهم, وكل ما يتعلق بهم "وفيهم من لا يكون عنده إلاّ ما يقوته يومه, فيطويه صائماً, ويبتاع صابوناً يغسل به ثيابه, ولا يظهر فيها ساعة على حالة تنبو العين عنها.

واعتاد سائر الناس أن يسيروا في الشوارع ورؤوسهم عارية, أما الفقهاء والقضاة فالغالب عليهم وضع العمائم في غرب الأندلس, أما في الشرق فيرى القاضي أو الفقيه عاري الرأس ويندر أن يتعمّم. ويلبس الخاصّة منهم الطيلسان, أما غفائر الصّوف فكانوا يلبسون الخضراء والحمراء منها, حيث اختص اليهود بلبس الصّفراء, ولا سبيل لليهود أن يتخذوا العمائم ولا يجوز أن يرخي الذّؤابة إلاّ عالم.

وكانت الأوضاع التي تلبس بها العمائم في المشرق غير معروفة عند الأندلسيين فإذا رأوا مشرقياً أظهروا التعجّب والاستطراف, وكانت ثيابهم تفصل على طريقتهم الخاصّة حيث لم تكن الطريقة المشرقية في تفصيل الثياب متبعة لديهم.

وكانت منازل الأندلسيين لا تختلف كثيراً عن بقيّة المنازل في العالم الإسلامي وكانوا يستعملون في بنائها الآجر والحجر, وكان للحجر عندهم أنواع منها الخمري والأحمر والأبيض, وكانوا يجعلون لبيوتهم جدراناً عالية, أمّا الأبواب والنوافذ فكانت صغيرة, وكانوا يحرصون على أن يكون للبيت ساحة واسعة.

وكان لسكان الأندلس عدّة هوايات يمضون بها أوقات فراغهم, فقد كانوا ينظمون سباقات الخيل, ويقيمون مباريات بين الفرسان وهم يتقاذفون كرة خشبية, كما كانت مباريات المصارعة بالعصيّ تحظى لديهم بالعناية, وكان اللّعب بالشطرنج والنّرد رائجاً عندهم رواجاً كبيراً.

وقد اشتهر الأندلسيون ببراعتهم وحذقهم وذكائهم وثباتهم وصمودهم في الحروب مع أعدائهم ومواظبتهم على التعلم والتحصيل وحيويتهم وخفّة دمهم وكانوا شديدي التعصب لبلادهم, نرى ذلك من أنسابهم, فلا نكاد نجد عالماً ولا أديباً إلاّ وينسب لبلده.

Share this post


Link to post
Share on other sites

لفت نظرى ان عبد الرحمن الفاتح و عبد الرحمن الناصر و غيرهم من ابطال الأندلس صنعوا المعجزات و انتزعوا النصر من بين فكى الهزيمة و هم بعد لم يبلغوا اواخر العشرينات من العمر ....

اى ان الشباب هو صانع اللعب فى الأندلس اذا صح التعبير ....

Share this post


Link to post
Share on other sites

السلام عليكم و رحمة الله

الدروس كثيرة من قصة الأندلس و لا تتسع لها مشاركة واحدة

ولكن اعتقد ان الدرس الأساسى هو : قراءة الحاضر - واستشراف المستقبل

إلى أين نحن ذاهبون ؟ فدائما كانت هناك قوة إسلامية تنشأ فى ظل ضعف قوة اخرى ثم تتخذ مكانها بالتدريج

فما هى هذه القوة الآن ؟

إيران أكبر قوة إسلامية الآن

وهى دولة شيعية فهل هى القوة المتوقعة؟

إن الصليبيون بغبائهم صنعوا هذه القوة منذ حرب العراق و الآن يعطونها جرعات عراقية مقوية

وكذلك إسرائيل تعطيها فى حرب لبنان الأخيرة

والآن يريدون ان يطعموها وجبة غذائية ضخمة من دول الخليج حتى تتوحش و فى النهاية ستأكلهم هم انفسهم

المشكلة الآن فينا نحن هل نحن احد اطباق الوجبة الإيرانية القادمة ؟

هل اتصور ان ابنى او حفيدى سيصبح شيعيا فى دولة شيعية ؟

Share this post


Link to post
Share on other sites

الدور الاقتصادي للأندلس

حظيت الأندلس بشهرة اقتصادية كبيرة في ميادين الصناعة والتجارة والزراعة:

فالصناعة ازدهرت في المدن المختلفة، وتكونت معها طوائف حرفية عرفت باسم الأصناف وأرباب الصناع. وصار لكل صنف أو حرفة رئيس أو شيخ منتخب من أصحابها عرف باسم الأمين أو العريف، وكان هذا الأمين مسؤولاً ومدافعاً عن طائفته وأهل حرفته أمام ممثل الحكومة في سوق المدينة وهو المحتسب. فكان يبلغه رأي طائفته حول تكاليف السلعة التي يصنعونها وتحديد ثمن بيعها، . كما يقوم بدور الخبير الفني في الخلافات التي تقع بين أهل حرفته وعملائهم حول سلعة من السلع، ورأيه كان مقبولاً لدى القاضي أو المحتسب. وقد انتقل لفظ الأمين إلى اللغة الأسبانية على شكلAL - ALamin كما استمرت مهمة الأمين موجودة في بعض المدن المغربية وإن كان وجود النقابات العمالية الحديثة قد قللت من قيمة منصبه وأدرجته ضمن أعمالها.

ولقد شبهت الأصناف أو الطوائف الصناعية الإسلامية بنظام نقابات الصناع أو اتحادات العمال التي كانت تسمى في أوروبا Gulids أوCorporations، ولكنها في الواقع كانت تختلف عنها لأنها لم تشارك في إدارة المصالح العامة في المدينة أو تقوم بدور غير دور التحكيم في المشكلات المهنية، في حياة المدينة الاقتصادية، أو تنتزع بعض الامتيازات البلدية تدريجياً ، أو تتخذ لنفسها حامياً أو راعياً دينياً من الأولياء والقديسين كما حدث في العالم المسيحي. ثم أن الأصناف أو النقابات الإسلامية لم تعرف الانقسام الذي ظهر في أوروبا الغربية بين أصحاب العمل والعمال، والذي انتهى إلى نشأة جماعات أصحاب العمل، وجماعات العمال.

وكيفما كان الأمر فإن موضوع التشابه والاختلاف بين الأصناف الإسلامية والنقابات الأوروبية، ما زال موضع نقاش بين ا لمؤرخين.

على أن موضع الأهمية هنا، هو أن هؤلاء الحرفيين والصناع بحكم كونهم من طبقة العامة في المدينة الإسلامية، قد لعبوا دوراً هاماً في حياتها العامة، إذ شاركوا في ثوراتها الشعبية، وفرقها الدينية، واحتفالاتها ومواكبها العامة في المواسم والأعياد، وذلك في وقت لم يكن يوجد فيه على نطاق شعبي ذلك الترويح أو التنفيس الرياضي أو الاجتماعي الموجود حالياً.

ولقد كفلت المدينة الإسلامية لعمالها حرية واسعة في ممارسة أعمالهم، ولم تتدخل إلا في بعض الصناعات المحدودة التي كان يتطلب ممارستها الحصول على إذن خاص، مثل إنشاء الحمامات، وصنع الأسلحة، وسك النقود، وتركيب الأدوية، والعمل في دور الطراز. وهذا راجع بطبيعة الحال إلى أسباب تتعلق بالمصلحة العامة أو أمن الدولة. أما موارد الدولة الاقتصادية فكانت تقوم على ضرائب مشروعة وغير مشروعة تمول بها بيت المال. ومن أمثلة الضرائب المشروعة : الأموال الخارجية التي تجبى من الأراضي الزراعية، وأموال الزكاة والجزية والمواريث الحشرية (أي مال من يموت بدون وريث)، والعشور أو الأعشار وهي المال الذي يجبى من تجار الفرنج الذين يفدون ببضاثعهم إلى الموانىء الأندلسية فيدفعون عشر قيمتها. وقد انتقلت هذه التسمية إلى اللغة الأسبانية على شكل Alixases. ثم ضريبة التعتيب وهي ضريبة جديدة فرضت في الأندلس في عهد المرابطين وكان الغرض منها ترميم الحصون والأسوار التي حول المدن الرئيسية ويقوم بسدادها أهل هذه المدن المنتفعة بها.

وأما الضرائب غير المشروعة والتي كانت تسمى بالمكوس أو المغارم ، فهي ضرائب إضافية نشأت عن حاجات وظروف معينة، اضطرت الدولة إلى فرضها. وكان بعضها يعطى التزاماً ، ويسمى الملتزم في الأندلس بالمستقبل بينما يسمى الالتزام قبالة، ومنه دخل في الأسبانية لفظ Alcabala.

ومن حصيلة هذا الدخل المالي في بيت المال كانت الدولة تقوم بأوجه النفقات المختلفة على الجيوش والشرطة والقصر الخلافي والموظفين والدواوين والمنشآت العامة كالمساجد والمستشفيات والسجون، والعناية بمياه الشرب وإزالة الأوساخ من المسالك والأنابيب . … الخ.

غير أن هذه الخدمات الحكومية لم تكن لها صفة الدوام في كثير من الأحيان، مما اضطر بعض المدن الكبيرة إلى الاعتماد على نفسها في سد حاجاتها. ومن هنا ظهر لها مورد مالي آخر لعب دوراً هاماً في اقتصادها، وهو نظام الحبوس الذي يسمى في المشرق بالوقف. وهو نظام إسلامي المراد به هو الأراضي والمؤسسات التي تكون ملكا لشخص حر التصرف في ماله، ثم يتنازل عن حقه في عائدها أو دخلها، ويجعله وقفاً محبساً وبصفة دائمة على المؤسسات الدينية والعلمية والصحية..، إلى غير ذلك من المنافع العامة التي تشبه حالياً خدمات البلديات.

ولقد ارتقت الصناعة في الأندلس بتوالي الأجيال واتصال العمران ووفرة المواد الخام النباتية والمعدنية التي اشتهرت بها أسبانيا. على أنها ظلت مع ذلك في مستوى الصانع اليدوي، كما هو سائد في تلك العصور، وبقيت السلع تصنع في البيوت أو المحال وا لحوانيت.

ولا يتسع المجال لحصر الصناعات التي أنتجتها الأندلس، فهي كثيرة ومتنوعة، ولذا نكتفي بذكر أهمها وهي:

(1) صناعة المنسوجات:

كالحرير بأنواعه المختلفة مثل الخز ويصنع من الحرير والصوف أو الوبر، ومثل الإبريسم وهو حرير خالص، والديباج وهو نسيج حريري موشى بخيوط من الذهب أو الفضة. وكان هذا بفضل عناية أهلها بتربية دودة القز ووفرة أشجار التوت التي تتغذى القز على أوراقها. ويشير المؤرخ الأندلسي ، عريب بن سعد (ت 370 هـ) " إلى دور النساء في انتقاء الشرانق ورعاية بيض دودة القز من (شهر فبراير) إلى أن يفقس في (شهر مارس) من كل سنة.

ومن أهم مراكز تربية دودة القز: "غرناطة" و "مالقة" Jaenالتي كان يقال لها جيان الحرير لكثرة اعتنائها بدودة الحرير. وكانت مدينة" المرية"، في شرق الأندلس، من أهم مراكز صناعة المنسوجات الحريرية، ويقدر عدد الأنوال فيها بحوالي 5800 نول. كذلك اشتهرت "أشبيلية" بالحلل الموشاة النفيسة ذات الصور العجيبة والمنتجة برسم الخلفاء فمن دونهم. وبالمثل يقال بالنسبة للثياب الحريرية السرقسطية في شمال أسبانيا. وقد حظيت المنسوجات الأندلسية بشهرة كبيرة في الأوساط الأوروبية الراقية، ونجد ذلك واضحاً في سير الملوك والبابوات والقادة وغيرهم الذين حرصوا على اقتناء هذه الملابس الثمينة. وما زالت هناك قطع عديدة من المنسوجات الأندلسية تحتفظ بها المتاحف الدولية.

كذلك اشتهرت الأندلس بصناعة الأنسجة الصوفية، خصوصاً وان قسوة المناخ في أسبانيا تحتم اهتمامها بمثل هذه الملابس، ولهذا استخدموا فراء السمور ، وفراء القنلية Conejo (الأرنب الجبلي)، والمرعزي المصنوع من شاعر الماعز، إلى جانب الملابس الصوفية. وقد اشتهرت كل من "سرقسطة"، وقونقة Cuenca "وجنجالة"Chinchilla" بعمل ذلك.

أما صناعة السجاد والبسط والحصير، فأهم مراكزها تقع في شرق الأندلس مثل !موسية" و"بسطة Baza ". ولعل كلمة الفومبراALFOMBRA الأسبانية التي تعني سجادة أو بساط جاءت من الكلمة العربية الخمرة أي الحصيرة، أو لعلها من الحمرة، لأن اللون الأحمر كان يلعب دوراً رئيسياً في ألوانها على غرار البسط الفارسية والمصرية في المشرق.

(2) صناعة السكر:

لعبت الأندلس دوراً كبيراً في زراعة قصب السكر وعصره وتصنيعه ثم تصديره إلى العالم الخارجي، ومن أهم مراكز إنتاجه وتصنيعه "غرناطة" و "مالقة" و "المنكب " ALMUNECAR" واستمر إنتاج السكر في الأندلس حتى سقوط الحكم الإسلامي بها سنة 493 ا م ، لدرجة أن الأسبان سمحوا لعدد كبير من المورسكيين (المسلمين المعاهدين) المشتغلين بزراعة السكر، بالبقاء في أسبانيا، ولكنهم رفضوا، وقد ترتب على رحيلهم تضاؤل كمية إنتاجه.

(3) ساهمت الأندلس بدور فعال في صناعة الورق الجيد (الكاغد)

منذ وقت مبكر سبقت به أوروبا قروناً عديدة، واشتهرت بصناعته كل من "شـاطبةJATIBA " و "بلنسيةVALECIA " في شرق الأندلس. كذلك انتشرت الصناعات الجلدية ودبغها على ضفاف الأنهار، واختصت "قرطبة" بشهرة عالمية في هذه الصناعة، حتى نسبت إليها مصطلحات فرنسية بهذا المـعنى، فأطلقوا على صانعي الأحذية كلمة "Cordonniero " وعلى الجلد نفسه كلمةCordouan ". أما المصنوعات الزجاجية والخزفية فاشتهرت بها "مالقة" و "المرية" كما اشتهرت !قيجاطة QUESADA " بمصنوعاتها الخشبية. هذا إلى جانب المصنوعات العاجية التي تميزت بدقتها وجمال زخارفها على شكل أشخاص أو حيوانات كانت تطعم بها العلب الصغيرة والأدوات المنزلية. ويقال أن كلمة مارفيل " MARFIL" الأسبانية أي العاج مشتقة من الأصل العربي "ناب فيل ".

التجارة:

وما يقال عن شهرة الأندلس في الصناعة يقال أيضاً عن مجال التجارة، ولا سيما أن الأندلس تميزت بسواحلها الطويلة وموانيها العامرة، التي تطل على مياه البحر المتوسط والمحيط الأطلسي شرقاً وغرباً وجنوباً. ولهذا أطلقوا عليها اسم جزيرة الأندلس، لأن العرب لم يستخدموا مصطلح شبه الجزيرة في كتاباتهم.

وتعتبر منطقة شرق الأندلس LEVANTE المطلة على البحر المتوسط، أكثر الأقاليم الأسبانية تعرباً، لأن الإسلام أثر فيها تأثيراً عميقاً ، بدليل أن معظم أسماء الأماكن فيها عربية الأصل، ويرجع ذلك إلى نشاط اليمنيين القضاعيين، الذين أسند إليهم الأمويون حراسة هذه المنطقة وعمارتها، بما لديهم من خبرة ملاحية قديمة في المشرق، ولذا سميت بأرض اليمن أي عطيتهم واقطاعهم. وتعتبر مدينة "المرية" هي القاعدة التجارية الرئيسية لهـذا الإقليم، وامتلك تجارها ثروات ضخمة حتى يروى على سبيل المثال أن تاجراً استضاف الحاجب، المنصور بن أبي عامر" وجيشه الذي يقدر بالآلاف مدة أربعة عشر يوماً.

ولقد أفاض الجغرافيون والرحالة في ذكر أهم المنتجات الأندلسية التي كانت تصدر إلى الخارج مثل الملابس المطرزة، والأصواف والأصباغ والحرير واللبود الفاخرة، والورق السميك، والتين الفاخر الجاف، والخزف المذهب، والزعفران، وعصير الكروم، الحلال منه والحرام.

أما الزراعة فتتمثل في المزارع والحدائق والبساتين التي اشتهرت بها الأندلس، والتي كانت تربطها شبكة من القنوات المائية التي ما زالت محتفظة بأسمائها العربية في اللغة الأسبانية، مثل الساقيةACEQUIA بمعنى الجدول الصغير، والناعورةNORIA، والبقاع VEGA ومنها انتقلت إلى أمريكا 5LAS VEGAS كما أطلقوا على القصور الملكية الخلوية ذات الحدائق والرياض اسم المنيات جمع منيةHUERTA، وقد انتشرت هذه المنيات حول "قرطبة" وعلى ضفاف الوادي الكبير، وأشهرها منية الرصافة التي بناها "عبد الرحمن الداخل " وشمال قرطبة" ومنية الزهراء والتي بناها الخليفة" عبد الرحمن الناصر في شمال غرب "قرطبة"، ومنية الزاهرة التي بناها الحاجب "المنصور بن أبي عامر" في شمال شرق وقرطبة". وفي مدينة "بلنسية" بنى الأمير "عبد الله بن عبد الرحمن الداخل)، منية من هذا النوع، أطلق عليها اسم الرصافة ، محاكياً بذلك قصر والده. وقد اشتهرت ضواحي "بلنسية" بأزهارها وورودها، وأشجار البرتقال التي تعطر جوها بأريجها ذكي الرائحة، ولذا عرفت، بلنسية" باسم "مطيب الأندلس " أي معطرها.

ومن الطريف أن مدينة " بلنسية" ما زالت تحتفظ إلى اليوم ببعض مظاهر ما تبقى من نظم المسلمين المتعلقة بسقاية هذه البساتين، ألا وهي محكمة المياه TRIBUNAL DELASAGUAS، التي تعقد عند باب الكاتدرائية في الساعة العاشرة ظهراً من كل يوم خميس. وتتألف هيئة المحكمة من خبراء بشئون الري يمثلون نواحي كورة "بلنسية" ويرأسها مندوب من الحكومة. فإذا دقت الساعة الثانية عشرة، قام الحاجب ليعلن افتتاح الجلسة وينادي أصحاب الظلامات. وبعد المناقشة والمداولة يصدر الرئيس الحكم وهو حكم ملزم لا يقبل المناقشة أو الاستئناف . وهذا ما كان يحدث قديماً أيام المسلمين عند باب المسجد الجامع في لنفس موضع الكاتدرائية. ولا يفوتنا أن نشير إلى جنة العريفEL GENERALIFE وهو اسم الحديقة الجميلة التابعة لقصر الحمراء في لغرناطة "LA ALHAMBRA"، ذلك القصر الذي صار نموذجاً يحتذى به في بناء القصور الملكية وغيرها في أنحاء العالم.

وقد حافظ الأسبان على القصر وحدائقه الغناء التي لا نسمع فيها إلا خرير المياه في كل مكان. وقد عبر عن ذلك الشاعر الأسباني جاريثا لوركا بقوله، غرناطة التي تبكيGRANADAQUE ELORAE كناية عن كثرة مياهها.

كذلك اشتهرت الأندلس بزراعة أنواع مختلفة من الخضراوات والفواكه لدرجة أن كثيراً من أسمائها دخلت في اللغة الأسبانية مثل: الباذ نجان BERENJENAS الخرشوف ،ALCARCHOFA 1لسلق ACELGA 1 لزيتون ACEITUNA الزعفرانAZAFRAN، 1لأرز ARROZ السكر AZUCAR النارنج (البرتقال) NARANJA البطيخ السندي SANDIA.. الخ.

بقي أن ننوه بالجهود المثمرة التي بذلها علماء الأندلس في تقدم العلوم الزراعية، فقد صنفوا فيها كتباً علمية وأجروا عليها تجارب تطبيقية أفادت العالم: فمنهم من اعتبر أسماء النباتات والأشجار جزءا من اللغة العربية فدونوها في معاجمهم، كما فعل العالم الأندلسي الضرير "أبو الحسن بن سيده " (ت 458 هـ) في كتابه المخصص. ومنهم من اهتم بالنباتات الطبية التي يستخرج منها الأدوية والعقاقير لفوائدها الصحية، مثل "ضياء الدين بن البيطار المالقي " (ت 646 هـ) صاحب كتاب (الجامع لمفردات الأغذية والأدوية"، ومنهم من كتب عن النبات من حيث زرعه ونموه وتسميده وحصاده أي ما يسمى بالفلاحة، ومن أشهرهم العالم الاشبيلي "أبو زكريا يحيى بن العوام " في كتابه (الفلاحة في الأرضين).

مما تقدم نرى أن الأندلس قد تميزت بنزعتها الجمالية نحو حب الورود والأزهار والأشجار، نلمسها في أحواش. بيوتها PATIOS المزينة بالنافورات والأزهار، وفي صحون مساجدها المليئة بأشجار اللبمون والبرتقال، وفي قصائد شعرائها في وصف جمال الطبيعة، وفي مؤلفات علمائها عن الفلاحة والأعشاب الطبية، بل وحتى في أصول أحكامها التشريعية والفقهية التي تتمشى مع ميولها الطبيعية ونزعتها الجمالية

Share this post


Link to post
Share on other sites

جدير بالذكر ان الفترة التى مرت على المسلمين فى الأندلس اكثر من الفترة التى مرت على سقوط الأندلس ...

فالفترة التى دخل و استوطن فيها الإسلام الأندلس تعدت الـ800 عام ... اى ثمانى قرون.

و من ناحية اخرى مضى على سقوط الأندلس ما يزيد عن الـ500 عام بقليل ...

تحياتى ...

Share this post


Link to post
Share on other sites
Guest
This topic is now closed to further replies.
Sign in to follow this  

×
×
  • Create New...