اذهب الي المحتوي
صبح

الأندلس ...الفردوس المفقود

Recommended Posts

أحببت أن أفتح للأندلس موضوعا مستقلا حتى نستطيع أن نوفي حقها علينا وحق دماء الشهداء

وقد وفقني الله أن أجد تاريخ الأندلس أخيرا مكتوبا وليس مسموعا للدكتور راغب السرجاني وأحببت أن أشارككم فيها

نرجو الله أن يجعلها لنا عظة وعبرة

وأن تكون لنا لا علينا

----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

الأندلس .. من الفتح إلى السقوط

بقلم د. راغب السرجانى

spain02xh7.gif

الفصل الأول: الطريق إلى الأندلس

في بداية حديثنا عن تاريخ الأندلس وفي محاولة لتحليل التاريخ تحليلا دقيقا، نحاول أن نقلب صفحات، ونُظهر أحداثا قد علاها التراب أعواما وأعواما، نحاول أن نظهر ما حاول الكثيرون أن يطمسوه، أو يخرجوه لنا في صورة باطل وهو حق، أو إظهار الحق وكأنه باطل.

فكثير من الناس يحاولون أن يزوروا التاريخ الإسلامي، وهي جريمة خطيرة جد خطيرة يجب أن يقف ويتصدى لها المسلمون.

سنن الله في خلقه:

وفي بداية الحديث أيضا يهمنا أن نتعرف على سنن الله في خلقه، وسننه سبحانه وتعالى في أرضه، فلله سنن ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، كما يقول سبحانه وتعالى: [فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلً] {فاطر:43}

فهذا أمر الله سبحانه وتعالى قرره في كتابه وجعله من سننه الثوابت، وكمثال عملي على ذلك نجد أن الماء يغلي عند درجة مائة مئوية، وسيظل يغلي عند هذه الدرجة إلى يوم القيامة، فمن رحمته سبحانه وتعالى أن ثبّت لنا هذا الأمر؛ إذ لو كان الماء يغلي عند درجة ثلاثين - مثلا - وغدا عند درجة خمسين، وبعد غد عند سبعين فلن تستقيم حياة الناس مع هذا الأمر، ولن تستقر أمورهم؛ لأن كل يوم غير الآخر، وكل شكل فيه تبدل وتحول لم يُعهد.

والله سبحانه وتعالى وضع قواعد محكمة وسُننًا ثابتة.

فالنار تحرق وستظل تحرق إلى يوم القيامة، إلا أن هناك استثناءات لا ينبني عليها، فتلك النار التي الأصل فيها الإحراق لم تحرق إبراهيم عليه السلام. وهذا استثناء، والمؤمن الكيّس الحصيف لا يبني على الاستثناءات، ولا يتخذها قواعد، إنما يبني على قواعد أصولية ثابتة راسخة.

فهل يستطيع المؤمن في حياته أن يبني على الاستثناء ويضع يده - مثلا - في النار؟ ثم يقول: قد يحدث لي مثلما حدث مع إبراهيم عليه الصلاة والسلام، هذا غير جائز على الإطلاق، ولا يمكن أن يتفوه به أحد.

إذن، هي ثوابت الله التي لا تتبدل ولا تتغير، وقس على ذلك ما شئت، فالإنسان والحيوان بصفة عامة لا يستطيع أن يعيش بدون طعام أو بدون شراب، ولو عاش إنسان بدون طعام وشراب أياما كثيرة أو حتى شهورا، فمآله لا محالة إلى الموت.

كذلك وبالمثل فإن سنن الله تعالى في تغيير الأمم هي سنن ثابتة، فقد جعل الله لتغيير الأمم وتبديلها من الفساد إلى الصلاح، ومن الصلاح إلى الفساد سننا ثابتة لا تتغير، فإن أنت سرت في طريق معين كانت الخاتمة معلومة وواضحة جدا ؛ إذ هي ثابتة عند الله سبحانه وتعالى.

وحينما تقرأ التاريخ، وحينما تُقلِب في صفحاته تشاهد سنن الله سبحانه وتعالى في التغيير والتبديل، فالتاريخ يكرر نفسه بصورة عجيبة، حتى والله لكأنك تقرأ أحداثا حدثت منذ ألف عام أو أكثر، فتشعر وكأنها هي هي، نفس الأحداث التي تتم في هذا الزمن، مع اختلاف فقط في بعض الأسماء أو المسميات.

فحين تقرأ التاريخ كأنك تقرأ المستقبل بأحداثه وتفصيلاته؛ ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد قرأه لك بسننه الثوابت، وحدد لك كيف ستكون العواقب، وما نهاية هذا الطريق الذي ستبدؤه وتتبعه.

والمؤمن الحصيف لا يقع في أخطاء السابقين، والمؤمن العاقل الواعي هو الذي يكرر ما فعله السابقون من المحامد والإيجابيات، فيفلح بفلاحهم واقتدائه بهم، وهو نفسه الذي لا يقع في أخطاء من عارض منهج الله سبحانه وتعالى، أو وقع في خطأ مقصود كان أو غير مقصود.

لماذا تاريخ الأندلس ؟

وقد يبرز هنا سؤال آخر، لماذا تاريخ الأندلس بالذات؟ لماذا ندرس تاريخ الأندلس دون غيره؟

فنقول: إن تاريخ الأندلس يشمل أكثر من ثمانمائة سنة كاملة، ثمانمائة سنة من تاريخ الإسلام، وتحديدًا من سنة 92 للهجرة إلى سنة 897 للهجرة، أي ثمانمائة سنة وخمس سنين، هذا إذا أغفلنا التداعيات التي أعقبت ما بعد 897 هجرية، فهي إذن فترة ليست بالهينة من تاريخ الإسلام.

فمن العجيب إذن ألا يعرف، أو يتعرف المسلمون على تفاصيل فترة هي أكثر من ثلثي التاريخ الإسلامي، هذا أمر. والأمر الآخر أن تاريخ الأندلس لكبر حجمه وسعة مساحته، مرت فيه كثير من دورات التاريخ التي اكتملت ثم انتهت، فسنن الله في تاريخ الأندلس واضحة للعيان، ففيه كثير من الأمم قامت وارتفع نجمها، وفيه أيضا كثير من الأمم سقطت وأفل نجمها، كثير من الدول أصبحت قوية، ومن ثم راحت تفتح ما حولها من البلاد، وكثير من الدول سقطت وهوت، وأصبحت في تعداد الدول المنهزمة والتي نسمع عن مثلها في هذه الآونة، أيضا ظهر في تاريخ الأندلس المجاهد الشجاع، وظهر في تاريخ الأندلس الخائف الجبان، ظهر في تاريخ الأندلس التقي الورع، وظهر في تاريخ الأندلس المخالف لشرع ربه سبحانه وتعالى، ظهر في تاريخ الأندلس الأمين على نفسه وعلى دينه وعلى وطنه، وظهر في تاريخ الأندلس الخائن لنفسه ولدينه ولوطنه، ظهرت كل هذه النماذج، وتساوى فيها الحكام والمحكومين والعلماء وحتى عوام الناس.

وإن دراسة مثل هذه الأمور يفيد كثيرا في استقراء المستقبل المجهول للمسلمين.

هل سمعت عما جرى في الأندلس ؟

والآن، تُرى كم من المسلمين يسمع عن موقعة وادي برباط؟ تلك الموقعة التي تُعد من أهم المواقع في التاريخ الإسلامي، الموقعة التي فُتحت فيها الأندلس، الموقعة التي تُشَبّه في التاريخ بموقعتي اليرموك والقادسية، ومع ذلك جم غفير من المسلمين لا يسمع من الأساس عن وادي برباط.

وتُرى، هل قصة حرق السفن التي حدثت في عهد طارق بن زياد رحمه الله هل هي حقيقة؟ أم من نسج الخيال؟ كثير من الناس لا يعلم حقيقة وتفاصيل هذه القصة، وكيف حدثت؟ إن كانت حدثت، وإن لم يكن قد حدثت في الأصل فلماذا انتشرت بين الناس؟!

ثم، من هو عبد الرحمن الداخل رحمه الله؟ وكم من الناس يعرف تاريخه؟ ذلك الرجل الذي قال عنه المؤرخون: لولا عبد الرحمن الداخل لانتهى الإسلام بالكلية من بلاد الأندلس.

ومن هو عبد الرحمن الناصر؟ أعظم ملوك أوروبا في القرون الوسطى على الإطلاق. ماذا تعرف عن حياته؟ كيف وصل إلى هذه الدرجة العالية؟ وكيف أصبح أكبر قوة في عالم عصره؟

يوسف بن تشفين رحمه الله القائد الرباني، صاحب موقعة الزلاقة، كيف نشأ؟ كيف ربّى الناس على حياة الجهاد؟ كيف تمكن من الأمور؟ بل كيف ساد دولة ما وصل المسلمون إلى أبعادها في كثير من الفترات؟

أبو بكر بن عمر اللنتوني، من يسمع عن هذا الاسم؟؟ من يسمع عن ذلك المجاهد الذي دخل الإسلام على يده أكثر من خمس عشرة دولة إفريقية؟! إنه أبو بكر بن عمر اللنتوني، من يسمع عنه؟

من يسمع عن أبي يوسف يعقوب المنصور، صاحب موقعة الأرك الخالدة، تلك التي دُكّت فيها حصون النصارى وانتصر فيها المسلمون نصرا ساحقا؟

من يسمع عن دولة المرابطين المجاهدة؟ ومن يسمع عن دولة الموحدين وكيف قامت؟

من يسمع عن مسجد قرطبة؟ ذلك المسجد الذي كان يُعد أوسع مساجد العالم، ثم كيف حُوّل إلى كنيسة ما زالت قائمة إلى اليوم؟

من يسمع عن مسجد أشبيليه؟ من يسمع عن جامعة قرطبة؟ من يسمع عن قصر الزهراء ومدينة الزهراء؟ من يسمع عن قصر الحمراء؟ وغيرها من الأماكن الخالدة التي أمست رسوما وأطلالا، وهي اليوم في عداد أفضل المناطق السياحية في إسبانيا وتُزار من عموم الناس سواء مسلمين أو غير مسلمين.

ثم من يسمع عن موقعة العقاب؟ تلك التي مُني فيها المسلمون بهزيمة ساحقة ، رغم تفوقهم على عدوهم في العدد والعدة، وكأن حنين عادت من غابر التاريخ لتروي أحداثها في موقعة العقاب، تلك الموقعة التي قال عنها المؤرخون: بعد موقعة العقاب لم يُر في الأندلس شاب صالح للقتال.

من يعلم أن عدد المسلمين الذين هلكوا في هذه الموقعة الضخمة قد تجاوز ثمانين ألف مسلم؟ فهل نسمع عن موقعة العقاب؟

كيف سقطت الأندلس؟ وما هي عوامل السقوط التي إن تكررت في أمة من المسلمين سقطت لا محالة بفعل سنن الله الثابتة.

ثم كيف وأين سطعت شمس الإسلام بعد سقوط الأندلس؟ كيف جاء غروب شمس الإسلام في الأندلس في غرب أوروبا متزامنا مع إشراقها وسطوعها في القسطنطينية شرق أوربا؟

ما هي مأساة بلانسير ؟ وكيف قتل ستة آلاف مسلم في يوم واحد؟ وما هي مأساة أوبدّة؟ وكيف قتل ستة آلاف مسلم آخرين في يوم واحد؟

ما هي مأساة بربشتر، وكيف قتل أربعة آلاف مسلم في يوم واحد، وسبي سبعة آلاف فتاة بكر من فتيات بربشتر؟ وإننا لنشاهد هذه الأحداث الغابرة تتحدث الآن عن نفسها في البوسنة والهرسك.

ماذا كان رد فعل المسلمين، وكيف تصرفوا، وكيف قاموا من هذه المآسي المفزعة، أسئلة كثيرة وكثيرة، لو استطعنا الإجابة عنها لعرفنا كيف ننهض الآن ونقوم.

فتاريخ الأندلس بصفحاته الطويلة - أكثر من ثمانمائة سنة - يعد ثروة حقيقية، وثروة ضخمة جدًّا من العلم والخبرة والعِبرة، ومن المستحيل في هذه الدراسة أن نلم بكل أحداثه وتفصيلاته، ولذلك فلا بد وأن نُغفل منه بعض الجوانب، ليس تقليلا من شأنها وإنما اختصارا للمساحة.

وواجب على الجميع أن يبحث في هذا التاريخ، تاريخ الأندلس، تاريخ ثمانمائة سنة؛ إذ هو يحتاج أكثر وأكثر مما أفردنا له، فلا بد من القراءة والاستزادة من المصادر التاريخية وغيرها.

وتاريخ الأندلس هذا يعد جزءا ضئيلا جدا من تاريخ الدولة الإسلامية ذات الألف وأربعمائة عام من الزمن، وذات الأبعاد الجغرافية الهائلة من المساحة، فانظر أيها المسلم إلى العمل الذي يجب أن تفعله، ولا تركن أبدا إلى الدَّعة، ولا تركن أبدا إلى السكون، فأمامك طريق طويل جدا حتى تتعرف على سنن الله سبحانه وتعالى.

طبيعة الجهاد في الإسلام

قبل الخوض في تاريخ الأندلس من حيث ترتيب الأحداث منذ الفتح وحتى السقوط، منذ عام اثنين وثمانين حتى عام سبع وتسعين وثمانمائة من الهجرة - قبل الخوض في تفصيلات هذه الأحداث، فهناك بعض الأسئلة التي قد تدور في خاطر بعض الناس فنحاول الإجابة عليها، وكان من أهمها: لماذا حمل المسلمون سيوفهم وخرجوا بجيوشهم متوجهين إلى الأندلس لفتحها؟

فالأندلس دولة مستقلة ذات سيادة ويحكمها القوط النصارى في ذلك الزمن، والمسلمون دولة كبيرة جدا وهم جيرانهم، فلماذا يحمل المسلمون سيوفهم ويتوجهون إلى فتح هذه البلاد ليعرضوا عليها ثلاثتهم المعهودة: الإسلام أو الجزية أو الحرب؟

فهذا العمل يعد الآن في مصطلح الشرعية الدولية بمثابة تعدٍ على حدود دولة مجاورة ذات سيادة. فلماذا إذن حمل المسلمون السيف وانتقلوا إلى البلاد المجاورة؟ ومن هذا السؤال بالذات يتولد عند كثير من الناس استنتاج واستنباط هو في غير محله على الإطلاق ومجافٍ للحقيقة تماما، إنه قولهم: إن الإسلام انتشر بحد السيف. فهذه مشكلة كبيرة تعترض كثيرا من الدعاة، خاصة من قِبل أصحاب المناهج العلمانية.

ولكن كيف وقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: [لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ] {البقرة:256} .

ويبقى السؤال: كيف نوفق بين حمل المسلمين سيوفهم وخروجهم إلى هذه البلاد، وبين قوله تعالى في الآية السابقة: [لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ] {البقرة:256} .

ولتوضيح هذا الأمر نقول: الجهاد في الإسلام نوعان، نوع يسمى جهاد الدفع ، وآخر يسمى جهاد الطلب، وجهاد الدفع هو: ذلك الجهاد الذي يتبادر إلى الذهن من أول وهلة، ويعني الدفاع عن الأرض، وهو أمر مقبول ومفطور على فهمه عوام الناس سواء أكانوا مسلمين أو غير مسلمين.

أما النوع الآخر والذي لا يستوعبه كثير من الناس هو ما يسمى بجهاد الطلب أو جهاد نشر الدعوة، أو جهاد تعليم الآخرين هذا الدين،

فالإسلام هو الدين الخاتم، وهو كلمة الله الأخيرة إلى الناس، وقد كلّف الله هذه الأمة - أمة الإسلام - أمر نشر هذا الدين في ربوع العالم، وتعليم الناس كل الناس مراد ربهم عزّ وجلّ الذي أنزله على نبيه خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم.

ومن سنن الله سبحانه وتعالى أن يكون هناك أقوام ممن يحكمون شعوبا غير إسلامية يحولون دون وصول هذه الدعوة إلى شعوبهم، ويقفون بكل ما أوتوا من قوة في الحد من انتشارها، فالإسلام في هذه الحالة شرع للمسلمين أن يتوجهوا بجيوشهم وسيوفهم؛ لحماية الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى؛ لنشر هذا الدين وتعليمه للآخرين، فمَن لهؤلاء الذين يولدون في بلاد يعلمونهم أن المسيح هو الله؟ مَن لهؤلاء الذين يولدون في بلاد يعلمونهم أن البقرة هي الإله؟ ومَن لهؤلاء الذين يولدون في بلاد يتعلمون أنهم خُلقوا من عدم، وأن ليس للكون إله، وأن الطبيعة هي رب الكون؟

من لهؤلاء؟ ومَن يعلمهم إذا لم يعلمهم المسلمون أصحاب الرسالة الخاتمة؟ وقد جعل الله محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والرسل، وليس نبي يبعثه الله عز وجل من بعده صلى الله عليه وسلم، فمَن لهؤلاء إذن غير هذه الأمة الشاهدة؟ وقد قال سبحانه وتعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدً] {البقرة:143} .

إنها مهمة أمة الإسلام، أمة الشهادة، ستشهد على الأمم عند الله سبحانه وتعالى وتقول: يارب، ذهبت إليهم وعلمتهم وشرحت لهم، وجاهدت في سبيلك، لكنهم أنكروا, أو اتبعوا. فهذه الأمة شاهدة بهذا الجهاد وبتوصيل دعوتها الربانية إلى هذه الأمم.

والطبيعي أن يكون هناك من يمنعك ويصدك، ويقف بكل ما أوتي من قوة حائلا بينك وبين مَن تريد توصيل الدعوة إليهم؛ وذلك لأنهم- وهم الحكام- مستفيدون من عبادة هؤلاء الناس لغير الله سبحانه وتعالى، فإذا حكم شرع الله انتقلت الحاكمية من هؤلاء الناس- الحكام- إلى الله سبحانه وتعالى وهم لا يريدون ذلك، ومن هنا سيقفون أمامك بجيوشهم وسيوفهم، ولن تجد إلا أن تقف أنت أيضا أمامهم بجيشك وسيفك حتى تحمي الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

والمسلمون كما تربوا لا يقاتلون الشعوب، هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخاطب الجيوش الفاتحة فيقول: اتقوا الله في الفلاحين، اتقوا الله في عموم الناس. الناس المغلوبون على أمرهم، الذين أصبحوا لا يهمهم مصلحة الحاكم هذا أو ذاك، إنما يريدون أن يتعلموا أين الخير فيتبعوه، اتقوا الله في هؤلاء، يقول: ولا تقتلوا إلا من قاتلكم.

فكان المسلمون يتجنبون تماما إيذاء أيٍّ ممن لم يقاتلونهم، ولو أذًى يسيرا، فتجنبوا الأطفال والنساء وعُبّاد الصوامع والضعفاء والكهول الذين لا يستطيعون قتالا، بل إنهم تجنبوا الأقوياء الذين لم يعاونوا، أو يشتركوا في قتال المسلمين، وكان المسلمون يقاتلون الجيوش فقط، يقاتلون الحُكام الذين عَبّدوا الناس لغير الله سبحانه وتعالى.

لماذا الدعوة إلى الله تكون مصحوبة بالجيش؟

وهنا قد يسأل سائل: إذا سمح لك هؤلاء الحكام بالدعوة إلى الله في بلادهم، كأن تقوم مجموعة من الدعاة المسلمين بالذهاب إلى هذا البلد أو غيره، والدعوة إلى الله فيه دون جيش أو قتال أو جزية، ويختار الناس ما يشاءون، إذا سُمح بذلك فهل يقبل المسلمون هذا ويتخلون عن الجيش والسيف؟ وما هو موقفهم؟ ولماذا لم يبعث المسلمون أناسا يدعون إلى الله بدون جيش؟ لماذا لم يبعثوا من يدعو إلى الله في الأندلس وفي الروم دون أن يخرج خلفهم جيش؟ أليس الإسلام قد انتشر في إندونيسيا والفلبين وماليزيا، وغيرها من الدول بالتجارة ودون سيف؟

وفي حقيقة الأمر فإن في هذا الكلام افتراض غير واقعي وغير عملي، ففكرة أن الدعاة إلى الله يخرجون إلى مثل هذه البلاد بدون جيش أمر يعد مخالفا لسنن الله سبحانه وتعالى في أرضه وفي خلقه، بل إنه مخالف للتاريخ والواقع؛ ففي التاريخ نجد أن دولا ضخمة جدا دخلت في الإسلام عن طريق الفتوحات الإسلامية، أما القلة الاستثنائية هي التي دخلت الإسلام عن طريق التجارة، وللأسف فإن هناك كثير من الناس خاصة من المسلمين من يصور الأمر بغير ذلك - عن وعي منهم أو عن غير وعي - استحياء من فتح المسلمين للبلاد الأخرى.

لكن الدين الإسلامي وهو دين الله الكامل الشامل ليس فيه ثغرات وليس فيه ما نستحي منه أو نخفيه عن الآخرين، فهذه دولة فارس والتي تشمل الآن: العراق وإيران وباكستان وأفغانستان وكل دول الاتحاد السوفيتي الجنوبية والتي تمثل أكثر من خمسة عشر إلى ستة عشر من جملة الاتحاد السوفيتي السابق، كل هذه البلدان من هذه الدولة الفارسية أسلمت ودخلها المسلمون عن طريق الفتح الإسلامي العسكري، بالجيوش والجهاد والاستشهاد والحروب المريرة لسنوات طويلة، ومثلها أيضا دولة الروم، وكذلك بلاد الشام التي تشمل فلسطين والأردن وسوريا ولبنان وأجزاء من جنوب تركيا، بالإضافة أيضا إلى بلاد آسيا الصغرى، كل ذلك فتح بالجهاد في سبيل الله، دولة الروم فُتحت فتحا عسكريا، وليس فتح القسطنطينية خافيا عن العيون، وكذلك أيضا كل بلدان شرق أوروبا، وكان منها على سبيل المثال: بُلغاريا واليونان ورومانيا والمجر وتشيكوسلوفاكيا وأجزاء من النمسا ويوغوسلافيا بكاملها وقبرص ومالطا، كل هذه البلدان فُتحت بالجهاد في سبيل الله في زمن الخلافة العثمانية، وعاش فيها الإسلام ردحا من الزمن، ثم ما لبث أن اختفى منها.

وأيضا دول شمال إفريقيا كلها فُتحت بالجهاد في سبيل الله، ابتداء بمصر ومرورا بليبيا ثم تونس ثم الجزائر ثم المغرب، ومثلها أيضا دول وسط وغرب إفريقيا فتحت بالجهاد في سبيل الله.

ثم على سبيل الاستثناء دخل الإسلام ماليزيا وإندونيسيا عن طريق التجارة، أبعد ذلك يُغلَّب هذا الأمر الذي حدث على سبيل الاستثناء على سنة الله سبحانه وتعالى في نشر دينه عن طريق الجهاد في سبيل الله؟! فهذا أمر لا يعقل، ولا يمكن أن يُقره أحد.

إذن بقيت القاعدة التي تقول: إن هؤلاء الحكام الذين يحكمون الشعوب المجاورة للدولة الإسلامية لن يتركوا المسلمين أبدا يدعون إلى الله سبحانه وتعالى في حراسة جيش من الجيوش، ومن هنا شرع الله سبحانه وتعالى الجهاد فأصبح سنة ماضية إلى يوم القيامة.

حقيقة الحرية في البلدان الغربية

إذا نظرنا إلى الأمر نظرة واقعية نجد أن الناس اليوم قد فُتنت بما أُشيع عن حرية التعبير في البلدان الغربية في أمريكا وفرنسا وإنجلترا، ودول الغرب بصفة عامة، حتى ظنوا أن الدعوة سبيلها مفتوح، ومن ثم راحوا يقولون: ابعث من يدعو إلى الله في هذه الدول فلن يكون هناك من يعوقهم.

لكن الحقيقة أن هذا الأمر ليس متروكا هكذا بدون وعي منهم أو إدراك، فإنهم ما تركوا مثل هذه الحرية المزعومة إلا لمعرفتهم أن المسلمين لم يصلوا بعد إلى القوة المؤثرة المغيِّرة في هذه البلاد، ولو وصل المسلمون إلى المستوى الذي يرى حكام الغرب فيه أنه سيؤثر على سياسة البلد فلن يكون هناك حرية، ولن يكون هناك سماح بالدعوة للإسلام، بل سيقفون لهم بالمرصاد، فهذه الدول لا تسمح بقيام دول إسلامية خارج حدودها، فما الحال لو قامت هذه البلاد الإسلامية أو الدول الإسلامية أو مجرد الفكر الإسلامي المنهجي داخل هذه البلاد؟ فها هي السودان البلد الفقير والضعيف نسبيا بالمقارنة بغيره من الدول حينما أعلنت تطبيق الشريعة الإسلامية في بعض ولاياتها قامت الدنيا ولم تقعد، وقامت دول الغرب هذه وأمريكا على رأسها بضرب مصنع الأدوية الموجود في الخرطوم بحجة أنه يصنع موادا كيماوية.

فهذه مجرد بادرة قيام دولة إسلامية في مكان ضعيف معزول وبعيد تمام البعد عن هذه البلاد الغربية. ومثلها فعلت فرنسا بلد الحريات والتنوير، وبلد الحضارة كما ملأوا أسماعنا، فحين بدأت الفتيات الصغيرات يدخلن المدارس محجبات صالت صولتهم وتم منعهن من دخول المدارس، أما إذا دخلن بلباس فاضح فبها ونعمت. ولِمَ يكون ذلك؟ لأنه مد إسلامي، وفكر يحاول أن يتغلغل ومن ثم يسعون لإيقافه، والحادثة مشهورة ومعروفة للجميع.

وفي أمريكا منذ حوالي عام، كانوا في الكونجرس يسعون لتمرير قانون يسمح بالقبض على من يُخلّ بالأمن القومي الأمريكي بدون دليل، أي قانون يشبه قانون الطوارئ المعروف، وهذا أمر غير شرعي؛ إذ لا بد أن يكون هناك دليل قبل أن يدان الإنسان أو يتهم أو تقيد حريته، ولقد كان هناك بعض الدلائل التي تشير إلى إمكانية تطبيق هذا القانون، والذي بموجبه يمكن الإمساك بالناشطين في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بحجة مس الأمن القومي الأمريكي أو الإرهاب.

فهذه البلاد لن تسمح على الإطلاق للدعاة إلى الله سبحانه وتعالى بالقيام بدورهم في هداية الناس وتعريفهم بربهم، ولن يستطيع الدعاة القيام بهذه المهام إلا إذا كانوا محميين بقوة تحوطهم وتحرسهم، هذه القوة هي قوة الجيش الإسلامي والفتح الإسلامي وقوة الجهاد في سبيل الله، ثم إذا افترضنا أن بلدا مما ذُكر سابقا من أدعياء الحرية سُمح فيه بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وسمح فيه بالمقال الإسلامي، والكتاب الإسلامي، والشريط الإسلامي، ثم يخرج عليك بعد ذلك في مقابل المقال الإسلامي بعشرة آلاف مقال علماني، وفي مقابل الصورة الإسلامية الهادفة عشرة آلاف صورة فاضحة تثير الناس وتبعدهم عن دين الله سبحانه وتعالى، وفي مقابل دعوتك أن الله سبحانه وتعالى واحد عشرات المؤلفات التي تقول إن الله هو المسيح، معاذ الله من هذا القول ومن الشرك به سبحانه وتعالى، فإن كان هذا الأمر على هذا النحو فهل ستؤدي الدعوة الإسلامية نتيجتها وسط هذا الركام الضخم جدا من المضادات المناوئة لها، ودعوة المسلمون إنما هي محاولة إدخال كل البشر وكل الخلق في دين الله سبحانه وتعالى، وتعبيدهم له وحده، ومن هنا شُرع الجهاد في سبيل الله، وشرع فتح البلاد المجاورة لأمة الإسلام حتى وإن أبت في بادئ الأمر.

حروبنا وحروبهم:

ووسط كل هذا قد يخرج من يتشدق بالقول: إن هذا الزمان ليس زمن الحروب العسكرية أو التغيير العسكري أو الفتوحات المزعومة، إنما هو زمن السلم وزمن السياسات والمفاوضات.

لكن واقع الأمر يشهد بأن هناك حروبا عسكرية دائرة وتدور في كل وقت، ومع ذلك يُلام المسلمون على فتوحاتهم الإسلامية السابقة في بلاد الشمال الإفريقي، وفي فارس، وفي الأندلس، وفي غيرها، ولا تُلام إسرائيل - مثلا - على ما تفعله في فلسطين، وعلى ما فعلته في عام سبعة وستين وتسعمائة وألف في مصر وسوريا، وعلى ما فعلته في لبنان ثماني عشرة سنة.

المسلمون يلامون وقد دخلوا البلاد لينشروا فيها العدل والرحمة والدين ويعبّدوا الناس لرب العالمين، ولا تلام إسرائيل وقد دخلت البلاد التي احتلتها فقتلت ونهبت وسرقت، وفعلت كذا وكذا من الموبقات.

أيلام المسلمون على هذه الفتوحات المجيدة التي علّموا فيها الناس دينهم وهدوهم إلى طريق ربهم ولا تُلام إسرائيل على ضرب المفاعل النووي - مثلا - في العراق أو ضرب تونس؟! أو على ضرب أمريكا لمصنع الأدوية - كما ذكرنا - في السودان؟! ألا تلام أمريكا ودول الغرب على حروب متتالية ضد دولة العراق؟! ألا تلام أمريكا على تدمير العراق وشعبه، وتدمير بنيته التحتية، ووفاة أكثر من نصف مليون طفل عراقي بسبب نقص التطعيمات ونقص الغذاء؟!

لا يلامون على ذلك، ويلام المسلمون على نشرهم العلم والدين والرحمة والعدل في ربوع العالم أجمع! وهم (أمريكا) الذين صوروا لنا أنهم دخلوا العراق شفقة على الكويت، فجندوا إليها الأجناد في العالم، وأتوا بنصف مليون جندي شفقة على شعب الكويت من العراق.

لا يلام الصرب على أفعالهم في البوسنة والهرسك، وعلى ما فعلوه في كوسوفا من قتل مائتي ألف أو أكثر في كل واحدة من الاثنتين، وعلى هتك عرض خمسين ألف فتاة مسلمة، ويلام المسلمون على الحريات العظيمة التي منحوها للنصارى واليهود في حكم الدولة الإسلامية!

ألا تلام روسيا على اجتياح الشيشان واجتياح أفغانستان، وتدمير المنشآت المدنية في هذه البلاد، وقتل المدنيين ليل نهار، ويلام المسلمون على نشر العلم والمدنية في ذات البلاد وكانت من قبل تعبد النار؟!

أيلام المسلمون على فتحهم لجمهوريات جنوب روسيا بصفة عامة ولا يلام الروس والصينيون الذين احتلوا أجزاءا كثيرة من هذه البلاد، وحكموا الناس فيها بالحديد والنار أعواما وأعواما، حتى قتلوا كل من كان يخفي في بيته مصحفا؟! أيوجه هذا اللوم إلى المسلمين أم إلى هؤلاء الذين حكموا باسم الحضارة الحديثة والمدنية والتقدم وما إلى ذلك من أسماء؟

فتاريخ المسلمين مليء بصفحات الشرف والعزة والمجد، وهؤلاء إنما يريدون تغيير هذه الصفحات المشرقة عن عمد؛ حتى يشعر المسلمون بشيء من الاستحياء تجاه تاريخهم، وإنما التاريخ الإسلامي صفحات بيضاء ناصعة، يُشرّف كل المسلمين ويعلي من قدرهم، وإنما الاستحياء كل الاستحياء يجب أن يكون من أدعياء الحضارة والمدنية وفُعّال الفحش والموبقات.

رسالة المسلمين

وهناك اعتراض آخر من قائل يقول: لندع الناس يعبدون ما يشاءون، لماذا نُشغل أنفسنا بتعليمهم أن الله سبحانه وتعالى واحد؟ لماذا نجيش الجيوش حتى نعلمهم هذا المفهوم؟ لماذا لا ندعهم أحرارا يعبدون ما يعبدون من دون الله سبحانه وتعالى؟

والجواب: أن الله سبحانه وتعالى جعل للمسلم رسالة عليه أن يؤديها، وهذه الرسالة لخّصها رِبعِي بن عامر في حواره مع قائد عسكر الفرس في موقعة القادسية حين قال رضي الله عنه: لقد ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جوْر الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سَعة الدنيا والآخرة.

فهذا هو مراد المسلم وهذه هي رسالته في الدنيا، روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] {آل عمران:110}.

قَالَ: خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ، تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ .

إذا كان الناس يأبون الدخول في الإسلام تأتي بهم ولو في السلاسل حتى يدخلوا فيه، فتنقذهم من أن يخلدوا في نار خالدة، وتنقذهم من العيش في جور الأديان، ومن ظلم الحكام إلى العيش في عدل الإسلام، والعيش في سَعة الدنيا والآخرة، تماما كمن يريد أن يلقي بنفسه من فوق شاهق فأسرعت أنت وجذبته من يده وأنقذته، هل يأتي من يلوم عليك إيلام يده، أو أنك جذبت يده بقوة؟ وإذا كنت قد أنقذته من هاوية الموت المحقق الذي لن يلومك عليه أحد، فبالأحرى أن تنقذه من هاوية أبدية إنها هاوية الجحيم، بالأحرى إذن أن تنقذه من أن يخلد في نار جهنم، وتهديه إلى هذا الدين وتُعَلّمه إياه، وبالأحرى أن تأتي له بالجيش الذي يؤثر فيه حتى يسمع كلام الله سبحانه وتعالى؛ فإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وكثير من الناس لا يسمع إلا إذا كان الداعي محاطا بقوة وبجيش كبيرين، وهنا يبدأ يسمع ويفكر فيجد أن ما كان يرفضه هو النجاة، وما كان يريد اتباعه هو الهلاك المحقق الذي لا فكاك منه، والكثير من الأمم التي دخلت في دين الله أفواجا حين دخل الفاتحون دخلوا غير مكرَهين ولا مضطرين.

ولقائل أن يقول: إن هذا الفتح ودخول هذا الجيش يتعارض مع قوله تعالى:

[لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ] {البقرة:256} . والحقيقة أن هذا الفتح وهذا الدخول للجيش لا يتعارض مطلقا مع هذه الآية الكريمة، فالمسلمون حين يدخلون هذه البلاد يعرفونهم أولا دين الله سبحانه وتعالى، ثم يُخيّرونهم جميعا بين أن يظلوا على إيمانهم بمعتقداتهم أو يعبدوا الله سبحانه وتعالى، فمن أراد أن يبقى في ظلم الشرك وفي ظلم الجاهلية بقي فيه، ومن أراد أن يدخل في نور الإسلام دخل فيه وكانت له سعادة الدنيا والآخرة.

حاجة الجميع للإسلام

الناس اليوم عموم الناس في حاجة حقيقية إلى الإسلام وإن أبت هذا الأمر؛ فالعالم يتجه إلى كارسة محققة، الدول العظمى التي تتحكم في هذه الأمم اليوم تكيل بأكثر من مكيال، وتجعل الظلم قاعدة من القواعد التي ترسخها في العالم، الأدواء والأمراض الأخلاقية لا حصر لها.

لعلكم قرأتم أو سمعتم عن المؤتمر الأخير لمرضى الإيدز (مرض نقص المناعة المكتسبة) الذي جاء فيه أنه في خلال العشرين سنة الماضية (من سنة ثمانين وتسعمائة وألف إلى سنة ألفين) قُتل عشرون مليونا من البشر بسبب الإيدز، وأن أقل معدلات الإصابة بهذا المرض كانت في البلاد الإسلامية، ولعل ذلك كان نتيجة طبيعية؛ لأن هذا المرض الأخلاقي ينتج بسبب غياب الوازع الديني، وبُعد الناس عن دين الله سبحانه وتعالى وعن شرعه عزّ وجلّ، والناس في الدول الإسلامية مرتبطة بشرع الله سبحانه وتعالى، حتى إن كان هذا الارتباط ضعيفا بعكس ما في الدول غير الإسلامية والتي تنكر بالكلية منهج الله سبحانه وتعالى، ونظرة واحدة على تاريخ كل المعارك والفتوحات الإسلامية لا تجد ضحاياها يقترب من واحد على مائة من العشرين مليونا السابقة، هذا غير سبع وثلاثين مليونا آخرين من حاملي هذا المرض اللعين ينتظرون الموت.

وبعيدا عن الأمراض الأخلاقية وضحاياها كانت هناك المذابح والمجازر والانقلابات التي تحدث في إفريقيا وفي أمريكا الجنوبية وغيرها من البلاد، كثير من القتلى يموتون في بشاعة منقطعة النظير، لماذا؟ لأنه ليس هناك إسلام يحكم أو يسود، لم يكن هناك دين الرحمة والعدل والإنسانية، لم يكن هناك ما يجعل الناس تعيش في سعادة دنيوية، ومن ثم سعادة أخروية، بل كان هناك ظلم الإنسان لنفسه، وهو الشرك بربه خالقه سبحانه وتعالى، قال سبحانه وتعالى على لسان لقمان: [يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ] {لقمان:13} .

التعريف ببلاد الأندلس

وفي بداية الحديث عن تاريخ الأندلس نرد أولا عما قد يُثار من أسئلة حول معنى هذه الكلمة والمراد منها، فبلاد الأندلس هي اليوم دولتي إسبانيا والبرتغال، أو ما يُسمى شبه الجزيرة الأيبيرية، ومساحتها (مجموع الدولتين) ستمائة ألف كيلو متر، أي أقل من ثُلثي مساحة مصر.

وعن سبب تسميتها بالأندلس فقد كانت هناك بعض القبائل الهمجية التي جاءت من شمال إسكندناف من بلاد السويد والدانمارك والنرويج وغيرها، وهجمت على منطقة الأندلس وعاشت فيها فترة منذ القرن الأول الميلادي، ويقال أن هذه القبائل جاءت من ألمانيا، وما يهمنا هو أن هذه القبائل كانت تسمى قبائل الفندال أو الوندال بالللغة العربية؛ فسميت هذه البلاد بفاندليسيا على اسم القبائل التي كانت تعيش فيها، ومع الأيام حُرف إلى أندوليسيا فأندلس.

وقد كانت هذه القبائل تتسم بالوحشية والهمجية حتى إن في الإنجليزية إلى الآن همجية ووحشية تعني فندليزم، وتعني أيضا أسلوب بدائي أو غير حضاري، وهو المعنى والاعتقاد الذي رسخته قبائل الفندال، وقد خرجت هذه القبائل من الأندلس وحكمها طوائف أخرى من النصارى عُرفت في التاريخ باسم قبائل القوط أو القوط الغربيين، وظلوا يحكمون الأندلس حتى قدوم المسلمين إليها.

لماذا توجه المسلمون إلى الأندلس دون غيرها؟

لماذا اتجه المسلمون في فتوحاتهم إلى بلاد الأندس بالذات من بلاد العالم، وأيضا لم هذا التوقيت بعينه أي سنة اثنتين وتسعين من الهجرة؟

المسلمون كانوا قد فتحوا الشمال الإفريقي كله، ففتحوا مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب، ووصلوا إلى حدود المغرب الأقصى والمحيط الأطلسي،

ومن ثم لم يكن أمامهم في سير فتوحاتهم إلا أحد سبيلين، إما أن يتجهوا شمالا، ويعبروا مضيق جبل طارق ويدخلوا بلاد إسبانيا والبرتغال وهي بلاد الأندلس آنذاك، وإما أن يتجهوا جنوبا صوب الصحراء الكبرى ذات المساحات الشاسعة والأعداد القليلة من السكان، والمسلمون بدورهم ليس من همهم إلا البحث عن تجمعات البشر حتى يعلمونهم دين الله سبحانه وتعالى، ولم يكن همهم البحث عن الأراضي الواسعة أو جمع الممتلكات، وبما أن المسلمين وصلوا إلى الحدود القريبة من الأندلس مباشرة، واستتب لهم الأمر في أواخر الثمانينات من الهجرة فيما دون ذلك من البلاد التي فتحوها - كما سيأتي تفصيله بإذن الله - فالأندلس إذن هي البلاد التي تلي بلاد المسلمين مباشرة والله تعالى يقول في كتابه الكريم: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ] {التوبة:123} .

وعلى هذا النهج سار المسلمون في كل فتوحاتهم، ويجسد هذا المنهج ذلك الحوار الذي دار بين معاذ بن جبل رضي الله عنه وبين ملك من ملوك الروم قبل موقعة اليرموك وكان رسولا إليه، سأل ملك الروم رسولَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل: ما الذي دعاكم إلى الولوغ في بلادنا وبلاد الحبشة أسهل عليكم؟ وقد كانت الروم آنذاك تقتسم العالم مع فارس، فيسأل ملك الروم متعجبا كيف تَطْرقون أبواب القوة العظمى وتتركون الحبشة وهي الأسهل والأيسر؟! فأجابه معاذ بن جبل قائلا: قال لنا ربنا في كتابه الكريم: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ] {التوبة:123} . أنتم البلاد التي تلينا، ثم بعد الانتهاء من بلاد الروم سنجَوِّزها إلى الحبشة وغيرها من البلاد. أي أننا لم ننس الحبشة ولكن أنتم المجاورون لنا، وهكذا كان الحال بالنسبة إلى الأندلس؛ حيث كانت هي التي تلي بلاد المسلمين.

زمن فتح الأندلس

في أي زمان تم فتح الأندلس؟ سؤال مهم جدا ونقصد به: مع أي العصور الإسلامية يتوافق تاريخ فتح الأندلس وهو اثنتان وتسعون من الهجرة؟ والجواب أن هذه الفترة كانت من فترات الدولة الأموية، وتحديدا في خلافة الوليد بن عبد الملك رحمه الله الخليفة الأموي الذي حكم من سنة ست وثمانين إلى سنة ست وتسعين من الهجرة، وهذا يعني أن فتح الأندلس كان في منتصف خلافة الوليد الأموي رحمه الله.

وهذا التاريخ يجرّنا إلى الحديث عن الدولة الأموية المظلومة في التاريخ الإسلامي، تلك الدولة التي أُشيع عنها الكثير والكثير من الافتراءات والأكاذيب والأحداث المغلوطة التي تشوه صورتها، وبالتالي صورة التاريخ الإسلامي كله، وذلك حتى يتسنى للمتربصين القول بأن التاريخ الإسلامي لم يكن إلا في عهد أبي بكر وعمر، حتى وصل الأمر إلى الطعن في تاريخ أبي بكر وعمر نفسيهما مع علم الجميع بفضلهما.

ولا يخفى على الجميع المراد الأسمى من ذلك، ألا وهو: لا تعتقد قيام أمة إسلامية، فإذا كان هذا شأن السابقين القريبين من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا كان هذا شأن دولة بني أمية وبني العباس وغيرهما من الدول التي لم تستطع أن تقيم حكما إسلاميا صالحا، فكيف بالمتأخرين؟ وهي رسالة يريدون الوصول بها إلى كل المسلمين، لكن : [فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ] {الرعد:17}.

بني أمية وحسناتهم

الدولة الأموية كغيرها من الدول الإسلامية لها يد بيضاء وفضل كبير على المسلمين في شتى بقاع الأرض، ونظرة واحدة على عدد المسلمين الذين دخلوا الإسلام في زمن حكمها تكفي للرد على الافتراءات والمزاعم التي حيكت في حقها، فهذا إقليم شمال إفريقيا بكامله دخل الإسلام في عهد بني أمية، ابتداء من ليبيا وحتى المغرب، وإذا كانت الفتوح الإسلامية لهذه البلاد قد بدأت في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه فإن هذه البلاد قد ارتدت على عقبها ثم فُتحت من جديد ولكن في عهد بني أمية، ومع إقليم شمال إفريقيا كانت أفغانستان وأيضا جمهوريات جنوب روسيا، كل هذه البلدان وغيرها وصلتهم رسالة الإسلام ودخلوا فيه في زمن بني أمية، فقد كان الجهاد في أيامهم أمرا طبيعيا جدا، وهو في كل أيام العام صيفا وشتاء، يخرج إليه الناس وكأنهم ذاهبون إلى أعمالهم، وإضافة إلى ذلك أيضا فقد دُوّنت السنة النبوية في مدتهم، وحُكِّم شرع الله وطُبّق في دولتهم،

ومع كل هذا فإنا لا نقر بتبرئتهم من كل خطأ أو عيب؛ فالنقص والخطأ شيمة البشر، ومن المؤكد أن هناك أخطاء كثيرة في تاريخ بني أمية، لكن - بلا شك - كل هذه الأخطاء تذوب في بحر حسناتهم، وبحر أفضالهم على المسلمين، فقد امتد حكم بني أمية اثنين وتسعين عاما، من سنة أربعين إلى سنة اثنتين وثلاثين ومائة من الهجرة، وكان أول خلفاء بني أمية الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ورضي الله عن أبيه أبي سفيان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك الخليفة الذي لم يسلم من ألسنة كثير من الناس، فطعنوا في تاريخه وفي خلافته رضي الله عنه، ولقد كذبوا، فليتنا نصل إلى معشار ما فعله معاوية بن أبي سفيان للإسلام والمسلمين.

وإن كان هذا ليس هو مجال الحديث عن بني أمية إلا أن هذه المقدمة البسيطة قد تفيد - بمشيئة الله - في الحديث عن الأندلس، فبعد معاوية بن أبي سفيان تتابع الحكام وكان أشهرهم عبد الملك بن مروان رحمه الله، ومن تبعه من أولاده، وكان منهم الوليد وسليمان ويزيد وهشام، وقد تخللهم الخليفة الراشد المشهور عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه، وهو الخليفة الأموي من أبناء الدولة التي يطعنون فيها الذي ملأ الأرض عدلا ورحمة وأمنا ورخاء، أما الجانب السيئ من تاريخ دولة بني أمية فإنه يكمن في السنين السبع الأخيرة فقط من تاريخهم، تلك التي كان فيها كثير من المآسي، وكثير من الاختلاف على المنهج الإسلامي، وكسنة من سنن الله تعالى فلما فسد الأمر في بني أمية قامت دولة أخرى وهي دولة بني العباس، أما الأندلس وفتح الأندلس فيبقى حسنة من حسنات بني أمية.

أوروبا حال الفتح الإسلامي للأندلس

من المفيد جدا أن نتعرف على حالة أوروبا والوضع الذي كانت عليه - خاصة بلاد الأندلس - عند الفتح الإسلامي وكيف كان؟ وكيف تغير هذا الوضع وهذا الحال بعد دخول أهل هذه البلاد الإسلام؟ والواقع أن أوروبا في ذلك الوقت كانت تعيش فترة من فترات الجهل العظيم جدا، حيث الظلم هو القانون السائد، فالحكام يمتلكون الأموال وخيرات البلاد، والشعوب تعيش في بؤس كبير، والحكام بنوا القصور والقلاع والحصون، بينما عامة الشعب لا يجد المأوى ولا السكن، وإنما هم في فقر شديد، بل إنهم يباعون ويشترون مع الأرض، وبالنسبة للفرد نفسه، فالأخلاق متدنية والحرمات منتهكة، وبُعد حتى عن مقومات الحياة الطبيعية، فالنظافة الشخصية - على سبيل المثال - مختفية بالمرة، حتى إنهم كانوا يتركون شعورهم تنسدل على وجوههم ولا يهذبونها، وكانوا - كما يذكر الرحالة المسلمين الذين جابوا هذه البلاد في هذا الوقت - لا يستحمّون في العام إلا مرة أو مرتين، بل يظنون أن هذه الأوساخ التي تتراكم على أجسادهم هي صحة لهذا الجسد، وهي خير وبركة له.

وكانوا يتفاهمون بالإشارة، فليست لهم لغة منطوقة أصلا فضلا عن أن تكون مكتوبة، وكانوا يعتقدون بعض اعتقادات الهنود والمجوس من إحراق المتوفى عند موته، ومن حرق زوجته معه وهي حية، أو حرق جاريته معه، أو من كان يحبه من الناس، والناس تعلم وتشاهد هذا الأمر، فكانت أوربا بصفة عامة قبل الفتح الإسلامي يسودها التخلف والظلم والفقر الشديد، والبعد التام عن أي وجه من أوجه الحضارة المدنية، ولنقارن هذا بما أصبحت عليه أوروبا وبلاد الأندلس بعد الفتح الإسلامي.

-------------------------------------------------------------------------------------------

يتبع الفصل الثاني

عهد الفتح الإسلامي

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

اسمحلي يا صبح انتحل صفة الطرف الآخر في الرد

فالأندلس دولة مستقلة ذات سيادة ويحكمها القوط النصارى في ذلك الزمن، والمسلمون دولة كبيرة جدا وهم جيرانهم، فلماذا يحمل المسلمون سيوفهم ويتوجهون إلى فتح هذه البلاد ليعرضوا عليها ثلاثتهم المعهودة: الإسلام أو الجزية أو الحرب؟

فهذا العمل يعد الآن في مصطلح الشرعية الدولية بمثابة تعدٍ على حدود دولة مجاورة ذات سيادة. فلماذا إذن حمل المسلمون السيف وانتقلوا إلى البلاد المجاورة؟ ومن هذا السؤال بالذات يتولد عند كثير من الناس استنتاج واستنباط هو في غير محله على الإطلاق ومجافٍ للحقيقة تماما، إنه قولهم: إن الإسلام انتشر بحد السيف. فهذه مشكلة كبيرة تعترض كثيرا من الدعاة، خاصة من قِبل أصحاب المناهج العلمانية.

ولكن كيف وقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: [لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ] {البقرة:256} .

ويبقى السؤال: كيف نوفق بين حمل المسلمين سيوفهم وخروجهم إلى هذه البلاد، وبين قوله تعالى في الآية السابقة: [لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ] {البقرة:256} .

أما النوع الآخر والذي لا يستوعبه كثير من الناس هو ما يسمى بجهاد الطلب أو جهاد نشر الدعوة، أو جهاد تعليم الآخرين هذا الدين،

...........................................................................................................................................................................................

التعقيب

هنا نقطة الخلاف فهذا الجهاد هو القيام بحمله عسكريه لاحتلال بلد ما والسيطره عليه و بعدها يقوم المسلمون بنشر دينهم بالحسنى ولكن الا ترى ان الحسنى جاءت بعد الاحتلال بالقوه للبلد؟ فالوسيلة للنشر كانت عبر الاحتلال بالسيف فالآخر لن يقتنع باحتلالك له وللآخرين لنشر دعوتك

...........................................................................................................................................................................................

فالإسلام هو الدين الخاتم، وهو كلمة الله الأخيرة إلى الناس، وقد كلّف الله هذه الأمة - أمة الإسلام - أمر نشر هذا الدين في ربوع العالم، وتعليم الناس كل الناس مراد ربهم عزّ وجلّ الذي أنزله على نبيه خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم.

...........................................................................................................................................................................................

التعقيب

هذه طبعا وجهة نظر الاسلام والمسلمين فقط........................................................................................................................................................................

ومن سنن الله سبحانه وتعالى أن يكون هناك أقوام ممن يحكمون شعوبا غير إسلامية يحولون دون وصول هذه الدعوة إلى شعوبهم، ويقفون بكل ما أوتوا من قوة في الحد من انتشارها، فالإسلام في هذه الحالة شرع للمسلمين أن يتوجهوا بجيوشهم وسيوفهم؛ لحماية الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى؛ لنشر هذا الدين وتعليمه للآخرين، فمَن لهؤلاء الذين يولدون في بلاد يعلمونهم أن المسيح هو الله؟ مَن لهؤلاء الذين يولدون في بلاد يعلمونهم أن البقرة هي الإله؟ ومَن لهؤلاء الذين يولدون في بلاد يتعلمون أنهم خُلقوا من عدم، وأن ليس للكون إله، وأن الطبيعة هي رب الكون؟

من لهؤلاء؟ ومَن يعلمهم إذا لم يعلمهم المسلمون أصحاب الرسالة الخاتمة؟ وقد جعل الله محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والرسل، وليس نبي يبعثه الله عز وجل من بعده صلى الله عليه وسلم، فمَن لهؤلاء إذن غير هذه الأمة الشاهدة؟ وقد قال سبحانه وتعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدً] {البقرة:143} .

إنها مهمة أمة الإسلام، أمة الشهادة، ستشهد على الأمم عند الله سبحانه وتعالى وتقول: يارب، ذهبت إليهم وعلمتهم وشرحت لهم، وجاهدت في سبيلك، لكنهم أنكروا, أو اتبعوا. فهذه الأمة شاهدة بهذا الجهاد وبتوصيل دعوتها الربانية إلى هذه الأمم.

............................................................................................................................................................................................

التعقيب

وطبعا قد تكون هذه وجهة نظر اي دين آخر في حقه في نشر دينه بالوسيله التي يراها وبالتالي يتحول العالم الى غابة لنشر الأديان التي تدعو اساسا للسلام

..........................................................................................................................................................................................

والطبيعي أن يكون هناك من يمنعك ويصدك، ويقف بكل ما أوتي من قوة حائلا بينك وبين مَن تريد توصيل الدعوة إليهم؛ وذلك لأنهم- وهم الحكام- مستفيدون من عبادة هؤلاء الناس لغير الله سبحانه وتعالى، فإذا حكم شرع الله انتقلت الحاكمية من هؤلاء الناس- الحكام- إلى الله سبحانه وتعالى وهم لا يريدون ذلك، ومن هنا سيقفون أمامك بجيوشهم وسيوفهم، ولن تجد إلا أن تقف أنت أيضا أمامهم بجيشك وسيفك حتى تحمي الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

فكان المسلمون يتجنبون تماما إيذاء أيٍّ ممن لم يقاتلونهم، ولو أذًى يسيرا، فتجنبوا الأطفال والنساء وعُبّاد الصوامع والضعفاء والكهول الذين لا يستطيعون قتالا، بل إنهم تجنبوا الأقوياء الذين لم يعاونوا، أو يشتركوا في قتال المسلمين، وكان المسلمون يقاتلون الجيوش فقط، يقاتلون الحُكام الذين عَبّدوا الناس لغير الله سبحانه وتعالى.

.......................................................................................................................................................................................

التعقيب

من الطبيعي ان يدافع الحاكم او الجيش عن بلده المعرضه للغزو الخارجي فأنت بالنسبة لهم غازي والغازي من الطبيعي الا يحمل لهم الخير فالخطأ هنا هل هو من الغازي أم المدافع عن أرضه؟

.......................................................................................................................................................................................

لماذا الدعوة إلى الله تكون مصحوبة بالجيش؟

استكمل الرد لاحقا انشاءالله

[

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

أخي العزيز زهيري

رمضان كريم

اسمح لي بتعقيب سريع .. وسأجعله سريعاً حتى لا أقطع تسلسل أفكار اخي الكريم الاستاذ (صبح)

يبدو لي - وقد أكون مخطئاً في تصوري - أنه قد تولد لديك نوع من اللبس أو الخلط بين مبدأين

أو ركيزتين من ركائز الاسلام وتشريعاته

مبدأ أو ركيزة ( لا إكراه في اعتناق هذا الدين )

والذي يبدو - في نظرك - متعارضاً منذ الوهلة الاولى لمبدأ آخر أو ركيزة أخرى وهي الجهاد

وبالتحديد جهاد الطلب

أقصد " غزو " بلاد الكفار وفتحها واسقاط الحكومات القائمة فيها

ثم إقامة حكومات تحكم بشرع الله في تلك البلاد المفتوحة

وهو الذي نضع أيدينا عليه من آيات كثيرة في كتاب الله .. وليكن مثلا منها ..

( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193) البقرة )

والآية :

وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) الانفال

ولعلك تلاحظ أن آية ( لا إكراه في الدين) قد وردت في سورة البقرة بعد آية تشرح تمام هذه العقيدة

إقرأ معي ..

اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)

لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) البقرة

إذن بعد آية " الكرسي" وهي التي تشرح تمام التوحيد والايمان بالله وحدة لا شريك له

جاءت - لا إكراه في الدين - .. أي جاءت بعدما - تبين الرشد من الغي -

فهذا الجهاد / الغزو / جهاد الطلب / فتح بلاد الكفار

إنما تقرر هذا التشريع لتحقيق إيصال كلمة التوحيد الى كل إنسان يعيش على هذا الكوكب

بعدما تشرق كلمة التوحيد و نور التوحيد على تلك البقعة من الارض، ويتم حكم تلك البقعة بشرع الله الواحد

وقتها يكون - لا إكراه في الدخول في هذا الدين - وليس قبلها

ولعل كلمات الصحابي الجليل ربعي ابن عامر تلخص لنا هذه الفكرة باسلوب بليغ عندما قال في رده على سؤال رستم ما الذي جاء بكم الى بلادنا .. فأجابه :

" إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد "

وتحت هذا المبدأ يندرج أُسس كثيرة .. منها على سبيل المثال :

فنحن مطالبون بإجارة المستغيث بنا حتى لو كان كافراص بالله .. ثم نسمعه كلمة التوحيد ونشرحها له وندعوه بالحسنى، ثم نبلغه مأمنه ونعيده الى اهله ودياره معززا مكرماً ..

وكذلك مبدأ ..

وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا (75) النساء

فنحن مطالبون بالقتال دفاعا عن كل مظلوم في كل بلاد الارض

ولعلك تلحظ ذلك من بين ثنايا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى هرقل حيث قال في آخره :

بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله الى هرقل عظيم الروم، (سلام على من اتبع الهدى)، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الاسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الاريسيين، (ويا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد الا الله، ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون)

و" الاريسيين " هم من بقي على دين التوحيد من أتباع نبي الله عيسى عليه السلام، وكانوا يتعرضون للتعذيب في مصر

طبعا هذا النوع من الجهاد انتهى واقعياً من حياة المسلمين برحيل سليمان القانوني .. فهو آخر من دكت مدافعه أسوار فيينا من سلاطين العثمانين، ومن بعدها أصبحنا نُغزى في ديارنا ولا نغزو .. و لاحول ولاقوة إلا بالله

وتقبل تحياتي

ورمضان كريم

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
فهذا هو مراد المسلم وهذه هي رسالته في الدنيا، روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] {آل عمران:110}.

قَالَ: خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ، تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ .

إذا كان الناس يأبون الدخول في الإسلام تأتي بهم ولو في السلاسل حتى يدخلوا فيه، فتنقذهم من أن يخلدوا في نار خالدة، وتنقذهم من العيش في جور الأديان، ومن ظلم الحكام إلى العيش في عدل الإسلام، والعيش في سَعة الدنيا والآخرة،

الأخ صبح

الأخ هادى

وما هو موقف من لا يستطيع الاعتقاد بصحة هذا الكلام ؟ .. هل يكون من معطلى الفريضة الغائبة .. مثلا ؟؟؟

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
فهذا هو مراد المسلم وهذه هي رسالته في الدنيا، روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] {آل عمران:110}.

قَالَ: خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ، تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ .

إذا كان الناس يأبون الدخول في الإسلام تأتي بهم ولو في السلاسل حتى يدخلوا فيه، فتنقذهم من أن يخلدوا في نار خالدة، وتنقذهم من العيش في جور الأديان، ومن ظلم الحكام إلى العيش في عدل الإسلام، والعيش في سَعة الدنيا والآخرة،

الأخ صبح

الأخ هادى

وما هو موقف من لا يستطيع الاعتقاد بصحة هذا الكلام ؟ .. هل يكون من معطلى الفريضة الغائبة .. مثلا ؟؟؟

اخي العزيز الاستاذ أبو محمد

رمضان كريم

اجابتي المتواضعة يا أخي الحبيب

لا

لا يا أستاذي الكريم .. لا يكون من معطلي " الفريضة الغائبة " .. مثلاً

وأنا سأعتبرها دعابة من أخي أبو محمد وليس تهكما

أنا ما تكلمت في هذه المسألة .. ولا في غيرها مما يتعلق بدين الله ..

إلا عن علم .. وإلا فالسكوت أسلم لديني وعرضي

وما أوردت إلا دلياًل شرعياً

وليس معنى ذلك أن نُصنف مثلا على أننا من أتباع عبد السلام فرج صاحب كتاب الفريضة الغائبة

أو غيره من قادة جماعة ( الجهاد ) المصرية

أو غيره ممن جرى العرف والعادة الاعلامية على تصنيفهم تحت بند واحد اسمه ( متطرفون)

يا أخي الحبيب

(موقف من لا يستطيع الاعتقاد بصحة هذا الكلام ) لا يعنيني في شيء في مقامنا هذا ..

يعنيني ويهمني في المقام الاول إبراز ما أراه هو الحق

و أن أورد الدليل والحجة والبرهان الدال على صحة ما أقول

وهي كما ترى ليست أدلة عقلية من باب : أتصور .. أظن .. اعتقد ان تفسير الاية كذا .. اتخيل أن مراد الحديث كذا

الى غير ذلك مما لا يقيم دليلا ولا يقطع شكاً و لا يبني يقيناً

يا أخي الحبيب

إن كنت انت (لا تستطيع الاعتقاد بصحة هذا الكلام)

و (هذا الكلام) ما هو إلا آية محكمة في كتاب الله و حديث صحيح من رسوله الخاتم

فبأي كلام ستعتقد وتقتنع ؟

بالرأي .. بالعقل .. بالميل .. بالرأى و أظن و أتصور

والله لا ارضاها لك يا استاذي

ولعلك تلاحظ في اقتباسك السابق

ستجد ان اخي الاستاذ (صبح) قد أورد في كلامه أعلى درجات الدليل الشرعي

وهو تفسير القرآن بالحديث الصحيح

فأي دليل بعد ذلك

وأي تعقيب بعد كلام الله وشرح رسوله ؟

يا أخي الحبيب أبو محمد

سلمك الله لمحمد و اخوانه وحفظك لأولادك

لعلك تلاحظ أنه حتى هذه اللحظة من النقاش في موضوع جهاد الطلب والذي ورد متقطعا في موضوعات متناثرة

لم أورد قولاً واحداً للعلماء الثقات العدول من سلف هذه الامة ومن خلفها الابرار

وجميعهم متفقون أن هذا هو تعريف الجهاد وهذا هو مراده

فلو تفضلت أنت و أوردت عكس ذلك فلله الحمد ولك الشكر على تصحيح ما لدي من خطأ

فكلنا في الأخير يبتغي الحق ولا شيء سواه

فلو تفضلت بعرض وجهة نظرك مع ما يؤديها من أدلة شرعية، فستكون الافادة للجميع وأن اولهم

ولو أفردت له موضوعاً منفصلا حتى لا نخرج عن مراد أخونا الكريم (صبح) من موضوعه عن الاندلس ، فبها ونعم

لا أنصب من نفسي شيخا يفتي في فتيل أو قطمير

ولكن الموضوع كما ترى (دين)

ومبدأي فيه هو أن نتكلم فيه عن "علم" فنثاب ونغنم ونؤجر ، او نسكت فنسلَم

دمت لي يا أخي الاكبر

وتقبل ودي واحترامي

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

أولا أشكر أخي الحبيب أبو محمد وأخي الحبيب هادي على المشاركة والرد

وسأرجيء ردي الى بعد نهاية الموضوع

-------------------------------------------------

الفصل الثاني: عهد الفتح الإسلامي

fouteh003ka4.gif

المسلمون في الشمال الإفريقي

لكي نفهم الفتح الإسلامي للأندلس لا بد أن نتعرف على طبيعة الوضع في البلاد الملاصقة لهذا البلد وهي بلاد الشمال الإفريقي، فقد دخلها الإسلام قبل فتح الأندلس بسبعين سنة، أي سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وكان يسكن هذا الإقليم (إقليم الشمال الإفريقي) قبائل ضخمة تسمى قبائل البربر - سنفصل الأمر فيها قريبا بمشيئة الله - وهذه القبائل كانت دائمة الارتداد عن دين الله سبحانه وتعالى، فتدخل في الإسلام، ثم ترتد، ثم تسلم، ثم ترتد، ودارت حروب بين هذه القبائل والمسلمين انتهت باستقرار الإسلام في هذا الإقليم أواخر سنة خمس أو ست وثمانين من الهجرة على يد موسى بن نصير رحمه الله.

موسى بن نصير القائد بن القائد

موسى بن نصير ذلك القائد المسلم البارع التقي الورع الذي ثبت أقدام الإسلام في هذه البلاد المترامية الأطراف في الشمال الإفريقي، وهو من التابعين، وقد روى عن بعض الصحابة.

أما أبوه فهو نصير ذلك الغلام النصراني الذي أسره خالد بن الوليد رضي الله عنه في موقعة عين التمر، وكان قبلها يتعلم الإنجيل والدراسات النصرانية في الكنيسة، وفي الأسر عرف الإسلام وأعجب به، فأسلم وهو ابن ثلاثة عشر أو أربعة عشر عاما، وكان معه وعلى شاكلته سيرين أبو محمد بن سيرين التابعي المشهور.

وهنا وقفة لطيفة نشير إليها في معرض هذا الحديث، وهي تلك الثمرة التي هي من ثمار ومن تبعات الفتوحات الإسلامية، ومصداقا لقوله تعالى: [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ {فصِّلت:33} . تلك الثمرة التي منّ الله بها على نُصير وعلى ولده من بعده، ومن ثم على المسلمين أجمعين.

فانظر ماذا فعل الإسلام بنُصَير وغيره؟ وماذا كان سيكون مصير نُصير إذا ظل على ما هو عليه؟ وكيف أصبح في حسنات خالد بن الوليد رضي الله عنه وقد توفي بعده بسنوات وسنوات. وإنه لثمرة من ثمرات الجهاد الإسلامي في بلاد فارس (وهي التي أُسر فيها نُصير). وإن فتح الأندلس على يد موسى بن نصير ليشاركه فيه - بإذن الله - الأجر خالد بن الوليد رضي الله عن الجميع.

أما نُصير، فلما أسلم ازداد حبه للإسلام، فأخذ ينهل منه ويتعلم حتى أصبح عالما، وفي ذات الوقت من الفرسان الأشداء والمجاهدين الأكفاء، وظل يترقى من حال إلى حال حتى صار في زمن الدولة الأموية قائد جيوش معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وظل في هذه القيادة سنوات طويلة،

وفي هذا الوقت كان ابنه موسى يتربى في بيت الخلافة مع أولاد معاوية وأولاد الأمراء والخلفاء، فنشأ موسى بن نصير على حب الجهاد في سبيل الله ونشر الدين، حتى أصبح شابا يافعا يتقلد الرتب والمناصب، فتقلد قيادة جيوش الأمويين في مصر في عهد عبد العزيز بن مروان الأموي، ثم بعد ذلك واليا على إفريقيا وذلك في سنة خمس وثمانين من الهجرة.

موسى بن نُصير وتثبيت دعائم الإسلام في إفريقيا

منذ أصبح موسى واليا على إفريقيا أصبح كل همه لماذا يرتد الناس بين الحين والآخر عن الإسلام بعد أن يكونوا قد دخلوا فيه؟! بل كيف يعودون ويقاتلون المسلمين بعد أن كانوا مسلمين؟! ومن هنا فقد أراد أن يجد حلا لهذه الأمور، ويعمل على تثبيت دعائم الإسلام في هذا الإقليم الذي كان قد فتحه عقبة بن نافع رحمه الله، والذي اغتيل في القيروان من هذا الإقليم على يد البربر وهو في طريق عودته من المغرب الأقصى.

وفي بحثه عن معرفة أسباب هذه الردة المتكررة وجد موسى بن نصير خطأين وقع فيهما من سبقوه.

الخطأ الأول: وهو أن عقبة بن نافع ومن معه كانوا يفتحون البلاد فتحا سريعا، ويتوغلون داخلها طمعا في فتح أماكن أخرى كثيرة، دون أن يحموا ظهورهم في هذه المناطق التي فتحوها، ومن ثم كانت النتيجة أن البربر فقهوا هذا الأمر واستغلوه جيدا، فانقلبوا على عقبة وأحاطوا به وقتلوه،

وفي تغلبه على هذا الأمر بدأ موسى بن نصير يفتح البلاد في أناة شديدة، وفي هدوء وحذر كحذر خالد بن الوليد، فبدأ يتقدم خطوة ثم يُأَمّن ظهره، ثم خطوة فيأمّن ظهره، حتى أتم فتح هذا الإقليم في سبع سنين أو في ست سنوات، بينما استغرق عقبة بن نافع في فتحه شهورا معدودات.

أما الخطأ الثاني فقد وجد أن سكان هذا الإقليم لم يتعلموا الإسلام جيدا ولم يعرفوه حق المعرفة، فبدأ بتعليمهم الإسلام؛ فكان يأتي بعلماء التابعين من منطقة الشام والحجاز ليعلموهم الإسلام ويعرفونهم به، فأقبل السكان على الإسلام وأحبوه ودخلوا فيه أفواجا، حتى أصبح البربر الذين يحاربون المسلمين أصبحوا جند الإسلام وأهله، وهكذا عمل موسى على تثبيت دعائم الإسلام وتوطيده في الشمال الإفريقي، وأتم فتح الإقليم بكامله عدا مدينة واحدة وهي مدينة سبتة (مدينة سبتة الآن من مدن المغرب العربي التي تحتلها إسبانيا، وتقع على مضيق جبل طارق)، فقد فتح ميناء طنجة ولم يفتح ميناء سبتة المماثل له في الأهمية، وللموقع الاستراتيجي لمدينة سبتة ولّى موسى بن نصير على ميناء طنجة (القريب جدا من سبتة والقريب في ذات الوقت من الأندلس) أمهر قواده طارق بن زياد رحمه الله، وطارق بن زياد لم يكن عربيا، بل كان من قبائل البربر التي استوطنت الشمال الإفريقي - كما ذكرنا - والتي كان يميزها اللون الأبيض والعيون الزرقاء والشعر الأشقر، بعكس ما يُتخيل من كونهم يشبهون الزنوج، حتى إن البعض ينسبونهم إلى أصول أوروبية، وقد حمل طارق بن زياد القائد الفذ هذه الصفات الشكلية، إضافة إلى ضخامته الجسمية ووسامته الشديدة، تلك التي لم تمنعه عن الانشغال بحب الجهاد في سبيل الله، ونشر هذا الدين.

فكرة فتح الأندلس

لم تكن فكرة فتح الأندلس وليدة أيام موسى بن نصير، بل إنها فكرة قديمة جدا، فمنذ أن استعصت القسطنطينية على الفتح زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه - وكانت الحملات الإسلامية قد وصلت إليها - قال قولته: إن القسطنطينية إنما تفتح من قِبَل البحر، وأنتم إذا فتحتم الأندلس فأنتم شركاء لمن يفتح القسطنطينية في الأجر.

فكان عثمان رضي الله عنه يعني أن المسلمين سيفتحون الأندلس أولا (غرب أوروبا) ثم يتوجهون منها صوب القسطنطينية (شرق أوروبا) فيفتحونها من قِبَل الغرب لا من قِبَل الشرق، من جهة البحر الأسود في ذلك الوقت،

لكن المسلمين لم يستطيعوا أن يصلوا إلى هذه المنطقة من المغرب العربي إلا في أيام بني أمية وفي فترة حكم موسى بن نصير على الشمال الإفريقي.

موسى بن نصير وعقبات فتح الأندلس

بعد أن استتب الأمر لموسى بن نصير في شمال إفريقيا، ومن قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ] {التوبة:123} - كما ذكرنا سابقا - أخذ موسى بن نصير الفكرة وهيأ نفسه لبلاد الأندلس تلك التي تلي الشمال الإفريقي مباشرة، وفي طريقه إليها كانت هناك عدة عقبات كان أهمها ما يلي:

العقبة الأولى: قلة السفن

وجد موسى بن نصير أن المسافة المائية التي سيقطعها بين المغرب والأندلس لا تقل عن ثلاثة عشر كيلو مترا، وهو ليس لديه سفنا كافية لعبور هذه العقبة المائية، فمعظم فتوحات المسلمين - باستثناء بعض المواقع مثل ذات الصواري وفتح قبرص - كانت برية، ومن ثم لم يكن هناك حاجة كبيرة إلى سفن ضخمة، تلك التي احتاجوا إليها هنا لتنقل الجنود وتعبر بهم مضيق جبل طارق ليصلوا إلى الأندلس.

العقبة الثانية: وجود جزر البليار النصرانية في ظهره إن دخل الأندلس

كان موسى بن نصير قد تعلم من أخطاء سابقيه؛ فلم يخطو خطوة حتى يأمن ظهره أولا، وفي شرق الأندلس كانت تقع جزر تسمى جزر البليار، وهي قريبة جدا من الأندلس، ومن هنا فإن ظهره لن يكون آمنا إن هو دخل الأندلس، وكان عليه أولا أن يحمي ظهره حتى لو كانت هذه الجزر تابعة للرومان.

العقبة الثالثة: وجود ميناء سبتة المطل على مضيق جبل طارق في يد نصارى على علاقة بملوك الأندلس

كان ميناء سبتة المطل على مضيق جبل طارق والذي لم يُفتح مع بلدان الشمال الإفريقي، كان يحكمه ملك نصراني يُدعى يُليان أو جريان، وكان لهذا الملك علاقات طيبة بملك الأندلس الأسبق غَيْطَشَة، وغيطشة هذا كان قد انقلب عليه لوذريق أو رودريقو - كما يُنطق في بعض الأحيان - وتولى حكم الأندلس، وكانت العقبة تكمن في خوف موسى بن نصير من أن ينقلب عليه يوليان صاحب ميناء سبتة والذي سيكون في ظهره ويتحد مع لوزريق صاحب الأندلس، حتى وإن كان على خلاف معه، فمن يضمن ألا يدخل يوليان مع لوزريق في حربه ضد موسى بن نصير نظير مقابل مادي أو تحت أي بند آخر؟

العقبة الرابعة: قلة عدد المسلمين

كانت العقبة الرابعة التي واجهت موسى بن نصير هي أن قوات المسلمين الفاتحين التي جاءت من جزيرة العرب ومن الشام واليمن قوات محدودة جدا، وكانت في نفس الوقت منتشرة في بلاد الشمال الإفريقي، ومن ثم فقد لا يستطيع أن يتم فتح الأندلس بهذا العدد القليل من المسلمين، هذا مع خوفه من أن تنقلب عليه بلاد الشمال الإفريقي إذ هو خرج منها بقواته.

العقبة الخامسة: قوة عدد النصارى

في مقابل قوة المسلمين المحدودة كانت تقف قوات النصارى بعدتها وضخامتها عقبة في طريق موسى بن نصير لفتح الأندلس، فكان للنصارى في الأندلس أعداد ضخمة، هذا بجانب قوة عدتهم وكثرة قلاعهم وحصونهم، وإضافة إلى ذلك فهم تحت قيادة لوزريق القائد القوي المتكبر.

العقبة السادسة: طبيعة جغرافية الأندلس وكونها أرض مجهولة بالنسبة للمسلمين

وقف البحر حاجزا بين المسلمين وبين بلاد الأندلس، فلم تعبر سفنهم هذه المنطقة من قبل فضلا عن أن يرتادوها أصلا، ومن ثم فلم يكن لهم علم بطبيعتها وجغرافيتها، الأمر الذي سيجعل من الصعوبة الإقدام على غزو أو فتح هذه البلاد، وفضلا عن هذا فقد كانت بلاد الأندلس تتميز بكثرة الجبال والأنهار، تلك التي ستقف عقبة كئود أمام حركة أي جيش قادم، خاصة إذا كانت الخيول والبغال والحمير هي أهم وسائل ذلك الجيش في نقل العدة والعتاد.

موسى بن نصير ومواجهة العقبات

رغم هذه العقبات التي كانت موجودة بالفعل في طريق فتح الأندلس إلا أن موسى بن نصير لم يكسل ولم يقف مكبّل اليدين، بل أصر على الفتح وعلى إتمام الطريق الذي بدأه قبله الفاتحون، ومن هنا بدأ وفي أناة شديدة يرتب أموره ويحدد أولوياته، فعمل على حل المعضلات السابقة على هذا النحو:

أولا: بناء الموانئ وإنشاء السفن

عمد موسى بن نصير أول أمره في سبيل تجاوز عقبات الطريق إلى الأندلس إلى إنشاء السفن؛ فبدأ في سنة سبع وثمانين أو ثمان وثمانين ببناء الموانئ الضخمة والتي يبنى فيها السفن، وهذ وإن كان يعد أمرا يطول أمده إلا أنه بدأه بهمة عالية وإرادة صلبة؛ فبنى أكثر من ميناء في الشمال الإفريقي، كان أشهرها ميناء القيروان (المدينة التي فتحها عقبة بن نافع).

ثانيا: تعليم البربر الإسلام

وفي أثناء ذلك أيضا عمد موسى بن نصير إلى تعليم البربر الإسلام في مجالس خاصة لهم كما الدورات المكثفة تماما، حتى إنه بدأ في تكوين جيش الإسلام منهم أنفسهم، وهذا الصنيع من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن نجده عند غير المسلمين؛ فلم توجد دولة محاربة أو فاتحة غير الدول الإسلامية تُغيّر من طبائع الناس وحبهم وولائهم الذي كانوا عليه، حتى يصبحوا هم المدافعين عن دين هذه الدولة المحاربة أو الفاتحة، خاصة وإن كانوا ما زالوا حديث عهد بهذا الفتح أو بهذا الدين الجديد،

فهذا أمر عجيب حقا، ولا يتكرر إلا مع المسلمين وحدهم، فقد ظلت فرنسا - على سبيل المثال - في الجزائر مائة وثلاثين عاما ثم خرجت والجزائريون ظلوا كما كانوا على الإسلام لم يتغيروا، بل زاد حماسهم له وزادت صحوتهم الإسلامية، علّم موسى بن نصير البربر الإسلام عقيدة وعملا، وغرس فيهم حب الجهاد وبذل النفس والنفيس لله سبحانه وتعالى، فكان أن صار جُلّ الجيش الإسلامي وعماده من البربر الذين كانوا منذ ما لا يزيد على خمس سنين من المحاربين له.

ثالثا: تولية طارق بن زياد على الجيش

القائد هو قبلة الجيش وعموده، بهذا الفهم ولّى موسى بن نصير على قيادة جيشه المتجه إلى فتح بلاد الأندلس القائد البربري المحنك طارق بن زياد، ذلك القائد الذي جمع بين التقوى والورع والكفاءة الحربية وحب الجهاد والرغبة في الاستشهاد في سبيل الله، ورغم أنه كان من البربر وليس من العرب إلا أن موسى بن نصير قدمه على غيره من العرب، وكان ذلك لعدة أسباب منها:

1- الكفاءة

لم يمنع كون طارق بن زياد غير عربي أن يوليه موسى بن نصير على قيادة الجيش؛ فهو يعلم أنه ليس لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر فضل إلا بالتقوى، فقد وجد فيه الفضل على غيره والكفاءة في القيام بهذه المهمة على أكمل وجه، وقد ذكرنا بعضا من صفاته قبل قليل، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن دعوة الإسلام ليست دعوة قبلية أو دعوة عنصرية تدعو إلى التعصب وتفضل عنصرا أو طائفة على طائفة؛ إنما هي دعوة للعالمين: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] {الأنبياء:107} .

2- قدرته على فَهم وقيادة قومه

إضافة إلى الكفاءة فقد كان من البربر، وذلك أدعى للقضاء على أيٍ من العوامل النفسية التي قد تختلج في نفوس البربريين الذين دخلوا الإسلام حديثا، ومن ثم يستطيع قيادة البربرجميعا وتطويعهم للهدف الذي يصبو إليه، ثم ولكونه بربريا فهو قادر على فهم لغة قومه؛ إذ ليس كل البربر يتقنون الحديث بالعربية، وكان طارق بن زياد يجيد اللغتين العربية والبربرية بطلاقة، ولهذه الأسباب وغيرها رأى موسى بن نصير أنه يصلح لقيادة الجيش فولاه إياه.

رابعا: فتح جزر البليار وضمها إلى أملاك المسلمين

من أهم الوسائل التي قام بها موسى بن نصير تمهيدا لفتح الأندلس وتأمينا لظهره كما كان عهده بذلك، قام بفتح جزر البليار التي ذكرناها سابقا وضمها إلى أملاك المسلمين، وهو بهذا يكون قد أمّن ظهره من جهة الشرق، وهذا العمل يدل على حنكة وحكمة عظيمة لهذا القائد الذي أُغفل دوره في التاريخ الإسلامي.

مشكلة سبتة والعناية الإلهية

استطاع موسى بن نصير أن يتغلب على قلة عدد الجيش من خلال البربر أنفسهم، كذلك تغلب على العقبة المتمثلة في قلة السفن نسبيا ببناء موانئ وسفن جديدة، وبقيت أرض الأندلس كما هي أرضا مجهولة له، وكذلك ظلت مشكلة ميناء سبتة قائمة لم تُحل، وهي -كما ذكرنا - ميناء حصين جدا يحكمه النصراني يوليان، وقد استنفد موسى بن نصير جهده وطاقته وفعل كل ما في وسعه ولم يجد حلا لهاتين المشكلتين، وهنا وفقط كان لا بد للأمر الإلهي والتدبير الإلهي أن يتدخل: [إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ] {الحج:38} . [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى] {الأنفال:17} . وهذا بالفعل ما حدث وتجسد في فعل يوليان صاحب سبتة وكان على النحو التالي:

- فكر يوليان جديا في الأمر من حوله، وكيف أن الأرض بدأت تضيق عليه وتتآكل من قِبَل المسلمين الذين يزدادون قوة يوما بعد يوم، وإلى متى سيظل صامدا أمامهم إن هم أتوا إليه؟

- كان يوليان مع ذلك يحمل الحقد الدفين على لذريق حاكم الأندلس ذلك الذي قتل غيطشة صاحبه الأول، وقد كان بينهما علاقات طيبة، حتى إن أولاد غيطشة من بعده استنجدوا بيوليان هذا ليساعدهم في حرب لذريق، ولكن هيهات فلا طاقة ليوليان بلذريق ولا طاقة لأولاد غيطشة أيضا به، ومن هنا فكان ثمة عداء متأصل بين صاحب سبتة وحاكم الأندلس؛ ومن ثم فإلى أين سيفر يوليان إن استولى المسلمون على ميناء سبتة؟

- الأمر الأخير الذي دار في خلد يوليان هو أن أولاد غيطشة القريبين منه كان لهم من الضياع الضخمة في الأندلس الكثير والتي صادرها وأخذها منهم لذريق قاتل أبيهم، وكان يوليان يريد أن يستردها لهم، وكان لذريق أيضا قد فرض على شعبه الضرائب الباهظة وأذاقهم الأمرّين؛ فعاشوا في فقر وبؤس شديد بينما هو في نعيم دائم ومُلك يتصرف فيه كيف يشاء؛ ومن هنا فكان شعبه يكرهه ويتمنى الخلاص منه.

ومن تدبير رب العالمين أن اختمرت هذه الأفكار جيدا في عقل يوليان - وموسى بن نصير آنذاك قد استنفد جهده وحار في أمره - فإذا به يُرسل إلى طارق بن زياد والي طنجة (على بعد عدة كيلو مترات من ميناء سبتة) برسل من قِبَله يعرض عليه عرضا للتفاوض، أما تدبير العناية الإلهية والمفاجأة فكانت في بنود هذا العرض وهذا الطلب العجيب الذي نص على ما يلي:

1- نسلمك ميناء سبتة. تلك المعضلة التي حار المسلمون أعواما في الاهتداء إلى حل لها؛ حيث كانت فوق مقدراتهم.

2- نمدك ببعض السفن التي تساعدك في عبور مضيق جبل طارق إلى الأندلس. وكأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يقول: سأتم ما لم يستطع المسلمون إتمامه ووقفت عندهم قدراتهم، حتى ولو كان ذلك من قِبَل أعدائهم، وقد علمنا مدى احتياج موسى بن نصير لهذه السفن.

3- نمدك بالمعلومات الكافية عن أرض الأندلس.

أما المقابل فهو: ضيعات وأملاك غيطشة التي صادرها لذريق. وكان لغيطشة ثلاث آلاف ضيعة (ضيعة تعني عقَارُ وأرضٌ مُغِلَّةُ)، وكانت ملكا لأولاده من بعده، فأخذها منهم لذريق وصادرها.

ما أجمل العرض وأحسن الطلب:

وبهذا العرض فقد أراد يوليان صاحب سبتة أن يتنازل للمسلمين عن سبتة ويساعدهم في الوصول إلى الأندلس، ثم حين يحكمها المسلمون يسمع يوليان ويطيع، على أن يرد المسلمون بعد ذلك ضيعات وأملاك غيطشة، فما أجمل العرض وما أحسن الطلب! وما أعظم السلعة وما أهون الثمن!

المسلمون لم يفكروا يوما في مغنم أو ثروة أو مال حال فتوحاتهم البلاد، لم يرغبوا يوما في دنيا يملكها غيطشة أو يوليان أو لذريق أوغيرهم، كان جل هدفهم تعليم الناس الإسلام وتعبيدهم لرب العباد، فإذا دخل الناس في الإسلام كان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، بل لو لم يدخلوا في الإسلام وأرادوا دفع الجزية فحينئذ يُترك لهم كل ما يملكون، وسنتحدث عن الجزية في الإسلام بعد قليل.

ومن هنا فكان الثمن هينا جدا والعرض غاية الآمال، فبعث طارق بن زياد إلى موسى بن نصير وكان في القيروان عاصمة الشمال الإفريقي آنذاك (وهي في تونس الآن) يخبره هذا الخبر، فسُرّ سرورا عظيما، ثم بعث موسى بن نصير بدوره إلى الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك يطلعه أيضا الخبر ويستأذنه في فتح الأندلس.

وهنا أذن له الوليد بن عبد الملك إلا أنه شرط عليه شرطا كان قد فكر فيه قبل ذلك موسى بن نصير نفسه، وهو: ألا تدخل بلاد الأندلس حتى تختبرها بسرية من المسلمين، فمن أدراك أن المعلومات التي سيقدمها لك يوليان عن الأندلس ستكون صحيحة؟ ومن يضمن لك ألا يخون يوليان عهده معك أو يتفق من ورائك مع لذريق أو مع غيره عليك؟

سرية طريف بن مالك أول سرية للمسلمين إلى الأندلس

جهز موسى بن نصير بالفعل سرية من خمسمائة رجل وجعل رأسهم طَريف بن مالك- أو ملوك كما جاء في روايات أخرى- وكان طريف أيضا من البربر كما كان القائد طارق بن زياد، وهذه مزية تفرد بها الإسلام كما ذكرت، خاصة وأن طريف من البربر حديثي العهد بالإسلام وهو الآن وبعد أن كان يحارب الإسلام صار قائدا مدافعا عن الإسلام وناشرا له،

سار طريف بن مالك من المغرب على رأس خمسمائة من المسلمين صوب الأندلس، وقد وصلها في رمضان سنة واحد وتسعين من الهجرة، وقام بمهمته في دراسة منطقة الأندلس الجنوبية والتي سينزل بها الجيش الإسلامي بعد ذلك على أكمل وجه، ثم عاد بعد انتهائه منها إلى موسى بن نصير وشرح له ما رآه، وفي أناة شديدة وعمل دءوب ظل موسى بن نصير عاما كاملا بعد عودة طريف بن مالك يجهز الجيش ويعد العدة، حتى أعد في هذه السنة سبعة آلاف مقاتل، وبهم بدأ الفتح الإسلامي للأندلس رغم الأعداد الضخمة لقوات النصارى هناك.

الصدام الأول وبدايات الفتح الإسلامي للأندلس

في شعبان من سنة اثنتين وتسعين من الهجرة تحرك هذا الجيش المكون من سبعة آلاف فقط، وعلى رأسه القائد طارق بن زياد، تحرك هذا الجيش وعبر مضيق جبل طارق، والذي ما سُمّي بهذا الاسم (مضيق جبل طارق) إلا في هذا الوقت؛ وذلك لأن طارق بن زياد حين عبر المضيق نزل عند هذا الجبل، وقد ظل إلى الآن حتى في اللغة الإسبانية يسمى جبل طارق ومضيق جبل طارق، ومن جبل طارق انتقل طارق بن زياد إلى منطقة واسعة تسمى الجزيرة الخضراء، وهناك قابل الجيش الجنوبي للأندلس، وهو حامية جيش النصارى في هذه المنطقة فلم تكن قوة كبيرة، وكعادة الفاتحين المسلمين فقد عرض طارق بن زياد عليهم: الدخول في الإسلام ويكون لكم ما لنا وعليكم ما علينا ونترككم وأملاككم، أو دفع الجزية ونترك لكم أيضا ما في أيديكم، أو القتال، ولن نؤخركم إلا لثلاث، لكن تلك الحامية أخذتها العزة وأبت إلا القتال، فكانت الحرب وكانت سجالا بين الفريقين حتى انتصر عليهم طارق بن زياد، فأرسل زعيم تلك الحامية رسالة عاجلة إلى لذريق وكان في طليطلة عاصمة الأندلس، يقول له فيها: أدركنا يا لذريق؛ فإنه قد نزل علينا قوم لا ندري أهم من أهل الأرض أم من أهل السماء؟!

حقا فهم أناس غريبون، فقد كان من المعروف عندهم أن الفاتح أو المحتل لبلد آخر إنما تقتصر مهمته على السلب والنهب لخيرات البلد، والذبح والقتل في كثير من الأحيان، أما أن يجدوا أناسا يعرضون عليهم الدخول في دينهم ويتركون لهم كل شيء، أو أن يدفعوا لهم الجزية وأيضا يتركون لهم كل شيء، فهذا مما لم يعهدوه من قبل في تاريخهم وفي حياتهم، وفضلا عن هذا فقد كانوا في قتالهم من المهرة الأكفاء، وفي ليلهم من الرهبان المصلين، فلم يدري قائد الحامية في رسالته إلى لذريق أهُم من أهل الأرض، أم هم من أهل السماء؟! وصدق وهو كذوب؛ فهم من جند الله ومن حزبه

[أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ المُفْلِحُونَ] {المجادلة:22} .

موقعة وادي برباط وفتح الأندلس

حين وصلت رسالة قائد الحامية إلى لذريق جن جنونه، وفي غرور وصلف جمّع جيشا قوامه مائة ألف من الفرسان، وجاء بهم من الشمال إلى الجنوب يقصد جيش المسلمين، كان طارق بن زياد في سبعة آلاف فقط من المسلمين جلهم من الرّجّالة وعدد محدود جدا من الخيل، فلما أبصر أمر لذريق وجد صعوبة جدا في هذا القياس، سبعة آلاف أمام مائة ألف، فأرسل إلى موسى بن نصير يطلب منه المدد، فبعث إليه طريف بن مالك على رأس خمسة آلاف آخرين رجالة أيضا، وصل طريف بن مالك إلى طارق بن زياد وأصبح عدد جيش المسلمين اثني عشر ألف مقاتل، وبدأ طارق بن زياد يستعد للمعركة، فكان أول ما صنع بحث عن أرض تصلح للقتال حتى هداه البحث إلى منطقة تسمى في التاريخ وادي البرباط، وتسمى في بعض المصادر وادي لُقّة أو لِقة بالكسر، وتسميها بعض المصادر أيضا وادي لُكّة،

ولقد كان لاختيار طارق بن زياد لهذا المكان أبعاد استراتيجية وعسكرية عظيمة، فقد كان من خلفه وعن يمينه جبل شاهق، وبه حمى ظهره وميمنته فلا يستطيع أحد أن يلتف حوله، وكان في ميسرته أيضا بحيرة عظيمة فهي ناحية آمنة تماما، ثم وضع على المدخل الجنوبي لهذا الوادي (أي في ظهره) فرقة قوية بقيادة طريف بن مالك؛ حتى لا يباغت أحد ظهر المسلمين، ومن ثم يستطيع أن يستدرج قوات النصارى من الناحية الأمامية إلى هذه المنطقة، ولا يستطيع أحد أن يلتف من حوله، ومن بعيد جاء لذريق في أبهى زينة، يلبس التاج الذهبي والثياب الموشاة بالذهب، وقد جلس على سرير محلى بالذهب يجره بغلين، فلم يستطع أن يتخلى عن دنياه حتى وهو في لحظات الحروب والقتال، وقدم على رأس مائة ألف من الفرسان، وجاء معه بحبال محملة على بغال؛ لتقييد المسلمين بها وأخذهم عبيدا بعد انتهاء المعركة، وهكذا في صلف وغرور ظن أنه حسم المعركة لصالحه؛ فبمنطقه وبقياسه أن اثني عشر ألفا يحتاجون إلى الشفقة والرحمة، وهم أمام مائة ألف من أصحاب الأرض مصدر الإمداد.

وفي الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين من الهجرة يتم اللقاء في وادي برباط، وتدور معركة هي من أشرس المعارك في تاريخ المسلمين، وإن الناظر العادي إلى طرفي المعركة ليدخل في قلبه الشفقة حقا على المسلمين الذين لا يتعدى عددهم الاثني عشر ألفا وهم يواجهون مائة ألف كاملة، فبمنطق العقل كيف يقاتلون فضلا عن أن يَغلبوا؟!

بين الفريقين

رغم المفارقة الواضحة جدا بين الفريقين إلا أن الناظر المحلل ليرى أن الشفقة كل الشفقة على جيش المائة ألف، فالطرفان [خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ]{الحج:19} وشتان بين الخصمين، شتان بين فريق خرج طائعا مختارا، راغبا في الجهاد، وبين فريق خرج مُكرها مضطرا مجبورا على القتال، شتان بين فريق خرج مستعدًا للاستشهاد، مسترخصا الحياة من أجل عقيدته، متعاليًا على كل روابط الأرض ومنافع الدنيا، أسمى أمانيه الموت في سبيل الله، وبين فريق لا يعرف من هذه المعاني شيئا، أسمى أمانيه العودة إلى الأهل والمال والولد، شتان بين فريق يقف فيه الجميع صفا واحدا كصفوف الصلاة، الغني بجوار الفقير، والكبير بجوار الصغير، والحاكم بجوار المحكوم، وبين فريق يمتلك فيه الناس بعضهم بعضا ويستعبد بعضهم بعضا، فهذا فريق يقوده رجل رباني طارق بن زياد يجمع بين التقوى والحكمة، وبين الرحمة والقوة، وبين العزة والتواضع، وذاك فريق يقوده متسلط مغرور، يعيش مترفا مُنعّما بينما شعبه يعيش في بؤس وشقاء وقد ألهب ظهره بالسياط، هذا جيش توزع عليه أربعة أخماس الغنائم بعد الانتصار، وذاك جيش لا ينال شيئا، وإنما يذهب كله إلى الحاكم المتسلط المغرور وكأنما حارب وحده، هذا فريق ينصره الله ويؤيده ربه خالق الكون ومالك الملك سبحانه وتعالى، وذاك فريق يحارب الله ربه ويتطاول على قانونه وعلى شرعه سبحانه وتعالى، وبإيجاز فهذا فريق الآخرة وذاك فريق الدنيا، فعلى من تكون الشفقة إذن؟! على من تكون الشفقة وقد قال سبحانه وتعالى: [كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ] {المجادلة:21} . على من تكون الشفقة وقد قال سبحانه وتعالى: [وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا] {النساء:141} . فالمعركة إذن باتت وكأنها محسومة قبلا.

وادي برباط وشهر رمضان

هكذا وفي شهرمضان بدأت معركة وادي برباط الغير متكافئة ظاهريا والمحسومة بالمنطق الرباني، بدأت في شهر الصيام والقرآن، الشهر الذي ارتبط اسمه بالمعارك والفتوحات والانتصارات، ولكن وللأسف تحول هذا الشهر الآن إلى موعد مع الزمن لإنتاج أحدث المسلسلات والأفلام وغيرها، تحول إلى نوم بالنهار وسهر بالليل لا للقرآن أو للقيام، ولكن لمتابعة أو ملاحقة المعروضات الجديدة على الفضائيات وغير الفضائيات، تحول إلى شهر المراوغة من العمل، وقد كان المسلمون ينتظرونه للقيام بأشق الأعمال وأكدّها، تحول إلى شهر الضيق وافتعال المضايقات، وهو شهر الصبر والجهاد وتهذيب للنفس، ففي هذا الشهر الكريم وقبل العيد بيوم أويومين - وهكذا كانت أعياد المسلمين - وعلى مدى ثمانية أيام متصلة دارت رحى الحرب، وبدأ القتال الضاري الشرس بين المسلمين والنصارى، أمواج من النصارى تنهمر على المسلمين، والمسلمون صابرون صامدون

[رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا] {الأحزاب:23} .

وعلى هذا الحال ظل الوضع طيلة ثمانية أيام متصلة انتهت بنصر مؤزّر للمسلمين بعد أن علم الله صبرهم وصدق إيمانهم، وقتل لذريق وفي رواية أنه فر إلى الشمال، لكنه اختفى ذكره إلى الأبد، وقد تمخض عن هذه المعركة عدة نتائج كان أهمها:

1- طوت الأندلس صفحة من صفحات الظلم والجهل والاستبداد، وبدأت صفحة جديدة من صفحات الرقي والتحضر من تاريخ الفتح الإسلامي.

2- غنم المسلمون غنائم عظيمة كان أهمها الخيول، فأصبحوا خيّالة بعد أن كانوا رجّالة.

3- بدأ المسلمون المعركة وعددهم اثنا عشر ألفا، وانتهت المعركة وعددهم تسعة آلاف، فكانت الحصيلة ثلاثة آلاف شهيد رووا بدمائهم الغالية أرض الأندلس، فأوصلوا هذا الدين إلى الناس، فجزاهم الله عن الإسلام خيرا.

طارق بن زياد وقضية حرق السفن

قبل الانتقال إلى ما بعد وادي برباط كان لا بد لنا من وقفة أمام قضية اشتهرت وذاع صيتها كثيرا في التاريخ الإسلامي بصفة عامة والتاريخ الأوروبي بصفة خاصة، وهي قضية حرق طارق بن زياد للسفن التي عَبَر بها إلى بلاد الأندلس قبل موقعة وادي برباط مباشرة.

فما حقيقة ما يقال من أن طارق بن زياد أحرق كل السفن التي عبر عليها؟ وذلك حتى يحمس الجيش على القتال، وقد قال لهم: البحر من ورائكم والعدو من أمامكم فليس لكم نجاة إلا في السيوف.

في حقيقة الأمر فإن هناك من المؤرخين من يؤكد صحة هذه الرواية، ومنهم من يؤكد بطلانها، والحق أن هذه الرواية من الروايات الباطلة التي أُدخلت إدخالاً على تاريخ المسلمين، وذلك للأسباب الآتية:

أولا: أن هذه الرواية ليس لها سند صحيح في التاريخ الإسلامي، فعلم الرجال وعلم الجرح والتعديل الذي تميز به المسلمون عن غيرهم يحيلنا إلى أن الرواية الصحيحة لا بد أن تكون عن طريق أناس موثوق فيهم، وهذه الرواية لم ترد أبدا في روايات المسلمين الموثوق في تأريخهم، وإنما أتت إلينا من خلال المصادر والروايات الأوروبية التي كتبت عن موقعة وادي برباط.

ثانيا: أنه لو حدث فعلا إحراق لهذه السفن كان لا بد أن يحدث رد فعل من قِبَل موسى بن نصير أو الوليد بن عبد الملك استفسارا عن هذه الواقعة، فكان لا بد أن يكون هناك حوار بين موسى بن نصير وطارق بن زياد حول هذه القضية، ولا بد أن يكون هناك تعليق من الوليد بن عبد الملك، وأيضا لا بد أن يكون هناك تعليق من علماء المسلمين: هل يجوز هذا الفعل أم لا يجوز؟ وكل المصادر التاريخية التي أوردت هذه الرواية وغيرها لم تذكر على الإطلاق أي رد فعل من هذا القبيل؛ مما يعطي شكا كبيرا في حدوث مثل هذا الإحراق.

ثالثا: أن المصادر الأوروبيّة قد أشاعت هذا الأمر؛ لأن الأوروبيين لم يستطيعوا تفسير كيف انتصر اثنا عشر ألفا من المسلمين الرجّالة على مائة ألف فارس من القوط النصارى في بلادهم وعقر دارهم، وفي أرض عرفوها وألفوها؟!

ففي بحثهم عن تفسير مقنع لهذا الانتصار الغريب قالوا: إن طارقا قام بإحراق سفنه لكي يضع المسلمين أمام إحدى هاتين: الغرق في البحر من ورائهم، أو الهلاك المحدق من قبل النصارى من أمامهم، وكلا الأمرين موت محقق؛ ومن ثم فلم يكن هناك حلا لهذه المعادلة الصعبة إلا بالاستماتة في القتال للهروب من الموت المحيط بهم، فكانت النتيجة الطبيعية الانتصار، أما إذا كانت الظروف طبيعية لكانوا قد ركبوا سفنهم وانسحبوا عائدين إلى بلادهم.

وهكذا فسّر الأوروبيين النصارى السر الأعظم في انتصار المسلمين في وادي برباط، وهم معذورون في ذلك؛ فهم لم يُجربوا ولم يفقهوا القاعدة الإسلامية المشهورة والمسجلة في كتابه سبحانه وتعالى والتي تقول:

[كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] {البقرة:249}.

فالناظر في صفحات التاريخ الإسلامي يجد أن الأصل هو أن ينتصر المسلمون وهم قلة على أعدائهم الكثيرين، بل ومن العجيب أنه إذا زاد المسلمون على أعدائهم في العدد فتكون النتيجة هي الهزيمة للمسلمين، وذلك هو ما حدث يوم حنين [وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ] {التوبة:25} .

ومن هنا فقد حاول الأوروبيون على جهل منهم وسوء طوية أن يضعوا هذا التفسير وتلك الحجة الواهية حتى يثبتوا أن النصارى لم يُهزموا في ظروف متكافئة، وأن المسلمين لم ينتصروا إلا لظروف خاصة جدا.

رابعا: متى كان المسلمون يحتاجون إلى مثل هذا الحماس التي تُحرّق فيه سفنهم؟! وماذا كانوا يفعلون في مثل هذه المواقف- وهي كثيرة- والتي لم يكن هناك سفن ولا بحر أصلا؟! فالمسلمون إنما جاءوا إلى هذه البلاد راغبين في الجهاد طالبين الموت في سبيل الله؛ ومن ثم فلا حاجة لهم بقائد يحمسهم بحرق سفنهم وإن كان هذا يعد جائزا في حق غيرهم.

خامسا: ليس من المعقول أن قائدا محنكا مثل طارق بن زياد رحمه الله يقدم على إحراق سفنه وإحراق خط الرجعة عليه، فماذا لو انهزم المسلمون في هذه المعركة وهو أمر وارد وطبيعي جدا؟ ألم يكن من الممكن أن تحدث الكرة على المسلمين خاصة وهم يعلمون قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ] {الأنفال:15،16}

فهناك إذن احتمال من أن ينسحب المسلمون من ميدان المعركة؛ وذلك إما متحرفين لقتال جديد، وإمّا تحيزا إلى فئة المسلمين، وقد كانت فئة المسلمين في المغرب في الشمال الأفريقي، فكيف إذن يقطع طارق بن زياد على نفسه التحرف والاستعداد إلى قتال جديد، أو يقطع على نفسه طريق الانحياز إلى فئة المسلمين؟!

ومن هنا فإن مسألة حرق السفن هذه تعد تجاوزا شرعيا كبيرا لا يقدم عليه من هو في ورع وعلم طارق بن زياد رحمه الله، وما كان علماء المسلمين وحكّامهم ليقفوا مكتوفي الأيدي حيال هذا الفعل إن كان قد حدث.

سادسا: وهو الأخير في الرد على هذه الرواية أن طارق بن زياد كان لا يملك كل السفن التي كانت تحت يديه؛ فبعضها كان قد أعطاها له يوليان صاحب سبتة بأجرة ليعبر عليها ثم يعيدها إليه بعد ذلك فيعبر بها هو (يوليان) إلى إسبانيا كما وضحنا سابقا، ومن ثم فلم يكن من حق طارق بن زياد إحراق هذه السفن.

لكل هذه الأمور نقول: إن قصة حرق السفن هذه قصة مختلقة، وما أُشيعت إلا لتهون من فتح الأندلس وانتصار المسلمين.

طارق بن زياد بعد وادي برباط

بعد النصر الكبير الذي أحرزه المسلمون في وادي برباط ورغم فقدهم ثلاثة آلاف شهيد، وجد طارق بن زياد أن هذا الوقت هو أفضل الفرص لاستكمال الفتح وإمكان تحقيقه بأقل الخسائر؛ وذلك لما كان يراه من الأسباب الآتية:

1- النتيجة الحتمية لانتصار اثني عشر ألفا على مائة ألف، وهي الروح المعنوية العالية لدى جيش المسلمين.

2- وفي مقابل ذلك ما كان من أثر الهزيمة القاسية على القوط النصاري، والتي جسدت انعدام تلك الروح وفقدانها تماما

3- وإضافة إلى انعدام الروح المعنوية فقد قتل من القوط النصارى وتفرق منهم الكثير؛ فأصبحت قوتهم من الضعف والهوان بمكان كبير.

4- وجد طارق بن زياد أن كون لذريق المستبد بعيدا عن الناس وعن التأثير فيهم؛ وذلك كونه قُتل أو فر، وكون الناس له كارهين- وجد أن في هذا فرصة كبيرة لأن يُعلّم الناس دين الله سبحانه وتعالى، ومن ثم فقد يقبلوه ويدخلون فيه.

5- لم يضمن طارق بن زياد أن يظل يوليان صاحب سبتة على عهده معه مستقبلا؛ ومن ثم فعليه أن ينتهز هذه الفرصة ويدخل بلاد الأندلس مستكملا الفتح.

ولهذه الأسباب فقد أخذ طارق بن زياد جيشه بعد انتهاء المعركة مباشرة واتجه شمالا لفتح بقية بلاد الأندلس، فاتجه إلى إشبيلية وكانت أعظم مدن الجنوب على الإطلاق، وكانت تتميز بحصانتها وارتفاع أسوارها وقوة حاميتها، لكن رغم كل هذا فقد تحقق فيها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يرويه البخاري عن جَابِر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً .

ففتحت المدينة أبوابها للمسلمين دون قتال، وصالحت على الجزية، ولا بد هنا وقبل استكمال مسيرة الفتح من وقفة مع مصطلح الجزية لبيان كنهه وحقيقته.

الجزية في الإسلام

لم يكن المسلمون بدعا بين الأمم حين أخذوا الجزية من البلاد التي فتحوها ودخلت تحت ولايتهم، فإن أخذ الأمم الغالبة للجزية من الأمم المغلوبة أمر حدث كثيرا ويشهد به التاريخ، ورغم ذلك فقد كثر الكلام حول أمر الجزية في الإسلام، ودعوة القرآن لأخذها من أهل الكتاب، حتى رأى البعض أن الجزية هذه ما هي إلا صورة من صور الظلم والقهر، والإذلال للشعوب التي دخلت تحت ولاية المسلمين، وهذا فيه إجحاف كبير ومغايرة للحقيقة، نحن بصدد الكشف عنه وبيانه فيما يلي:

أولا: تعريف الجزية

الجزية في اللغة مشتقة من مادة (ج ز ي) بمعنى جَزاهُ بما صنع، تقول العرب: جزى يجزي، إذا كافأ عما أسدي إليه، والجزية مشتق من المجازاة على وزن فِعلة، بمعنى أنهم أعطوها جزاءَ ما مُنحوا من الأمن.

وهي في الاصطلاح تعني: ضريبة يدفعها أهل الكتاب بصفة عامة، ويدفعها المجوس والمشركون في آراء بعض الفقهاء الغالبة، نظير أن يدافع عنهم المسلمون، وإن فشل المسلمون في الدفاع عنهم ترد إليهم جزيتهم وقد تكرر هذا في التاريخ الإسلامي كثيرا.

ثانيا: على من تُفرض الجزية:

من رحمة الإسلام وعدله أن خص بالجزية طائفة ومنعها عن آخرين، فهي:

- تؤخذ من الرجال ولا تؤخذ من النساء.

- تؤخذ من الكبار البالغين ولا تؤخذ على الأطفال.

- تؤخذ من الأصحاء ولا تؤخذ على المرضى وأصحاب العاهات الغير قادرين على القتال.

- تؤخذ من الغني ولا تؤخذ من الفقير، بل إن الفقير من أهل الكتاب (النصارى واليهود) والمجوس والمشركين قد يأخذون من بيت مال المسلمين إن كانوا

في بلد يحكم فيها بالإسلام.

فهي تؤخذ من القادرين الذين يستطيعون القتال فقط، ولا تؤخذ من القادرين الذين تفرغوا للعبادة.

ثالثا: قيمة الجزية

لا حظ إذن لمن طعن في أمر الجزية وقال بأنها من صور الظلم والقهر والإذلال للشعوب، خاصة حين يعلم أنها تُدفع في مقابل الزكاة التي يدفعها المسلمون، بل ما الخطب إذا علم أن قيمة الجزية هذه أقل بكثير من قيمة ما يدفعه المسلمون في الزكاة؟

في هذا الوقت الذي دخل فيه المسلمون الأندلس كان قيمة ما يدفعه الفرد (ممن تنطبق عليه الشروط السابقة) من الجزية للمسلمين هو دينارا واحدا في السنة، بينما كان المسلم يدفع 5ر2% من إجمالي ماله إن كان قد بلغ النصاب وحال عليه الحول، و في حالة إسلام الذمي تسقط عنه الجزية، وإذا شارك مع المسلمين في القتال دفعوا له أجره، فالمبالغ التي كان يدفعها المسلمون في الزكاة كانت أضعاف ما كان يدفعه أهل الكتاب وغيرهم في الجزية، تلك الزكاة التي هي نفسها أقل من أي ضريبة في العالم؛ فهناك من يدفع 10 و20% ضرائب، بل هناك من يدفع 50 وأحيانا 70% ضرائب على ماله، بينما في الإسلام لا تتعدى الزكاة 5ر2% ، فالجزية كانت أقل من الزكاة المفروضة على المسلمين، وهي بهذا تعد أقل ضريبة في العالم، بل كانت أقل بكثير مما كان يفرضه أصحاب الحكم أنفسهم على شعوبهم وأبناء جلدتهم.

وفوق ذلك فقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ألا يُكلّف أهل الكتاب فوق طاقاتهم، بل توعّد صلى الله عليه وسلم من يظلمهم أو يُؤذيهم فقال في الحديث الشريف الذي رواه أبو داود والبيهقي في سننهما: أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوْ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. أي أنا الذي أخاصمه وأحاجه يوم القيامة.

يتبع

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
هادى كتب :

يا أخي الحبيب

إن كنت انت (لا تستطيع الاعتقاد بصحة هذا الكلام)

و (هذا الكلام) ما هو إلا آية محكمة في كتاب الله و حديث صحيح من رسوله الخاتم

فبأي كلام ستعتقد وتقتنع ؟

بالرأي .. بالعقل .. بالميل .. بالرأى و أظن و أتصور

والله لا ارضاها لك يا استاذي

ولعلك تلاحظ في اقتباسك السابق

ستجد ان اخي الاستاذ (صبح) قد أورد في كلامه أعلى درجات الدليل الشرعي

وهو تفسير القرآن بالحديث الصحيح

فأي دليل بعد ذلك

وأي تعقيب بعد كلام الله وشرح رسوله ؟

أخى العزيز هادى

أستسمحك فى أن ننقل نقاشنا إلى موضوع (كيف نرد على من يقول إن الإسلام انتشر بالسيف) حتى نترك المجال للأخ "صبح" ليفرغ من عمله المشكور فى هذا الموضوع .. ولو ذهبت إلى هناك ستجدنى قد توجهت إليك برجاء أرجو ألا ترده

رجاء آخر : ما اقتبسته من ردك غريب علىّ وعليك .. فلم أعهد فيك شخصنة الحوار .. ولم أعهد فيك القفز إلى استنتاجات .. ولم أعهد فيك وضع الكلام فى أفواه الآخرين

حفظك الله لأخيك

أبومحمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الفصل الثالث: عهد الولاة

طارق بن زياد يتجه فاتحا نحو الشمال

توجه طارق بن زياد بعد فتح أَشبيليّة إلى مدينة أَسْتُجّة، و هي أيضا من مدن الجنوب، وفي أستجة قاتل المسلمون قتالا عنيفا، لكنه - بلا شك - أقل مما كان في وادي برباط؛ فقد فَقَدَ النصارى معظم قواتهم في موقعة وادي برباط، وقبل أن ينتصر المسلمون في آواخر المعركة فتح النصارى أبوابهم وقالوا قد صالحنا على الجزية.

وثمة فارق كبير جدا بين أن يصالح النصارى على الجزية، وبين أن يفتح المسلمون المدينة فتحا؛ لأنه لو فتح المسلمون هذه المدينة فتحا (أي بالقتال) لكان لهم أن يأخذوا كل ما فيها، أمّا إن صالح النصارى على الجزية، فإنهم يظلون يملكون ما يملكون ولا يدفعون إلا الجزية، والتي كانت تقدّر آنذاك بدينار واحد في العام كما وضحنا سابقا.

ومن أستجة وبجيش لا يتعدى التسعة آلاف رجل يبدأ طارق بن زياد بإرسال السرايا لفتح المدن الجنوبية الأخرى، وينطلق هو بقوة الجيش الرئيسة في اتجاه الشمال حتى يصل إلى طُلَيْطِلة عاصمة الأندلس في ذلك الزمن، فقد بعث بسرية إلى قرطبة، وسرية إلى غِرناطة، وسرية إلى مَالْقة، وسرية إلى مُرْسِيَه، وهذه كلها من مدن الجنوب المنتشرة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، والمطلة على مضيق جبل طارق، وكان كل من هذه السرايا لا يزيد عدد الرجال فيها عن سبعمائة رجل، ومع ذلك فقد فُتحت قرطبة على قوتها وعظمتها بسرية من تلك التي لا تتعدى السبعمائة رجل [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى] {الأنفال:17}. ثم ظل طارق بن زياد رحمه الله متوجها ناحية الشمال حتى وصل إلى مدينة جَيّان وهي من مدن النصارى الحصينة جدا.

طارق بن زياد على أعتاب طُليطلة

كان موسى بن نصير رحمه الله الذي اتسم بالحكمة والأناة كان قد أوصى طارق بن زياد ألا يتجاوز مدينة جَيّان أو لا يتجاوز مدينة قرطبة، و أمره ألا يسرع في الفتح في طريقه إلى العاصمة طليطلة حتى لا يحوطه جيش النصارى.

لكن طارق بن زياد وجد أن الطريق أمامه مفتوحًا، ووجد أن الطريق إلى طليطلة ليس فيه من الصعوبة شيء؛ فاجتهد برأيه، وعلى خلاف رأي الأمير موسى بن نصير وجد أن هذا هو الوقت المناسب لفتح طليطلة العاصمة، وقد كانت تعد أحصن مدن النصارى على الإطلاق، فرأى أنه إن هاجمها في هذه الفترة التي يكتنف النصارى فيها ضعفا شديدا لا يستطيعون معه مقاومة جيش المسلمين فقد يتمكن من فتحها، الأمر الذي قد يتعذر بعد ذلك فلا يستطيع فتحها.

وكان الأفضل في هذا الأمر أن يستشير طارق بن زياد موسى بن نصير في المغرب، وأن يرسل إليه ولو رسالة يشرح له فيها طبيعة الموقف، وأن الطريق مهيأ أمامه لفتح طليطلة، ويستوضح رأيه ورده في ذلك.

أما طارق بن زياد فقد أسرع في اتجاه طليطلة دون استئذان من موسى بن نصير، وكان موسى بن نصير قد علم بتقدم طارق لفتح طليطلة، ولكن لطول المسافات لم يستطع أن يلحق به فيكون مددا له.

كانت مدينة طليطلة من أحصن مدن الأندلس، بل هي أحصن مدينة في الأندلس؛ فقد كانت محاطة بجبال من جهة الشمال والشرق والغرب، أما الجهة المفتوحة وهي الجنوب فعليها حصن كبير جدا.

ومع ذلك فقد فتحت أبوابها لطارق بن زياد وصالحت على الجزية.

موسى بن نصير يأمر طارقا بالكف عن الفتوحات ويجهز نفسه لمدده

تقدم طارق بن زياد بهذه السرعة في بلاد الأندلس لم ينل قبولا لدى موسى بن نصير؛ إذ وجد فيه تهورا كبيرا لا يُؤْمن عواقبه، وكان قد عُرف عن موسى بن نصير الأناة والحكمة والصبر في كل فتوحاته في شمال أفريقيا حتى وصل إلى المغرب، ومن ثم فقد بعث برسالة شديدة اللهجة إلى طارق بن زياد يأمره فيها بالكف عن الفتح وبالانتظار حتى يصل إليه؛ وذلك خشية أن تلتف حوله الجيوش النصرانية.

وفي أثناء ذلك بدأ موسى بن نصير يُعد العدة لإمداد طارق بن زياد بعد أن انطلق إلى هذه الأماكن البعيدة الغائرة في وسط الأندلس، فجهز من المسلمين ثمانية عشر ألفا.

ولكن من أين جاءوا وقد كان جيش الفتح لا يتعدى الاثنا عشر ألفا؟!

وذلك أن الناس من مشارق الأرض و مغاربها قد انهمروا على أرض الأندلس حين علموا أن فيها جهادا، فقد كان جل الاثني عشر ألف مسلم الذين فتحوا الأندلس مع طارق بن زياد من البربر، أما هؤلاء الثمانية عشر ألفا فهم من العرب الذين جاءوا من اليمن والشام والعراق، اجتازوا كل هذه المفاوز البعيدة حتى وصلوا إلى بلاد المغرب، ثم عبروا مع موسى بن نصير إلى بلاد الأندلس نصرة ومددا لطارق بن زياد.

موسى بن نصير وأعمال عظام في طريقه إلى طارق بن زياد

عبر موسى بن نصير بجيشه إلى بلاد الأندلس وكان ما توقعه؛ فقد وجد أن النصارى قد نقضوا عهدهم مع طارق في أَشبيليّه، وهي المدينة الحصينة الكبيرة التي كانت قد صالحت طارقا على الجزية، وكانوا قد جهّزوا العدة كي يأتوا طارقا من خلفه، ولكن يُقدّر الله أن يفاجَئوا بجيش موسى بن نصير رضي الله عنه وهو قادم فيحاصر أشبيليه.

كان موسى بن نصير قائدا محنّكا، له نظرة واعية وبُعد نظر ثاقب، ولم يكن يومًا كما يدعي أناس أنه عطّل طارق بن زياد عن الفتح حسدا أن ينسب إليه وحده فتح بلاد الأندلس، ومن ثم أراد أن يُشْرَك في الأمر معه.

فإن طارق بن زياد من عمال موسى بن نصير، وواليه على الأندلس، وحسنات طارق بن زياد تعد في ميزان موسى بن نصير رحمهما الله؛ فقد دخل الإسلام على يديه، وقد كان أقصى مراد موسى بن نصير هو النصر لجيش المسلمين وعدم الهلكة له بعيدا عن أرضه. ومن ثم فقد قدم موسى بن نصير وحاصر أشبيليه حصارا شديدا غاب مداه شهورا حتى فتحت أبوابها أخيرا، ثم جوّزها موسى بن نصير إلى الشمال، ولم يكن يفتح المناطق التي فتحها طارق بن زياد، وإنما اتجه ناحية الشمال الغربي وهو الاتجاه الذي لم يسلكه طارق بن زياد؛ فقد أراد استكمال الفتح ومساعدة طارق بن زياد وليس أخذ النصر أو الشرف منه.

واصل موسى بن نصير سيره نحو طارق بن زياد وفي طريقه فتح الكثير من المناطق العظيمة حتى وصل إلى منطقة تسمى مَرْدَه، كل هذا وطارق بن زياد في طليطلة ينتظر قدومه، وكانت مرده هذه من المناطق التي تجمّع فيها كثير من القوط النصارى، فحاصرها موسى بن نصير حصارا بلغ مداه أيضا شهورا، كان آخرها شهر رمضان، ففي أواخره وفي عيد الفطر المبارك وبعد صبر طويل فتحت المدينة أبوابها، وصالح أهلها موسى بن نصير على الجزية، فهكذا كانت تمر الأعياد على المسلمين.

لم يكتف موسى بن نصير بذلك، بل أرسل ابنه عبد العزيز بن موسى بن نصير رضي الله عنهم الذي تربى كأبيه وجده على الجهاد؛ ليفتح مناطق أوسع ناحية الغرب، وقد توغل عبد العزيز في الغرب كثيرا، حتى إنه في فترات معدودة فتح كل غرب الأندلس والتي تسمى حاليا دولة البرتغال، فقد وصل إلى لشبونة وفتحها ثم فتح البلاد التي في شمالها، وبهذا يُعد عبد العزيز بن موسى بن نصير فاتح البرتغال.

موسى بن نصير وطارق بن زياد.. لقاء الأبطال واستكمال الفتح

ذكرت بعض المصادر أنه لما التقى موسى بن نصير وطارق بن زياد أمسك موسى بطارق وعنفه ووبّخه، بل تذكر أنه قيّده وضربه بالسوط. والحقيقة أن مثل هذا لم يأت إلا من خلال الروايات الأوروبية فقط، وهو لم يحدث على الإطلاق، والذي حدث أن موسى بن نصير قد عنّف طارق بن زياد بالفعل على معصيته له بعدم البقاء في قرطبة أو جيّان واستمراره حتى طليطلة كما ذكرنا، وقد كان تعنيفا سريعا إلا أنه كان لقاء حارا بين بطلين افترقا منذ سنتين كاملتين، منذ رمضان سنة اثنتين وتسعين من الهجرة وحتى ذي القعدة سنة أربع وتسعين.. فقد أخذت الحملة التي قادها طارق بن زياد حتى وصل إلى طليطلة عاما كاملا، وكذلك استغرقت الحملة التي قادها موسى بن نصير حتى قابل طارق في نفس المكان عاما كاملا.

وبعد اللقاء اتحدا سويا واتجها معا إلى فتح منطقة الشمال والشمال الشرقي والشمال الغربي، فبدآ بمنطقة الشمال ومرّا بمناطق عدة، كان منها على سبيل المثال منطقة برشلونة ففتحاها سويا (الكثير لا يعلم عن برشلونة إلا أن هذا اسم فريق كرة قدم متميز، ولم يدر بخلده أنه في يوم ما كان قد دخلها المسلمون الفاتحون وحكّموا فيها شرع الله سبحانه وتعالى).

وهكذا كانت همم الأجداد المسلمين التي ناطحت السحاب، فقد اتجها بعد ذلك سويا إلى مدينة سَرَقُسْطَة وهي أعظم مدن الشمال الشرقي ففتحوها، واتجها أيضا إلى منطقة شمال الوسط، ثم إلى الشمال الغربي.

وفي منطقة الشمال قام موسى بن نصير بعمل يُحسد عليه؛ فقد أرسل سرية خلف جبال البِرِينيه، وهي الجبال التي تفصل بين فرنسا وبلاد الأندلس، وتقع في الشمال الشرقي من بلاد الأندلس، عبرت هذه السرية جبال البرينيه ثم وصلت إلى مدينة تُسمّى أربونة، وتقع هذه المدينة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وبذلك يكون موسى بن نصير قد أسس نواة لمقاطعة إسلامية سوف تكبر مع الزمان كما سيأتي بيانه بمشيئة الله.

وبعد هذه السرية الوحيدة التي فتحت جنوب غرب فرنسا اتجه موسى بن نصير بجيشه إلى الشمال الغربي حتى وصل إلى آخره، وقد ظل المسلمون يفتحون مدن الأندلس المدينة تلو الأخرى حتى تم الانتهاء من فتح كل بلاد الأندلس، إلا منطقة واحدة في أقصى مناطق الشمال الغربي وتُسمى منطقة الصخرة أو صخرة بيليه، وهي تقع على خليج بسكاي عند التقائه مع المحيط الأطلنطي.

ففي زمن قُدّر بثلاث سنوات ونصف السنة، ابتدأ من سنة اثنتين وتسعين من الهجرة، وانتهى في آخر سنة خمس وتسعين من الهجرة كان قد تم للمسلمين فتح كل بلاد الأندلس خلا صخرة بيليه هذه، ورغم أن المسلمين حاصروها حصارا طويلا إلا أنهم لم يستطعوا أن يفتحوها، وعزم موسى بن نصير رحمه الله على أن يتم فتح هذه الصخرة ويستكمل الفتح إلى نهايته، إلا أنه حدث ما لم يجل بخاطره.

رسالة الوليد بن عبد الملك ووقف الفتوحات

من أقصى بلاد المسلمين من دمشق من أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك تصل رسالة إلى موسى بن نصير وطارق بن زياد بأن يعودا أدراجهما إلى دمشق ولا يستكملا الفتح، أمر عجيب وغريب! حزن له موسى بن نصير وأسف أشد الأسف، لكن لم يكن بُدّا من الاستجابة والعودة كما أُمر.

ولنا أن نندهش مع موسى بن نصير لماذا هذا الأمر الغريب؟! ولماذا كان في هذا التوقيت بالذات؟! إلا أن هذه الدهشة سرعان ما تتبخر حين نعلم سبب ذلك عند الوليد بن عبد الملك، وكان ما يلي:

1- كان الوليد بن عبد الملك يشغله همّ توغل المسلمين بعيدا عن ديارهم، فهو المسئول عن المسلمين الذين انتشروا في كل هذه المناطق الواسعة، وقد رأى أن المسلمين توغلوا كثيرا في بلاد الأندلس في وقت قليل، وخشي رحمه الله أن يلتف النصارى من جديد حول المسلمين، فإن قوة المسلمين مهما تزايدت في هذه البلاد، فهي قليلة وبعيدة عن مصدر إمدادها، فأراد ألا يتوغل المسلمون أكثر من هذا.

2- كان من الممكن للوليد بن عبد الملك أن يوقف الفتوح دون عودة موسى بن نصير وطارق بن زياد، لكن كان هناك أمر آخر عجيب قد سمعه الوليد بن عبد الملك جعله يُصرّ على عودة موسى بن نصير وطارق بن زياد إلى دمشق، وهو أنه قد وصل إلى علمه أن موسى بن نصير يريد بعد أن ينتهي من فتح بلاد الأندلس أن يفتح كل بلاد أوروبا حتى يصل إلى القسطنطينية من الغرب.

كانت القسطنطينية قد استعصت على المسلمين من الشرق، وكثيرا ما ذهبت جيوش الدولة الأموية إليها ولم تُوفّق في فتحها. وهنا فكر موسى بن نصير أن يخوض كل بلاد أوروبا، فيفتح فرنسا ثم إيطاليا ثم يوغوسلافيا ثم رومانيا ثم بلغاريا ثم منطقة تركيا، حتى يصل إلى القسطنطينية من جهة الغرب،

أي أنه سيتوغل بالجيش الإسلامي في عمق أوروبا منقطعا عن كل مدد. فأرعب هذا الأمر الوليد بن عبد الملك، وفكر فيما لو احتاج هذا الجيش إلى مدد؟ فالمدد على بعد شهور منه، ويفصل بينه وبين بلاد المسلمين بحار وجبال وأراض واسعة، فخشي الوليد بن عبد الملك على جيش المسلمين من الهلكة وعجل بأمر عودة موسى بن نصير وطارق بن زياد.

هِمّة عالية

وهنا لا بد لنا أن نقف وقفة عند هذه الهمّة العالية التي كانت بادية عند موسى بن نصير، خاصة إذا علمنا أنه عندما كان يفكر هذا التفكير كان يبلغ من العمر خمسة وسبعين سنة.

فلله دره.. شيخ كبير ومع ذلك يجاهد في سبيل الله ويركب الخيول ويفتح المدينة تلو المدينة، يحاصر أشبيليّة شهورا ويحاصر مرده شهورا، ثم يفتح برشلونة وسرقسطة والشمال الشرقي، ثمّ يتجه إلى الشمال الغربي ويتجه إلى الصخرة فيحاصرها، ثم يريد أن يفتحها ويتجه إلى فرنسا وإيطاليا وغيرها حتى يصل إلى القسطنطينيّة.

أي همّة هذه التي عند هذا الشيخ الكبير التي تجعله يفعل كل هذا ويؤمّل لهذا التفكير وسنه خمس وسبعون سنة! إنه ليضرب المثل لرجالات المسلمين اليوم وشيوخهم الذين بلغوا سنه أو أقل منه وظنوا أنهم قد (خرجوا على المعاش) وانتهت رسالتهم بخروجهم هذا، فهي رسالة واضحة لهم بأن رسالتهم في الحياة لم تنته بعد، فمن لتعليم الأجيال؟! ومن لتوريث الخبرات؟! ومن لتصحيح المفاهيم؟!

فقد بدأ موسى بن نصير فتح الشمال الإفريقي وقد تجاوز أكثر من ستين سنة، أي تجاوز سن المعاش في زمننا هذا، ثم وهو في سن الخامسة والسبعين يحزن حزنا شديدا ولكن على ماذا كان حزنه؟

حزن أولا على أمر الوليد بن عبد الملك له بتركه أرض الجهاد، فقد كان متشوقا جدا له؛ ليتعرض للشهادة لكنها لم تصبه. ثم حزن ثانيا حزنا شديدا لأن الصخرة لم تفتح بعد، ثم حزن ثالثا وكان حزنه أشد لأنه لم يستكمل حلم فتح القسطنطينية من قِبَل الغرب كما كان يتمنى.

عودة وأُمنية..

لم يجد موسى بن نصير إلا أن يسمع و يطيع لأمر الوليد بن عبد الملك، فأخذ طارق بن زياد وعاد أدراجه إلى دمشق، وعندما وصل وجد الوليد بن عبد الملك في مرض الموت، وما هي إلا ثلاثة أيام حتى مات وتولى الخلافة من بعده أخوه سليمان بن الملك، وكان على رأي أخيه في استبقاء موسى بن نصير في دمشق خوفا على هلكة جيش المسلمين في توغله داخل بلاد أوروبا نحو القسطنطينية.

وبعد عام من قدوم موسى بن نصير وسنة سبع وتسعين من الهجرة كان سليمان بن عبد الملك ذاهبا إلى الحج، الأمر الذي وافق اشتياقا كبيرا من قِبَل موسى بن نصير؛ فقد عاش في أرض الجهاد في شمال أفريقيا وبلاد الأندلس أكثر من عشر سنين لم يعد فيها مرة واحدة، فما كان منه إلا أن رافق سليمان بن عبد الملك في طريقه إلى الحج في ذلك العام.

وفي طريقه إلى هناك قال موسى بن نصير: اللهم إن كنت تريد ليَ الحياة فأعدني إلى أرض الجهاد، وأمتني على الشهادة، وإن كنت تريد ليَ غير ذلك فأمتني في مدينة رسول الله صلى الله عليه و سلم. ووصل رضي الله عنه إلى الحج، وبعد حجه وفي طريق عودته مات في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دفن مع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

وهكذا كانت همم الصالحين وقلوب الموصولين برب العالمين، بلغ من العمر عِتِيّا إلا أنه قَدّم أكثر مما عاش، ظل قلبه معلقا بحب ربه سبحانه وتعالى حتى دعاه فكانت الخاتمة وكانت الإجابة، عاش بين الأسنّة في أقصى بلاد الأندلس إلا أنه مات بعد الحج في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلله دره من قائد وقدوة.

أما رفيق الدرب طارق بن زياد فقد انقطعت أخباره كلية عند هذه المرحلة عند عودته إلى دمشق مع موسى بن نصير، ولا أحد يدري هل عاد مرة أخرى إلى الأندلس أم بقي في دمشق؟! وإن كان هناك بعض الروايات التي لم يتوثق من صحتها تقول أنه توفي سنة مائة واثنتين أي بعد العودة من الأندلس بخمس أو ست سنين تقريبا، لكن لم يعرف أفي دمشق أم في غيرها.

الصخرة.. والدرس الصعب

عاد موسى بن نصير وطارق بن زياد من الأندلس بعد أن تخطى المسلمون بلاد الأندلس ووصلوا بفتوحاتهم إلى غرب فرنسا، إلا أنه كانت هناك منطقة صغيرة جدا في أقصى الشمال الغربي من بلاد الأندلس لم تفتح بعد، ولم يخطر على بال أحد من المسلمين أنه سيأتي يوم ما وتكون تلك المنطقة هي نواة الممالك النصرانية التي ستنشأ فيما بعد، وصاحبة اليد الطولى في سقوط الأندلس بعد ذلك بقرون.

تلك هي منطقة الصخرة التي لم يستكمل المسلمون فتحها وتهاونوا فيها، وكان فيها طائفة كبيرة من النصارى، و أغلب الظن أنه لو كان موسى بن نصير أو طارق بن زياد في هذا المكان ما تركوها، إلا أننا نستطيع أن نقول: إن التهاون في أمر بسيط جدا قد يؤدي إلى ويلات عظيمة على مرور الزمن، فلا بد أن يأخذ المسلمون كل أمورهم بالعزم والحزم وعدم الطمأنينة إلا في استكمال النهايات على أتمها.

انتهاء عهد الفتح

برجوع موسى بن نصير وطارق بن زياد إلى دمشق تكون قد انتهت فترة هي من أهم الفترات في تاريخ الأندلس، وقد أُطلق عليها في التاريخ عهد الفتح؛ حيث إن تاريخ الأندلس يُقسّم إلى فترات أو عهود بحسب طريقة الحكم وبحسب نظام المُلك في هذه الفترات، وعهد الفتح هذا كان قد بدأ سنة اثنتين وتسعين من الهجرة، وانتهى سنة ست وتسعين من الهجرة أو أواخر خمس وتسعين.

وبهذا يكون عهد الفتح قد ظل ثلاث سنوات ونصف السنة فقط، وهذا بحساب كل العسكريين يُعدّ معجزة عسكريّة بكل المقاييس، معجزة عسكرية أن تفتح كل هذه البلاد بكل الصعوبات الجغرافيّة التي فيها من جبال وأنهار وأرض مجهولة للمسلمين، معجزة عسكرية أن يتمكن المسلمون في ثلاث سنوات ونصف فقط من السيطرة على بلاد الأندلس خلا هذه المنطقة الصغيرة في أقصى الشمال الغربي والتي تسمى منطقة الصخرة أو صخرة بليه، معجزة عسكرية لم توجد إلا في تاريخ المسلمين.

عهد الولاة

بعد انتهاء عهد الفتح السابق يبدأ عهد جديد في تاريخ الأندلس يسمى في التاريخ عهد الولاة، وهو يبدأ من سنة ست وتسعين من الهجرة ويستمر مدة اثنين وأربعين عاما حيث ينتهي سنة مائة وثمان وثلاثين من الهجرة.

وعهد الولاة يعني أن حُكم الأندلس في هذه الفترة كان يتولاه واليا يتبع الحاكم العام للمسلمين، وهو الخليفة الأموي الموجود في بلاد الشام في دمشق.

كان أول الولاة ولاية على الأندلس هو عبد العزيز بن موسى بن نصير وذلك بأمر من سليمان بن عبد الملك رحمه الله، وكان كأبيه في جهاده وتقواه وورعه، كان يقول عنه أبوه موسى بن نصير: عرفته صوّاما قوّاما. فحكم الأندلس ووطّد فيها الأركان بشدة، وتوالى من بعده الولاة.

إذا نظرنا إلى عهد الولاة الذي استمر اثنين وأربعين عاما نرى أنه قد تعاقب فيها على حكم الأندلس اثنين وعشرون واليا.. أو عشرون واليا تولى منهم اثنان مرتين.. فيصبح مجموع فترات حكم الأندلس اثنين وعشرين فترة خلال اثنتين وأربعين سنة، أي أن كل والٍ حكم سنتين أو ثلاث سنوات فقط.

ولا شك أن هذا التغيير المتتالي للحكام قد أثّر تأثيرا سلبيا على بلاد الأندلس، إلا أن هذا التغيير المتتالي كان له ما يبرره؛ حيث كان هناك في بادئ الأمر كثير من الولاة الذين يستشهدون أثناء جهادهم في بلاد فرنسا، وبعد مرحلة ما كان هناك أيضا كثير من الولاة الذين يُغيَّرون عن طريق المكائد والانقلابات والمؤامرات وما إلى ذلك.

أي أن هناك فترتين من عهد الولاة، الفترة الأولى تختلف بالكلية عن الفترة الثانية، ومن هنا نستطيع أن نقسم عهد الولاة بحسب طريقة الإدارة وطريقة الحكم إلى فترتين رئيسيتين، الفترة الأولى وهي فترة جهاد وفتوح وعظمة للإسلام والمسلمين، وتمتد من بداية عهد الولاة من سنة ست وتسعين من الهجرة، وحتى سنة مائة وثلاثة وعشرين من الهجرة، أي سبع وعشرين سنة.

أما الفترة الثانية فهي فترة ضعف ومؤامرات ومكائد وما إلى ذلك، وتستمر من سنة مائة وثلاثة وعشرين من الهجرة وحتى سنة مائة وثمانية وثلاثين من الهجرة، أي مدة خمس عشرة سنة، وفي تناولنا لفترتي عهد الولاة هاتين لن ندخل في ذكر تفاصيل كل منهم، وإنما سنقتصر فقط على بعض الولاة لما لهم من الأهمية في دراستنا هذه.

الفترة الأولى

بصفة إجمالية فقد تميزت الفترة الأولى من عهد الولاة بعدة أمور، كان من أهمها:

1- نشر الإسلام في بلاد الأندلس

وذلك أن المسلمين بعد أن تمكنوا من توطيد أركان الدولة الإسلامية في هذه البلاد بدءوا يُعلمون الناس الإسلام، ولأن الإسلام دين الفطرة فقد أقبل عليه أصحاب الفِطَر السوية من الناس عندما عرفته، واختارته بلا تردد.

وجد الأسبان في الإسلام دينا متكاملا شاملا ينتظم كل أمور الحياة، وجدوا فيه عقيدة واضحة وعبادات منتظمة، وجدوا فيه تشريعات في السياسة والحكم والتجارة والزراعة والمعاملات، وجدوا فيه تواضعا كبيرا جدا للقادة، ووجدوا فيه كيفية التعامل والتعايش مع الأخ والأب والأم والزوجة والأبناء والجيران والأقرباء والأصدقاء، وجدوا فيه كيفية التعامل مع العدو والأسير، مع من تعرف ومن لا تعرف.

لقد تعود الأسبان فصلا كاملا بين الدين والدولة، فالدين عندهم لا يعدو أن يكون مجرد مفاهيم لاهوتيه غير مفهومه، يتعاطونها ولكن لا يستطيعون تطبيقها، وفي التشريعات والحكم فيشرع لهم من يحكمهم وفق هواه وما يراه، أما في الإسلام فقد وجدوا الأمر غاية في الاختلاف؛ فلم يستطيعوا أن يتخلفوا عن الارتباط به والانتساب إليه فدخلوا فيه أفواجا.

وفي فترة قليلة جدا أصبح عموم أهل الأندلس (السكان الأصليين) يدينون بالإسلام، وأصبح المسلمون من العرب والبربر قلة بينهم، وأصبح أهل الأندلس هم جند الإسلام وأعوان هذا الدين، وهم الذين اتجهوا بعد ذلك إلى فتوحات بلاد فرنسا.

2- نشأة جيل المولّدين

كان من جرّاء انصهار وانخراط الفاتحين بالسكان الأصليين أن نشأ جيل جديد عُرف باسم جيل المولَّدين، فقد كان الأب عربي أو بربري والأم أندلسية.

3- إلغاء الطبقية ونشر الحرية العقائدية

ألغى المسلمون الطبقية التي كانت سائدة قبل ذلك؛ حيث جاء الإسلام وساوى بين الناس حتى كان يقف الحاكم والمحكوم سواء بسواء أمام القضاء للتحاكم في المظالم، وعمل المسلمون في هذه الفترة على إتاحة الحريّة العقائدية للناس، فتركوا للنصارى كنائسهم، وما هدموها أبدا، وما كانوا يحولونها إلى مساجد إلا إذا وافق النصارى على بيعها لهم، وكان بيع الكنائس للمسلمين يقدّر بأثمان باهظة، أما إن رفضوا بيعها تركها المسلمون لهم . فلنلاحظ أن ذلك والنصارى محكومون من قِبَل المسلمين، ولنعي هذا الأمر جيدا ولنقارن صنيع المسلمين هذا بما سيفعله النصارى بعد انتهاء الحكم الإسلامي في بلاد الأندلس فيما عُرف باسم محاكم التفتيش الأسبانية.

4- الاهتمام بالحضارة المادية

اهتم المسلمون في هذه الفترة كذلك بتأسيس الحضارة المادية أو المدنية، فأسسوا الإدارة وأقاموا العمران وأنشأوا القناطر والكباري، ومما يدل على براعتهم في ذلك تلك القنطرة العجيبة التي تسمى قنطرة قرطبة، وهي من أعجب القناطر الموجودة في أوروبا في ذلك الزمن، كذلك أنشأ المسلمون ديارا كبرى للأسلحة وصناعة السفن، وبدأت الجيوش الإسلامية تقوى وتتعاظم في هذه المنطقة.

5- تقليد الأسبان للمسلمين في كل شيء

كان من السمات المميّزة أيضا في هذه الفترة الأولى من عهد الولاة أن الأسبان بدءوا يقلدون المسلمين في كل شيء، حتى أصبحوا يتعلمون اللغة العربية التي يتكلمها الفاتحون، بل كان الأسبان النصارى واليهود يفتخرون بتعليم اللغة العربية في مدارسهم.

6- اتخاذ المسلمين قرطبة عاصمة لهم

كذلك كان من ضمن السمات المميزة لهذه الفترة أن اتخذ المسلمون قرطبة عاصمة لهم؛ فقد كانت طليطلة في الشمال قبل ذلك هي عاصمة الأندلس، ولكن المسلمون وجدوا أنها قريبة من فرنسا وقريبة من منطقة الصخرة وهما من مصادر الخطر عليهم، فرأوا أن طليطلة بذلك مدينة غير آمنة ومن ثم فلا يمكن أن تكون هي العاصمة، فكان أن اختاروا مدينة قرطبة في اتجاه الجنوب لانتفاء الأسباب السابقة، وأيضا حتى تكون قريبة من المدد الإسلامي في بلاد المغرب.

7- الجهاد في فرنسا

الجهاد في فرنسا كان من أهم السمات المميزة جدا لهذه الفترة الأولى من عهد الولاة، وقد كانت له خطوات كبيرة جدا في هذه الفترة، ونذكر هنا بعض الولاة الذين كان لهم سبق وظهور حاضر في عملية الجهاد في بلاد فرنسا، فكان منهم على سبيل المثال:

السمح بن مالك الخولاني

من حسنات الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ولاية السَّمْح بن مالك الخولاني رحمه الله على الأندلس، فقد حكم عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه المسلمين سنتين ونصف على الأكثر، من سنة تسع وتسعين إلى سنة واحد ومائة من الهجرة، وفي هذه الفترة الوجيزة عمّ الأمن والرخاء والعدل كل بلاد المسلمين، اختار عمر بن عبد العزيز رحمه الله السمح بن مالك الخولاني، ذلك القائد الربّاني المشهور في التاريخ الإسلامي، وهو القائد الذي انطلق إلى بلاد فرنسا مجاهدا، كان بفرنسا مدينة إسلامية واحدة هي مدينة أربونة، تلك التي فتحها موسى بن نصير رحمه الله بسرية من السرايا، لكن السمح بن مالك الخولاني فتح كل منطقة الجنوب الغربي لفرنسا، ثم أسّس مقاطعة ضخمة جدا وهي مقاطعة سبتمانيا، وتسمى الآن بساحل الريفييرا، وتعد من أشهر المنتجعات السياحية في العالم.

أخذ السمح الخولاني في استكمال الفتوح في جنوب غرب فرنسا، وفي ذات الوقت أرسل يعلم الناس الإسلام، سواء في فرنسا أو في الأندلس إلى أن لقي ربه شهيدا يوم عرفة سنة اثنتين ومائة من الهجرة.

عنبسة بن سحيم

تولى بعد السمح الخولاني بعض الولاة نتجاوزهم حتى نصل إلى عنبسة بن سحيم رحمه الله، وكان عنبسة قائدا تقيًا ورعًا، وهو الإداري العسكري المشهور، كان مجاهدًا حق الجهاد، وقد حكم بلاد الأندلس من سنة ثلاث ومائة إلى سنة سبع ومائة من الهجرة، وقد وصل عنبسة في جهاده إلى مدينة سانس، وهي تبعد عن العاصمة باريس بنحو ثلاثين كيلو مترا، وباريس هذه ليست في وسط فرنسا وإنما تقع في أقصى الشمال منها، وهذا يعني أن عنبسة بن سحيم قد وصل إلى ما يقرب من سبعين بالمائة من أراضي فرنسا، ويعني هذا أيضا أن سبعين بالمائة من أراضي فرنسا كانت بلادًا إسلامية، وقد استشهد عنبسة بن سحيم رحمه الله وهو في طريق عودته.

عبد الرحمن الغافقي

بعد استشهاد عنبسة رحمه الله بدأت الأمور في التغير؛ فقد تولى حكم الأندلس من بعده مجموعة من الولاة على غير عادة السابقين، كان آخرهم رجل يدعى الهيثم الكلابي، وكان عربيًا متعصبًا لقومه وقبيلته.

ومن هنا بدأت الخلافات تدب بين المسلمين، المسلمون العرب من جهة والمسلمون البربر من جهة أخرى، خلافات بحسب العرق وبحسب العنصر، وهو أمر لم يحدث في تاريخ المسلمين منذ فتح المسلمون هذه المناطق حتى هذه اللحظة.

لم تمر خلافات العصبيات هذه مرور الكرام، وإنما دارت معارك ومشاحنات بين المسلمين العرب وبين المسلمين البربر، حتى منّ الله على المسلمين بمن قضى عليها ووحّد الصفوف من جديد، و بدأ يبث في الناس روح الإسلام الأولى التي جمعت بين البربر وبين العرب، والتي لم تفرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى، ذلك هو عبد الرحمن الغافقي رحمه الله.

بعد أن وحّد عبد الرحمن الغافقي المسلمين وتيقن أن قوة الإيمان قد اكتملت، توجه بهم ناحية فرنسا ليستكمل الفتح من جديد، ودخل مناطق لم يدخلها السابقون، فوصل إلى أقصى غرب فرنسا، وأخذ يفتح المدينة تلو المدينة، ففتح مدينة آرل ثم مدينة بودو (وهي موجودة الآن) ثم مدينة طلوشة ثم مدينة تور ثم وصل إلى بواتيه، وهي المدينة التي تسبق باريس مباشرة، والفارق بينها وبين باريس حوالي مائة كيلو متر تقريبا إلى الغرب منها، وبينها وبين قرطبة حوالي ألف كيلو متر، أي أنه توغل كثيرًا جدًا في بلاد فرنسا في اتجاه الشمال الغربي.

وفي مدينة بواتيه عسكر عبد الرحمن الغافقي في منطقة تسمى البلاط (البلاط في اللغه الأندلسية تعني القصر)، عند قصر قديم مهجور كان بها، ثم بدأ في تنظيم جيشه لملاقاة جيش النصارى، وكان عدد جيشه يصل إلى خمسين ألف مقاتل؛ ولذا تُعد حملة عبد الرحمن الغافقي هي أكبر حملة تدخل إلى بلاد فرنسا.

سلبيات وعوامل الهزيمة

رغم ضخامة حملة عبد الرحمن الغافقي تلك إلا إنه كانت هناك مشكلة كبيرة تكاد تفتك بها، وهي أن هذه الحملة كانت قد فتحت مدنا كثيرة حتى وصلت إلى بواتيه، ومن ثم فقد جمعت من الغنائم الكثير الذي زاد وثقل في أيدي المجاهدين، وهنا بدأ المجاهدون ينظرون إلى هذه الغنائم ويفتنون بهذه الأموال الضخمة التي حصّلوها.

ونتيجة هذا فقد اشتهر بين الناس فكرة العودة إلى بلاد الأندلس لحفظ هذه الغنائم هناك حتى لا يحصل عليها الفرنسيون، لكن عبد الرحمن الغافقي رحمه الله جمع الناس وقال مخاطبا إياهم: ما جئنا من أجل هذه الغنائم، وما جئنا إلا لتعليم هؤلاء الناس هذا الدين، ولتعبيد العباد لرب العباد سبحانه وتعالى، وأخذ يحفزهم على الجهاد والموت في سبيل الله، ثم انطلق بالجيش إلى بواتيه رغما عن أنف الجنود.

عندما وصل عبد الرحمن الغافقي بالجيش إلى بواتيه ظهرت ثمة أمور أخرى جديدة؛ فقد تجددت العصبيات التي كانت قد اندحرت في بلاد الأندلس بين العرب والبربر من جديد؛ وذلك بسبب كثرة الغنائم، فقد اختلفوا في توزيعها رغم أنه معروف ومتفق عليه، أخذ كلّ ينظر إلى ما بيد الآخر، وكلّ يريد الأكثر، يقول العرب أنهم أحق لأفضليتهم، ويقول البربر نحن الذين فتحنا البلاد، ونسي الجميع أن الفاتحين الأوائل ما فرقوا أبدًا بين عرب وبربر، بل وبينهم وبين من دخل الإسلام من الأندلسيين بعد ذلك،

وإضافة إلى العصبية وحب الغنائم والحرص عليها فقد اجتمع إلى جوارهما الزهو والاغترار بالكثرة والعدد الضخم، فخمسون ألفا من المجاهدين عدد لم يسبق في تاريخ الأندلس، فأخذتهم العزة، وظنوا أنهم لن يغلبوا بسبب كثرتهم هذه، ومن بعيد تلوح في الأفق حُنينًا جديدة [وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ] {التوبة:25} فالمسلمون لم ينتصروا أبدًا بعدتهم ولا عتادهم، وإنما كانوا ينتصرون بطاعتهم لله ومعصية عدوهم له سبحانه وتعالى، وللأسف الشديد فرغم وجود هذا القائد الرباني التقي الورع إلا أن عوامل الهزيمة داخل الجيش الإسلامي كانت كثيرة وأقوى منه.

بلاط الشهداء.. أشرس المعارك الإسلامية على الإطلاق

ما رأينا كان حال جيش المسلمين، أما جيش النصارى فقد قَدِم من باريس بنحو أربعمائة ألف مقاتل، أي ما يقرب من ثمانية أضعاف الجيش الإسلامي، وكان على رأسهم رجل يسمى تشارل مارتل، ويطلقون عليه في العربية: قارله، أما مارتل فهو لقبه ويعني المطرقة، وكان لقّبه به بابا إيطاليا؛ لأنه كان شديدًا على أعدائه، وكان من أقوى حكام فرنسا على الإطلاق، كانت ضخامة جيش الأعداء أمر قد اعتاد عليه المسلمون أو الفاتحون الأوائل، فلم تكن لتهزّهم مثل هذه الأرقام التي قدم بها النصارى من باريس، لكن جيش المسلمين كان فيه من عوامل الضعف الكثير، وفوق ذلك فهو يبعد عن أقرب مركز إمداد له وهو قرطبة بنحو ألف كيلو متر كما ذكرنا قبل قليل.

في منطقة بواتيه، وفي موقعة من أشرس المواقع الإسلامية على الإطلاق، التقى الجمعان ودارت رحى الحرب، جَمْع المسلمين بما فيه من العوامل التي ذكرناها سابقا من جهة، وجمع النصارى الذي يفوق جيش المسلمين بنحو ثمانية أضعاف كاملة من جهة أخرى، وكانت البداية في شهر رمضان من سنة مائة وأربعة عشر من الهجرة، واستمر القتال لمدة عشرة أيّام متصلة،

ورغم عدم تكافؤ القوتين لصالح النصارى، إلا أن الغلبة في بداية المعركة كانت للمسلمين على قلة عددهم، لكن النصارى في نهاية المعركة فَطِنوا إلى كمية الغنائم الضخمة التي كانت خلف الجيش الإسلامي، فالتفوا حول الجيش وهاجموا الغنائم وبدءوا يسلبونها، ولأن حب الغنائم كان قد أخذ موقعا في قلوب المسلمين، فكان أن ارتبك المسلمون وأسرعوا يحموا الغنائم الكثيرة، فحدثت هزة في وحدة صف الجيش الإسلامي وارتباك شديد، كانت نهايته هزيمة قاسية للجيش الإسلامي في هذه الموقعة، موقعة بواتيه، أو موقعة بلاط الشهداء (بلاط هو القصر الذي دارت عنده الحرب، والشهداء لكثرة شهداء المسلمين في هذه المعركة).

لم تذكر الروايات الإسلامية حصرا دقيقا لشهداء المسلمين في بلاط الشهداء، إلا أن بعض الروايات الأوروبية بالغت كثيرًا في أعداد قتلى المسلمين فيها، فتذكر بعضها أن قتلى المسلمين في بلاط الشهداء بلغ خمسة وسبعين وثلاثمائة ألف مسلم، وهو بلا شك رقم مبالغ فيه جدًا؛ لأن جيش المسلمين في الأساس لم يتعد حاجز الخمسين ألفا.

وفي رواياتهم يقول الأوروبيون متخوفين أنه لو كان انتصر المسلمون في بلاط الشهداء على الفرنسيين لفتحت أوروبا جميعا، ولدُرِّس القرآن في جامعات أوكسفورد وغيرها من الجامعات الأوروبية، ووالله إنها لتعاسة لهم وخسران أن لم يتصر المسلمون، فلو انتصروا لكان قد انتشر الخير في هذه البلاد، لكنهم ظلوا في ضلالتهم وظلوا في غيهم يعمهون ويعبدون غير الله سبحانه وتعالى ويشركون به.

بعد هذه المعركة انسحب المسلمون إلى الداخل، ومع أنهم هُزموا وانسحبوا إلا أنها لم تكن هزيمة ساحقة كما صورها الأوربيون، بدليل أن جيش النصارى لم يتبع جيش المسلمين حيث انسحبوا، وكان من عادة الجيوش أنها تتتبع الجيش الفار، بل اكتفى النصارى بما أخذوه من غنائم وما قتلوه من قتلى من المسلمين.

وقفة مع بلاط الشهداء

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الغَرُورُ] {فاطر:5}. فالملاحظ أن المسلمين قد اغتروا بهذه الدنيا التي فتحت عليهم فتنافسوها، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ.

فسنة لله تعالى في خلقه أنه إن فتحت الدنيا على المسلمين وتنافسوها كما تنافسها من كان قبلهم من الأمم السابقة، فإنها ستهلكهم أيضا كما أهلكت هذه الأمم السابقة [فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلًا] {فاطر:43}.

أمر آخر كان في جيش المسلمين وكان من عوامل الهزيمة وهو العنصرية والعصبيّة القبليّة التي كانت بين العرب والبربر في هذه الموقعة، ولقد شاهد الفرنسيون أثر هذا الذي نشأ بين العرب وبين البربر، ووعت الكتب الفرنسية هذا الأمر جيدا، وظل في ذاكرتها على مدار التاريخ حتى مرت الأيام ومرت السنوات ودخلت فرنسا بلاد الجزائر واحتلتها من سنة ألف وثمانمائة وثلاثين، وحتى سنة ألف وتسعمائة وستين ميلادية، فحين قامت الحركات الاستقلاليّة منذ سنة ألف وتسعمائة وعشرين وما بعدها، وحين فكرت فرنسا في القضاء على هذه الحركات الاستقلالية الناشئة لم تجد أمامها إلا إشاعة الفتنة بين العرب والبربر وضربهم ببعضهم البعض، فكانت تشيع داخل البربر أنهم قريبون من العنصر الآري (وهو العنصر الأوروبي)، وبعيدون عن العنصر السامي (وهم العرب)، أي أنتم منا ونحن منكم والعرب بيننا غرباء؛ وذلك للتشابه الكبير بين البربر والأوروبيين في الشكل الخارجي الأمر الذي لا يعترف به الإسلام ولا يقره على الإطلاق فالمعيار الوحيد في التفاضل في الإسلام هو التقوى.

ولم تكتف فرنسا بذلك، بل قامت بتكثيف تعليم اللغة الفرنسية في مناطق البربر، ومنعت تعليم اللغة العربية في هذه المناطق أصلا؛ وذلك حتى يتم فصل البربر عن العرب تماما في منطقة الجزائر، وهي وإن كانت قد نجحت في أمر اللغة بعض الشيء إلا إنها لم تفلح على الإطلاق في تحويل ديانة البربر الإسلامية إلى النصرانية، فظل البربر على إسلامهم وإن كانت لغتهم قد تغيّرت، في بادئ الأمر كان البربر الذين يعيشون في منطقة الجزائر تسمى قبائل الأمازيغ، وكانوا يمثلون خمسة عشر بالمائة من شعب الجزائر، ورغم أن لهم لغة خاصة بهم وهي الأمازيغية إلا أنهم كانوا يتمسكون بالعربية، لكن حين قامت فرنسا بهذا الأمر بدأت تُذْكي الروح البربريّة في اللغة المنفردة لهذه القبائل؛ فبدأت تعلم اللغة الأمازيغية، حتى إنها أنشأت في فرنسا عام سبعة وستين وتسعمائة وألف أكاديمية خاصة لتعليم اللغة الأمازيغية، وبدأت تكتب اللغة الأمازيغية بحروف لاتينية رغم أنها كانت لغة منطوقة وليست مكتوبة، قامت فرنسا كذلك بحذف الكلمات العربية التي كانت قد دخلت هذه اللغة وأبدلتها بأخرى أصيلة في اللغة البربرية، وبدأت بالفعل في اجتذاب الشباب من البربر لتعليمهم اللغة الأمازيغية في فرنسا، حتى إنه في عام ثمانية وتسعين وتسعمائة وألف أنشأت ما يسمى بالأكاديمية العالمية للبربر، فبدأت تجمع البربر من مناطق المغرب العربي وغرب إفريقيا وتعلمهم اللغة الخاصة بهم، وكل ذلك لفصل العرب عن البربر، تلك الجموع التي ما هي إلا جموع إسلامية ارتبطت برباط العقيدة والدين، لكنها رأت آثار ذلك في وادي برباط وما تلاها فلم تتوان، وفي ذات الوقت الذي تعمل فيه فرنسا جاهدة على إقامة لغة غير العربية في بلد عربي، كانت هي فرنسا التي رفضت المشروع الذي تقدم به جوسبان رئيس وزرائها إلى شيراك سنة تسع وتسعين وتسعمائة وألف بإقرار بعض اللغات المحلية داخل فرنسا، والذي رد عليه شيراك بقوله: إنك بهذا تريد بلقنة فرنسا، أي تجعلها كدول البلقان، بلاد متفرقة بحسب العرق وبحسب العنصر، حلال على الجزائر حرام على فرنسا.

يتبع...ان شاء الله

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الفصل الرابع : عبد الرحمن الداخل (صقر قريش)

عبد الرحمن الداخل (صقر قريش)

بعد استشهاد عبد الرحمن الغافقي رحمه الله في موقعة بلاط الشهداء في منطقة بواتيه وبعد هزيمة المسلمين فيها انسحب المسلمون وتوقفت الفتوحات الإسلامية في هذه المنطقة. وقبل استكمال الطريق والخوض في تفاصيل ما حدث بعد بلاط الشهداء كان هناك بعض الأسئلة المهمة، والتي نود الإجابة عليها وهي:

السؤال الأول:

لماذ لم يثُر أهل الأندلس في فترة عهد الفتح وأوائل عهد الولاة رغم ضآلة الحاميات الإسلامية عليهم؟

كان الجيش الإسلامي في بلاد الأندلس يبلغ قوامه أربعة وعشرين ألف مقاتل، كان مع طارق بن زياد اثنا عشر ألفا، وقد استشهد منهم في وادي برباط ثلاثة آلاف، ومثلهم استشهد في الطريق من وادي برباط إلى طليطلة، فوصل طارق بن زياد إلى طليطلة بستة آلاف فقط من الرجال، ثم عبر موسى بن نصير بثمانية عشر ألفا، فأصبح قوام الجيش الإسلامي أربعة وعشرين ألف مقاتل موزعون على كل مناطق الأندلس الواسعة وبعض جنوب فرنسا، كحاميات إسلامية وفاتحين لمناطق أخرى لم تفتح.

فكان التعجب لماذا لم يثر أهل هذه البلاد- على سعتها- على المسلمين أو على الحاميات الإسلامية الموجودة عليهم رغم قلتها الملحوظة التي لا تقارن بعدد السكان على الإطلاق؟!

ومثل هذا السؤال هو العجب كل العجب، فالسؤال الذي يجب أن يسأل هو لماذا يثور أهل الأندلس؟ وليس لماذا لم يثوروا؟ كان أهل الأندلس قبل دخول الإسلام يعيشون ظلما مريرا وضنكا شديدا، تُنهب أموالهم فلا ينبثون، تنتهك أعراضهم فلا يعترضون، حكامهم في الثروات والقصور يتنعمون، وهم لا يجدون ما يسد الرمق، يزرعون الأرض وغيرهم يأكل ثمارها، بل إنهم يُباعون ويُشترون مع تلك الأرض التي يزرعونها.

فلماذا إذن يثور أهل الأندلس؟! أيثورون من أجل هذا الذي أذاقهم العذاب ألوانا؟! أم يثورون من أجل ظهور لوذريق أو غيطشة جديد؟! أم يثورون من أجل ذكريات أليمة مليئة بالجوع والعطش والنهب والسرقة والظلم والتعذيب والتنكيل، والفساد والرشوة والجبروت؟!

ثم ماذا كان البديل المطروح؟ إنه الإسلام الذي حملته أرواح المسلمين الفاتحين، إنه الإسلام الذي حرم كل ما سبق وجاء ليقول لهم: تعالوا أعطكم بدلا من الظلم عدلا ليس هو هبة مني، لكنه حق لكم ولقومكم وأولادكم ولذريتكم من بعدكم، إنه الإسلام الذي لم يفرق بين حاكم ولا محكوم، فإن حدث لأي منكم مظلمة قام القاضي لا يفرق بين مسلم ولا يهودي ولا نصراني أيا كان شكله أو لونه أو جنسه.

إنه الإسلام الذي لا يرفع من قيمة الأشخاص بقدر أموالهم أو صورهم أو أجسامهم، إنما بقدر أعمالهم، والأعمال مفتوحة لكم جميعا، الغني والفقير، الحاكم والمحكوم، إنه الإسلام الذي يقول الحاكم فيه لك: قد رفعنا عنك كل الضرائب إن كنت من المسلمين وكنت غنيا فلن تدفع إلا اثنين ونصف بالمائة زكاة لأموالك إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول، وإن كنت فقيرا فلن تدفع شيئا، بل ستأخذ من بيت مال المسلمين إلى أن تغتني.

أما إن كنت من غير المسلمين وكنت غنيا وقادرا على القتال- وليس غير ذلك- فستدفع جزية هي أقل بكثير من زكاة المسلمين، نظير أن يدافعوا عنك، وإن هم فشلوا في الدفاع عنك فسترد إليك أموالك.

إنه الإسلام، خلاص الشعوب؛ حين عرفه أهل الأندلس تمسكوا به واعتنقوه اعتناقا ولم يرضوا عنه بديلا، فكيف يحاربونه ويضحون بهذا النعيم المقيم في الدنيا والآخرة من أجل حياة المرارة والعذاب والذل والحرمان؟!

السؤال الثاني

هل من المعقول أن كل أهل الأندلس أُعجبوا بهذا الدين ولم يكن هناك ولو رجل واحد يثور ويعترض حبا في سلطان أو مصلحة كانت قد ضيعت عليه؟!

والإجابة عن هذا السؤال هي: نعم؛ كان هناك كثير من الناس من أصحاب المصالح الذين كان لهم أعوان كثيرون أرادوا أن يثوروا على حكم الإسلام؛ ليسترجعوا مجدهم ويحققوا مصالحهم التي كانت لهم، أما لماذا لم يثوروا؟ فالجواب عنده سبحانه وتعالى في قوله: [لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ] {الحشر:13}.

فالمؤمن في الفتوحات الإسلامية كانت له رهبة في قلوب النصارى واليهود ، وفي قلوب المشركين بصفة عامة، يلقي الله سبحانه وتعالى على المؤمن جلالا ومهابة فيخافه القريب والبعيد، يقول صلى الله عليه و سلم في الحديث الذي رواه البخاري: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ. ويقول سبحانه وتعالى: [فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ] {الحشر:2}.

والعجب أن هذا الرعب لم يكن متولدًا عن بشاعة في الحرب، أو عن إجرام منقطع النظير، إنما هي هبة ربانية لجنده ولأوليائه ولحزبه سبحانه وتعالى، بل على عكس ذلك تمامًا كانت حرب الإسلام رحمة للناس كل الناس، فها هو صلى الله عليه و سلم كما جاء في صحيح مسلم عن بُريدة رضي الله عنه حين كان يودع الجيوش فكان يخاطبهم قائلا: اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا. وفي رواية: وَلَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا وَلَا طِفْلًا صَغِيرًا وَلَا امْرَأَةً.

فأين هذا من حروب غير المسلمين مع المسلمين؟! أين هذا من قتل مائتي ألف مسلم من المدنيين في البوسنة والهرسك وكوسوفو؟! أين هذا من فعل الروس في الشيشان، وفعل الهنود في كشمير، وفعل اليهود في فلسطين، وفعل أمريكا في العراق؟!

فرغم أن الرهبة والرعب أُلقيت في قلوب الأعداء إلا أن حروب المسلمين كانت رحمة على العالمين، حتى لقد سُعد الذين لم يدخلوا في الإسلام من اليهود والنصارى في ظل حكم الإسلام أيما سعادة [لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ] {الممتحنة:8}.

فقد تركت لهم كنائسهم، وكان لهم قضاء خاص بهم، ولم يفرق بين مسلم ونصراني ويهودي في مظلمة، فكان العجب حقا أن يثوروا، العجب كل العجب أن ينقلبوا على الإسلام، والعجب كل العجب أن يرفضوا حكم الإسلام وقد جاء من عند حكيم خبير، يعلم ما يصلح كونه وأرضه وعبيده

[يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ] {غافر:19} .

السؤال الثالث:

وهو خاص بعوامل الهزيمة في بلاط الشهداء، إذ كيف تتعلق قلوب هذا الجيل القريب من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته - وهو جيل التابعين أو تابعي التابعين - بالغنائم وحب الدنيا، وكيف تظهر فيهم هذه العنصرية القبلية؟!

وللإجابة على الشق الأول من هذا السؤال، فإنه إذا كانت هذ العوامل قد حدثت في سنة أربع عشرة ومائة فإنها قد حدثت مع الصحابة وفي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث من الهجرة وذلك في غزوة أُحد، والتي نزل فيها قوله تعالى مخاطبا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: [مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ]{آل عمران:152} . وكأن أُحدا تعيد نفسها من جديد في بلاط الشهداء.

فقد نزلت هذه الآية في الصحابة رضوان الله عليهم حين خالفوا أمره صلى الله عليه وسلم، ونزل الرماة وتركوا مواقعهم بعد أن أيقنوا النصر، وذلك طلبا للغنيمة، فكانت الهزيمة بعد النصر، حتى إن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ما كنت أحسب أن منا من يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية: [مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ] {آل عمران:152}.

وهكذا في بلاط الشهداء، كانت الغلبة للمسلمين في أول المعركة في أول يومين أو أول ثلاثة أيام، ثم لما التف النصارى حول الغنائم يأخذونها، وكان قد وقع حبها في قلوب المسلمين، حدث الانكسار في الجيش ثم هُزموا.

يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى : [مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ] {آل عمران:152}. يقول: لقد عفا عنكم أي لم يستأصلكم في هذه الموقعة، وأعطاكم الفرصة للقيام من جديد.

وهكذا أيضا في بلاط الشهداء، لم يُستأصل الجيش الإسلامي، لكنه عاد وانسحب ليقوم من جديد.

وإذا جئنا إلى ما قبل أحد وإلى الرعيل الأول من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في غزوة بدر وجدنا أيضا صورة من صور بلاط الشهداء، وذلك حين انتصر المسلمون ثم اختلفوا على الغنائم، حتى إن سورة الأنفال التي نزلت بعد ذلك تعظم من هذا النصر المجيد قد بدأت بقوله تعالى: [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] {الأنفال:1}. كلام له وقع السهام على الصحابة، لكنه أمر قد حدث وهو أصيل في النفس البشرية.

ومن هنا فما حدث في بلاط الشهداء ليس بجديد؛ لأنه من عيوب النفس، وقد حدث مثله في بدر وفي أحد، لكن كان هناك اختلافا، فالرسول صلى الله عليه وسلم بعد غزوة أحد تدارك الأمر بسرعة؛ فحمس المسلمين على الجهاد وذكرهم بالآخرة حتى قاموا في حمراء الأسد فكانت الغلبة ورد الاعتبار، أما في بلاط الشهداء فإن كان قام من جديد رجل من المسلمين وهو عقبة بن الحجاج رحمه الله يحمس المسلمين ولكن بعد العودة إلى الأندلس، إلا إنه لم تحدث موقعة بعد بلاط الشهداء كما حدثت حمراء الأسد مباشرة بعد أحد.

كذلك كان الاختلاف في أن غالب جيش المسلمين في بلاط الشهداء باستثناء عبد الرحمن الغافقي رحمه الله الذي استشهد لم يزل حب الدنيا وحب الغنائم رابضا في قلبه، فهم يريدون الدنيا، أما في أحد فقد قال عنهم سبحانه وتعالى: [مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ] {آل عمران:152}. ولذلك لم يعد المسلمون بعد بلاط الشهداء مباشرة كما عادوا بعد أحد.

ومن أوجه الشبه الكبير أيضا بين أحد وبلاط الشهداء أنه عندما أُشيع خبر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في أحد حدث الانكسار وحدث الفرار والهزيمة المرة، وكذلك بالنسبة إلى بلاط الشهداء، فحين قتل عبد الرحمن الغافقي رحمه الله انسحب المسلمون، وانكمشوا على أنفسهم إلى الداخل، وهنا تكمن العبرة والعظة من أحداث المسلمين المتكررة والشديدة الشبه.

مسألة القومية والعنصرية:

وهي الشق الثاني من السؤال، وكسابقتها فإن مسألة القومية والعنصرية كانت قد ظهرت أيضا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يعد قدحا في هذا العهد أو في هؤلاء الصحابة بقدر ما هو بيان لأمور فطرت وجبلت عليها النفس الآدمية، لكن فرق بين أن تعود هذه النفس إلى طريق بارئها وبين أن تتمادى في غيها.

ولعلنا نذكر هنا تلك الحادثة المشهورة التي حدثت بين أبي ذر وبين بلال رضي الله عنهما، حين عيّره أبو ذر بأمه في خلاف بينهما قائلا لبلال: يا ابن السوداء، فذهب بلال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مغاضبا يحكى له ما حدث، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن غضب غضبا شديدا وقال لأبي ذر: طَفُّ الصَّاعِ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلْ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ. وفي رواية أَنه صلى الله عليه وسلم قال: وَالَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ عَلَى مُحَمَّدٍ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَحْلِفَ مَا لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٍ إِلَّا بِعَمَلٍ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا كَطَفِّ الصَّاعِ.

والعبرة هنا برد فعل أبي ذر رضي الله عنه حيال هذا الغضب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحيال هذا الذنب الذي اقترفه، فما كان من أبي ذر إلا أن وضع رأسه على التراب مُصرا على أن يطأ وجهه بلال رضي الله عنه بقدمه حتى يكفر عن خطيئته تلك، والعبرة هنا أيضا برد فعل بلال رضي الله عن الجميع إذ غفر لأبي ذر ورفض أن يطأ وجهه،

ومثل هذا أيضا حدث بين الأوس والخزرج حين فتن بينهم شاس بن قيس، فقال الأوس: يا للأوس، وقال الخزرج: يا للخزرج، وحينها أيضا قال الرسول صلى الله عليه وسلم : اللَّهَ اللَّهَ! أَبْدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرْكُمْ، دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ.

وليس أدل على تلك القبلية مما حدث بمجرد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم من فتنة بني حنيفة، واجتماع الناس حول مسيلمة الكذاب، حتى سُئل رجل من أتباع مسيلمة: أتعلم أن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق ومسيلمة كاذب؟ فأجاب قائلا: والله أعلم أن محمدا صادق، وأن مسيلمة كاذب، ولكن كاذب بني ربيعة، أحب إليّ من صادق مضر. هكذا كانت قبلية تماما في نظر هذا الرجل، ولو لمس الإيمان قلبه ما قال مثل قولته هذه.

إذن فقد ظهرت العنصرية والقبلية منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتدارك هذا الأمر بكل سرعة، ويحفز الناس بالإيمان ويقربهم إلى ربهم، ويذكرهم بالآخرة [وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ] {الذاريات:55} . فسرعان ما يتجاوزن ما حدث ولا يعودون،

روى البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَمَرَ اللَّهُ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنِّي جَعَلْتُ نَسَبًا وَجَعَلْتُمْ نَسَبًا، فَجَعَلْتُ أَكْرَمَكُمْ أَتْقَاكُمْ، فَأَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ تَقُولُوا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ خَيْرٌ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، فَأَنَا الْيَوْمَ أَرْفَعَ نَسَبِي وَأَضَعُ نَسَبَكُمْ. ويقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: [فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ] {المؤمنون:101 ،102 ،103} .

الأحداث بعد بلاط الشهداء وعودة المسلمين إلى الأندلس

بعد عودة المسلمين إلى الأندلس، قام فيهم عقبة بن الحجّاج السلولي رحمه الله وتولى الولاية من سنة ست عشرة ومائة من الهجرة إلى سنة ثلاث وعشرون ومائة من الهجرة، وهو يعد آخر المجاهدين بحق في فترة عهد الولاة الأول.

خُيّر هذا الرجل بين إمارة إفريقيا بكاملها ( كل الشمال الأفريقي) وبين إمارة الأندلس ففضل إمارة الأندلس؛ لأنّها أرض جهاد حيث ملاصقتها لبلاد النصارى، وقام رحمه الله خلال سنوات إمارته السبع بأكثر من سبع حملات داخل فرنسا، وكان ينزل إلى الأسرى بنفسه يعلمهم الإسلام، حتى إنه أسلم على يديه ألفان من الأسرى، لَأَنْ يَهْدِي اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ، فكيف بألفين!

ولقد استشهد عقبة بن الحجّاج رحمه الله سنة ثلاث وعشرين ومائة من الهجرة، وباستشهاده يكون قد انتهى عهد الولاة الأول أو الفترة الأولى من عهد الولاة.

الفترة الثانية من عهد الولاة وأهم سماتها

تبدأ هذه الفترة منذ انتهاء العهد الأول من عهد الولاة منذ سنة ثلاث وعشرين ومائة من الهجرة وحتى سنة ثمان وثلاثين ومائة من الهجرة، وترجع بذور هذا العهد إلى موقعة بلاط الشهداء، حيث حب الغنائم والنزعة العنصرية والقبلية أهم سماتها.

1- حب الدنيا:

في أول هذا العهد كانت الأموال كثيرة والغنائم ضخمة، وفتحت الدنيا عليهم، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : إِنَّ مِمَّا أَخَاُف عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا. وهكذا فتحت زهرة الدنيا على المسلمين فانخرطوا فيها؛ فتأثر بذلك إيمانهم.

2- تفاقم العنصرية والقبلية:

وتبعا لتأثر الإيمان ظهرت العنصرية بصورة كبيرة، وحدثت انقسامات كثيرة جدا في صفوف المسلمين في الأندلس، فحدثت انقسامات بين العرب وبين البربر، وكانت جذور هذه الانقسامات منذ بلاط الشهداء، ثم حدثت انقسامات بين العرب أنفسهم، بين المضريين والحجازيين، وبين العدنانيين (أهل الحجاز) والقحطانيين (أهل اليمن)، حتى إنه كان هناك خلافات وحروب كثيرة بين أهل اليمن وأهل الحجاز.

ولقد وصل الأمر إلى حدوث انقسامات بين أهل الحجاز أنفسهم، بين الفهريين وبين الأمويين، بين بني قيس وبني ساعدة، وهكذا انقسم أهل الحجاز بعضهم على بعض.

3- ظلم الولاة:

وإضافة إلى حب الغنائم وتفاقم القبلية والنزعة العنصرية، وكخطوة لاحقة لهذا ظهر ما يمكن أن نسميه ظلم الولاة، فقد تولى أمر المسلمين في الأندلس ولاة ظلموا الناس وألهبوا ظهورهم بالسياط، كان منهم - على سبيل المثال - عبد الملك بن قطن، ملأ هذا الوالي الأرض ظلما وجورا، قسم الناس بحسب العنصرية وبحسب القبلية، أعطى المضريين وحدهم من الغنائم ومنع البربر وغيرهم، فانقسم الناس عليه وانقلبوا.

وعلى دربه سار يوسف بن عبد الرحمن الفهري الذي تولى من سنة ثلاثين ومائة وحتى آخر هذه الفترة وآخر عهد الولاة كلية سنة ثمان وثلاثين ومائة، فقد انفصل هذا الوالي بالحكم كلية عن الخلافة الأموية، وادعى أن إمارة الأندلس إمارة مستقلة، بالإضافة إلى إذاقة الناس من العذاب ألوانا، فحدثت انكسارات جديدة وثورات عديدة بلغت أكثر من ثلاثين ثورة داخل بلاد الأندلس.

4- ترك الجهاد:

منذ قليل كنا نتحدث عن الانتصارات الإسلامية والتاريخ المجيد، وفتح الأندلس وفتح فرنسا، ثم ها هي الدنيا إذا تمكنت من القلوب، وها هي العنصرية، وها هو ظلم الولاة يسلم الناس إلى هذه الثورات، وكرد فعل طبيعي جدا لكل هذا، ترك الناس الجهاد، وتوقفت الفتوحات في فرنسا، وتوقفت الحروب ضد النصارى في الشمال الغربي في منطقة الصخرة، والتي كان يتمركز بها مجموعة لا بأس بها من النصارى منذ الفتح الأول لبلاد الأندلس، وكقاعدة ربانية وسنة إلهية فما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، يروي أبو داود عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ (نوع من الربا) وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ. وهكذا كان حين ترك المسلمون الجهاد في فرنسا وأرض الأندلس، فسلط الله عليهم الذل، وانقسموا على أنفسهم، وانشغلوا بدنياهم.

أهم أحداث الفترة الثانية من عهد الولاة

نظرا لتفاعل الأمور السابقة بعضها مع بعض نستطيع بإيجاز شديد أن نلخص أهم الأحداث التي تمخضت عنها الفترة الثانية والأخيرة من عهد الولاة فيما يلي:

أولا: فُقدت كل الأراضي الإسلامية في فرنسا باستثناء مقاطعة سبتمانيا، والتي كانت قد فتحت بسرية من سرايا موسى بن نصير، كما ذكرنا قبل ذلك.

ثانيا: ظهرت مملكة نصرانية في المنطقة الشمالية الغربية عند منطقة الصخرة تسمى مملكة ليون.

ثالثا: انفصل إقليم الأندلس عن الخلافة الإسلامية - الأموية في ذلك الوقت - وذلك على يد يوسف بن عبد الرحمن الفهري، كما ذكرنا قبل قليل.

رابعا: انقسمت الأندلس إلى فرق عديدة متناحرة، وثورات لا نهائية، كلٌّ يريد التملك والتقسيم وفق عنصره وقبيلته.

خامسا: أمر خطير جدا وهو ظهور فكر الخوارج الذين جاءوا من الشام واعتناق البربر له، وذلك أن البربر كانوا يعانون ظلما شديدا وعنصرية بغيضة من قِبل يوسف بن عبد الرحمن الفهري؛ فاضطروا إلى قبول هذا الفكر الخارج عن المنهج الإسلامي الصحيح واعتناقه؛ خلاصا مما يحدث لهم ممن ليسوا على فكر الخوارج.

سادسا: زاد من خطورة هذا الموقف ذلك الحدث الجسيم الذي صدع الأمة الإسلامية في سنة اثنين وثلاثين ومائة من الهجرة، وهو سقوط الخلافة الأموية وقيام الخلافة العباسية، والذي كان قياما دمويا رهيبا، انشغل فيه العباسيون بحرب الأمويين، ومن ثم فقد ضاعت قضية الأندلس وغابت تماما عن الأذهان.

ونتيجة لهذه العوامل جميعها فقد أجمع المؤرخون على أن الإسلام كاد أن ينتهي من بلاد الأندلس، وذلك في عام ثمانية وثلاثين ومائة من الهجرة.

عبد الرحمن الداخل، وعهد جديد

كما رأينا فقد أصبح أمر الأندلس يحتاج في إصلاحه إلى معجزة إلهية، وبالفعل حدثت المعجزة بفضل من الله ومَنٍّ وكرم منه على المسلمين، وذلك بدخول رجل يدعى عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الأموي إلى أرض الأندلس، وذلك في شهر ذي الحجة من سنة ثمانٍ وثلاثين ومائة من الهجرة.

قصة عبد الرحمن الداخل

لكي نفهم قصة دخول عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك إلى أرض الأندلس، نعود إلى الوراء قليلًا حتى سنة اثنين وثلاثين ومائة من الهجرة، وهو زمن سقوط بني أمية، فقد أعمل العباسيون السيوف قتلا وتنكيلا لكل من كان مؤهلا من الأمويين لتولي الخلافة، فقتلوا الأمراء وأبناء الأمراء وأبناء أبناء الأمراء (الأحفاد) إلا قلة ممن لم تصل إليه سيوفهم.

كان عبد الرحمن بن معاوية حفيد هشام بن عبد الملك (حكم من خمس ومائة إلى خمس وعشرين ومائة من الهجرة) من هذه القلة التي لم تصلهم سيوف العباسيين، وكان عمره آنذاك تسع عشرة سنة فقط، وكان له أخ صغير لم يتجاوز عمره الثالثة عشرة، وكلاهما مطلوبي الرأس من قِبَل العباسيين.

في العراق كان عبد الرحمن بن معاوية يجلس في بيته إذ دخل عليه ابنه ابن الأربع سنين يبكي فزعًا، وكان عبد الرحمن بن معاوية مريضا معتزلا في الظلام في ركن من البيت من أثر رمد في عينه، فأخذ يسكن الطفل بما يسكن به الأطفال إلا أن الطفل ظل فزعًا مرعوبًا لم يسكن، فقام معه عبد الرحمن بن معاوية فوجد الرايات السود خارج البيت (رايات الدولة العباسية)، وكانت تعم القرية جميعها، فعلم أنّه مطلوب، رجع عبد الرحمن بن معاوية وأخذ أخاه الوليد بن معاوية وما معه من نقود، وترك النساء والأطفال وكل شيء؛ لأن العباسيين لم يكونوا ليقتلوا النساء ولا الأطفال، ولكن كانوا يقتلون كل من بلغ وكان مؤهلًا للخلافة، ثم خرج هاربا نحو الفرات، وعند الفرات وجد عبد الرحمن بن معاوية وأخوه القوات العباسية تحاصر النهر، فألقيا بأنفسهما فيه وأخذا يسبحان، ومن بعيد ناداهما العباسيون أن ارجعا ولكما الأمان، حينها كان الوليد بن معاوية أخو عبد الرحمن بن معاوية قد أجهد من السباحة، فأراد أن يعود، فناداه أخوه الأكبر أن لا تعد يا أخي وإلا فسيقتلوك، فرد عليه إنهم قد أعطونا الأمان، ثم عاد راجعا إليهم، فما أن أمسك به العباسيون إلا أن قتلوه أمام أعين أخيه، عَبَر عبد الرحمن بن معاوية النهر وهو لا يستطيع أن يتكلم أو يفكر من شدة الحزن على أخيه ابن الثالثة عشرة، ثم يمم جهة بلاد المغرب لأن أمه كانت من قبيلة من قبائل البربر، فهرب إلى أخواله هناك، في قصة هروب طويلة جدًا عبر فيها الحجاز ومصر وليبيا والقيروان، وصل عبد الرحمن بن معاوية إلى القيروان وعمره تسع عشرة سنة فقط، وهناك وجد ثورة كبيرة للخوارج في الشمال الأفريقي كله وعلى رأسها عبد الرحمن بن حبيب، وكان قد استقل بالشمال الإفريقي عن الدولة العباسية، ولأنه كانت هناك كراهية شديدة جدا بين الخوارج والأمويين (حيث إن الخوارج لم يرضوا ارتضاء سيدنا علي بتحكيم كتاب الله بينه وبين معاوية بن أبي سفيان الأموي في موقعة صفين، ومن ثم فقد خرجوا عليه وسموا من بعدها بالخوارج، ومن حينها وهم يبغضون الأمويين) فقد كان عبد الرحمن بن حبيب يسعى هو الآخر للقضاء على عبد الرحمن بن معاوية حين علم بأمره، فحين قدم عبد الرحمن بن معاوية إلى القيروان اجتمع عليه الخوارج وكادوا أن يقتلوه، فهرب من جديد إلى برقه (في ليبيا)، وفيها ظل مختبئا عند بعض أخواله هناك طيلة أربع سنوات كاملة، حتى سنة ست وثلاثين ومائة، وكان قد بلغ من العمر ثلاث وعشرين سنة، وفي أمره ظل عبد الرحمن بن معاوية يفكر، أيظهر فيُقتل أم يظل مختبئا طوال العمر؟! ففي أي قطر من بلاد المسلمين هو مطلوب الرأس، ففي الشام في بلاد المشرق الإسلامي مطلوب من العباسيين، وفي الشمال الإفريقي في بلاد المغرب الإسلامي مطلوب من الخوارج، فهل يظل مختبئا طوال حياته وهو سليل الأمراء والخلفاء؟! أو هل يظل مختبئا في مكانه والأمويون في كل مكان يُقتلون ويذبحون؟! أم يحاول أن يقيم للأمويين مجدا من جديد؟!

وهنا جال بخاطره أن يذهب إلى الأندلس، وقد كانت الأندلس أصلح البلدان لاستقبال عبد الرحمن بن معاوية، وذلك لأنها أولا: أبعد الأماكن عن العباسيين والخوارج، ثانيا: لأن الوضع في الأندلس ملتهب جدا، وذلك على نحو ما ذكرنا في عهد يوسف بن عبد الرحمن الفهري وفي نهاية الفترة الثانية من عهد الولاة؛ ففي هذا الجو يستطيع عبد الرحمن بن معاوية أن يدخل هذه البلاد؛ ولو كانت تابعة للخلافة العباسية ما استطاع أن يدخلها، كما أنها لو كانت على فكر الخوارج ما استطاع أيضا أن يدخلها؛ فكانت الأندلس أنسب البلاد له على وعورتها واحتدام الثورات فيها.

عبد الرحمن بن معاوية ودخول الأندلس

في سنة ست وثلاثين ومائة بدأ عبد الرحمن بن معاوية يعد العدة لدخول الأندلس، فعمل على الآتي:

أولا: أرسل مولاه بدر إلى الأندلس لدراسة الموقف، ومعرفة القوى المؤثرة في الحكم فيها.

ثانيا: راسل كل محبي الدولة الأموية في أرض الأندلس

بعد أن علِمَهم من مولاه بدر، والحق أن كثيرا من الناس في عهد الدولة الأموية وفي غيرها كانوا يحبون الأمويين كثيرا، فمنذ ولاية معاوية بن أبي سفيان على الشام في خلافة عمر بن الخطاب، وفي خلافة عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، والمسلمون في أقطار الدولة الإسلامية يحبون بني أمية حبا شديدا، فقد اشتهر بنو أمية على مر العصور بالسخاء الشديد والسياسة والحكمة، واكتساب الناس وحسن معاملتهم، والجهاد في سبيل الله ونشر الدين وفتح البلاد، فكان لبني أمية داخل بلاد الأندلس كثير من المريدين وكثير من المحبين حتى من غير بني أمية من القبائل الأخرى المختلفة.

ثالثا: في ذكاء شديد وحرص أشد راسل عبد الرحمن بن معاوية البربر،

يطلب معونتهم ومساعدتهم، وكانوا في ذلك الوقت على خلاف شديد جدا مع يوسف بن عبد الرحمن الفهري؛ لأنه فرق بينهم وبين العرب، فهم يريدون أن يتخلصوا من حكم يوسف بن عبد الرحمن الفهري الذي عاملهم بهذه العنصرية.

رابعا: راسل كل الأمويين في كل الأماكن التي هربوا إليها يعرض عليهم فكرته، وأنه يعزم على دخول الأندلس ويطلب معونتهم ومددهم.

وبالفعل بدأ في تجميع الأعوان، واستغرق ذلك عامين حتى قدم عليه رسول من عند مولاه بدر سنة ثمان وثلاثين ومائة يقول له إن الوضع قد تجهز لاستقبالك هناك، وحينما سأله عن اسمه فقال: غالب التميمي، فرد مؤملا مستبشرا بهذا الاسم: الحمد لله، غلبنا وتم أمرنا. وبدأ يعد العدة ويجهز السفينة التي أخذته منفردا إلى بلاد الأندلس.

عبد الرحمن الداخل في الأندلس

نزل عبد الرحمن بن معاوية رحمه الله على ساحل الأندلس بمفرده، واستقبله هناك مولاه بدر، ثم انطلق معه إلى قرطبة، كان يحكم الأندلس في ذلك الوقت يوسف بن عبد الرحمن الفهري، وكالعادة كان في الشمال يقمع ثورة من الثورات، ذلك الوقت الذي قال عنه المؤرخون - كما ذكرنا -: كاد الإسلام أن ينتهي من بلاد الأندلس في عام ثمانية وثلاثين ومائة.

ويدخل عبد الرحمن بن معاوية الأندلس ويبدأ في تجميع الناس من حوله، محبي الدولة الأموية، والبربر، وبعض القبائل المعارضة ليوسف بن عبد الرحمن الفهري، وقد جاء بعض الأمويين من بقاع الأرض المختلفة، ومع ذلك لم يجد العدد كافيا والذي يستطيع به أن يغير من الأوضاع.

فكر عبد الرحمن بن معاوية في اليمنيين الذين كانوا على خلاف مع يوسف بن عبد الرحمن الفهري الحجازي رغم كونه أيضا من الحجاز، لكنهم رأوا أنهم ليس لهم طاقة بيوسف بن عبد الرحمن الفهري، فقبلوا أن يتحدوا مع عبد الرحمن بن معاوية.

كان على رأس اليمنيين في ذلك الوقت أبو الصباح اليحصبي، وكان المقر الرئيسي لهم أشبيلية، وهي المدينة الكبيرة التي تعد حاضرة من حواضر الإسلام في ذلك الوقت، فذهب عبد الرحمن بن معاوية بنفسه إلى أشبيلية واجتمع طويلا مع أبي الصباح اليحصبي، واتفقا على أن يقاتلا سويا ضد يوسف بن عبد الرحمن الفهري.

قبل القتال كان عبد الرحمن بن معاوية قد أرسل عدة رسائل إلى يوسف بن عبد الرحمن الفهري يطلب وده وأن يسلم له الإمارة ويكون الفهري رجلا من رجاله في بلاد الأندلس، بحكم أنه (عبد الرحمن) حفيد هشام بن عبد الملك من رموز الخلافة الأموية، لكن يوسف الفهري رفض كل ذلك، وجهز جيشا وجاء ليحارب عبد الرحمن بن معاوية ومن معه.

موقعة المسارة

من المؤسف حقا أن يلتقي المسلمون بسيوفهم، لكن كثرة الثورات وكثرة الفتن والانقلابات جعلت الحل العسكري هو الحل الحتمي في ذلك الوقت.

ففي ذي الحجّة سنة ثمان وثلاثين ومائة، وفي موقعة كبيرة عرفت في التاريخ باسم موقعة المسارة أو المصارة، دار قتال شرس بين يوسف بن عبد الرحمن الفهري من جهة وعبد الرحمن بن معاوية الذي يعتمد بالأساس على اليمنيين من جهة أخرى.

وقبل القتال كان أبو الصباح اليحصبي (رئيس اليمنيين) قد سمع بعض المقولات من اليمنيين تقول: إن عبد الرحمن بن معاوية غريب عن البلاد، ثم إن معه فرس عظيم أشهب، فإن حدثت هزيمة فسيهرب من ساحة القتال ويتركنا وحدنا للفهريين.

وصلت عبد الرحمن بن معاوية تلك المقولة، فقام وفي ذكاء شديد يفوق سن الخامسة والعشرين وذهب بنفسه إلى أبي الصباح اليحصبي وقال له: إن جوادي هذا سريع الحركة ولا يمكّنني من الرمي، فإن أردت أن تأخذه وتعطيَني بغلتك فعلت، فأعطاه الجواد السريع وأخذ منه البغلة يقاتل عليها، حينئذ قال اليمنيون: إن هذا ليس بمسلك رجل يريد الهرب، إنما هو مسلك من يريد الموت في ساحة المعركة، فبقوا معه وقاتلوا قتالا شديدا، ودارت معركة قوية جدا، انتصر فيها عبد الرحمن بن معاوية، وفَرّ يوسف الفهري.

عبد الرحمن الداخل وأمارات نجابة وعلم وذكاء

كان عادة المحاربين في ذلك الزمن أن يتبع الجيش المنتصر فلول المنهزمين والفارين، ليقتلوهم ويقضوا عليهم، ومن ثَمّ على ثورتهم، وحين بدأ اليمنيون يجهزون أنفسهم ليتتبعوا جيش يوسف الفهري منعهم عبد الرحمن بن معاوية وقال لهم قولة ظلت ترن في أصداء التاريخ، أمارة على علم ونبوغ، وفهم صحيح وفكر صائب في تقدير الأمور، قال لهم:

لا تتّبعوهم، اتركوهم، لا تستأصلوا شأفة أعداء ترجون صداقتهم، واستبقوهم لأشد عداوة منهم.

يريد رحمه الله أن هؤلاء الذين يقاتلوننا اليوم سيصبحون غدا من جنودنا، ومن ثم عونا على أعدائنا من النصارى وغيرهم في ليون وفرنسا وغيرها. فهكذا رحمه الله كان ذو نظرة واسعة جدا تشمل كل بلاد الأندلس، بل تشمل كل أوروبا، بل إني أراه بذلك التفكير يملك أن يعيد ملك الشام بعد ذلك أيضا إلى أملاك الأمويين، وذلك لما يلي:

أولا: ليس في قلبه غل ولا حقد على من كان حريصا على قتله منذ ساعات قليلة.

ثانيا: الفهم العميق للعدو الحقيقي وهو النصارى في الشمال.

ثالثا: رغم كونه لم يتجاوز الخامسة والعشرين إلا إنه كان يمتلك فهما واعيا وإدراكا صحيحا، وفقها وعلما وسعة اطلاع، علم به أنه إن جاز له شرعا أن يقاتلهم لتجميع المسلمين حول راية واحدة، فهو في ذات الوقت لا يجوز له شرعا أن يتتبعهم، وأن يقتل الفارين منهم، ولا أن يجهز على جريحهم، ولا أن يقتل أسيرهم، لأن حكمهم حكم الباغين في الإسلام وليس حكم المشركين، وحكم الباغي في الإسلام أنه لا يتتبع الفار منهم، ولا يقتل أسيره، ولا يجهز على جريحه، بل ولا تؤخذ منه الغنائم.

بين عبد الرحمن الداخل وأبي الصباح اليحصبي

بعد انتهاء موقعة المسارة قام أبو الصباح اليحصبي في اليمنيين وقال لهم: لقد انتصرنا على عبد الرحمن الفهري وجاء وقت النصر على غيره، يُعرّض بعبد الرحمن بن معاوية، هذا الذي كان يقاتل معه منذ ساعات، ويرى أنه إن انتصر عليه وقتله (عبد الرحمن الداخل)دانت لهم بلاد الأندلس كلها.

لكن اليمنيين لم يوافقوه على ذلك؛ ليس حبا في عبد الرحمن الداخل وإنما خوفا منه، فقالوا له: إن هذا الرجل ليس بالسهل. وتصل هذه الأنباء إلى عبد الرحمن بن معاوية، فما كان منه إلا أن أسرّها في نفسه، ولم يُبْدها لهم، ولم يُعلمهم أنه يعلم بما يضمرونه له، لكنه أصبح على حذر شديد جدا من أبي الصباح اليحصبي.

لم يرد عبد الرحمن بن معاوية أن يحدث خللا في الصف المسلم في هذه الأوقات، لم يرد أن يحدث خللا بين الأمويين ومحبي الدولة الأموية وبين اليمنيين في ذلك الوقت المليء بالثورات والمعارك الداخلية، إنما كان كل همه هو تجميع الناس ثم حرب النصارى بعد ذلك، وبالفعل وهناك وبعد إحدى عشرة سنة من هذه الأحداث عزل أبا الصباح اليحصبي عن مكانه، واستطاع أن يتملك زمام الأمور كلها في الأندلس.

عبد الرحمن الداخل، وبداية فترة الإمارة الأموية

بعد موقعة المسارة والسيطرة على منطقة قرطبة والجنوب الأندلسي لُقب عبد الرحمن بن معاوية بعبد الرحمن الداخل؛ لأنه أول من دخل من بني أمية قرطبة حاكما، كما كان له كثير من الأيادي البيضاء على الإسلام في بلاد الأندلس كما سنرى.

ومنذ أن تولى عبد الرحمن الداخل الأمور في بلاد الأندلس عُرفت هذه الفترة بفترة الإمارة الأموية، وتبدأ من سنة ثمان وثلاثين ومائة من الهجرة، وتنتهي سنة ست عشرة وثلاثمائة من الهجرة، وسميت "إمارة" لأنها أصبحت منفصلة عن الخلافة الإسلامية، سواء كانت في عصر الخلافة العباسية أو ما تلاها بعد ذلك من العصور إلى آخر عهود الأندلس.

بدأ عبد الرحمن الداخل ينظم الأمور في بلاد الأندلس، كانت هناك ثورات كثيرة جدا في كل مكان من أرض الأندلس، وبصبر شديد وأناة عجيبة أخذ عبد الرحمن الداخل يراوض هذه الثورات الواحدة تلو الأخرى، وبحسب ما يتوافق معها أخذ يستميل بعضها ويحارب الأخرى.

وفي فترة حكمه التي امتدت أربعة وثلاثين عاما متصلة، من سنة ثمان وثلاثين ومائة وحتى سنة اثنتين وسبعين ومائة كانت قد قامت عليه أكثر من خمس وعشرين ثورة، وهو يقمعها بنجاح عجيب الواحدة تلو الأخرى، ثم تركها وهي في فترة من أقوى فترات الأندلس في التاريخ بصفة عامة.

صقر قريش وثورة العباسيين

كانت هناك واحدة فقط من هذه الثورات الخمس والعشرين هي التي سنقف عندها؛ وذلك لأهميتها الشديدة في فهم هذا الانفصال الذي حدث للأندلس عن الخلافة العباسية، وهذه الثورة حدثت في سنة ست وأربعين ومائة من الهجرة، أي بعد حوالي ثمان سنوات من تولي عبد الرحمن الداخل حكم الأندلس، وقام بها رجل يُدعى العلاء بن مغيث الحضرمي.

كان الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور (وهو الخليفة العباسي الثاني أو المؤسس الحقيقي للخلافة العباسية بعد أبي العباس السفاح) قد راسل العلاء بن مغيث الحضرمي كي يقتل عبد الرحمن بن معاوية، ومن ثم يضم الأندلس إلى أملاك الخلافة العباسية.

وبالنسبة لأبي جعفر المنصور فهذا يعد أمرا طبيعيا له كامل الحق فيه؛ إذ يريد ضم بلاد الأندلس - وهي البلد الوحيد المنشق من بلاد المسلمين - إلى حظيرة الخلافة العباسية الكبيرة، فجاء العلاء بن مغيث الحضرمي من بلاد المغرب العربي وعبر بلاد الأندلس، ثم قام بثورة ينادي فيها بدعوة العباسيين، ويرفع الراية السوداء التي أرسلها له الخليفة أبو جعفر المنصور.

لم يتوان عبد الرحمن الداخل، فقامت لذلك حرب كبيرة جدا بين العلاء بن مغيث الحضرمي وعبد الرحمن بن معاوية، وكعادته في قمع الثورات انتصر عليه عبد الرحمن بن معاوية، ووصلت الأنباء إلى أبي جعفر المنصور، وكان في الحج بأن عبد الرحمن الداخل قد هزم جيش العلاء الحضرمي هزيمة منكرة، وأن العلاء بن مغيث الحضرمي قد قُتل.

وهنا قال أبو جعفر المنصور: قتلنا هذا البائس - يعني العلاء بن مغيث الحضرمي - يريد أنه قتله بتكليفه إياه بحرب عبد الرحمن بن معاوية، ثم قال: ما لنا في هذا الفتى من مطمع (يعني عبد الرحمن بن معاوية)، الحمد لله الذي جعل بيننا وبينه البحر.

ومنذ هذه اللحظة والدولة العباسية لم تفكر لحظة واحدة في استعادة بلاد الأندلس، بل إن أبا جعفر المنصور الخليفة العباسي هو الذي سمّى عبد الرحمن بن معاوية بصقر قريش الذي اشتهر به بعد ذلك، كان أبو جعفر المنصور جالسا مع أصحابه فسألهم: أتدرون من هو صقر قريش؟ فقالوا له كعادة البطانة السوء: بالتأكيد هو أنت، فقال لهم: لا، فعدّدوا له أسماء حتى ذكروا له معاوية وعبد الملك بن مروان من بني أمية فقال أيضا: لا. ثم أجابهم قائلا: بل هو عبد الرحمن بن معاوية، دخل الأندلس منفردا بنفسه، مؤيّدا برأيه، مستصحبا لعزمه، يعبر القفر ويركب البحر حتى دخل بلدا أعجميا فمصّر الأمصار وجنّد الأجناد، وأقام ملكا بعد انقطاعه بحسن تدبيره وشدة عزمه. وهكذا كان أبو جعفر المنصور العباسي معجبا جدا بعبد الرحمن بن معاوية، وهو ما يمكن أن نسميه إعجاب اضطرار، أو إعجاب فرض نفسه.

عبد الرحمن بن معاوية والخلافة العباسية

قضية الانفصال الطويل الذي دام بين دولة الأندلس وبين الخلافة العباسية على مر العصور تثير في نفوسنا وفي نفوس جميع المسلمين تساؤلات عدة، لماذا يحاول عبد الرحمن بن معاوية الرجل الورع التقي الذي أقام دولة قوية جدا في بلاد الأندلس، لماذا يحاول بل وينفصل بالكلية عن الخلافة العباسية؟!

ووقفة عادلة مع هذا الحدث وتحليله واستجلاء غوامضه نستطيع القول بأن الدولة العباسية قد أخطأت خطأ فاحشا بحق الأمويين، وذلك بقتلهم وتتبعهم في البلاد بهذه الصورة الوحشية، فإذا كان الأمويين في آخر عهدهم قد فسدوا واستحقوا الاستبدال فليكن تغييرهم، وليكن هذا الاستبدال، ولكن على نهج رسول الله صلى الله عليه و سلم.

كان من المفترض على الدولة العباسية القائمة على أنقاض الأمويين أن تحتوي هذه الطاقات الأموية، وتعمل على توظيفها لخدمة الإسلام والمسلمين، بدلا من إجبارهم على خلق جيب من الجيوب في صقع بعيد من أصقاع البلاد الإسلامية في الأندلس أو في غيرها من بلاد المسلمين.

كان من المفترض ألا ُتْفرط الدولة العباسية في قتل المسلمين من بني أمية وهي تعلم حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم: لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِءٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ.

كما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .

ما المانع من أن تقيم الحد على من يستحق أن يُقتل من بني أمية ثم تترك وتستوعب الآخرين.

وما المانع من أن تعطي الدولة العباسية بني أمية بعضا من الملك، مثل إمارة مدينة أو إمارة ولاية، وهؤلاء كانوا خلفاء وأبناء خلفاء؛ حتى تستوعبوهم في داخل الصف.

فهذا عبد الرحمن الداخل الذي نتحدث عنه يصيح في اليمنيين بعد موقعة المسارة ويقول لهم حين أرادوا أن يتتبعوا الفارين من جيش يوسف بن عبد الرحمن الفهري: اتركوهم لا تتبعوهم، ليضمهم إلى جيشه بعد ذلك، فهكذا كان يجب على العباسيين أن يفعلوا، ويتركوا الأمويين يدخلون تحت عباءتهم حتى يستطيعوا أن يكونوا لهم جندا وعونا لا نِدّا ومنافسا، كما رأينا النتيجة بأعيننا.

وهذا أيضا المثل الأعلى والقدوة الحسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ماذا فعل بعد أن دخل مكة وكان أهلها قد آذوه هو وأصحابه وطردوهم منها، وماذا قال عن أبي سفيان وهو من هو قبل ذلك؟ ما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن دخل متواضعا وقال: من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن. أليس أبو سفيان هذا كان زعيم الكفر وزعيم المشركين في أحد والأحزاب؟! فلماذا إذن يقول عنه صلى الله عليه وسلم مثل هذا؟! إنما كان يريد صلى الله عليه وسلم أن يخطب وده ويضمه إلى صفه، وبالمثل فعل صلى الله عليه وسلم مع رءوس الكفر في مكه حين قال لهم: ما تظنون أني فاعل بكم؟" فقالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. فرد عليهم صلى الله عليه وسلم بمقولته التي وعاها التاريخ: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

وليس هذا فقط من كرم الأخلاق، ولكنه أيضا من فن معاملة الأعداء، وحسن السياسة والإدارة، فلنتخيل ماذا سيكون الموقف لو أن الرسول صلى الله عليه و سلم أقام الحد وقطع رؤءس هؤلاء الذين حاربوا دين الله سنوات وسنوات؟! بلا شك كان سيُحدث جيبا من الجيوب داخل مكه، وكان أهل مكه سينتهزون الفرصة تلو الفرصة للانقلاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وللانفصال من الخلافة الإسلامية.

لكن العجب العجاب كان في نتيجة ذلك بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، فقد ارتدّت جزيرة العرب جميعها، ولم يبق على الإسلام منها إلا المدينة المنورة ومكة المكرمة والطائف، وقرية صغيرة تسمى هجر، فقط ثلاث مدن وقرية واحدة، أي أن مكة التي لم تدخل في الإسلام إلا منذ أقل من ثلاث سنوات فقط قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت في تعداد هذه المدن القليلة جدا التي ثبتت على الإسلام ولم ترتد، وبلا شك فهو أثر فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم ينسوه، فكان أن استُوعبوا في داخل الدولة الإسلامية، وثبتوا وقت الزيغ.

هكذا لو فعل العباسيون واستوعبوا الأمويين في داخل الدولة العباسية. ولأنهم لم يفعلوا فكان أن اضطر الأمويون اضطرارا إلى الذهاب إلى هذه البلاد والانشقاق بها عن دولة المسلمين.

وواقع الأمر يقول أنه لو كان عبد الرحمن بن معاوية يضمن أن العلاء بن مغيث الحضرمي سوف يعفى عنه ويعطيه إمارة الأندلس، أو أي إمارة أخرى من إمارات الدولة العباسية إذا سلّم الأمر إليه لفعل، لكنه كان يعلم أنه لو قبض عليه لقتل في الحال هو ومن معه من الأمويين إن كانوا مرشحين للخلافة، وهذا بالطبع ما دفعه لأن يحاول مرة ومرتين وثالثة لأن يبقى على عهده من الجهاد ضد الدولة العباسية، وهو أمر مؤلم جدا وحلقة مفرغة دخل فيها المسلمون نتيجة العنف الشديد من قبل الدولة العباسية في بدء عهدها،

ولا شك أن الدولة العباسية قد غيّرت كثيرا من نهجها الذي اتبعته أولا، وتولى بعد ذلك رجال كثيرون حافظوا على النهج الإسلامي، بل إن أبا جعفر المنصور نفسه في آخر عهده كان قد غير ما بدأه بالمرة، لكن كانت هناك قسوة شديدة بهدف أن يستتب لهم الأمر في البلاد،

فمن يحاول أن يتذاكى على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم فستكون العاقبة دائما هي الخسران، وهكذا كان فقْد المسلمين لأرواح طاهرة ودماء كثيرة وطاقات متعددة، بل فقدوا الأندلس فلم تعد مددا للمسلمين طيلة عهدها، فالعنف في غير محله لا يورث إلا عنفا، وطريق الدماء لا يورث إلا الدماء، والسبل كثيرة، ولكن ليس إلا من سبيل واحد فقط، إنه الطريق المستقيم [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] {الأنعام:153} .

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

أخى الحبيب صبح

جزاك الله عنا كل خير

نعم إن التاريخ ملىء بالدروس

ولكن فى هذا الأسلوب الشيق تتناسج الدروس مع الأحداث

كأنها نور (أو صبح ) يضىء لنا نقاط كثيرة - من انفسنا - و من واقعنا

أرجو من كل من بالساحة و من كل مسلم ان يقرأها و يعيها و أن نتعاون جميعا على الإستفادة من كل ما جاء

أدع الله لنا اخى الصالح أن يرزقنا علما نافعا و أن ينفعنا بما علمنا سبحانه و تعالى

تم تعديل بواسطة أبو زياد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الفصل الخامس : الإمارة الأموية

وقفة مع عبد الرحمن الداخل في قضائه على الثائرين

ذكرنا سابقا أنه في خلال الأربع والثلاثين سنة الممتدة من بداية حكم عبد الرحمن الداخل وحتى نهايته كان هناك أكثر من خمس وعشرين ثورة في كل أنحاء الأندلس، وذكرنا أيضا كيف روّض بعضها وقمع غيرها بنجاح الواحدة تلو الأخرى، والتي كان من أهمها ثورة العباسيين التي قام بها العلاء بن مغيث الحضرمي، وكيف تم القضاء عليها.

وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل يجوز لعبد الرحمن الداخل أن يقاتل الثائرين وإن كانوا من المسلمين؟!

وحقيقة الأمر أن موقفه هذا في قتال الثائرين داخل أرض الأندلس لا غبار عليه؛ لأن الجميع كانوا قد اتفقوا عليه أميرا للبلاد، وقد جاء في صحيح مسلم عن عرفجة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ (أي مجتمع) عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ فَأَرَادَ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ.

ومن هنا فقد كان موقف عبد الرحمن الداخل صارما مع الثوار؛ وذلك لقمع الانقلابات المتكررة والتي تُضعف من جانب الأمن والاستقرار في البلاد.

إلا إنه من الإنصاف أن نذكر أنه رحمه الله كان دائما ما يبدأ بالاستمالة والسلم وعرض المصالحة، ويكره الحرب إلا إذا كان مضطرا.

وبلا شك فإن ثمن هذه الثورات كان غاليا جدا، ففي السنوات الأربع من بداية دخول عبد الرحمن بن معاوية إلى الأندلس، من سنة ثمان وثلاثين ومائة وحتى سنة اثنتين وأربعين ومائة من الهجرة سقطت كل مدن المسلمين التي كانت في فرنسا، وذلك بعد أن كان قد حكمها الإسلام طيلة سبع وأربعين سنة متصلة، منذ أيام موسى بن نصير رحمه الله وحتى زمن سقوطها هذا، وهكذا فإنها سنن الله الثوابت، ما إن شُغل المسلمون بأنفسهم إلا وكان التقلص والهزيمة أمرا حتميا

عبد الرحمن الداخل وبناء دولته الجديدة

حين استتب الأمر لعبد الرحمن الداخل في أرض الأندلس، وبعد أن انتهى نسبيا من أمر الثورات بدأ يفكر فيما بعد ذلك، فكان أن اهتم بالأمور الداخلية للبلاد اهتماما كبيرا، فعمل على ما يلي:

أولا: بدأ بإنشاء جيش قوي

وفي بنائه لجيشه الجديد عمل على ما يلي:

1) اعتمد في تكوينة جيشه على العناصر التالية:

أ - اعتمد في الأساس على عنصر المولّدين، وهم الذين نشأوا - كما ذكرنا - نتيجة انصهار وانخراط الفاتحين بالسكان الأصليين من أهل الأندلس، وكانوا يمثلون غالبية بلاد الأندلس.

ب - اعتمد على كل الفصائل والقبائل الموجودة في بلاد الأندلس، فضم إليه كل الفصائل المضرية سواء أكانت من بني أمية أو من غير بني أمية، وضم إليه كل فصائل البربر، كما كان يضم إليه رءوس القوم ويتألفهم فيكونون عوامل مؤثرة في أقوامهم، بل إنه ضم إليه اليمنيين مع علمه بأن أبا الصباح اليحصبي كان قد أضمر له مكيدة، الأمر الذي جعله يصبر عليه حتى تمكن من الأمور تماما ثم تخلص منه - كما ذكرنا - بعد إحدى عشرة سنة كاملة من توليه الحكم في البلاد.

ج - كذلك اعتمد على عنصر الصقالبة، وهم أطفال نصارى كان قد اشتراهم عبد الرحمن الداخل من أوروبا، ثم قام بتربيتهم وتنشئتهم تنشئة إسلامية عسكرية صحيحة.

وبرغم قدوم عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس وحيدا، فقد وصل تعداد الجيش الإسلامي في عهده إلى مائة ألف فارس غير الرجّالة، مشكّل من كل هذه العناصر السابقة، والتي ظلت عماد الجيش الإسلامي في الأندلس لدى أتباع وخلفاء وأمراء بني أمية من بعده.

2) أنشأ رحمه الله دورا للأسلحة، فأنشأ مصانعا للسيوف وأخرى للمنجنيق، وكان من أشهر هذه المصانع مصانع طليطلة ومصانع برديل.

3) أنشأ أيضا أسطولا بحريا قويا، بالإضافة إلى إنشاء أكثر من ميناء كان منها ميناء طرطوشة وألمرية وأشبيليّة وبرشلونة وغيرها من الموانئ.

4) كان رحمه الله يقسم ميزانية الدولة السنوية إلى ثلاثة أقسام: قسم ينفقه بكامله على الجيش، والقسم الثاني لأمور الدولة العامة من مؤن ومعمار ومرتبات ومشاريع وغير ذلك، والقسم الثالث كان يدخره لنوائب الزمان غير المتوقعة.

ثانيا: أولى العلم والجانب الديني اهتماما بالغا:

أعطى عبد الرحمن الداخل العلم والجانب الديني المكانة اللائقة بهما، فعمل على الآتي:

- نشْر العلم وتوقير العلماء.

- اهتم بالقضاء وبالحسبة.

- اهتم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

- كان من أعظم أعماله في الناحية الدينية بناء مسجد قرطبة الكبير، والذي أنفق على بنائه ثمانين ألفا من الدنانير الذهبية، وقد تنافس الخلفاء من بعده على زيادة حجمه حتى تعاقب على اكتماله في شكله الأخير ثمان خلفاء من بني أميّة.

ثالثا: العناية الكبيرة بالجانب الحضاري (المادي):

ويبرز ذلك في الجوانب التالية:

- اهتمامه الكبير بالإنشاء والتعمير، وتشييد الحصون والقلاع والقناطر، وربطه أول الأندلس بآخرها.

- إنشائه أول دار لسك النقود الإسلامية في الأندلس.

- إنشائه الرصافة، وهي من أكبر الحدائق في الإسلام، وقد أنشأها على غرار الرصافة التي كانت بالشام، والتي أسسها جده هشام بن عبد الملك رحمه الله وقد أتى لها بالنباتات العجيبة من كل بلاد العالم، والتي إن كانت تنجح زراعتها فإنها ما تلبث أن تنتشر في كل بلاد الأندلس.

رابعا: حماية حدود دولته من أطماع الأعداء:

بالإضافة إلى إعداده جيشا قويا- كما وضحنا سابقا- وتأمينا لحدود دولته الجديدة قام عبد الرحمن الداخل بخوض مرحلتين مهمتين:

المرحلة الأولى: كان عبد الرحمن الداخل يعلم أن الخطر الحقيقي إنما يكمن في دولتي ليون في الشمال الغربي، وفرنسا في الشمال الشرقي من بلاد الأندلس، فقام بتنظيم الثغور في الشمال، ووضع جيوشا ثابتة على هذه الثغور المقابلة لهذه البلاد النصرانية، وأنشأ مجموعة من الثغور كما يلي:

- الثغر الأعلى، وهو ثغر سراقسطة في الشمال الشرقي في مواجهة لفرنسا.

- الثغر الأوسط، ويبدأ من مدينة سالم ويمتد حتى طليطلة.

- الثغر الأدنى، وهو في الشمال الغربي في مواجهة مملكة ليون النصرانية.

المرحلة الثانية: كان رحمه الله قد تعلم من آبائه وأجداده عادة عظيمة جدا، وهي عادة الجهاد المستمر وبصورة منتظمه كل عام، فقد اشتهرت الصوائف في عهده، حيث كان المسلمون يخرجون للجهاد في الصيف، وبصورة منتظمة وذلك حين يذوب الجليد، وكان يتناوب عليهم فيها كبار قواد الجيش، وأيضا كان يُخرج الجيوش الإسلامية إلى الشمال كل عام بهدف الإرباك الدائم للعدو، وهو ما يسمونه الآن في العلوم العسكريه بالهجوم الإجهاضي المسبق.

عبد الرحمن الداخل.. الأمير الفَذ

لولا عبد الرحمن الداخل لانتهى الإسلام من الأندلس بالكلية، هكذا قال المؤرخون عن عبد الرحمن بن معاوية، وإنا لتعلونا الدهشة ويتملكنا العجب حين نعلم أن عمره حينذاك لم يتجاوز الخامسة والعشرين عاما، أي في سن خريج جامعة في العصر الحديث.

ملَك من السماء، أم ماذا هو؟! لن نذهب بعيدا، وسنترك الحديث عنه إلى ابن حيّان الأندلسي، ولنعي ما يقوله عنه، يقول ابن حيان مستعرضا بعضا من صفات عبد الرحمن الداخل:

كان عبد الرحمن الداخل راجح العقل، راسخ الحلم، واسع العلم، ثاقب الفهم، كثير الحزم، نافذ العزم، بريئا من العجز، سريع النهضة، متصل الحركة، لا يخلد إلى راحة، ولا يسكن إلى دعة، بعيد الغور، شديد الحدة، قليل الطمأنينة، بليغا مفوّها، شاعرا محسنا، سمحا سخيا، طلق اللسان، وكان قد أعطي هيبة من وليّه وعدوّه، وكان يحضر الجنائز ويصلي عليها، ويصلي بالناس الجمع والأعياد إذا كان حاضرا، ويخطب على المنبر، ويعود المرضى. انتهى كلامه رحمه الله.

شخصية تُشخِص الأبصار وتبهر العقول، فمع رجاحة عقله وسعة علمه كان لا ينفرد برأيه، فإذا اجتمعت الشورى على رأي كان نافذ العزم في تطبيقه رحمه الله، ومع شدته وحزمه وجهاده وقوته كان رحمه الله شاعرا محسنا رقيقا مرهف المشاعر.

ومع هيبته عند أعدائه وأوليائه إلا أنه كان يتبسط مع الرعية، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم، ويصلي بهم ومعهم، ومع كونه شديد الحذر قليل الطمأنينه، فلم يمنعه ذلك من معاملة الناس والاختلاط بهم ودون حراس، حتى خاطبه المقربون في ذلك وأشاروا عليه ألا يخرج في أوساط الناس حتى لا يتبسطوا معه، ولكن كيف يمتنع عن شعبه وهو المحبوب بينهم والمقرّب إلى قلوبهم؟! ولقد صدق من قال: حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر.

فكان له حقا أن يأتي إلى هذه البلاد وحيدا مطاردا مطلوب الرأس، تجري وراءه قوى الأرض جميعا، فعباسيون في المشرق، وخوارج في المغرب، ومن بعدهم نصارى في الشمال، وثورات في الداخل، ثم هو يقوم وسط هذه الأجواء بتأسيس هذا البنيان القوي، وهذه الدولة الإسلامية ذات المجد التليد.

ونستطيع أن نفهم شخصيته بصورة أوضح حين نعلم كيف كان في معاملته للناس، فقد جاء أن أحد الناس طلب منه حاجة أمام أعين الحاضرين، فقضاها له ثم قال له: إذا ألم بك خطب أو حَزَبك أمر فارفعه إلينا في رقعة لا تعدوك؛ كي نستر عليك، وذلك بعد رفعك لها إلى مالكك ومالكنا - عز وجهه - بإخلاص الدعاء وصدق النيّة.

إنها لتربية ربانية لشعبه، كل شعبه، فهو يريد رحمه الله أن يربط الناس بخالقهم، يريد أن يعلمهم أن يرفعوا حاجتهم إليه أولا سبحانه وتعالى، يريد أن يعلمهم أنه سبحانه وتعالى يملكه ويملكهم جميعا، ثم مراعاة لعواصف النفس الداخلية، وحفظا لماء وجه الرعية عند السؤال قال له: فارفع إلينا حاجتك في رقعة كي نستر عليك ولا يشمت أحد فيك.

وها هو رحمه الله يدخل عليه أحد الجنود ذات يوم كان قد انتصر فيه على النصارى، فتحدث معه الجندي بأسلوب فيه رفع صوت وإساءة أدب، فما كان منه رحمه الله إلا أن أخذ يعلمه خطأه ويقول له: يا هذا، إني أعلمك من جهل، إنه يشفع لك في هذا الموقف هذا النصر الذي نحن فيه؛ فعليك بالسكينة والوقار؛ فإني أخاف أن تسيء الأدب في يوم ليس فيه نصر فأغضب عليك. فإذا بالجندي وقد وعى أمره يرد عليه ردا لبيبا ويقول له: أيها الأمير، عسى الله أن يجعل عند كل زلة لي نصر لك فتغفر لي زلاتي. وهنا علم عبد الرحمن الداخل أن هذا ليس اعتذار جاهل؛ فأزاح الضغينة من قلبه وقرّبه إليه ورفع من شأنه.

الإمارة الأموية وفتراتها الثلاث

ظل عبد الرحمن الداخل يحكم الأندلس منذ سنة ثمان وثلاثين ومائة من الهجرة، وحتى سنة اثنتين وسبعين ومائة من الهجرة، أي قرابة أربعة وثلاثين عاما، وكانت هذه هي بداية تأسيس عهد الإمارة الأموية، والتي استمرت من سنة ثمان وثلاثين ومائة من الهجرة وحتى سنة ست عشرة وثلاثمائة من الهجرة.

ولفهم عهد الإمارة الأموية يمكننا تقسيمه إلى فترات ثلاث كما يلي:

الفترة الأولى: واستمرت مائة عام كاملة، من سنة ثمان وثلاثين ومائة وحتى سنة ثمان وثلاثين ومائتين من الهجرة، وتعتبر هذه الفترة هي فترة القوة والمجد والحضارة، وكان فيها هيمنة للدولة الإسلامية على ما حولها من مناطق.

الفترة الثانية: وتعد فترة ضعف، وقد استمرت اثنين وستين عاما، من سنة ثمان وثلاثين ومائتين وحتى سنة ثلاثمائة من الهجرة.

الفترة الثالثة: وهي الأخيرة وهي ما بعد سنة ثلاثمائة.

الفترة الأولى من الإمارة الأموية (فترة القوة)

تمثل هذه الفترة عهد القوة في فترة الإمارة الأموية، كانت البداية فيها -كما ذكرنا - لعبد الرحمن الداخل رحمه الله ثم خلفه من بعده ثلاثة من الأمراء، كان أولهم هشام بن عبد الرحمن الداخل، وقد حكم من سنة اثنين وسبعين ومائة وحتى سنة ثمانين ومائة من الهجرة.

عهد هشام بن عبد الرحمن الداخل

بعد فترة طويلة من الاختبارات والمشاورات كان عبد الرحمن الداخل قد استقر من بين ابنيه الأكبر سليمان والأصغر هشام على ابنه هشام، فولاّه العهد مع كونه أصغر من أخيه سليمان، وقد صدق حدسه فيه؛ حيث كان الناس يشبهونه بعد ذلك بعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في علمه وعمله وورعه وتقواه.

كان هشام بن عبد الرحمن الداخل عالما محبا للعلم، قد أحاط نفسه رحمه الله بالفقهاء، وكان له أثر عظيم في بلاد الأندلس بنشره اللغة العربية فيها، وقد أخذ ذلك منه مجهودا وافرا وعظيما، حتى لقد أصبحت اللغة العربية تُدرّس في معاهد اليهود والنصارى في داخل أرض الأندلس، ثم قام أيضا بنشر المذهب المالكي بدلا من المذهب الأوزاعي، هذا فضلا عن صولاته وجولاته الكثيرة في الشمال مع الممالك النصرانية.

عهد الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل

تولى بعد هشام بن عبد الرحمن الداخل ابنه الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، وذلك من سنة ثمانين ومائة وحتى سنة ست ومائتين من الهجرة، لكن الحكم هذا لم يكن على شاكلة أبيه ولا على شاكلة جده، فكان قاسيا جدا، فرض الكثير من الضرائب، واهتم بالشعر والصيد، وقاوم الثورات بأسلوب غير مسبوق في بلاد الأندلس في عهد الإمارة الأموية، حيث كان يحرق بيوت الثائرين، وكان يطردهم خارج البلاد.

ومن أشهر الثورات التي قمعها الحكم بن هشام ثورة الربض، وهم قوم كانوا يعيشون في منطقة جوار قرطبة، وقد ثار أهلها ثورة كبيرة جدا عليه، فأحرق ديارهم وطردهم خارج البلاد، ورغم ما في هذا الأمر من القسوة وغيرها فإنه حين طرد الربضيين خارج البلاد فقد انتقلوا إلى جزيرة كريت في عرض البحر الأبيض المتوسط، وأسسوا بها مملكة إسلامية ظلت قائمة مائة عام متصلة.

ورغم أفعاله تلك إلا أن الحكم بن هشام لم يوقف حركة الجهاد؛ وذلك لأن الجهاد كان عادة في الإمارة الأموية سواء في بلاد الشام أو في بلاد الأندلس، لكن كانت له انتصارات وهزائم في نفس الوقت، وكنتيجه طبيعية لهذا الظلم الذي كان عنده، وهذه العلاقة التي ساءت بين الحاكم والمحكوم سقطت بعض البلاد الإسلامية في يد النصارى، فسقطت برشلونة وأصبحت تُكّون إمارة نصرانية صغيرة في الشمال الشرقي عرفت في التارخ باسم إمارة أراجون، وكانت متاخمة لحدود فرنسا بجوار جبال البيرينيه في الشمال الشرقي للبلاد.

لكن الحكم بن هشام بفضل من الله ومنٍ عليه أنه تاب عن أفعاله في آخر عهده، ورجع عن ظلمه، واستغفر واعتذر للناس عن ذنوبه، ثم اختار من أبنائه أصلحهم وإن لم يكن الأكبر ليكون وليا لعهده، وكان من حسن خاتمته أنه قام بهذا الاعتذار وهذه التوبة وهو في كامل قوته وبأسه، وذلك قبل موته بعامين.

عهد عبد الرحمن الأوسط

بعد الحكم بن هشام تولى ابنه عبد الرحمن الثاني، وهو المعروف في التاريخ باسم عبد الرحمن الأوسط (فهو الأوسط بين عبد الرحمن الداخل وعبد الرحمن الناصر كما سيأتي)، وقد حكم من سنة ست ومائتين وحتى آخر الفترة الأولى (عهد القوة) من عهد الإمارة الأموية، وذلك سنة ثمان وثلاثين ومائتين من الهجرة، وتعد فترة حكمه هذه من أفضل فترات تاريخ الأندلس، فاستأنف الجهاد من جديد ضد النصارى في الشمال وألحق بهم هزائم عدة، وكان حسن السيرة، هادئ الطباع، محبا للعلم محبا للناس.

ومن أهم ما ميز عهد عبد الرحمن الأوسط الأمور الثلاثة التالية:

أولا: ازدهار الحضارة العلمية:

كان عبد الرحمن الأوسط لتقديره العلم يستقدم العلماء من بغداد ومن كل بلاد العالم الإسلامي، فجاءوا إلى بلاد الأندلس وعظمهم وأكرمهم ورفع من شأنهم، وأسس نواة مكتبة قرطبة العظيمة، وأشاع التعليم في كل بلاد الأندلس.

وقد اشتهر العلماء في هذه الفترة في كل مجالات العلوم، وكان من أشهرهم في ذلك الوقت عباس بن فرناس رحمه الله، وهو أول من قام بمحاولة طيران في العالم، وقد راح ضحية هذه المحاولة البكر، وفضلا عن هذا فقد كانت له اختراعات كثيرة في شتى المجالات، فاخترع آله لتحديد الوقت، واخترع آله تشبه قلم الحبر، وقد كان لهذا الاختراع أهمية كبيرة في ذلك الزمن الذي انتشر فيه العلم والتعليم، ويعد أيضا أول من اخترع الزجاج من الحجارة.

ثانيا: ازدهار الحضارة المادية:

اهتم عبد الرحمن الأوسط بالحضارة المادية (العمرانية والاقتصادية وغيرها) اهتماما كبيرا، فازدهرت حركة التجارة في عهده، ومن ثم كثرت الأموال؛ الأمر الذي أجمع فيه المؤرخون أنه لم يكن هناك في الأندلس ما نسميه بـ "عادة التسول"، كانت هذه العادة منتشرة في بعض البلاد الإسلامية الأخرى لكنها لم تُعرف أصلا في بلاد الأندلس.

كذلك تقدمت وسائل الري في عهده بشكل رائع، وتم رصف الشوارع وإنارتها ليلا في هذا العمق القديم جدا في التاريخ، الوقت الذي كانت أوروبا تعيش فيه في جهل وظلام دامس، كما أقام القصور المختلفة والحدائق الغنّاء، وتوسع جدا في ناحية المعمار حتى كانت المباني الأندلسية آية في المعمار في عهده رحمه الله.

ثالثا: وقف غزوات النورمان:

النورمان هم أهل إسكندنافيا، وهي بلاد تضم الدانمارك والنرويج وفنلندا والسويد، وقد كانت هذه البلاد تعيش في همجية مطلقة، فكانوا يعيشون على ما يسمى بحرب العصابات، فقاموا بغزوات عرفت باسم غزوات الفايكنج، وهي غزوات إغارة على أماكن متفرقة من بلاد العالم، ليس من هم لها إلا جمع المال وهدْم الديار.

في عهد عبد الرحمن الأوسط وفي سنة ثلاثين ومائتين من الهجرة هجمت هذه القبائل على أشبيلية من طريق البحر في أربع وخمسين سفينة، دخلوا فأفسدوا فسادا كبيرا، فدمروا أشبيلية تماما، ونهبوا ثرواتها، وهتكوا أعراض نسائها، ثم تركوها إلى شذونة وألمرية ومرسيه وغيرها من البلاد فأشاعوا الرعب وعم الفزع، وهذه هي طبيعة الحروب المادية بصفة عامة، وشتّان بين المسلمين في فتحهم للبلاد وبين غيرهم في معاركهم.

ما كان من عبد الرحمن الأوسط رحمه الله إلا أن جهز جيشه وأعد عدته، ولأكثر من مائة يوم كاملة دارت بينه وبينهم معارك ضارية، أغرقت خلالها خمس وثلاثين سفينة للفايكنج، ومنّ الله على المسلمين بالنصر، وعاد النورمان إلى بلادهم خاسئين.

لم يجنح عبد الرحمن الأوسط رحمه الله بعدها إلى الدعة أو الخمول، وإنما عمل على تفادي تلك الأخطاء التي كانت سببا في دخول الفايكنج إلى بلاده فقام بما يلي:

أولا: رأى أن أشبيلية تقع على نهر الوادي الكبير الذي يصب في المحيط الأطلنطي، ومن السهولة جدا أن تدخل سفن الفايكنج أو غيرها من المحيط الأطلنطي إلى أشبيلية، فقام بإنشاء سور ضخم حول أشبيلية، وحصّنها تحصينا ظلت بعده من أحصن حصون الأندلس بصفة عامة.

ثانيا: لم يكتف بذلك بل قام أيضا بإنشاء أسطولين قويين جدا، أحدهما في الأطلسي والآخر في البحر الأبيض المتوسط، وذلك حتى يدافع عن كل سواحل الأندلس، فكانت هذه الأساطيل تجوب البحار وتصل إلى أعلى حدود الأندلس في الشمال عند مملكة ليون، وتصل في البحر الأبيض المتوسط حتى إيطاليا.

وكان من نتيجة ذلك أنه فتح جزر البليار للمرة الثانية، (كنا قد ذكرنا أن الذي فتحها للمرة الأولى كان موسى بن نصير رحمه الله وذلك قبل فتح الأندلس سنة إحدى وتسعين من الهجرة، ثم سقطت في أيدي النصارى في عهد الولاة الثاني حين انحدر حال المسلمين آنذاك، وهنا وفي سنة أربع وثلاثين ومائتين من الهجرة تم فتحها ثانية).

كذلك كان من نتيجة هزيمة الفايكنج في هذه الموقعة قدوم سفارة من الدانمارك محملة بالهدايا تطلب ود المسلمين، وتطلب المعاهدة معهم، وهكذا فالبعض من البشر لا تردعه إلا القوة ولا تصده إلا لغة الأقوياء.

الفترة الثانية من الإمارة الأموية (فترة الضعف)

بوفاة عبد الرحمن الأوسط رحمه الله يبدأ عهد جديد في بلاد الأندلس، وهو فترة الضعف في الإمارة الأموية، ويبدأ من سنة ثمان وثلاثين ومائتين وحتى سنة ثلاثمائة من الهجرة، أي حوالي اثنتين وستين سنة.

تولى بعد عبد الرحمن الأوسط ابنه محمد بن عبد الرحمن الأوسط ثم اثنين من أولاده المنذر ثم عبد الله، وحقيقة الأمر أن الإنسان ليتعجب: كيف بعد هذه القوة العظيمة والبأس الشديد والسيطرة على بلاد الأندلس وما حولها يحدث هذا الضعف وهذا السقوط وهذا الانحدار؟!

فمن سنن الله سبحانه وتعالى أن الأمم لا تسقط فجأة، بل إن الأمر يكون متدرجا وعلى فترات طويلة، فهذا عهد الولاة الثاني - كما ذكرنا - كان السبب في ضعفه

أولا: انفتاح الدنيا وحب الغنائم.

ثانيا: القبلية والقومية.

ثالثا: ظلم الولاة.

رابعا: ترك الجهاد.

وكل هذه الأسباب لم تنشأ فجأة، وإنما كانت بذورها قد نشأت منذ أواخر عهد القوة من عهد الولاة أثناء وبعد موقعة بلاط الشهداء.

إذن لكي نفهم سبب ضعف الإمارة الأموية علينا أن نرجع قليلا، وندرس الفترة الأخيرة من عهد القوة، ونبحث فيها عن بذور الضعف والأمراض التي أدّت إلى هلكة أو ضعف الإمارة الأموية في هذا العهد الثاني.

عوامل وأسباب ضعف الإمارة الأموية:

كان من أهم أسباب ضعف الإمارة الأموية ما يلي:

أولا: كثرة الأموال وانفتاح الدنيا على المسلمين من جديد:

من جديد كانت الدنيا قد انفتحت على المسلمين، وكثرت الأموال في أيديهم، وقد زاد هذا بشدة في أواخر عهد القوة من الإمارة الأموية، فكانت قد ازدهرت التجارة كثيرا، ولم يوجد هناك في البلاد فقير، وفتن الناس بالمال، وتكرر ثانية هنا حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم: فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ. وقال أيضا صلى الله عليه وسلم : إِنَّ لِكُلِّ أُمّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ. ومرارا وتكرارا حذر صلى الله عليه وسلم من الدنيا وقلل من قيمتها، فكان يقول: مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا كَمَا يَضَعُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ.

ثانيا: زرياب

اسم ليس بغريب لكنه كان كدابة الأرض التي أكلت منسأة سليمان عليه السلام فسقط جسده على الأرض، زرياب هذا كان من مطربي بغداد، تربى هناك في بيوت الخلفاء والأمراء حيث كان يغني لهم ويطربهم، وكان معلمه هو إبراهيم الموصلي كبير مطربي بغداد في ذلك الوقت.

مع كر الأيام ومر السنين لمع نجم زرياب في بغداد فغار منه إبراهيم الموصلي، فدبر له مكيدة فطُرد من البلاد، كانت مشارق الأرض الإسلامية ومغاربها متسعة جدا في ذلك الوقت، وبعد حيرة وجد زرياب ضالته في الأندلس؛ حيث الأموال الكثيرة والحدائق والقصور، وهي صفات كثيرا ما يعشقها أمثال هؤلاء، وبالمقابل فمثلها أيضا تكون أرضا خصبة لاستقبال وإيواء أمثالهم.

الأندلس إلى هذه الفترة لم تكن تعرف الغناء، إلا أن زرياب ذهب إلى هناك فاستقبلوه وعظموه وأحسنوا وفادته، حتى دخل على الخلفاء، ودخل بيوت العامه ونواديهم، فأخذ يغني للناس وأخذ يعلمهم ما قد تعلمه في بغداد، ولم يكتف زرياب بتعليمهم الغناء وتكوين ما يسمى بـ الموشحات الأندلسية، لكنه بدأ يعلمهم فنون (الموضة) وملابس الشتاء والصيف والربيع والخريف، وأن هناك ملابس خاصة بكل مناسبة من المناسبات العامة والخاصة.

الناس في الأندلس لم يكونوا على هذه الشاكلة إلا أنهم أخذوا يسمعون من زرياب ويتعلمون، خاصة وأنه قد بدأ يعلمهم أيضا فنون الطعام كما ملابس الموضة تماما، وأخذ يحكي لهم حكايات الأمراء والخلفاء والأساطير والروايات وما إلى ذلك حتى تعلّق الناس به بشدّة، وتعلّق الناس بالغناء وكثر المطربون في بلاد الأندلس، ثم بعد ذلك انتشر الرقص، وكان في البداية بين الرجال ثم انتقل إلى غيرهم وهكذا.

الغريب أن دخول زرياب إلى أرض الأندلس كان في عهد عبد الرحمن الأوسط رحمه الله ذلك الرجل الذي اهتم بالعلم والحضارة والعمران والاقتصاد وما إلى ذلك، لكنه - وللأسف - ترك زرياب يفعل كل هذه الأمور وينخر في جسد الأمة من دون أن يدري أحد.

ففي الوقت الدي انتعشت فيه النهضة العلمية وكثر العلماء، إلا أن كلام زرياب المنمق وإيقاعه الرنان صرف الناس عن سماع العلماء إلى سماعه هو، وصرف الناس عن سماع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن سماع قصص السلف الصالح إلى سماع حكاياته العجيبة وأساطيره الغريبة، بل والله لقد صُرف الناس عن سماع القرآن الكريم إلى سماع أغاني زرياب.

وهذا ليس بعجيب أو جديد؛ ففي بداية دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، وحين رآه النضر بن الحارث وكان من رءوس الكفر يخاطب الناس بالقرآن فيتأثرون ويؤمنون بهذا الدين، ما كان منه إلا أن قطع أميالا طويلة وذهب إلى بلاد فارس، وقضى هناك فترات كثيرة يتعلم حكايات رستم واسفنديار، ويتعلم الأساطير الفارسية، ثم اشترى غانيتين وعاد إلى مكة، وفي مكة كان النضر بن الحارث يقوم بحرب مضادة للدعوة الإسلامية، فكان إذا وجد في قلب رجل ميلا إلى الإسلام أرسل له الغانيتين تغنيانه ما كان في بلاد فارس من حكايات رستم واسفنديار حتى يلهياه عن هذا الدين، وظل على هذا النحو حتى لقد أنزل الله - سبحانه وتعالى - فيه قرآنا يتلى إلى يوم القيامة: [وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ] {لقمان:6} . وقد أقسم عبد الله بن مسعود رحمه الله أنها ما نزلت إلا في الغناء.

وهكذا؛ فلا يهدأ الشيطان ولا ينام حتى في وجود هذه النهضة العلمية، [ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ] {الأعراف:17} . فكلما زاد الاهتمام بالدين وارتقى مستوى الإيمان عند الناس وتعلقت قلوبهم بالمساجد، كلما نشط الشيطان وزادت حركته عبر طريق زرياب ومن سار على نهجه.

وللأسف فإنه بالرغم من مرور أكثر من ألف ومائتى عام على وفاة زرياب هذا، إلا أن له شهرة واسعة في كل بلاد المغرب العربي، فلم يسمع الكثير من الناس عن السمح بن مالك الخولاني وعنبسة بن سحيم رحمهم الله ولم يسمعوا عن عقبة بن الحجاج أو سيرة عبد الرحمن الداخل أو عبد الرحمن الأوسط، ولم يسمعوا عن كثير من قواد المسلمين في فارس والروم وفي بلاد أفريقيا والأندلس لكنهم سمعوا عن زرياب، ويعرفون سيرته وتفاصيل حياته، بل إن موشحاته الأندلسية ما زالت إلى يومنا هذا تغنى في تونس والمغرب والجزائر، ومازالت تُدرّس سيرته الذاتيه هناك على أنه رجلا من قواد التنوير والنهضة، يمجَّد في حربه ضد الجمود وكفاحه من أجل الفن، ولا يعلم الناس أن زرياب هذا ومن سار على طريقه كان سببا رئيسيا في سقوط بلاد الأندلس، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ثالثا: عمر بن حفصون

عمر بن حفصون هذا هو جون جارنج السوداني باصطلاح العصر الحديث، وهو مسلم من المولدين، أي من أهل الأندلس الأصليين، كان عمر بن حفصون قاطعا للطريق وكان يتزعم عصابة من أربعين رجلا، حين بدأ الناس يركنون إلى الدنيا ويتركون الجهاد في سبيل الله زاد حجمه، واشتد خطره، وبدأ يثور في منطقة الجنوب حتى أرهب الناس في هذه المنطقة، وأخذ يجمع حوله الأنصار إلى أن زاد حجمه كثيرا، فسيطر على كل الجنوب الأندلسي.

في سنة ست وثمانين ومائتين من الهجرة قام عمر بن حفصون بعمل لم يتكرر كثيرا في التاريخ الإسلامي بصفة عامة وتاريخ الأندلس بصفة خاصة، فلكي يعضد من قوته في آخر عهده، وبعد اثنين وعشرين عاما من ثورته انقلب على عقبيه وتحول من الإسلام إلى النصرانية، وسمّى نفسه صمويل، وذلك بهدف كسب وتأييد مملكة ليون النصرانية في الشمال، وهو وإن كان قد تركه بعض المسلمين الذين كانوا معه إلا إنه نال بالفعل تأييد مملكة ليون، الوقت الذي تزامن مع توقف الجهاد في ممالك النصارى.

بدأت مملكة ليون تتجرأ على حدود الدولة الإسلامية، فبدأت تهاجمها من الشمال وعمر بن حفصون أو صمويل من جهة الجنوب، تماما كما كانت تفعل أمريكا واليهود مع جون جرنج المتمرد في جنوب السودان، والهدف لا يخفى على الجميع، فحين يمدونه بالسلاح والخطط والخرائط، والأغذية والأموال والمؤن وغيرها، فستضعف السودان وتضرب من الداخل، وتشغل بنفسها، ومن ثم يتوقف المد الإسلامي من السودان إلى بلاد وسط وجنوب إفريقيا.

وهذا بالضبط ما حدث في الأندلس مع عمر بن حفصون، وحدث قبل ذلك بكثير في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين راسلت قريش عبد الله بن أبي بن سلول في المدينة المنورة، وشجعته كثيرا على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم وطرده من بلاده.

نظرة تحليلية على الوضع أواخر عهد الضعف

بعد اثنين وستين عاما من الضعف الشديد وتفاعل عوامل السقوط مع بعضها البعض، إليك نظرة عامة على طبيعة الوضع في بلاد الأندلس أواخر عهد الضعف في الإمارة الأموية، أي سنة ثلاثمائة من الهجرة، وإيضاح أهم الملامح التي سادت هذا العصر التي كانت من فعل ونتاج عوامل الضعف، فكان ما يلي:

أولا: تصاعد وكثرة الثورات داخل الأندلس:

كان هناك ثوارت لا حصر لها داخل الأندلس، بل واستقلالات في كثير من المناطق، والتي كان من أشهرها استقلال صمويل أو عمر بن حفصون، حيث استقل بالجنوب وكوّن ما يشبه الدويلة، فضم إليه الكثير من الحصون، حتى ضم كل حصون أستجّة وجيّان، والتي كانت عند فتح الأندلس من أحصن المناطق الأندلسية على الإطلاق، وكذلك كانت غرناطة إحدى المدن التي في حوزته، والتي اتخذ لها عاصمة سمّاها (بابشتر) وتقع في الجنوب بجوار ألمريّة على ساحل البحر الأبيض المتوسط.

كان من هذه الثورات الكبيرة أيضا ثورة ابن حجاج في أشبيليّة، وكانت هذه الثورة تمد وتساعد عمر بن حفصون أو صمويل في ثورته ضد قرطبة.

ومثلها كانت ثورة ثالثة في شرق الأندلس في منطقة بلنسية، ورابعة في منطقة سرقسطة في الشمال الشرقي، حيث استقلت إمارة سرقسطة أيضا عن الإمارة الأموية في قرطبة، وخامسة في غرب الأندلس يقودها عبد الرحمن الجليقي، وسادسة في طليطلة، وهكذا ثورات وثورات أدت في نهاية الأمر إلى أن الحكومه المركزية للإمارة الأموية في قرطبة لم تعد تسيطر في كل بلاد الأندلس إلا على مدينة قرطبة وحدها، إضافة إلى بعض القرى التي حولها.

ومن ثم فقد انفرط العقد تماما في سنة ثلاثمائة من الهجرة، وتوزعت الأندلس بين كثير من القواد، كُلّ يحارب الآخر وكُلّ يبغي ملكا ومالا.

ثانيا: تكوّن مملكة نصرانية ثالثة

ذكرنا سابقا أنه كان هناك مملكتان نصرانيتان، هما مملكة ليون في الشمال الغربي ومملكة أراجون في الشمال الشرقي وعاصمتها برشلونة، واللتان تكونتا زمن ضعف المسلمين في عهد الولاة الثاني، وهنا وفي الفترة الثانية من فترتي الإمارة الأموية تكونت في الشمال أيضا مملكة نصرانية ثالثة كانت قد انفصلت عن مملكة ليون، وهي مملكة أو إمارة نافار وتكتب في بعض الكتب العربية "ناباره"، وتعرف الآن في أسبانيا بإقليم الباسك، ذلك الإقليم الذي يحاول الانشقاق عن أسبانيا .

هذه الممالك النصرانيّة الثلاث بعد أن كانت تخاف المسلمين في عهد الإمارة الأموية الأول تجرأت كثيرا على البلاد الإسلامية، فهاجمت شمال الأندلس وبدأت تقتل المسلمين المدنيين في مدن الأندلس الشمالية.

ثالثا: قتل ولي العهد

أمر خطير آخر قد ظهر، وهو يعبر عن مدى المأساة والفتنة في ذلك الوقت، وهو أن ولي العهد للأمير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط الذي كان يحكم البلاد في ذلك الوقت قتله أخوه المطرف بن عبد الله، وكان ولي العهد هذا يسمى محمد بن عبد الله، فأصبح الوضع من الخطورة بمكان.

وهكذا يكون الحال حين يختلف المسلمون ويفترقوا، وحين ينشغلوا بدنياهم وبزريابهم وبأنفسهم، حكومات نصرانية في الشمال تهاجم المسلمين، ثورات واستقلالات في الداخل، قتل لولي العهد القادم، بلاد إسلامية واسعة بدون ولي عهد في هذه المرحلة الحرجة

رابعا: ظهور نجم دولة شيعية في بلاد المغرب كانت من أخطر الدول على بلاد الأندلس

زاد الأمور سوءا في بلاد الأندلس ظهور دولة جديدة في بلاد المغرب كانت من أشد الدول خطورة على بلاد الأندلس، وهي الدولة المسمّاة بالفاطميّة، واسمها الصحيح الدولة العبيدية.

ظهرت الدولة العبيدية في بلاد المغرب العربي سنة ست وتسعين ومائتين من الهجرة، أي قبل سنة ثلاثمائة (نهاية الفترة الثانية من الإمارة الأموية) بأربع سنوات فقط، وكانت دولة شيعية خبيثة همها الأول قتل علماء السنّة في بلاد المغرب العربي، ومحاولة نشر نفوذها في هذه المنطقة، فانتشرت بصورة سريعة من بلاد المغرب إلى الجزائر إلى تونس، ثم إلى مصر والشام والحجاز وغيرها.

ويكمن خطرها على بلاد الأندلس في أنها ساعدت عمر بن حفصون وأمدته بالسلاح والمؤن والغذاء عن طريق مضيق جبل طارق من الجنوب؛ وذلك لأن عمر بن حفصون أو صمويل كان يعادي ويحارب الخلافة الأموية السنية الموجودة في قرطبة.

خامسا: تفشي السلبية وتوقف التفكير في الجهاد

كان حال الشعب في هذه الفترة قد تغير بالمرة؛ فلم يعد يفكر في الجهاد، وانتشرت الروح السلبيّة بين الناس، واعتقدوا أنّه لا فائدة وليس هناك طائل من محاولة التغيير، ورأوا أن الأمر قد ضاع، وفُقد من أيديهم بالكلية ولا أمل في الإصلاح.

سادسا: تردي الأوضاع في بقية أقطار العالم الإسلامي

إذا تخطينا بلاد الأندلس وألقينا نظرة على مجمل أقطار العالم الإسلامي في الشرق والغرب وجدنا ما يلي:

مصر والشام يحكمها الإخشيديون، الموصل يحكمها ابن حمدان، البحرين واليمامة يحكمها القرامطة، أصبهان يحكمها بنو بويه، خراسان يحكمها نصر الساماني، طبرستان يحكمها الديلم، الأهواز يحكمها البُريديون، كرمان يحكمها محمد بن إلياس، الدولة العباسية أو الخلافة العباسية لا تحكم إلا بغداد فقط، ولا تبسط سيطرتها حتى على أطراف العراق.

هكذا كان الوضع في أقطار العالم الإسلامي، لم يكن هناك أي أمل في أي مدد منه إلى بلاد الأندلس؛ حيث كانت كلها مشتته ومفرقة، ولا حول و لاقوة إلاّ بالله.

وإن الناظر إلى بلاد الأندلس في ذلك الوقت ليرى أنه لا محالة من انتهاء الإسلام فيها، وأنه ما هي إلا بضعة شهور أو سنوات قلائل حتى يدخل النصارى إلى الأندلس ويحكموا قبضتهم عليها، ولن تُنقذ إلا بمعجزة جديدة مثل معجزة عبد الرحمن الداخل رحمه الله.

وبالفعل فإن الله سبحانه وتعالى بمنه وجوده أنعم على المسلمين بتلك المعجزة للمرة الثانية، فمنّ عليهم بأمير جديد، وحّد الصفوف وقوّى الأركان، وأعلى من شأن بلاد الأندلس حتى أصبحت في عهده أقوى ممالك العالم على الإطلاق، وأصبح هو أعظم ملوك أوروبا في زمانه بلا منازع، إنه عبد الرحمن الناصر رحمه الله.

يتبع

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الفصل السادس : الخلافة الأموية

عبد الرحمن الناصر وتولي الحكم

رأينا سابقا كيف كان الوضع أواخر عهد الضعف من الإمارة الأموية، وما هي السمات والملامح التي سادت ذلك العهد، ورأينا كيف أن الناظر إلى بلاد الأندلس في ذلك الوقت ليرى أنه لا محالة من انتهاء الاسلام فيها، وأنه ما هي إلا بضعة شهور أو سنوات قلائل حتى يدخل النصارى إلى الأندلس ويحكموا قبضتهم عليها.

وفي ظل هذا الجو المليء بالفتن، وهذه التركة المثقلة بالهموم، نفاجأ بأمر جلل، لكنه كان متوقعا، فقد زهد جميع أبناء عبد الله بن محمد المرشحون للخلافة في الحكم، وذلك لِما رأوا من عبء هذه التركة المثقلة بالهموم، ولعدم توقع أحد منهم قدرته على التمكن من الإصلاح.

ويشاء القدر أن يقدموا لهذا الأمر الحفيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط، وكان يبلغ من العمر آنذاك اثنين وعشرين عاما، وهو حفيد عبد الله بن محمد وابن القتيل محمد بن عبد الله الذي قتل قبل ذلك باثنين وعشرين عاما، وهو الذي عرف في التاريخ باسم عبد الرحمن الناصر.

يتولى عبد الرحمن الناصر الحكم ويقوم بأمر الإمارة، فإذا به - وسبحان الله - يحيل الضعف إلى قوة، ويقلب الذل إلى عزة، ويعيد الفُرقة إلى وحدة، ويبدد الظلام بنور ساطع يشرق في كل سماء الأندلس تحت مجد وسيادة وسلطان.

وقفة مع عبد الرحمن الناصر وبداية حياته نحو الإصلاح

إن دراسة كافة جوانب حياة عبد الرحمن الناصر لتحتاج إلى دراسة جادة متأنية، وعناية خاصة تفوق هذه الأسطر، إلا أن هناك بعض الإشارات العامة راعينا أن نقف أمامها بعض الشيء، فهو رحمه الله كان حين تولى الحكم يبلغ من العمر اثنتين وعشرين سنة هجرية، أي إحدى وعشرين سنة ميلادية، وبلغة أخرى فهو طالب بالفرقة الثالثة أو الرابعة بالجامعة، هذه واحدة.

أما الثانية فإنه يخطئ من يظن أن تاريخ عبد الرحمن الناصر رحمه الله يبدأ منذ هذا السن أو منذ ولايته هذه على البلاد، فقد رُبّي عبد الرحمن الناصر منذ نعومة أظافره تربية قلما تتكرر في التاريخ.

لم يكد يرى عبد الرحمن الناصر نور الدنيا حتى قتل أبوه وهو بعد لم يبلغ من العمر إلا ثلاثة أسابيع فقط، ومن ثم قام على تربيته جده الأمير عبد الله بن محمد، فرباه رحمه الله ليقوم بما لم يستطع هو القيام به، رباه على سعة العلم وقوة القيادة وحب الجهاد وحسن الإدارة، رباه على التقوى والورع، رباه على الصبر والحلم، على العزة والكرامة، رباه على العدل مع القريب والبعيد، رباه على الانتصار للمظلوم، رباه ليكون عبد الرحمن الناصر.

وهي رسالة إلى كل آباء المسلمين وأولي الأمر منهم: إن لم نكن نحن عبد الرحمن الناصر فليكن أبناؤنا عبد الرحمن الناصر، وإذا كان كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه فما بال تربية أبنائنا اليوم؟! هل نأمرهم بالصلاة عند سبع ونضربهم عليها عند عشر؟! هل نُحفّظ أبناءنا القرآن، أم هم يتعلمون فقط اللغات ويحفظون الأغاني وينشغلون بالكرتون؟! وتُرى ما هي قدوة أولادنا وبمن يتمثلون ويريدون أن يكونوا مثلهم؟! أعباء ضخمة ولكن: كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.

والثالثة أن عبد الرحمن الناصر رحمه الله حين تولى الحكم كان على ثقة شديدة بالله سبحانه وتعالى وفي ذات الوقت ثقة شديدة بنفسه وأنه قادر على أن يغير، فهو يعي قوله تعالى: [إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ] {آل عمران:160} . فلم يدخل قلبه يوما شك أو يأس أو إحباط من صعوبة التغيير أو استحالته، أو أنه لا أمل في الإصلاح كما ظن ويظن غيره، فقام وهو ابن اثنين وعشرين عاما وحمل على عاتقه مهمة ناءت بها السموات والأرض والجبال، مهمة هي من أثقل المهام في تاريخ الإسلام.

عبد الرحمن الناصر وتغيير التاريخ

بعد تولي عبد الرحمن الناصر الحكم وبهذه المؤهلات السابقة، بهذه التربية الشاملة لكل فروع ومقومات الشخصية الإسلامية السوية، وبهذه الثقة الشديدة بالله وبنفسه، أقدم على تغيير التاريخ، فقام بما يلي:

أولا: إعادة توزيع المهام والمناصب، أو ما يمكن تسميته "تنظيف قرطبة":

حين تولى الحكم لم يكن يملك عبد الرحمن الناصر من بلاد الأندلس سوى قرطبة وما حولها من القرى، ورغم أنها تعد أكبر بلاد الأندلس وتمثل مركز ثقل كبير لكونها العاصمة، إلا أنها لم تكن لتمثل أكثر من عشر مساحة الأندلس، بدأ عبد الرحمن الناصر من هذه المساحة الصغيرة يغير من التاريخ.

قام بتطهير المراكز المرموقة في قرطبة، من وزراء وقواد للجيش وغيرهم من رموز الفساد التي استولت عليها، واستبدالهم بمن ينتقيهم هو ممن يتصفون بالتقوى والورع ونظافة اليد وسعة العلم، وهكذا في كل المراكز القيادية في قرطبة.

ثم أعلى من شأن العلماء جدا، ورفع منزلتهم فوق منزلته نفسه، ورضخ لأوامرهم ونواهيهم، فطبق ذلك على نفسه أولا قبل أن يطبقه على شعبه، ثم طبق الشرع الإسلامي بكامله، ولم يتنازل ولو عن نقطة واحدة من أحكام الشرع الكريم، سواء أكان ذلك في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قدوة في كل أفعاله وأعماله تلك.

ورد أنه رحمه الله كان يحضر خطبة الجمعة، وكان يخطبها المنذر بن سعيد من أكبر علماء قرطبة وكان شديدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى على عبد الرحمن الناصر رحمه الله الخليفة والأمير، وكان عبد الرحمن الناصر قد بنى لنفسه قصرا كبيرا، فأسرف المنذر في الكلام وأسرع في التقريع لعبد الرحمن الناصر لبنائه ذلك القصر.

وحين عاد عبد الرحمن الناصر إلى بيته قال: والله لقد تعمدني منذر بخطبته، وما عنى بها غيري، فأسرف عليّ، وأفرط في تقريعي، ولم يحسن السياسة في وعظي؛ فزعزع قلبي، وكاد بعصاه يقرعني. وهنا أشار عليه رجل ممن كانوا حوله بعزله عن خطبة الجمعة، فرد عليه عبد الرحمن الناصر قائلا: أمثل منذر بن سعيد في فضله وخيره وعلمه يعزل؟! يعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد سالكة غير قصد؟! هذا والله لا يكون، وإني لأستحي من الله ألا أجعل بيني وبينه سبحانه وتعالى في صلاة الجمعة شفيع مثل منذر في ورعه وصدقه، وما عزله حتى مات.

وعلى مثل هذه المبادئ وهذه المعاني بدأ عبد الرحمن الناصر رحمه الله يربي أهل قرطبة، وكان في انصياعه هو أفضل قدوة للناس جميعا.

ثانيا: الاتجاه إلى الثورات ومحاولة ترويضها

بعد الانتهاء من الشأن الداخلي في قرطبة وتهيئته تماما بدأ عبد الرحمن الناصر رحمه الله يتجه إلى المحيط الخارجي، حيث الثورات المتعددة في كل أرض الأندلس، هداه تفكيره إلى أن يبدأ بعمر أو صمويل بن حفصون؛ وذلك لسببين:

الأول: أن هذا الرجل لا يختلف اثنان على أنه يستحق القتل؛ وذلك لأنه ارتد عن دين الله سبحانه وتعالى ومن ثم فقد أصبح قتاله فرضا على المسلمين. والسبب الثاني: أنه يستطيع بذلك أن يحفز أهل قرطبة الذين كانوا قد ألفوا الثورات في هذه الآونة؛ حيث المعركة في منتهى الوضوح هي بين المسلمين والمرتدين.

في الطريق للقضاء على ثورة صمويل بن حفصون

بعد نحو شهرين فقط من توليه الحكم قاد عبد الرحمن الناصر أول حملة له لقتال المرتدين استرد فيها مدينة أَسْتُجّه، وكانت من أحصن مدن الأندلس- كما علمنا عند بداية الفتوحات- ثم بعد ذلك بنحو شهرين أو ثلاثة أشهر قاد بنفسه حملة كبيرة على صمويل بن حفصون استمر مداها طيلة ثلاثة أشهر كاملة، هي شعبان ورمضان وشوال من سنة ثلاثمائة من الهجرة من نفس العام الذي تولى فيه رحمه الله فاسترد جَيّان، وهي أيضا من المدن الحصينة جدا في الأندلس، ويكفي لمعرفة هذا أنه استرد فيها سبعين حصنا من حصون صمويل بن حفصون.

ما زالت قوة صمويل بن حفصون كبيرة جدا؛ فالمدد يأتيه من الشمال من دول النصارى، ويأتيه أيضا من الجنوب من الدولة الفاطمية، هذا فضلا عن إمدادات مدينة أشبيلية والتي كان عليها حاكم مسلم من أولاد ابن حجاج، لكنه كان متمردا على سلطة قرطبة، وكان يملك جيشا مسلما كبيرا.

فكر عبد الرحمن الناصر كثيرا في كيفية قطع هذه الإمدادات على صمويل بن حفصون، اهتدى أخيرا في أن يبدأ بالهجوم على مدينة أشبيلية أكبر مدن الجنوب بعد قرطبة؛ وذلك بمنطق النزعة الإسلامية التي غلبت عليه، حيث أمّل إن هو ذهب إلى أشبيلية واستطاع أن يُرغم حاكمها على الانضمام له أو الانصياع إليه بالقوة أن ينضم إليه جيش أشبيلية المسلم الكبير، وبذلك تقوى جيوش الدولة الأموية، وتقوى شوكته.

وبالفعل وبعون من الله كان له ما أمّل، حيث ذهب إلى أشبيلية بعد أقل من عام واحد من ولايته في سنة ثلاثمائة وواحد من الهجرة، واستطاع أن يضمها إليه؛ فقويت بذلك شوكته وعظم جانبه، فعاد إلى صمويل بن حفصون بعد أن قطع عنه المدد الغربي الذي كان يأتيه من أشبيلية، واسترد منه جبال رندة ثم شذونة ثم قرمونة، وهي جميعا من مدن الجنوب.

تعمق عبد الرحمن الناصر بعد ذلك ناحية الجنوب حتى وصل إلى مضيق جبل طارق فاستولى عليه، ويكون بذلك أيضا قد قطع الإمدادات والمساعدات التي كانت تأتيه من الجنوب من الدولة الفاطمية عن طريق مضيق جبل طارق، وسعى عبد الرحمن الناصر إلى أكثر من هذا حيث قطع أيضا طريق الإمدادات التي كانت تأتيه من الدول النصرانية في الشمال عن طريق المحيط الأطلسي، ثم مضيق جبل طارق، ثم البحر الأبيض المتوسط حتى تصله، وبذلك يكون عبد الرحمن الناصر قد قطع عن صمويل بن حفصون كل طرق الإمدادات والمساعدات التي كانت تمده وتقويه.

لم يجد صمويل بن حفصون بدا من طلب الصلح والمعاهدة من عبد الرحمن الناصر على أن يعطيه اثنين وستين ومائة حصنا من حصونه، ولأن البلاد كانت تشهد موجة من الثورات والانقسامات يريد عبد الرحمن الناصر أن يتفرغ لها، فضلا عن أنه سيضمن في يده اثنين وستين ومائة حصنا وسيأمن جانبه فقد قبل المعاهدة ووافق على الصلح من صمويل بن حفصون.

عبد الرحمن الناصر يفجأ الجميع ويتجه نحو الشمال الغربي

أصبحت قوة عبد الرحمن الناصر رحمه الله تضم قرطبة وأشبيلية وجيان وأستجة، وهي جميعا من مدن الجنوب، بالإضافة إلى حصون أخرى كثيرة - كما ذكرنا - وكل هذه المساحة كانت تمثل تقريبا سدس مساحة الأندلس الإسلامية في ذلك الوقت، هذه واحدة.

الأمر الثاني أن صمويل بن حفصون ما زال يملك حصونا كثيرة ويسيطر سيطرة كاملة على الجنوب الشرقي من البلاد، لكن قطعت عنه الإمدادات الخارجية سواء من النصارى أو الدولة الفاطمية أو أشبيلية.

والأمر الثالث أنه كان هناك تمرد في طليطلة (تقع في شمال قرطبة)، ورابعا: تمرد في سرقسطة في الشمال الشرقي، وخامسا: تمرد في شرق الأندلس في بلنسية، وسادسا: تمرد في غرب الأندلس يقوده عبد الرحمن الجليقي.

أي أن الأندلس في عام اثنين وثلاثمائة من الهجرة كانت مقسمة إلى ستة أقسام، قسم واحد فقط في يد عبد الرحمن الناصر، ويضم قرطبة وأشبيلية وما حولها بما يقارب سدس مساحة الأندلس كما ذكرنا، والخمسة الأخرى موزعة على خمس متمردين، والمتوقع - إذن - هو أن يحاول عبد الرحمن الناصر من جديد مقاومة إحدى مراكز التمرد هذه إن لم تكن الأقرب إليه.

وإن المرء ليقف فاغرا فاه شاخصا بصره حين يعلم أن عبد الرحمن الناصر ترك كل هذه التمردات، واتجه صوب الشمال الغربي صوب مملكة ليون النصرانية مباشرة. ترك عبد الرحمن الناصر كل شيء وأخذ جنده من قرطبة وأشبيلية وصعد في اتجاه الشمال الغربي ليقابل قوات النصارى هناك، والتي كانت تهاجم منطقة من مناطق المتمردين غرب الأندلس.

ظل عبد الرحمن الناصر في حرب مع قوات النصارى تلك في أرض المتمردين عامين كاملين، عاد بعدها منتصرا محملا بالغنائم، تاركا البلاد راجعا إلى قرطبة وأشبيلية، وكأنه أراد أن يعلم الناس أمرا ويرسل إليهم برسالة في منتهى الوضوح كانت قد خفيت عليهم، مفادها: الأعداء الحقيقيين ليسو المسلمين في الداخل، إنما هم النصارى في الشمال، إنما هم في مملكة ليون، ومملكة نافار، ومملكة أراجون.

بهذا العمل استطاع عبد الرحمن الناصر رحمه الله إحراج المتمردين إحراجا كبيرا أمام شعوبهم، كما استطاع أن يحرك العاطفة في قلوب الشعوب نحوه، وكذلك تتحرك عواطف الشعوب نحو من يدافع عن قضاياها الخارجية، ونحو من يحارب أعداءها الحقيقيين.

وهي نصيحة إلى أولياء أمور المسلمين بألا يتهاونوا بعواطف الشعوب، وأن يقدروها حق قدرها، وأن يستميلوها بالتوجه نحو الأعداء الحقيقيين بدلا من الصراع مع الجار أو القطر المسلم، فإذا كانت القضية هي فلسطين، أو هي الشيشان، أو هي كشمير، أو هي غيرها من قضايا المسلمين كان التوحد والتجمع، وكان الانسجام وعدم الفُرقة.

نتائج توجه عبد الرحمن الناصر نحو الشمال الغربي

فقه الدرس ووعاه جيدا عبد الرحمن الناصر، وبعد عامين من مهاجمة النصارى في الشمال في واحدة هي من أكبر الحملات التي قادها رحمه الله والتي انتهت في سنة أربع وثلاثمائة من الهجرة عاد بجيشه القليل نسبيا محملا بالغنائم، وذلك بعد انتصارات عديدة على النصارى هناك.

كانت نتائج أخرى ليست أقل من سابقتها في انتظاره رحمه الله كانت أولاها أن أذعنت سرقسطة وانضمت إليه دون قتال، وكانت الثانية بمثابة هدية من رب العالمين لمن التزم دينه وجاهد في سبيله وثبت عليه، وهي موت صمويل بن حفصون مرتدا وعلى نصرانيته في سنة ست وثلاثمائة من الهجرة، عن عمر يناهز ست وستين سنة.

وفي سرعة يحسد عليها قام عبد الرحمن الناصر مستغلا هذا الحدث، وضم إليه كل مناطق الجنوب الشرقي، وفي خطوة تالية استتاب النصارى الذين كانوا قد ارتدوا مع صمويل من الإسلام إلى النصرانية ثلاثة أيام، فمن تاب منهم وعاد إلى الإسلام قبله في جيشه، ومن أبى إلا أن يظل نصرانيا قتله ردة، وكان من هذا الصنف الأخير ابنة عمر أو صمويل بن حفصون، وقد كانت تحفز الناس على ألا يتركوا دين الآباء ودين النصرانية.

عبد الرحمن الناصر والطريق إلى راية واحدة للأندلس

لم يلتقط عبد الرحمن الناصر رحمه الله أنفاسه، وقام في سنة ثمان وثلاثمائة من الهجرة بالتحرك نحو واحدة من مراكز التمرد وهي طليطلة، تلك التي لم تستطع أن تقف أمام هذه القوة الجارفة فضمها إليه في سهولة، بعدها أصبح الطريق آمنا نحو الشمال مباشرة؛ حيث سرقسطة في الشمال الشرقي، وطليطلة في وسط الشمال قد أصبحتا في يده.

وفي نفس العام في سنة ثمان وثلاثمائة من الهجرة، وعمره آنذاك ثلاثون سنة فقط، قام عبد الرحمن الناصر على رأس حملة ضخمة جدا باتجاه نصارى الشمال، فكانت غزوة موبش الكبرى بين عبد الرحمن الناصر من جهة، وجيوش ليون ونافار مجتمعة من جهة أخرى، واستمرت هذه الغزوة طيلة ثلاثة أشهر كاملة، حقق فيها عبد الرحمن الناصر انتصارات ضخمة وغنائم عظيمة، وضم إليه مدينة سالم وكانت تحت يد النصارى.

بعد أربعة أعوام من غزوة موبش وفي سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة من الهجرة قاد عبد الرحمن الناصر بنفسه رحمه الله حملة ضخمة أخرى على مملكة نافار، واستطاع في أيام معدودات أن يكتسحها اكتساحا، ويضم إلى أملاك المسلمين مدينة بمبلونة عاصمة نافار، ثم بدأ بعدها يحرر الأراضي التي كان قد استولى عليها النصارى في عهد ضعف الإمارة الأموية.

وفي سنة ست عشرة ومائة من الهجرة يقود عبد الرحمن الناصر حملة أخرى على شرق الأندلس ويقمع التمرد الذي كان هناك ويضمها إلى أملاكه، ثم في نفس العام حملة أخرى على غرب الأندلس وهزيمة لعبد الرحمن الجليقي ومن ثم يضم غرب الأندلس إلى أملاكه من جديد.

وبذلك وبعد ستة عشرا عاما من الكفاح المضني، يكون رحمه الله قد وحّد الأندلس كله تحت راية واحدة، وحّدها جميعا ولم يتجاوز عمره آنذاك ثمانية وثلاثين عاما بعد، رحمه الله رحمة واسعة.

عهد جديد.. عهد الخلافة الأموية

نظر عبد الرحمن الناصر رحمه الله إلى العالم الإسلامي من حوله فوجد الخلافة العباسية قد ضعفت، وكان قد قُتل المقتدر بالله الخليفة العباسي في ذلك الوقت على يد مؤنس المظفر التركي، وقد تولى الأتراك حكم البلاد فِعْليا وإن كانوا قد أجلسوا الخليفة العباسي القادر بالله على كرسي الحكم.

ثم نظر رحمه الله إلى الجنوب فوجد الفاطميين قد أعلنوا الخلافة وسمّوا أنفسهم أمراء المؤمنين، فرأى أنه وقد وحّد الأندلس وصنع هذه القوة العظيمة أحق بهذه التسمية وبذلك الأمر منهم فأطلق على نفسه لقب أمير المؤمنين، وسمى الإمارة الأمويّة بالخلافة الأموية.

ومن هنا يبدأ عهد جديد في الأندلس هو عهد الخلافة الأموية، وذلك ابتداء من سنة ست عشرة وثلاثمائة وحتى سنة أربعمائة من الهجرة، أي نحو أربع وثمانين سنة متصلة، وهو يعد (عهد الخلافة الأموية) استكمالا لعهد الإمارة الأموية، مع فروق في شكليات الحكم وقوة السيطرة والسلطان لصالح الأخير.

عبد الرحمن الناصر يتابع سياسته العسكرية التوسعية

بعد ثلاث سنوات من إعلان الخلافة الأموية، وفي سنة تسع عشرة وثلاثمائة من الهجرة يتجه عبد الرحمن الناصر جنوبا نحو مضيق جبل طارق، ويقوم بغزو بلاد المغرب ويحارب الفاطميين هناك فيضم سبتة وطنجة إلى بلاد الأندلس، وتتم له بذلك السيطرة الكاملة على مضيق جبل طارق، فيبدأ بإمداد أهل السنة في منطقة المغرب بالسلاح، لكنه لم يشأ أن يمدهم بالجنود تحسبا لهجمات ممالك النصارى في الشمال.

وفي سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة من الهجرة تحدث خيانة من حاكم مملكة الشمال الشرقي سرقسطة محمد بن هشام التجيبي، حيث ينضم إلى مملكة ليون النصرانية لحرب عبد الرحمن الناصر، وبكل حزم وقوة يأخذ عبد الرحمن الناصر جيشا كبيرا يتصدى به لهذه الخيانة ويهاجم مدينة سرقسطة، وعند أطراف المدينة يهاجمه جيش سرقسطة، فيغزو عبد الرحمن الناصر قلعة حصينة ويمسك بقوّاد هذا الجيش، ويقوم بإعدامهم على الفور وأمام أعين الجميع في عمل لا يوصف إلا بالكياسة والحزم.

وهنا أعلن حاكم سرقسطة محمد بن هشام التجيبي ندمه وعودته إلى عبد الرحمن الناصر، وكعادة الأبطال الدهاة والساسة الحكماء قبل منه رحمه الله اعتذاره ثم أعاده حاكما على سرقسطة، رابحا بذلك كل قلوب التجيبيين بعد أن كان قد تملك منهم، متشبها أيضا برسول الله صلى الله عليه و سلم حين قال لأهل مكة بعدما دخلها فاتحا، وكانوا قد طردوه منها وآذوه هو وأصحابه: اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ.

وبمنطق الحزم وقت الحزم والعفو عند المقدرة عمل عبد الرحمن الناصر، فأطلق حكّام سرقسطة بعد أن أعلنوا توبتهم وأعاد التجيبيين إلى حكمهم؛ فأثّر ذلك كثيرا في المدينة كلها، فما ارتدت بعد ذلك على عهدها مع عبد الرحمن الناصر رحمه الله.

وفي سنة خمس وعشرين وثلاثمائة من الهجرة هجم عبد الرحمن الناصر على مملكة أراجون النصرانيّة في الشمال الشرقي بجوار مملكة سرقسطة وضمها إلى أملاك المسلمين، وكذلك ضم برشلونة والتي كانت قد سقطت منذ سنوات كثيرة.

زلة لا تخطئ البشر ولا تعرف النسب

أن تسير الأمور هكذا على الدوام أمر في غاية الصعوبة، أن لا تحدث زلة فليس هناك بشرلا يخطئ، ولكل جواد كبوة، هذه ليست مبررات لما سيأتي بقدر ما هي بحث في العلة والسبب في محاولة لتجنبه وتفاديه طالما هو من شيمة البشر.

في سنة سبع وعشرين وثلاثمائة من الهجرة وبعد سبع وعشرين سنة من بداية عهد عبد الرحمن الناصر كانت قوّة الجيش الإسلامي قد بلغت شأوا عظيما، حيث ناهزت المائة ألف مقاتل، والأندلس آنذاك تحت راية واحدة، أخذ عبد الرحمن الناصر هذا الجيش العظيم متجها إلى مملكة ليون النصرانية ليحاربهم هناك.

وفي زلة لا تعرفها السنن الكونية راح عبد الرحمن الناصر يعتقد في جيشه وقوة عدده، ونسوا جميعا الدعاء الذي كانوا يتضرعون به لرب العالمين وهم عالة ضعفاء أن ينصرهم على أعدائهم، وفي درسٍ قاسٍ له ولجيشه الجرار، وفي حنين أخرى تدور واحدة من أشرس وأعنف المعارك على المسلمين أصحاب الأرقام الستة، سميت بموقعة الخندق أو موقعة سامورة.

وإذا بالتاريخ يعيد نفسه، وإذا بسامورة تنقلب حنينا، والله سبحانه وتعالى ليس بينه وبين أحد من البشر نسبا، فإذا أخطأ العباد وبعدوا عن ربهم سبحانه وتعالى تكون الهزيمة محققة لا محالة، فانهزم جيش المسلمين في موقعة الخندق أو موقعة سامورة، وبانتهاء المعركة كان نصف عدد الجيش (خمسون ألفا) بين القتل والأسر، وفر عبد الرحمن الناصر رحمه الله مع النصف الآخر عائدين بأكبر خسارة وأثقل هزيمة.

عبد الرحمن الناصر والعودة إلى سابق عهده

بعد موقعة سامورة لم يستسلم عبد الرحمن الناصر رحمه الله، وهو الذي رُبّي على الجهاد والطاعة لربه ولرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فعلم مواضع الخلل ومواطن الضعف، ومن جديد تدارك أمره وقام وقام معه العلماء والمربون يحفزون الناس ويعلمونهم الإسلام.

ومن جديد أعادوا هيكلهم وقاموا بحرب عظيمة على النصارى في سنة تسع وعشرين وتسعمائة من الهجرة، تلتها حملات مكثفة وانتصارات تلو انتصارات، ظلت من سنة تسع وعشرين وتسعمائة إلى سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة من الهجرة، حتى أيقن النصارى بالهلكة، وطلب ملك ليون الأمان والمعاهدة على الجزية، يدفعها لعبد الرحمن الناصر عن يد وهو صاغر.

كذلك فعل ملك نافار، ومثلهما مملكة أراجون النصرانية التي كانت في حوزة عبد الرحمن الناصر رحمه الله فدفعوا جميعا الجزية ابتداءا من سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة إلى آخر عهده رحمه الله سنة خمسين وثلاثمائة من الهجرة.

مظاهر الحضارة في عهد عبد الرحمن الناصر

ما سبق كان من التاريخ السياسي والعسكري لعبد الرحمن الناصر رحمه الله وواقع الأمر أن جهده لم يكن كله موجها فقط إلى الجيوش والحروب، بل إنه كان متكاملا ومتوازنا رحمه الله في كل أموره.

فقد قامت في عهده أروع حضارة عرفتها البشرية في تاريخها القديم، استهلها رحمه الله بإنشاء هياكل إدارية عظيمة، وأكثر من الوزارات والهيئات، وجعل لكل أمر مسئولا ولكل مسئول وزارة كبيرة تضم عمالا كثيرين وكتبة، وهذه نبذة عن أهم جوانب الحياة الحضارية في عصره:

الجانب المعماري:

كان من أهم ما يميز الناحية المعمارية في عهد عبد الرحمن الناصر تلك المدينة العظيمة التي أنشأها وأطلق عليها اسم مدينة الزهراء، وهي تقع في الشمال الغربي لمدينة قرطبة، وكان قد اضطر لإنشائها حتى يتسنى له استقبال الوفود الكثيرة التي كانت تأتي إليه من كل بلاد العالم تخطب وده رحمه الله.

كانت مدينة الزهراء على طراز رفيع جدا، وقد استجلب لها عبد الرحمن الناصر رحمه الله موادا من القسطنطينية ومن بغداد ومن تونس ومن أوروبا، وقد صممت على درجات مختلفة: فكانت هناك درجة سفلى وهي للحراس والكتبة والعمال، ثم درجة أعلى وهي للوزراء وكبار رجال الدولة، ثم أعلى الدرجات في منتصف المدينة وفيها قصر الخلافة الكبير.

وفي مدينة الزهراء أنشأ عبد الرحمن الناصر قصر الزهراء، ذلك القصر الذي لم يبق في التراث المعماري الإسلامي أبدا مثله، فقد بالغ في إنشائه حتى أصبح من معجزات زمانه، فكان الناس يأتون من أوروبا ومن كل أقطار العالم الاسلامي كي يشاهدوا قصر الزهراء في مدينة الزهراء.

وهذه أيضا مدينة قرطبة وقد اتسعت جدا في عهد عبد الرحمن الناصر، وبلغ تعداد سكانها نصف مليون مسلم، معتبرة بذلك ثاني أكبر مدينة في تعداد السكان في العالم بأسره بعد بغداد المدينة الأولى، والتي كان تعداد سكانها يبلغ مليونين.

ضمت مدينة قرطبة ثلاث عشرة آلاف دار، والدار بلغة العصر هي المكان الواسع الفسيح الذي يضم بيتا وحديقة من حوله، وكان فيها ثمان وعشرون ضاحية، فضلا عن ثلاثة آلاف مسجد، حتى أطلق عليها في ذلك العصر وبحق جوهرة العالم.

ثم هو أيضا مسجد قرطبة وقد وسّعه رحمه الله حتى أصبح آية من آيات الفن المعماري، وكان محرابه عبارة عن قطعة رخام واحدة على شكل محارة كان قد أتى بها من إيطاليا، وأنشأ أيضا حدائق للحيوان في كل أرض الأندلس ومسارح للطيور.

الجانب الاقتصادي:

كانت البلاد في عهده رحمه الله تعيش في رخاء منقطع النظير، فكثرت الأموال حتى بلغت ميزانية الدولة ستة ملايين دينارا ذهبا، كان يقسمها ثلاثة أقسام كجده عبد الرحمن الداخل رحمه الله ثلث للجيش وثلث للبناء والمعمار والمرتبات وما إلى ذلك، والثلث الأخير للادخار لنوائب الزمن.

وكان قد اهتم رحمه الله اهتماما كبيرا بالزراعة، وكانت قد كثرت الفواكه في عهده، وأولى رحمه الله زراعة القطن والكتان والقمح عناية خاصة لم تفق عنايته بقوانين الزراعة نفسها.

مجال الصناعة والمناجم:

كان من جل اهتماماته أيضا استخراج الذهب والفضة والنحاس، وكذلك صناعة الجلود وصناعة السفن وآلات الحرث والأدوية، وقام رحمه الله بإنشاء أسواق كثيرة متخصصة لعرض وتداول مثل هذه البضائع، فكان هناك - على سبيل المثال - سوق للنحاسين، وأخرى لللحوم، بل حتى سوق للزهور.

الناحية الأمنية:

عم الأمن والأمان عهد عبد الرحمن الناصر، فلم تقم أبدا ثورات عليه طيلة عهده الثاني، فكان جهاز الشرطة قد قوي كثيرا، وكانت هناك الشرطة التخصصية، شرطة للنهار وأخرى للليل، وثالثة للتجارة ورابعة للبحر وهكذا، وكذلك قد انتشر البريد كثيرا.

وأنشأ رحمه الله ما يعرف بمحاكم المظالم، وهي شبيهة جدا بمحاكم الاستئناف اليوم، وقد طور من شكل المحاكم، وحكم الشرع وأقامه إقامة دقيقة، وما فرط أبدا في كلمة من كلمات الله سبحانه وتعالى أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

الناحية العلمية:

في عهده رحمه الله ازدهر العلم والتعليم بصورة ملحوظة، وقد اهتم كثيرا بمكتبة قرطبة، تلك التي كانت قد تأسست قبل هذا، فزاد كثيرا في حجمها حتى بلغ عدد الكتب فيها أربعمائة ألف كتاب، وهو زمن لم تظهر فيه الطباعة بعد، وإنما كانت عن طريق النسخ اليدوي.

ومن أجل هذا فقد ظهرت وظائف جديدة للمسلمين لم يعتادوا عليها قبلا، فظهرت مثلا وظيفة النسّاخين، فإذا أراد أحد من الناس أن يمتلك كتابا ما عليه إلا أن يذهب إلى نَسّاخ فيذهب النساخ بدوره إلى مكتبة قرطبة فينسخ له ما يريد (لم تكن هناك حقوق طبع كالموجودة الآن)، حيث كان المؤلف يكتب كتابه ويتمنى أن ينشر وينسخه كل العالمين؛ لأنه ما كان يكتب إلا ابتغاء وجهه سبحانه وتعالى.

كذلك أيضا ظهرت وظيفة الباحثين، فمثلا لو صادفتك مسألة من مسائل الفقه أو مسائل العقيدة أو السيرة، وصعب عليك أن تبحث عنها في أربعمائة ألف كتاب، فما عليك إلا أن تذهب إلى باحثين خبراء، فيبحثوا لك عن كل ما تريد.

السياسة الخارجية:

ذاع صيت عبد الرحمن الناصر رحمه الله في الدنيا جميعا، ورضيت منه ممالك الشمال بالعهد والجزية، وقد جاءت السفارات من كل أوروبا تطلب وده، فجاءت السفارات من ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وإنجلترا، بل جاءت من أقصى شرق أوروبا من بيزنطة، وهي بعيدة جدا عن عبد الرحمن الناصر لكنها جاءت تطلب وده وتهدي إليه الهدايا، وأشهرها كانت جوهرة ثمينة وضخمة جدا، كان يضعها عبد الرحمن الناصر في وسط قصره الذي في مدينة الزهراء.

من ضمن ما جاءه من الرسائل كانت رسالة من ملك إنجلترا يرجوه فيها أن يعلم أربعة من علماء إنجلترا في مكتبة قرطبة أو في جامعة قرطبة، طلب منه ملك إنجلترا هذا الطلب ثم وقّع في آخر الرسالة: (خادمكم المطيع ملك إنجلترا).

وهكذا كان عز الاسلام وكبرياؤه متمثلا في عهد عبد الرحمن الناصر رحمه الله حتى أصبح بلا منازع أعظم ملوك أوروبا في القرون الوسطى، الأمر الذي جعل إسبانيا في سنة إحدى وستين وتسعمائة وألف من الميلاد تحتفل وهي على نصرانيتها بمرور ألف سنة ميلادية على وفاة عبد الرحمن الناصر؛ لأنه كان أعظم ملوك إسبانيا على مر العصور، فلم يستطيعوا أن يخفوا إعجابهم بهذا الرجل الذي رفعهم في العالمين، والتي كانت الأندلس في عهده وبلا جدال أقوى دولة في العالم.

عبد الرحمن الناصر.. الإنسان

من يقرأ أو يسمع عن مثل ما سبق يجول في خاطره أن مثل هذا الرجل لم يكن يعرف إلا طريقا واحدا، هو طريق العظمة والكبرياء، طريق العزة وعدم الخنوع، إلا أن من ينظر بقرب إلى شخص عبد الرحمن الناصر رحمه الله والذي ظل يحكم البلاد من سنة ثلاثمائة إلى سنة خمسين وثلاثمائة من الهجرة (نصف قرن كامل) ليرى العجب العجاب، فقد كان رحمه الله مع كل هذا السلطان وهذا الصولجان دائم الذكر لربه سبحانه وتعالى سريع الرجوع إليه.

فقد حدث ذات مرة قحط شديد في الأندلس، وقام الناس للاستسقاء، ولكن نظروا فلم يجدوا الخليفة معهم، فذهبوا يبحثون عنه، وكان يقوم بالصلاة المنذر بن سعيد رحمه الله فأرسل غلاما للبحث عن عبد الرحمن الناصر، فذهب الغلام إلى القصر فوجده منفردا بنفسه حائرا، لابسا أخشن الثياب، جالسا على التراب، ودموعه قد بللت لحيته، يعترف بذنوبه ويقول: يا رب، هذه ناصيتي بيدك، أتراك تعذب بي الرعية وأنت أحكم الحاكمين؟! يا رب، لن يفوتك شيء مني، فتركه الغلام وذهب إلى المنذر بن سعيد وأبلغه بما رأى، فقال المنذر: يا غلام، أبشر، احمل المطر معك؛ فقد أذن الله سبحانه وتعالى بالسقيا، فإذا خشع جبّار الأرض (يقصد من يملك الناس) فقد رحم جبّار السماء.

وها هو يتوفي رحمه الله سنة خمسين وثلاثمائة من الهجرة عن اثنين وسبعين عاما، وقد وجدوا في خزانته ورقة كان قد كتبها بخط يده، عدّ فيها الأيام التي صفت له دون كدر فقال: في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا صفا لي ذلك اليوم، فعدّوها فوجدوها أربعة عشر يوما فقط.

الحكم بن عبد الرحمن الناصر، وعصر النهضة

استخلف عبد الرحمن الناصر على الحكم ابنه الحكم بن عبد الرحمن الناصر، والذي تولى من سنة خمسين وثلاثمائة إلى سنة ست وستين وثلاثمائة من الهجرة، وفي عهده حدثت في بلاد الأندلس نهضة علمية غير مسبوقة؛ ولا غرو فقد تولى الحُكم وهو يبلغ من العمر سبعا وأربعين سنة، وكان هو نفسه عالما من العلماء، ويكفي أنه لُقّب بعاشق الكتب.

أنشأ الحكم بن عبد الرحمن المكتبة الأمويّة، تلك التي تعد أعظم مكتبات العصور الوسطى على الإطلاق، وكانت تنافس مكتبة قرطبة ومكتبة بغداد، وقد دفع آلاف الدنانير لجلب أعظم الكتب إليها من كل مكان في العالم، وكان له عمّال وظيفتهم الوحيدة هي جمع الكتب من مشارق الأرض ومغاربها من بلاد المسلمين ومن غير بلاد المسلمين، فإن جاء كتاب في الفلك أوالطب أوالهندسة أو غيرها من أي بلد غير إسلامي تُرجم على الفور وضُم إلى المكتبة الأموية.

كان رحمه الله يشتري الكتب مهما بالغ الناس في أسعارها، وقد أحضر في مكتبته هذه النسخة الأولى من كتاب الأغاني للأصفهاني (كتاب في الأدب) وأصفهان هذه الآن من مدن إيران، فلم تكن تقف أمامه التخوم ولا الحدود.

كثر النسخ في عصره وكان وظيفة النساء في البيوت، واشتهرت نساء الأندلس بحسن الخط وجماله؛ حيث كان الرجال مشغولون بالجهاد ونشر العلم والبناء والمعمار وغيره، وكانت قد ازدهرت كثيرا في الأندلس صناعة الكتب والورق والتجليد والأحبار، الأمر الذي كان فيه باباوات إيطاليا يشترون الورق من الأندلس ليكتبوا عليه أناجيلهم، وكذلك كانت كل أوروبا تستورد الورق وغيره الكثير من بلاد الأندلس.

وسّع الحكم بن عبد الرحمن الناصر رحمه الله في المكتبة كثيرا، وجعل لها أروقة عظيمة حتى تستوعب كثرة الحضور من المسلمين، وأنشأ أيضا دارا لتعليم الفقراء بالمجان، وخصص المعونات والمكافآت لطلاب العلم، حتى انتشر التعليم بصورة ملفتة، واختفت الأمية تماما في هذا العهد السحيق - منذ أكثر من ألف عام - وأصبح كل أهل الأندلس يعرفون القراءة والكتابة.

أنشأ أيضا رحمه الله جامعة قرطبة، وقد كان العلماء قبل إنشائها يشتغلون بالتجارة أوالزراعة أوالصناعة أو غيرها من الحرف اليدوية، إضافة إلى كونهم يتعلمون ويُعلّمون، لكن الحكم بن عبد الرحمن الناصر جعل وظيفة التدريس وظيفة خاصة قائمة بنفسها، فكان يجعلهم يفرغون للتدريس والتعليم فقط؛ وذلك حتى يستطيعوا أن يبدعوا فيه.

جهاد الحكم بن الناصر وتوسعاته

وسط هذه الأجواء العلمية، وهذا الاهتمام الكبير من قِبَل عاشق الكتب بالعلم والتعليم، ظنت ممالك أوروبا الشمالية وممالك الأندلس النصرانية الشمالية أن الحكم بن عبد الرحمن الناصر يهتم بالعلم على حساب الجهاد، وعلى خلاف عهدهم الذي كانوا قد أبرموه مع أبيه عبد الرحمن الناصر قاموا بمهاجمة مناطق الشمال، فما كان من الحكم إلا أن ردّ عليهم كيدهم في نحورهم، وهاجمهم بغزوات كغزوات أبيه، وانتصر عليهم رحمه الله في مواقع عدة، حتى رضوا بالجزية من جديد عن يد وهم صاغرون.

ومن منطلق إسلامي بَحْت بدأ عبد الرحمن الناصر رحمه الله في حرب الدولة الفاطمية في بلاد المغرب، كان الأندلسيون لا يملكون سوى مينائي سبتة وطنجة في عهد عبد الرحمن الناصر، وفي عهد الحكم بن عبد الرحمن الناصر كانت قد انضمت كل بلاد المغرب إلى الأندلس تحت حكم الخلافة الأمويّة.

ظل الحكم بن عبد الرحمن الناصر رحمه الله يحكم من سنة خمسين وثلاثمائة من الهجرة، وحتى سنة ست وستين وثلاثمائة من الهجرة، في فترة هي أقوى فترات الأندلس على الإطلاق وأعظم عهودها

يتبع

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

القصر الحمراء (لا غالب الا الله )

hamraa01pm0.jpg

القصر الحمراء فوق الجبل الذي يطل على البيوت البيضاء

والسور القديم نازل الى أسفل الجبل

البيوت البيضاء هو حي البؤساء وهو حي قديم كان المسلمين يسكنونه وكذلك حاليا

hamraa02eq0.jpg

hamraa03lk5.jpg

عن قرب القصر الحمراء

hamraa04iw6.jpg

التصميم الداخلي للقصر

hamraa05kk8.jpg

لا غالب الا الله دخلت في كل زاوية ومكان

hamraa06lw0.jpg

ساحة الاسود المشهورة

hamraa07wi6.jpg

hamraa08as5.jpg

hamraa09pp8.jpg

تصميم عجيب في السقف والنوافذ ودخول الشمس (فن مدروس )

hamraa010vy1.jpg

شعار لا غالب الا الله مغلفين فيه جدران القصر من الداخل والخارج

hamraa011gx1.jpg

hamraa012dq6.jpg

hamraa013yt1.jpg

hamraa014kr7.jpg

hamraa016lz3.jpg

hamraa017hl5.jpg

hamraa018nn9.jpg

حدائق القصر

هناك بعض أشجار الزهور التي زرعها المسلمين القدماء وباقية الى الان

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

مسجد قرطبة

masgedkortoba08er0.jpg

بوابات الدخول

masgedkortoba01pd0.jpg

تصميم الاقواس المشهورة

masgedkortoba02kq3.jpg

المسجد على شكل مستطيل واسع جدا

masgedkortoba03dg1.jpg

masgedkortoba04em7.jpg

بعض أسماء الا بنوا مسجد قرطبة لمدة قرنين ونصف القرن

أول من حدد القبلة وخط المسجد هو التابعي حنش الصنعائي

masgedkortoba06ai4.jpg

كان هذا الجانب المشرق من المسجد

تعالوا شوفوا الجانب الاخر الحزين و لا إله الا الله

(صحيح في البداية الارض كانت مشاطرة بين المسلمين والنصارى نصف كنيستهم

التي كانت على موقعة اشترى عبد الرحمن الداخل من النصارى كنسيتهم مع النصف الاخر ... )

جزء من المسجد تحول الى كنيسة

masgedkortoba07bp6.jpg

هذه المنارة تحولت الى جرس للكنيسة

masgedkortoba09wf8.jpg

أهم مكان في المسجد المحرااااااااااااااااااااااب قلب المسجد

masgedkortoba010ro4.jpg

بعض زوايا المحراب وما حولها

masgedkortoba011yb3.jpg

masgedkortoba012um9.jpg

masgedkortoba013hk4.jpg

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

أخى رزقك الله ثواب الدنيا و الآخرة

لا أريد ان أطيل الرد حتى لا أزعج موضوعك

رزقك الله العلم النافع و بارك لك فى علمك و علمنا منه ما ينفعنا وإلى الأمام

أخى حتى تظهر الصور نتمنى الإستفادة من الصور العظيمة فى كلماتك التى نقلتها لنا لتضىء أبصارنا بالعبر و الدروس

إننى ما زلت أقرأ الموضوع بعناية بل و اذاكره لأنى فعلا أحس انى عثرت على كنز رغم دراستنا لهذا التاريخ من قبل

ولكن الأسلوب جديد و مثييييير

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

لماذا ترك الأسبان المساجد الموجوده في الصور قائمه و لم يهدموها بعد إستعادتهم لبلادهم ؟

خليك صبور للآخر

وما تتسرعش بالسؤال

يا ريت اذا كان حدمتابع يقول لي ان كانت الصورظهرت أم لم تظهر مثل زوهيري

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
زوار
هذا الموضوع مغلق.

×