اذهب إلى المحتوى
إنشاء باب جديد بعنوان سد النهضة الإثيوبي لكل الموضوعات المتعلقة بسد النهضة ×

رواية ض


Recommended Posts

محمد سامى
1
”ض“
رواية "ض" - مسودة أولى سبتمبر - 7102
2
”ضياء“
3
إستيقظ ضياء كالمعتاد على أصوات هذا الضجيج المكتوم فهاهى عائلة الأستاذ يسرى مدرس اللغة العربية بالطابق الأعلى قد بدأت نشاطها المبكر، لتنتابه بعد ذلك كأغلب الأيام حالة من السعال بسبب حساسية الصدر التى يعانى منها منذ الصغر والتى يثيرها هذا الجير المتساقط من السقف إلى جواره على السرير !
حيث يقطن ضياء فى هذا البيت القديم الذى بناه جده من قديم الأزل والصادر بشأنه أمر تنكيس منذ سنوات لكن نظراً لضيق حال السكان أصبح التعايش مع تلك الأعراض الجانبية هو الحل الوحيد، وكالمعتاد أيضاً يتبع هذا المنبه اليومى الطبيعى طرقات باب الغرفة مع صوت أمه الدافىء.
..يلا يا ضيا يابنى علشان تفطر..
قبل أن يتحول هذا الدفء بشكل مفاجىء لطبقات صوتية أعنف كعادتها كل يوم حين توقظه
.. ماتيلا يابنى بقى علشان تلحق ..
فمثلها مثل كل أم من بدء الخليقة تقريباً تريد لذريتها أن يلحقون بشى ٍء ما منذ نعومة أظافرهم ! يلحقون بالمدرسة بالطعام بالمذاكرة ب... بل وحتى أن يلحقون بأشياء قد تبدو ممتعة ولا تستدعى فكرة الملاحقة كالخروج للتنزه مثلاً لكن حتى فى ذلك يجب أن نلحق الخروج كى نلحق العودة قبل أن نتأخر فيلحق بنا العقاب !
إلا أنه هذه المرة وككل مرة منذ فترة كان يعرف ما تريده أمه أن يلحقه، إنها تلك الرحلة البائسة فى البحث عن عمل، فضياء خريج كلية التجارة كألاف غيره عواطلى بدرجة "على ما تفرج" حيث يتناوب فى عمل ليلى مع صديق طفولته مهيب خريج السياحة والفندقة
ٍ
ببقالة الحاج رمضان شيخ الزاوية الذى هجره أولاده باحثين عن الرزق فى دول الجوار.
ليستيقظ ضياء ويجلس على سريره وسط محاولات الإستفاقة اليومية من تمطع وتثاؤب مع تلك التحيات الغريبة التى يلقيها وهو يحيل نظره بين أركان غرفته.
.. صباح الخير يا عم كريستيانوو .. إتظبطو إنتو فى ماتش إمبارح .. .. صباح الفل يا عم أيرون مش ناوى تشفلنا أى حاجة فى مجموعة ستارك بتاعتك دى .. إنشالله اسرح بشاى وقهوة حتى يا عم ..
فقد كانت تغطى جدران غرفته رسومات عديدة بأحجام مختلفة فيما إحتلت رسمة كبيرة للاعب الكرة الشهير أحدهم وزينت الأخرى بشخصية رجل الأعمال الحديدى من سلسلة الخيال العلمى المعروفة.
فكانت هذه الشخصيات وغيرها من رسومات ضياء الذى ورث موهبته المتميزة عن جده مثلما تعلم فنون الخط على يده، فمنذ صغره وهو يشاركه شغفه الفنى ولطالما كان يصطحبه فى جولاته بين أثار السلف لمشاهدة إبداعاتهم عن كثب.
لكنفىنهايةالأمرظلتهذهالموهبهحبيسةغرفتهفلميحالفهالحظفىدخولأ ٍىمن كليات الفنون بسبب منطق المجموع العقيم، ولم يتبقى من شغفه سوى تل من الأوراق المرصوصة وهذه الجدران التى يعيد طلائها كل حين ليرسم عليها شخصيات أو أشياء جديدة تستلهمه أو ربما لتؤنس عليه غرفته كما إعتاد أن يحدثها أحياناً.
فكغيره من هذا الجيل أخذته الحياة بين منعطفاتها بعيداً عن رغباته فى رحلة اللحاق المخيفة إلى أن إنتصفها إلى فى أغلب مناحيها، فهو شاب فى منتصف العمر متوسط فى شكله وفى حجمه كأغلب أهلها وإن كان يميل إلى القصر والنحافة بل وحتى فى دراسته كان متوسط المستوى، لكن ظل يميزه شيئين ربما كانا السبب فى قربه إلى قلب أغلب من عرفه.
فعلى الرغم من كونه شخصية لا تميل إلى بناء علاقات إجتماعية كثيرة إلا أنه كان يمثل على الدوام ذلك الشخص الشهم الذى لن يتردد فى مساعدة أى أخر حتى لو إقتضى الأمر أن يجور بعض الشىء على نفسه، كما كان يتمتع بخفة ظل متناهية مع قدرة خاصة على السخرية بلباقة من أى موقف مهما كان وربما لذلك تحديداً كان يكسر كافة الحواجز مع من حوله سريعاً وكأنهم يعرفونه منذ أمد.
وها هو ضياء يخرج من غرفته ليبدأ روتينه اليومى بتقبيل والدته مع مبالغته الودوده فى تحية الصباح كعادته معها.
.. صباح الورد والتفاؤل على أحلى عيون لحجوجتى الجميلة ..
فمثله مثل كافة الأبناء كان يعشق أمه ومثله كمثل كل الأبناء كان يعتقد أن حبه لأمه فريد من نوعه ولا يضاهيه حب أى شخص أخر لوالديه، ولما لا وقد جمعته بها تلك العلاقة الثنائية ما بين إبن لها وكرجل للبيت منذ أن توفى والده قبيل مولد أخته مريم بأيام ثم مرض جده المزمن بعدها بقليل وهو لايزال فى مرحلة المراهقة.
حيث كانت أمه مثال متكرر للسيدة القوية التى تولت شئون الأسرة بأكملها رغم دخلهم المحدود فى معاشها ووالده الذى كان يعمل معها بنفس المصلحة الحكومية، فمع كل أعبائها لم تكن لتشكى يوماً أو تثقل على ولدها بأكثر مما يستطيع بل كانت حريصة دائما على دعمه فى سعيه الجدى وراء أى فرصة عمل حتى أنها شجعته مؤخراً على شراء هذا الكمبيوتر القابع فى غرفته عله يتوسع فى أعمال تصميم المطبوعات التى تطلب منه أحيان ًا.
4
فكان لهذه الظروف التى صاغت حياته منذ طفولته أثرها فى تشكيل علاقتهما بما تحمله من مزيج بين كونه الإبن وما يشبه إلى ح ٍد ما صفة الزوج ببعض مسؤلياته مثل أبويته لأخته التى تصغره بفارق زمنى يستدعى هذا الدور.
وها هى مريم الصغيره التى بلغت المرحلة الإعدادية قد إستيقظت فلم يكن غريباً أن تتمادى هى الأخرى فى تحيتها الصباحية الودودة بعد أن كبرت بين يديه كأخ وأب وصديق فاكتسبت الكثير عنه، حتى أنها كانت تشبهه أو ربما هى تلك الروح التى جمعتهما وإن كانت أكثر إجتماعية فى ظل قدراتها الخاصة على الثرثرة المتواصله مع أى كائن فى محيطها.
ليطبع ضياء تلك القبلة الأبوية على جبينها قبل أن يذهب مسرعأ ليلحق بالمياه التى عادة ما تنقطع حتى المساء، إلا أن الحظ لم يسعفه هذا الصباح كى يجفف جسده من بقايا الصابون ويخرج ليشارك أسرته الإفطار الذى لم يخلو بالطبع من إطراءاته ومناوشاته المستمرة.
.. يا دين النبى .. الفول من إيدك يا حجة تقولش عسلية بالسمسم .. تسلم إيديك ..
..تسلم يابنى.. يلا بقى علشان تلحق تغيرلنا الأنبوبة اللى بقالها اسبوع دى قبل ماتشوف حالك .. أصلى سمعتهم بيقولو إن المستودع فيه أنابيب النهارده .. .. ربنا يفتحها عليك يا حبيبى ..
.. أوبااا طب ليه البمبة دى عالصبح يا حجة ! حاضر يا ست الكل هاروح ألحق .. ولو إنى كنت عايز ألحق أقدم على شغلانه مدير صغير كدا .. بس مش مهم بقى .. كله يهون لاجل ما ناكل طبيخ من إيديكى الحلوة دى ..
.. بجد ونبى يابنى .. .. لأ لو كدا يبقى تلحق تروح تشوف حالك يا حبيبى .. .. لا يا ستى خلينا فى البمبة يمكن نطلعلنا منها بصينية محشى ولا حاجة .. أهو حتى ألذ .. .. هههه .. يابنى إنت مش هاتبطل تضحك عليا كدا ..
.. ربنا ما يحرمنى من ضحكتك المنورة دى أبداً .. .. يلا بقى علشان ألحق المستودع قبل ما يدونا هما البمبة .. وما تقلقيش مش هانسا أعدى على عم سيد الأجزجى وأنا راجع عشان أجيب الحقن لجدى ..
فقد ساءت حالة جده فى الأونه الأخيرة حتى أنه لم يكن يقوى على مغادرة غرفته الصغيرة، وبدا أن هذا الشيخ القوى قد أنهكته الحياة بعد معتر ٍك طويل فى دروبها حتى إعتزلها، فلم يعد ينتبه لما يجرى من حوله فى أغلب الأوقات خاص ًة بعد ما فقد قدرته على الكلام بسبب هذا الشلل الجزئى الذى أصابه، ربما بإستثناء تلك الدقائق التى يقضيها مع
5
6
ضياء كلما دخل عليه وكـأنه كان يستعيد هذا الرابط الخاص الذى جمعهم منذ أن كان صغير ًا.
فلم يكن ضياء لينسى أن يدخل على جده كى يطمئن عليه فى عجالة قبل أن يتركهم وينزل متعثراً على الدرج من جراء تلك الإسطوانة الفارغة التى يحملها، وإذ به يطلق صفيراً عالياً ما أن خرج من المنزل ثم توجه مسرعاً نحو ذلك الشخص الذى يستعد للإنطلاق بالتوك توك، فهذا هو هيما صديقه خريج السياحة والفندقة كمهيب لكن على خلافهما إنتهى به الحال على أحد تكاتك المعلم نصحى ساعياً خلف رزقه بالمنطقة وضواحيها.
.. ولا يا هيما .. إنت يلااا .. كويس إنى لحقتك.. .. لأ مش كويس يا ضو .. البتاعة اللى فى إيدك دى ماتطمنش .. .. يا عم دا مشوار سريع للمستودع وأهو تطلعلك بأنبوبتين تسترزق بيهم .. .. ياعم هو فيه حد بيطلع من المستودع أصلاً .. .. طب يلا عالبركة وربك يرزق ..
وما أن وصلا إلى المستودع حتى وجدا هذا التجمهر المعتاد وسط الصيحات المختلطة بنفير سيارات النقل مع بعض المشاحنات التى وصلت لحد الإشتباك بالأيدى، وهاهى صفعة تدوى على وجه أحد المشتبكين أمامهم !
.. طه يا معلم أنا هاعملى كام لفة كده وإبقى رنلى لما تخلص ..
.. إيه يا هيما إنت نخيت من أول قلم ولا إيه .. .. ماشى يا ندل ..
ليبدأ ضياء تجربة الخلاط الشعبى من أجل البوتاجاز ! إلى أن نجح بعد ساعات من التلاحم والشد والجذب فى الخروج مقتنصاً هذه الأنبوبة، لكنه ما أن أخرج بخاخة الصدر من جيبه بعد حالة ضيق التنفس التى أصابته حتى وجد مدام نادية جارتهم الأرملة تقف مع إحدى بناتها عاجزة فى إنتظار الفرج.
.. ضيااا .. .. دانت نزلتلنا من السما.. مانت عارف لو دخلت أنا ولا بنتى هايحصل فينا إيه ..
.. ومين سمعك يامدام نادية.. دا فيه اتنين جوه الله يلعنهم فلت منهم بالعافية .. .. طب خدى إنتى الأنبوبة دى وروحى إنتى وبنتك .. وأنا ربنا يقدرنى عليهم بقى ..
لكن قبل أن يشرع فى التلاحم مجدداً خطرت بباله تلك الحيلة التى كان بعض أصدقاؤه يستعينون بها ففتح الإسطوانة مستغلاً الغاز القليل المتبقى بها ثم إندفع مخترقاً الحشد فى سرعة.
.. حاسب يا عم .. .. انبوبة منفثثااا .. .. إنت يا استاذ إطفى السيجارة لنولع .. هنولع يا حاجة بقولك .. حاااسب .. ..
كى ينجح بالفعل فى إختراق الجموع من جديد بعد ما ناله ما ناله من السباب لكن من ذا الذى يكترث وقد أصبح فى المقدمة بل وها هو يستبدل الأسطوانة للمرة الثانية فى وق ٍت قياسى، إلا أنه ما أن خرج مبتهجاً بصيده الثمين حتى وجد هذه المره عم حجازى جارهم العجوز متكئاً على حفيده اليتيم وقد وقف هو الأخر عاجزاً فى إنتظار الفرج !
.. يا فرج الله .. ضيااا .. الحمدلله انى لاقيتك يابنى .. ممكن... .. لا يا حج أنا مش ضيا .. وماليش جار اسمه عم حجازى .. وفرج ماجاش النهاردة ..
.. معلش يابنى العتب عالنظر ..
لكنه ما لبث أن إستدار عائداً فى التو لعم حجازى كى يعطيه الانبوبة بعد أن شعر بالضيق لما فعل، حيث فوجىء الشيخ العجوز بتلك اللفته الطيبة من هذا الشخص الغريب الذى إلتبس فى هويته فأخذ يدعو له بأجمل الدعوات.
.. طب يا عم حجازى ما تدعى للى إسمه ضيا ده معاك بالمره .. والله لو كان هنا كان عمل كدا وأكتر !
وبينما هو يقف حائراً فيما يمكن أن يفعله للمرة الثالثة إذ تأتى تلك النداءات من بعيد معلنه نفاذ الإسطوانات وسط سيل السباب والدعوات من الجمع المحتشد على العيشة واللى عايشنها ! فلم يعد بيده شىء سوى الغمغمة لاعناً خيبة أمله وأمل أمه فيه لفشله فى مهمته، لكن يبدو أنه فى إنتظار إحبا ٍط أخر بعد أن تلقى إتصال صديقه مهيب فى تلك اللحظة.
.. أيوا يا هوبا .. .. أخر زفت .. .. ياعم أنا مش قادر .. .. خلاص ياسيدى هاروح بدالك النهارده .. .. ماشى مش هاتأخر مانا عارف رزالته .. .. ماهى ناس ليها أفراح وناس ليها الحج رمضان .. .. عقبالنا مين ياعم فال الله ولا فالك .. .. بقولك صحيح ماتنساش تبارك للهن وتقوله ماترجعش تندم يا كبير .. هع هع .. .. سلام يا سيدى ..
فقد طلب منه صديقه أن يحل محله اليوم وكان عليه أن يعود مباشرة إلى دكان الحاج رمضان بعد أن إستنزف النهار فى مهمة المستودع، لكن ينبغى عليه أولاً أن يسد جوعه بعد أن تمكن منه فوقف ليتناول بعض السندوتشات أمام هذه العربه القريبه من المستودع فيما كان يحاول الوصول لهيما عله يكون بالجوار ويمر عليه لكن دون فائده، ليضطر فى النهاية أن يسير هذه المسافة حاملاً خيبته على كتفه إلى أن إستقل أحد التكاتك بأجره مضاعفة له ولإسطوانته الفارغة !
7
لكنهم ما أن إقتربوا من هذا الطريق المظلم المؤدى لمنطقتهم حتى لمح سائق التوكتوك ذو الإثنى عشر عاماً سيارة متوقفة من بعيد فتوقف هو الأخر خوفاً من وجود لجنه أو ما شابه قبل أن يطالب ضياء بالنزول فى الحال.
.. معلش يا أستاذ إنت هاتنزل هنا بقى .. .. أنزل هنا إزاى ياسطى ؟! .. معلش يا أستاذ إنت هاتنزل هنا .. التوكتوك عطل ومش هايكمل لمؤخذه .. .. يعنى هى عافيه كدا يا كابتن .. طب هاعمل إيه أنا بالداهية اللى معايا دى ! دانتا واخذ
الأجرة دوبل يا عمونا !
.. ياعم روح الله يسهلك .. هو انا اللى قلتلهم يعملو لجنه هنا .. .. إنزل بقى ماتدوشناش وسيبنا نسترزق !
وبالطبع ينتهى به المطاف مترجلاً يدحرج الأسطوانة أمامه وسط ظلمة الغروب إلا أنه كلما كان يقترب من تلك اللجنة المزعومة كلما علت تلك الأصوات الغليظة المقرونة بأخرى مبحوحة مع هذا النحيب مكتوم ! ليفاجأ بعصبة من البلطجية يهددون راكبى السيارة بعد أن قطعوا عليهم الطريق وأنزلوهم لسرقتها على ما يبدو !
كى يتجمد الدم فى عروقة فيحاول أن يرتد مسرعاً لكنه ما كاد يخطو خطوة حتى فاجأته هذه الصيحة المرعبة !
.. ولاااا .. خد يلااا .. .. انت بتعمل ايه هنا ياض .. .. دانت هاتتشرح النهاردة .. .. ودينى ماعملت حاجة !
فبعد لحظات من الثبات المشوب بالذعر خرجت تلك الكلمات المرتجفة على لسانه قبل أن يستطرد فى خوف
.. أنا اسف وربنا .. .. دانا حتى كنت مروح بس .. .. وبعدين أنا لا شفتكم ولا أعرفكم اصلاً .. ليأتيه الغوث فجأة من خلال هذا النداء المبحوح كفحيح الأفاعى الذى صدح من خلفه
.. سيبو يا أزو .. .. الواد ده عندنا فى المنطقة .. واد ..... على ضمانتى .. ولو فتح بقه هارفعه هو واهله ..
فهذا الشقى ضخم الجثة هو جاره حمودة الذى نشأ وترعرع فى مدرسة الضياع بعد أن توفى والداه وتولاه احد اقاربه من اصحاب السوابق إلى أن شب مثله وأصبح من معتادى البلطجة والإجرام بالمنطقة وضواحيها، وهاهو يتقدم نحو ضياء ببطء وقد بدا من نظرته الزائغة وطريقة كلامه الغريبة أنه لم يكن فى كامل وعيه.
8
.. خد ياض .. أنا هاسيبك المرة دى علشان امك الست الطيبة اللى أنا مش فاكرها .. بس اياك الاقيك فى وشى تانى .. أقسم بالخلقك لأعمل معاك السليمة ..
.. ربنا يخليك يا معلم حموده .. ولو شفتنى تانى ابقى عيل سيس واستاهل يتعمل معايا كل اللى انت عايزه ..
لكن يبدو أن الأمر لم يكن ليمر بهذه السهولة فما أن حمل الإسطوانة شارعاً فى الفرار حتى إستوقفه حموده مجدداً !
.. ايه اللى معاك دى ياض .. .. سيبها وإهبأ فالخفيف ياض عشان تلزمنى ..
.. يا معلم حمودة دى بتاعت امى الست الطيبة .. وبعدين دى فاضية .. يعنى مش من مقامك ..
..انت هاتهزر معايا يا ..... يلا إخلع من وشى بدل ماخلى أمك الطيبة دى تترحم عليك ..
وبدا أن الستر لازال يحالفه نوعاً ما ففى تلك اللحظة قاطعهم ندأ رفقاء حمودة قبل أن يتصاعد الموقف أكثر من ذلك
.. يلا يا حمودة بسرعة .. عايزين نلحق الحج بدل ما يطلع ..... !
كى يخطف حمودة الإسطوانة من بين يديه ويضعها مسرعاً فى حقيبة السيارة المسروقة ثم إنطلقوا فارين وسط حالة الذهول التى غمرته من هول ما حدث للتو، حيث بقى على هذا الوضع إلى أن لاحظ هذه الهمسات من حوله.
.. الحمدلله .. كويس انها جت على قد كدا .. .. مانا قولتلك بلاش ننزل دلوقتى .. هى دى بقت بلد .. .. انا مالصبح هاروح السفارة ونسافر نعيش مع أحمد .. .. هو احنا بقينا حمل البهدلة دى .. ربنا يتولانا ويتولى البلد دى ..
فيلتفت ضياء ليجد صاحب السيارة هذا الرجل الذى ناهز الستين من عمره وهو يواسى زوجته التى أجهشت فى البكاء قبل أن يلتفت نحوه بدوره موجهاً كلامه إليه.
..انت كويس يابنى ؟ مين دول يابنى ؟
حيث أخذ الرجل يسترسل فى حديثه وإستفساراته فيما بقى ضياء صامتاً ربما من أثر الصدمة حتى رد عليه فى حسرة.
.. دول شوية بلطجية من هنا فى المنطقة .. ربنا يخلصنا منهم .. .. والله يا استاذ انا ماليش دعوة بيهم .. دانا حتى اول مرة أتكلم مع الواد ده أصلاً .. ربنا يخلصنا منهم ..
9
.. ماهو باين يابنى انك محترم وفى حالك .. عموماً أنا سمعت أساميهم وهابلغ عنهم ولو انى عارف ان ماحدش بقى يجيب حق حد .. .. ربك هو الحافظ يابنى وماتقلقش مش هاجيب سيرتك فى البلاغ ..
.. والله يا والدى أنا مش خايف غير على أهلى لايبهدلوهم .. أصلهم عيال سو وإيديهم طايلة .. .. ليه بس كدا يا رب ..
.. يابنى الحمدلله انها جت فى شوية حديد .. وبعدين كلها كام يوم وهاتلاقيهم يكلمونا يساومونا .. ماهى بقت موضة !
فكم كان عجيباً هذا الثبات الذى يتمتع به الرجل رغم كل ما حدث له إلا أن ضياء لم يكن بمقدوره ان يساعده بشىء سوى مواساته ببعض الكلمات، إلى أن إنصرف الرجل بصحبة زوجته تاركينه فى محاولاته لجمع شتاته بعد ما أصابه هذا الكم من التوتر ببعض الضيق فى التنفس، فما كاد يخرج بخاخة الصدر حتى أفزعه رنين هاتفه المفاجىء فى تلك اللحظة.
.. أيوا يا هوبا .. خضتنى الله يلعنك .. .. متنيل بنيله يا عم .. .. لما أشوفك أبقى أحكيلك عالبلوة السودا اللى أنا فيها .. .. يا عم أكيد لسا .. .. بقولك كنت هاموت .. .. هاتنيل أروح حاضر .. .. ماهو يوم أغبر من أوله .. سلام ياخويا ..
حيث إستمر فى طريقه ثم إستقل أحد التكاتك المتوغلة داخل المنطقة ليلحق بالدكان محل صديقه كما وعده وفى أثناء ذلك إتصل بوالدته ليطمئن عليهم لكنه لم يجروء بالطبع على إخبارها عن سرقة إسطوانة البوتاجاز، إلى أن وصل ليجد الحاج رمضان فى إنتظاره بالموشح التهذيبى المعتاد فى الإلتزام.
.. يابنى هو خلاص مابقاش فيه إحترام لأى حاجة .. والله البلد دى ماهاتشوف خير على إيدين جيل الندامه بتاعكو ده .. وفين الشملول صحبك .. تلاقيه بيتسلبط طبعاً .. يعنى كده تخلونى أقفل المحل علشان أعرف ألحق المغرب .. .. ..
فلم يكن بمقدوره أن يبرر أى شىء أو أن يدخل فى جدال غير مجدى فى ظل معاناته من هذا المزيج المزرى من الإرهاق والإحباط، إلا أن الحاج رمضان لم يكن ليكتفى من التوبيخ بتاتاً.
.. ماهو ده اللى انا باخدو منكو .. مانتو جيل ماعندوش دم أصلكو .. .. طب ياخويا أنا هاروح أصلى العشا وأرجعلك تكون وضبت الحاجات المتكومة دى علشان عربية البضاعة جاية دلوقت ..
وكأن اليوم كان ينقصه شىء من هذا القبيل خاص ًة بعد ما أنزل الحاج رمضان أغلب محتويات الدكان إستعداداً لإعاده ترتيبه كما طلب منهما منذ فتره لكنهما ظلا يفران من
10
تلك المهمه اللعينة بشتى الطرق، أما الأن فلم يكن لديه مهرباً سوى فى غمغماته الساخطة وهو يستعد لعملية التوضيب الشاقة.
.. يابن المحظوظه يا مهيب .. .. يعنى أمبوبة وحمودة ودكان .. ويقولك دعوة الأم .. .. أهو ربنا فتحها عليا من وسع يا حجة .. .. بس لما أشوفك يا مهيب الكلب .. .. يا ليلة طين .. .. ..
إلا أنه ما كاد أن ينتهى من رص أكياس الأرز حتى تعثر فوق السلم ليسقط الرف بأكمله مطيحاً برصة صفائح السمن التى أطاحت بدورها بأشياء عدة، لينتهى المشهد بسقوط ضياء وسط كومة البضائع المتبعثرة فى أرجاء الدكان !
كى تعاوده حالة الضيق المصحوبة بسعال متواصل من جراء هذا الكم من الأتربة المتناثرة بالأجواء وبينما هو يحاول إخراج بخاخة الصدر من جيبه إذ بظل الحاج رمضان يظهر من خلف الرماد كملك الحساب وكأنما عاد ليسحب البقية المتبقية من روح هذا الكائن التعيس المدعو ضياء !
.. والله يا حج أنا قولت من الأول البخاخة دى قرفتها وحشه فى اليوم المهبب ده ..
.. لا حول ولاقوة إلا بالله .. إيه اللى هببته ده يا أخيب جيلك .. .. يعنى أدعى عليك وأنا لسا خارج من الصلاه .. حرام عليكو إن كان إنت ولا الخيبان التانى إلاهى ما تكسبو يا بعيد .. حزبى الله ونعم الوكيل فيكو .. .. ..
ثم إزداد الطين بله بمجىء سيارة التوريدات وهاهو زيزو السائق الأنيق يفتح أبوابها الخلفية إستعداداً لإنزال البضاعة.
.. ياخبر إسود إيه اللى حصل فى الدكان ده يا حج ! بقولك إيه أنا مستعجل .. ولا أعدى عليك بكرة ..
.. لااا بكرة إيه ! أنا هاتصرف .. حكم ربنا وعدنى بجوز عاهات خاربين بيتى .. .. ولا يا فتحى .. إنت يلا .. تعالى بسرعة إيدك معانا لاجل مانلم الخراب المستعجل دا .. .. جاتكو الهم كلكو ..
لينتفض فتحى فى التو من جلسته المعهودة على نفس ذات المقعد البالى أسفل منزلهم المجابه للدكان مباشر ًة.
هذا الشاب الذى حباه الله ببسطة فى الجسد وطيبة فى القلب على خلاف الصورة الذهنية التقليدية لشخص بهذا الحجم وتلك الملامح الحادة، فكان جميع من بالحى صغيره وكبيره يعرفونه ويحبونه ربما لطريقته الطفولية وعفويته التى كانت على الناحية الأخرى أحد مسببات حظه العثر فى الحصل على عمل منتظم.
11
وعلى الرغم من كونه شخص ودود للغاية إلا أنه كان قليل الكلام ربما بسبب حالة التلعثم التى تنتابه حين يتحدث، فكانت صداقاته محدودة أو معدومة تقريباً حيث إكتفى بالعيش فى كنف والده الشيخ العجوز معتمداً فى ذلك على أجر يتقاضاه من مساعدته لهذا أو
ٍ
ذاك إلى جانب ثلاجة المشروبات الغازية بجوار كرسيه البالى.
لينضم فتحى إلى ضياء كى يقضى معه تلك الأمسية القاحلة بين تعليمات الحاج رمضان العسكرية فى ترتيب البضاعة وسخريته الباهته من هذا الجيل مقارنة بجيل السمن البلدى وإلية الخروف التى كانوا يتناولونها كالبوظة، كما أن الأمر لم يخلو بالطبع من تفاخره بقدراته العبقرية فى تسويق أكياس البطاطس الراكده.
فلم يكن يهون على ضياء هذا التكدير المتواصل سوى تلك التعليقات والحركات الطريفة التى تصدر عن فتحى بعفوية شديدة فيغتاظ معها الحاج رمضان وتنتفخ أوداجه حانقاً، إلى أن إنتهى هذا اليوم الغريب ليعود ضياء أخيراً إلى منزله بعد ما بلغ منه الإنهاك مبلغه حتى أنه إرتمى على سريره بملابسه وغض فى نو ٍم عميق.
وهاهو صباح جديد بكافة تفاصيله الروتينية لكن ضياء اليوم لم يستيقظ بسهولة، فقد كان يعانى من ألام شديده بأغلب أجزاء جسده بالإضافة إلى شعور غريب بالإنقباض بسبب تلك الذكريات المحبطة والغير مترابطة التى تلاحقه بدون مبرر، فلم يوقظه من مرقده سوى صراخ أمه عليه كى يصطحب أخته إلى المدرسة.
ليجاهد ألامه وينتفض مسرعاً حيث تعودت مريم منذ صغرها أن يصطحبها شقيقها إلى المدرسة فى إختبارات نهاية العام وكانت تتفاءل برفقته لدرجة تخشى معها كسر هذا الروتين الأسرى لربما يؤثر على أدائها، غير أن الشقيق لم يكن على طبيعته هذا اليوم
شكلاً وموضوعاً حتى فى تحيته الصباحية التى خلت من حميميته المعتادة. .. صباح الخير يا أمى .. .. صباح الخير يا حبيبى .. مال لونك مخطوف كدا ليه .. إنت تعبان يابنى ؟! .. لا ياحجة ده شوية إرهاق بس من ليلة إمبارح .. أصل الحج رمضان خلانا ننكت الدكان لما
إستوينا .. .. إلا فين الأنبوبة صحيح يا ضيا يابنى ؟ دانا قلبت عليها البيت !
.. هابقى أحكيلك لما أرجع ياحجة .. أصل الموضوع ده محتاج روقان مع كوباية شاى من إيديك الحلوة دى ..
وبتلك الكلمات المقتضبة قطع حديثه مع أمه قبل أن يتوجه مسرعاً إلى الحمام وهو ينادى على مريم كى تعد له أى شىء يتناوله فى طريقها، ثم إرتدى ملابسه ونزل معها
12
فى عجالة مفلتاً من هذا التحقيق المنتظر حول الأنبوبة، لكنه ما أن لحق بأخته عند مدخل البيت حتى لحقته بندائه إلى ما كان يخشاه.
.. يلا يا ضيا بسرعة نلحق عم ربيع علشان ياخدنا فى سكته .. بسرعة يا أخى علشان نلحق مكان ..
.. ما بالاش عم ربيع النهاردة يا ميرو .. أنا مافياش حيل أتنفس أساساً .. .. عم ربييع .. عم ربييع .. إستنا إحنا جايين معاك يا عم ربيع ..
وها هو العم ربيع ينظف ميكروباصه المتهالك بإهتمام شديد مثل كل صباح بعد أن إمتلأ بالأطفال والسيدات، حيث إعتاد أهل المنطقة أن يقلهم معه بدون أجر إلى الطريق العمومى لينطلق كل منهم بعد ذلك إلى وجهته، لكن يبدو أن الأمور لم تكن تسير بهذه
ٍ
السلاسة فقد بقى ضياء واقفاً بجواره فى إنتظار شى ٍء ما !
.. ونبى يا ضيا يابنى إيدك مع الواد عاطف علشان تدور .. .. وإنت يابا منك له إيدكو معانا بدل مانتو واقفين كدا ..
فتلك هى الإستغاثة اليوميه التى يتهرب منها الجميع بشتى الطرق خاصة مع إصرار عم ربيع الدائم على عدم إنزال الركاب من السيدات والأطفال بحكم النخوة، أما اليوم ومع حاله ضياء البدنية التى لا تختلف كثيراً عن الميكروباص فلم يكن أمامه سوى إدعاء المشاركة مع هؤلاء المجبورين على ذلك الثواب الصباحى فى مساعدته.
إلى أن دبت الروح بالسيارة أخيراً لينطلق معها عم ربيع غير مبالى بمن خارجها ! فأخذ ضياء يهرول خلفهم لمسافة قبل أن ينجح فى اللحاق بالركب كى يبدأ مباشر ًة فى فقرة مراجعة المنهج مع مريم، فكان يجيبها تارة ويجيبها من يتبرع من الركاب تار ًة أخرى حتى وصلوا إلى قارعة الطريق بالقرب من المدرسة.
فلم يكن الوضع يختلف كثيراً عن واقعة المستودع وسط هذا الحشد من الطلبه ونفير السيارات على الطريق المزدحم لدرجة التوقف مع سيمفونية الصراخ لكورال الباعة الجائلين المنتشرين على جانبى الطريق.
وما هى إلا لحظات حتى إختفت مريم وسط أسراب الجموع المتدفقة لتلحق مصيرها الغامض فيما ظل ضياء محملقاً فى ذلك المشهد الجامع لأحوال أجيال سابقة ولاحقة فى نفس اللقطة، حتى رن هاتفه ليشوش عليه تأملاته لكن عله يجد فى إتصال مهيب ما يخرجه من تلك الحالة الملازمه له منذ إستيقاظه.
.. أيوا يا معلم .. .. الحمد لله .. إشجينى بقى .. عملتوا إيه إمبارح .. .. ياعم ماتحكى دلوقتى .. .. سيفيهات إيه وشغل إيه بس اللى هانروحله فالجو ده .. .. ياعم أنا مش قادر .. .. ماشى يا فقرى مستنيك بس ماتلطعنيش ..
13
وبالفعل لم يتأخر مهيب الذى جاء حاملاً معه أحد الجرائد الإعلانية بالإضافة إلى رزمة من سيرهم الذاتيه ليقابل صديقه أمام أحد الأكشاك القريبة من المدرسة كما إتفقا.
.. صباح الفل يا ريس .. إيه مال شكلك تعبان كدا ليه ؟! فما كاد يسأله هذا السؤال حتى إنفجر ضياء فى وجه صديقه بلا أى مقدمات.
..تعبان بس ! كويس إنى لسه عايش أصلاً .. دا كان يوم مأندل بستين نيله .. ولا الحج رمضان واللى عمله فيا .. .. دانت هاتشوف منى حتت وش الأيام الجايا ! ومن أولها كدا إنت شايلنى بقيت الشهر كله يا برم .. .. ..
.. إيه يا عم حيلك حيلك طب مانيش حاكيلك عالفرح .. ويلا بقى بسرعة عشان عندنا سبوبة بقلاوة بعد لفة السيفيهات ..
فمهيب هو رفيق ضياء الأقرب منذ الطفولة فكلاهما لم يكن لديه أخوات فى أعمار متقاربه لينشئا سوياً كأخوان وسط الكثير من الأسرار والخبايا التى جمعتهما مع ًا، إلا أن مهيب كان دائماً بمثابة الأخ الحامى فقد كان أكثر جراءة لكنه أسرع إنفعالاً إلى جانب بنيته الأضخم نوعاً ما والتى تكشف عن أثار ممارسة الرياضه أسفل طبقة الشحوم التى تغطى جسده بعض الشىء فى الوقت الحالى.
كما كان يتميز بشخصية إجتماعية إنعكست فى صداقاته المتعدده وإنخراطه الدائم فى نشاطات مختلفة، حتى أنه سافر لفترة للعمل بأحد الدول الأجنبية حيث إعتصرته التجربة بين العديد من المهن الشاقة إلى أن لفظته بسبب الإقامة غير الشرعية، ليعود إلى دكان الحاج رمضان ورحلة اللحاق بالمتاح حتى وإن تحطم معها حلمه فى العمل الحر.
وها هما الصديقان ينطلقان فى رحلة البحث عن الأمل بادئين بهذا الإعلان عن وظائف شاغرة بسلسلة أسواق تجارية شهيرة، فى حين إستمر هذا النقار العبثى بينهما طوال الطريق حول أحداث الأمس إلى أن وصلا إلى محطتهم المنشودة أمام هذا المبنى الفاخر بأحد الأحياء الشهيرة لتزهو معه أحلامهم فى أن يصيبهم الدور هذه المرة.
.. باين عليها شركة أبهه ياض يا هوبا .. يا رب دعاكى يجيب نتيجة المرة دى يا حجة .. .. يا عم إنت متأكد إنها أمك بجد بعد كل اللى حكيتهولى دا .. هههه ..
لكن ما أن وطأت أقدامهم مدخل المقر حتى إستوقفهما موظف الأمن مستعلماً عن هويتهم ثم أشار إليهما برتابة شديدة أن يتركا سيرهم الذاتية فوق تلال الورق المرصوص أمامه قبل أن يردد الأكلاشيه المعتاد بأن الشركة ستفحص المتقدمين وتبلغهم بموعد مقابلة أولية فى حال قبولهم.
14
.. مش بقولك شركة أبهه .. كله من بره يا كلاب .. .. إلا ماقلتليش صحيح إيه هى السبوبة البقلاوة ؟
.. فاكر الواد أمير إبن أبله إعتماد .. مش قابلته إمبارح فى الفرح بس عقبال عندك بقى حاجة تانية .. .. المهم إنى جرجرته فى الكلام وهايسحبنا معاه فى سبوبة لوز العنب ..
.. ياعم الواد ده كان فكسان قوى .. وبعدين انت أخر مرة شوفته فيها سابتله ميت مله وكنت هاتضربه ..
.. لااا الكلام ده زمان .. هو صحيح لسة عيل ملزق بس مش أكل وبحلقة .. .. إتقل بس وهابقى أفطمك بعدين ..
ليشدا الرحال خلف إعلان أخر عن وظائف لمشرفين أمن ومدربى كلاب حراسة وصولاً إلى ذلك المستودع القابع بهذه المنطقة المجهولة، حيث فوجىء الصديقان بما يشبه سوق النخاسة وسط هذا الحشد من المتقدمين وتلك الكائنات البائسة المتشبهه بالكلاب والتى كانت السبب فى مغادرتهم المكان بعد قليل حين إنفلت الزمام وإحتدم العراك بينها !
.. أووف وترونى ولاد القديمة ! وقال إيه الراجل إتضايق مالبخاخة .. طب ما عم سيد على عكاز وحارس قد الدنيا أهو !
.. يا عم سيبك .. .. أقولك بقى عالنحتاية .. أصل الواد أمير الملزق دا طلع قال إيه شغال فى شركة دعاية ماللى بتورد جمهور لبرامج الفضائيات ..
.. بيوردو ! وفضائيات ! إزاى يعنى ؟! وإحنا هايهببو بينا إيه يا فتك ؟
.. مانا كنت دغف زيك كدا ومش فاهم .. بس طلع إن شوية العيال اللى بيصقفو فى البرامج دول متأجرين عشان يعملو شوية الألابندا دى .. يعنى الواحد يقعدله كام ساعة يزيط فالزيطة وفالاخر تقفشلك كام بلبل حلويين .. دا غير المزز والجو يا معلم .. .. مش بقولك بغاشة ..
.. يا ولاد الإيه ! بس إنت كدا عايزنا نعمل زى العيال اللزجة دى ! عموماً مش مهم .. مادام فيها بلابل خلينا نجرب لحسن الحالة ناشفة قوى .. .. أه صحيح بجملت النشفان إحتمال أميل عليك فى بلابلك كمان يا لزج .. .. ..
فعلى عكس توقعات مهيب وافق ضياء على الفور وبدون أى مجهود لإقناعه كما كان يظن، فلم يكن صديقه يميل لفكرة التصوير فى العموم بل وطالما كان يسخر من هذه النوعية من البرامج ويرى أن البعض يستغلها لمجرد الشهرة أو المتاجرة، لكن يبدو أن إحتياجه للمال على الأقل لشراء إسطوانة بوتاجاز عوضاً عن المسروقة جعله يستجيب بسهولة.
15
كى ينطلق الثنائى مجدداً فى طريقهم لمقر التصوير حيث وجدا العشرات من الشباب محتشدين بالمكان، وها هو المدعو أمير يقف وسط بعض المنظمين أثناء قيامهم بتوزيع الجمهور المنتظر فيما بدا وكأنه على أساس نوعيه البرامج، فقد كانت كثافة الفتيات وطبيعة الملابس متباينة بين المجاميع المختلفة.
وما أن رآهم هذا الأمير حتى أشار إليهم ليوافوه فيما رسم مهيب تلك الإبتسامة المفتعلة على وجهه وتوجه إليه فى التو.
.. أمير باشا .. أدينا جنالك حسب المعاد .. عايزين بقى برنامج لوز كدا وحياة أبله إعتماد زى ماوعدتنى إمبارح ..
.. حبيبى يا هوبا .. .. إيه دا وضو كمان منورنا بنفسه .. طب مش كنت تقولى عشان نفرش الارض رمل .. ههههه ..
ليبادره ضياء بلمحة من ذكريات الماضى الأثيم مصحوبة بتلك الإبتسامة الصفراء بعد أن إستشعر نبرته الساخرة
.. إزيك ياض يا أمير.. ونبى أوعى تكون زعلان مالى حصل أخر مرة إتقابلنا فيها ..
.. يااه انت لسا فاكر ! ولا يهمك يا نجم إحنا كبرنا على الكلام دا وأديك جتلى أهو علشان أظبتك .. ههههه ..
إلا أن مهيب تدخل فى تلك اللحظة بعد أن أمسك بيد صديقه ليثنيه عن الرد على إستفزازاته المتكرره
.. ها يا برنس هاتظبطنا فى أنهى برنامج النهاردة ؟
.. بص يا معلم .. بصراحة الموضوع صعب حبتين .. .. مش كنتو تلبسو حاجة عليها القيمة شويه وانا كنت أظبطكو أحلى تظبيطه .. .. عموماً ملحوقه .. مافيش أكتر مالتوك شوس .. أنا هاشبطكو فى برنامج شبابى إجتماعى المره دى .. بس المرة الجايه تروشو نفسيكو بقى وأنا هامنجهكو فى سهره فنيه ورقص ونسوان للصبح .. ههههه ..
.. ماشى يا كبير .. ومالو .. بس هانقفش البلابل إمتى وإزاى ..
.. ماتقلقش أول ماتخلصو هاظرفكو السبيج .. يلا هاتو بطايقكو وروحو مع المجموعة اللى على الشمال دى .. ههههه ..
كى يتوجه الصديقان إلى حيث أشار وسط محاولات مهيب السيطرة على صديقه الذى تملكه الغيظ على عكس المعتاد
.. هو الواد بن الكئيبه دا بيضحك على ايه يا عم ! وبعدين هو خد بطايقنا ليه !
16
.. شيلو من دماغك بقى يا ضو .. خلينا ننبسط وأهو أكيد مش أرزل مالحج رمضان والسواد اللى مستنينا .. وبعدين هى مالأخر نحتاية .. عجبتنا نيجى تانى .. ماكانش .. نبقى نسبله ونتكل بعد ما نقفش البلابل ..
إلى أن دخلا مع الاخرين أستوديو التصوير حيث بدأت مجموعة أخرى من المنظمين فى ترتيب الحضور على المقاعد، ثم قامو بتوزيع بعض الأوراق عليهم قبل أن يقف هذا الشاب ممسكاً بالميكروفون ويحدثهم بشكل جماعى.
.. هدوء يا جماعة وإسمعونى كويس .. .. هدوء من فضلكو .. .. موضوع الحلقة النهاردة اجتماعى عن مستقبل الشباب ومشاكلهم فى الشغل والجواز وكلام من دا .. .. اللى أول مرة يحضر معانا انت فى شغل مش فى حضانه هنا .. ماشى .. عايز عينيكو دايماً على الصف الأول .. دول الناس بتوعنا .. عايزكو تعملو زيهم بالظبط .. سقفوا تستقفوا صفرو وهيصو تعملو زيهم برضه .. مش عايز أى فتى من دماغكو يإما هاتطردو فأول فاصل وماتورناش وشكو تانى ..
ثم تناول الميكروفون شخص أخر أكبر سناً بدا أنه من طاقم إعداد البرنامج المنشود.
.. الورقه اللى فى ايديكو دى علشان فقرة أسئله الجمهور .. الأستاذة هناء المذيعة والسادة الدكاترة الضيوف هايختارو منكو بشكل عشوائى وإنتو تقومو تسألوهم من الورقة اللى معاكو وبس .. مش عايزين استظراف ولا أسئله من دماغكو وإوعو حد يكرر الأسئله .. فاهمين .. .. انتو طبعاً عارفين اللى مش هايلتزم مش هايقبض دا لو الجارد ماظبتوش كمان وهو خارج .. المهم بلاش تجربوهم أحسن .. .. حاجة أخيرة .. أول ما مدام هناء تقول هناخد سؤال واحد كمان مش عايز حد يرفع ايده بعد كدا .. مفهوم .. .. وطبعاً مش عايزين حد نايم ولا مش مبتسم فى أى كادر بدل مانكدركو .. ها حد عندو أسئله ولا مش فاهم حاجة ؟ أوك التصوير هايبدأ كمان نص ساعة .. شكراً ويا رب تنبسطو معانا ..
فكانت هذه البداية العجيبة وطريقة المنظمين المتعجرفة كفيلة بإصابة الصديقان بشىء من الإحباط
.. إبن الصرمة بعد كل الموشح دا بيقولك تنبسطو معانا ! هههههه ..
.. هو إنت بتضحك على إيه فى الزبالة اللى بتتقال دى ؟! ما داهية لايكون الواد أمير بن الثقيلة عداك يا هوبا .. .. ..
ليستمر هذا السجال الهزلى بينهما إلى أن دخلت الأستاذة هناء المذيعة الطاعنة فى السن مع مجموعة الضيوف الأفاضل الذين بدوا للوهله الأولى كمهرجين السيرك بتلك المساحيق على وجوههم حتى إستعادوا هيئتهم الطبيعية إلى ح ٍد ما بعد ضبط الإضاءة بالأستوديو، وهاهو العد التنازلى لبدء التصوير.
17
18
كى تنطلق حلقة "الشباب والمستقبل" وتبدأ معها المذيعة فى سلسلة من الأسئله السطحية عن البطاله وتأخر سن الزواج وغيرها من المواضيع المستهلكة، فى الوقت الذى أسهب السادة الضيوف فى تلك الإكليشيهات المتكررة عن دور الدوله ومسؤلية الشباب وكثير من الكلام المنمق المفصول عن واقع ضياء وأقرانه كالعادة.
ليمر الفاصل تلو الأخر مع بعض التوقفات والإعادات البسيطة التى كانت فى أغلبها بسبب أخطاء الأستاذة هناء فى صياغة الأسئله أو حين تتدخل بإرتجالتها وضحكاتها االمبتذلة، لكن ظل أداء الجمهور متميز بعد أن إتبعوا إلى حد التطابق ما يفعله رواد الصف الأول وصولاً إلى الفاصل الأخير، حيث ظهر أحد المنظمين مجدد ًا ليذكر الحضور بضرورة الإلتزام بالأسئله وتأكيده لعدم الخروج عن النص.
وما أن بدأت الفقرة الأخيرة حتى شرع مهيب مع أغلب الحضور فى رفع أيديهم عند كل سؤال لعل الدور يصيبهم وتكون مشاركتهم صوت وصورة على شاشات التليفزيون، أما ضياء فإستمر فى شروده كحاله طوال الحلقة فكان يقلد من حوله غير مبال بما يقال أو يحدث، الى تلك اللحظة حين أشار أحد الضيوف فى إتجاه مهيب طالباً منه أن يطرح سؤاله فما كان منه إلا أن دفع صديقه بشكل مباغت على أمل أن يكون متابعاً لترتيب الأسئلة التى طرحت.
ليجد ضياء نفسه واقفاً فى مواجهة كاميرا الجمهور لكن يبدو أن المفاجأة قد ألجمته حتى أنه ظل صامتاً للحظات.
.. انت نسيت سؤالك ولا إيه يا إبنى ؟َ! هههه ..
فلم يكن من تعليق الأستاذة هناء بضحكتها المفتعلة سوى أن زاده توتراً، وللحظة فكر ضياء فى الإعتذار والجلوس لكنه ولسبب لا يعلمه قرر أن يرتجل !
.. لا يا فندم أنا هاتكلم أهو .. .. أصلى أول مرة أحضر برنامج فالتلفزيون كدا .. بس حضرتك زى والدتى فانا هاتكلم على راحتى .. .. بصراحة كلام حضراتكو حلو بس هو دا نفس الكلام اللى باسمعو من ساعة ما قالو عليا شاب ! أنا سؤالى دلوقتى ليه مافيش شباب قاعدين وسط حضراتكو علشان مناقشة المشاكل والحلول تبقى ليها علاقة أكتر شويه بواقع شباب زيى كتير بيعيشوه كل يوم .. و .. .. ..
إلا أن فى تلك الأثناء كان مهيب يحاول خفية لفت إنتباه صديقه عله يتوقف قبل أن يتفاقم الوضع، لكن ما هى إلا ثوان حتى دوت صيحة "إستوب" مجلجلة فى الأستوديو وها هى الأستاذة هناء تكشر عن أنيابها منفجرة فى كل الحضور.
.. ايه الهباب اللى انت بتقولو دا ! وعمال تقولى زى أمك ! أمك مين يا نطع !! ايه يا حسين اللى بيحصل دا .. انتو بتجبولنا الأشكال دى منين ؟! طلعلى البأف دا بره حالاً ..
وفى غضون لحظات كان ضياء محاطاً بجماعة من العماليق لإخراجه من القاعة قبل أن يحتدم الموقف حين إشتبك معهم مهيب دفاعاً عن صديقه، لكن الغريب فى الأمر كان تعاطف أغلب الحضور معهم حيث تعالت الصفافير والصيحات بل وتقدم البعض لمناصراتهم فيما بدأ وكأنه تحية له لتعبيره عما يدور بخلدهم جميع ًا.
وبالفعل توقف الإشتباك تماماً ثم خرج الصديقان فى سلام بصحبة بعض الحرس الذين إستدعوا المدعو أمير على الفور ووبخوه بشدة على إحضاره لمثل هؤلاء !
.. ابقى استنضف بعد كدا يا ..... وماتجبلناش الأشكال الزباله دى هنا تانى ..
.. ايه يا عم انت وهو يا عم .. نيلتوا ايه الله يخرب بيوتكو ؟! أخر مرة تورونى وشكوا فيها .. .. قال وانا اللى كنت فاكركو هاتشيلولى الجميله يا ..... منك له ..
.. ولااا .. لم نفسك يا ..... وإب بالبطايق والسبيج حالاً بدل ماعملها معاك .. .. سبيج مين يا ولاد ....
ليفاجأ الجميع بمهيب مشهراً هذه المطواة التى أخرجها من طيات ثيابه بعد أن طوق المدعو أمير بذراعه من الخلف !
.. ولا يا .... إنت .. احنا حضرنا الحلقة بتاعت الولية الحيزبون دى كلها .. يعنى مالناش فيه .. .. إب بفلوسنا وقتى يا إما واللى خلقك لأشرحك هنا ولا يهمنى حبة المجانص اللى بتتحامى فيهم دول .. انت عارفنى وعارف انى هاجيبك ..
.. طب اهدا طه .. .. أنا غلطان إنى إتعرضت لأشكالكو .. .. خدو الهباب أهو وأخر مرة أشوف خلاقكو .. بس والنعمة أنا ليا كلام تانى مع هانى لما أروح ..
.. سلام يا خفيف .. هاهاهاها ..
فرغم هذا المشهد المخيف لم يستطع ضياء أن يتمالك نفسه من هذه الضحكات الساخرة المصحوبة بنظرات التشفى وهو يودع هذا الأمير بينما بقى مهيب متحفزاً بمطواته حتى خرجا من نطاق الأستوديو، لكن يبدو أن سعادتهم بالخروج منتصرين لم تمنع صديقه من توبيخه بعد أن ذهبت فرصتهم فى المكسب السهل أدراج الرياح.
.. يعنى ينفع كدا ! أديك ضيعت علينا السبوبه العنب بدل بهدلة الحج رمضان وسنينه .. .. يلعن أبو اللى يحاول يظبطك تانى يا أخى .. بس نقول إيه .. الحمدلله اننا فلتنا على رجلينا ..
.. أنا أسف يا سيدى .. .. يا عم مش إنت اللى زقتنى ! وبعدين ايه الجموديه دى ياض يا هوبا .. كنت فين يا عم الوحش والواد حمودة بيمسح بيا الأسفلت ..
19
.. حمودة ! انت فكرك أنا كنت حتى أقدر أقول ان معايا مطوة قدام العيال دى !! يابا دا كان شرحنى أنا وأهلى .. انما الواد أمير دا واد طرى كدا ومقدور عليه ابن الظريفة .. هههههه .. .. ..
وها هما الصديقان يعودان إلى عالمهما بعد هذه التجربة العجيبة حيث أسرع مهيب
ليلحق بموعد الدكان قبل أن يستقبله الحاج رمضان بموشحاته، بينما توجه ضياء إلى منزلهم فقد كان يعانى من آلام شديدة بكل أجزاء جسده تقريباً كما لو كان محموماً او شىء إلى جانب تلك الذكريات المحبطة التى لم تنفك عن مطاردته كأحلام اليقظة لتزيده ضيق ًا.
إلا أنه فى طريق عودته صادف بعض أصدقائه وهم جالسون كعادتهم على القهوة بجوار بيته، فهؤلاء هم منصور وشلته من جيرانه الذين جمعتهم به العديد من الذكريات والمواقف منذ صغرهم، وحتى بعد أن كبروا وفرقتهم الحياة بين أعبائها المختلفة ظل تشابك أحوالهم المرتبكة يجمعهم على هذا الملاذ المدعو قهوة الإشتراكيين لصاحبها المعلم نصحى.
لكنهم هذه المرة بدوا وكأنهم يتحدثون فى أمر جدى فلم يكن بينهم لوح الطاولة أو رصة ٍ
الضومينو الملازمة لهم عاد ًة.
.. ضو باشا .. فينك يا عم بقالك فترة تقلان علينا .. يلا تعالى اضربلك واحد شاى مانا عارفك مالكش فالدخان ..
.. مساء الفل يا رجالة .. دخان مين يا عم .. مانتو عارفين اللى فيها .. هما يادوب نفسين وتقرو عليا الفاتحة ..
.. طب يلا شدلك كرسى وهاعزمك يا سيدى على قرصين فوار وحباية تحت اللسان كمان ..
.. ههه .. أهو دا تمامى فعلاً .. بس معلش إعفينى المرة دى يا منص .. مش شايف قدامى وعايز اتخمد ماصحاش ..
.. ايه يا عم مالك بس مضلمها كدا ليه ؟! تعالى بس خمسه فالسريع وأهو ناخد رأيك كدا فى حاجة مهمة برضك ..
.. بجد مش قادر .. خليها بكره ولا حاجة .. حتى أكون فايق وأعرف أخد وأدى معاكو ..
.. يا عم بطل غتاته بقى .. هو الكلام يحلى غير وانت مفيم .. يا عم هما خمس دقايق بس وانا عازمك ماتقلقش .. .. واحد شاى للبرنس هنا ياض يا بوليكه .. بس بسرعة ماتشلناش زى كل مرة ..
20
ليستسلم فى نهاية الأمر ويجلس معهم على الرغم من حالته فبحكم طبيعته لم يكن ليرفض دعوة أحد وعله يجد فى كوب الشاى مع حديث الأصدقاء السبيل للخروج من هذا الضيق الذى يلاحقه.
.. والله وحشتنى اللمه دى يا رجاله .. ايه خير ؟ أنا شامم ريحة غريبة كدا .. إوعو تكونو ناويتو تسيبو قاعدة القهوة وقررتو تعملو حاجة مفيدة لا سمح الله .. .. ولا يكونش حد فيكو اتهف فى دماغو وقرر يتجوز وعايزنا نلمله ..
.. يا عينى عليك يا برنس وانت قارينا .. مش بقولك عايزين دماغك المتكلفة دى معانا فى القاعدة ..
.. طب انجز ونبى يا منص قبل ماموت منكو ..
.. بص يا سيدى علشان ماطولش عليك .. انت عارف اللى فيها واننا بقالنا كتير قاطعين أبونيه عالقهوة لما ورمنا .. فابو الواد وليد مانت عارف انه شغال فى شركة توريدات .. المهم يا سيدى إنه عرض علينا يدينا الأوضه اللى تحت السلم عندهم نعمل فيها مشروع كدا عالقد ..
.. مشروع ايه بقى فالحوق دا .. دانتو لو وقفتو بس فيها بكروشكو دي هانبقا عايزين نشحمكو علشان تعرفو تطلعو ..
.. اصبر يا عم مانا جايلك فالكلام أهو .. الاوضه دى هاتبقى مخزن بس .. أصل أبو وليد قالنا فيه مطاعم كتير يعرفها دا غير شويه فنادق ومراكب عالنيل بيبقو عايزين الخضار والفاكهة وشويه طلبات تانيه كدا جاهزة ومتقطعة بكميات .. وقالنا إنهم ممكن يتفقو
معانا عالتوريد ويدفعولنا بالشهر كمان .. أمى بقى هتسبلنا الأوضة اللى فوق السطوح علشان نظبط فيها الطلبيات .. .. ايه رأيك بقى فى الفكرة دى يا غالى .. مانت خريج تجاره وبتفهم فالحاجات دى برضك ..
.. ما كفياك "برضك" دى يلا ! وبعدين أنا كل اللى شايفو شوية أبهات على أمهات زهقانين وعايزين يخلصو منكو ..
.. ههههه .. يا عم إحنا بنتكلم جد ..
.. لأ لو عالجد تبقى فكرة زى الفل وأهى أكيد أنضف من قاعدتكو كدا .. بس أمانة عليكو لو عديتو ماتنسوناش معاكو .. وانا يا سيدى مستعد أقطفلكو الملوخية حتى بس ربنا يرحمنا مالحج رمضان وثقالته ..
.. يعنى رأيك كدا يا برنس .. طب بالمرة بقى كنا عايزين نكلم الواد هيما وممكن مهيب كمان علشان توصيل الطلبات وشوية شغل كدا ممكن يساعدونا فيه .. واهم عيال مدقدقة وبتوع سياحة وفنادق برضك ..
21
.. برضو "برضك" .. هههه .. ماشى يا سيدى .. إنوو أنتو بس وأنا هواصيهم عليكو برضك .. .. يلا أفك أنا بقى لحسن دايخ عالأخر وغالبا هاتسندونى علشان أعرف أطلع البيت .. سلام يا ملوك الفاكهه ..
كى يتركهم ضياء مغادرًا لكنه ما كاد يخطو خارج القهوة حتى بدأ يترنح قبل أن يسقط فى مكانه كبنيان إنهار فجأة !!
لينتفض الجلوس ويهرع المارة مسرعين نحو جثمانه الملقى على الأرض بلا حراك فيما علت صيحات الإستغاثة من كل صوب، حيث شرع البعض فى محاولات عديدة لإفاقته مستعينين بكافة الطرق المعروفة لكن دون جدوى !
غير أن ما أثار قلق الجميع من حوله كان جسده الذى بدأ يرتعش دون توقف وتشع منه السخونة بشكل ملحوظ، فما كان منهم إلا أن حملوه فى عجالة لسيارة أحدهم كى ينقلوه للمستوصف العمومى على قارعة الطريق بينما أسرع أخرون إلى منزله لإبلاغ والدته وإحضارها معهم.
فكان فى إستقبالهم عند وصولهم ممرض قسم الطوارىء بصحبة الطبيب المناوب الوحيد بالمكان الذى شرع فى فحصه فور أن وضعوا جسده المتهاوى على ذلك التروللى المتهالك خلف تلك الستارة الرثه، ثم بدأ الطبيب بالتباعية فى سلسلة من الإسعافات الأولية التى وصلت لحد حقنه بمواد دوائية مختلفة فى غضون دقائق معدودة !
لكن يبدو أن مساعى الطبيب الشاب لم تسفر عن شىء بل إن جسده أخذ ينتفض أكثر من ذى قبل كما بدأت هذه الرغاوى البيضاء تسيل من فمه فجأ ًة ! حتى أنه توقف تماماً عن محاولاته وخرج لهم فى التو وقد بدت عليه علامات الإنزعاج.
.. بصوا يا جماعة بصراحة أنا مش قادر أشخص حالته .. وبصراحة أكتر المستوصف هنا مش متجهز بأى حاجة .. نصيحة ليكو لازم تنقلوه فوراً على مستشفى الحميات .. .. مافيش وقت نستنى حتى عربية الإسعاف .. المريض حالته خطيره ولازم تلحقوه بسرعة .. .. انا اسف يا جماعة بس ما باليد حيله ..
لتسقط كلماته على الحضور كالصاعقة خاصة أمه التى إنهارت تماماً فور أن رأت ولدها فى تلك الحالة وكأنه يقترب من مصير نخشاه، لكن أياً كانت مقاديره بقى هذا الأمل وهم يهمون بنقله سريعاً متضرعين أن ينجيه بفضله.
22
23
”تحول“
.. إيه دا .. .. أنا فين .. .. إيه الضلمة دى .. .. .. يا رب .. .. ..
حيث بدت تلك الكلمات كهواجس تنبعث من عمق سحيق وكأنها تناجيه بينما هو عاجزاً عن الإستجابة أو أن يتفوه بشىء !
.. إيه النور دا .. .. مين دول .. .. .. مش فاهم .. .. أأه .. .. ..
وها هى تعاوده مجدداً لكنها إمتزجت هذه المرة بخيالات بصرية مع أصوات مشوشة بدت وكأنها قادمة من عالم أخر !
.. يا حبيبى .. .. سمعنى صوتك .. .. روحى معاهم .. .. مش هاسيبه .. .. جدعه .. .. معاه .. .. ونس .. .. نب .. .. ..
إلى أن توقفت الأصوات وخبت معها تلك الهالات المنيرة ليعود إلى غياهب السكون مجدداً !
.. ونبى يا بنتى تطمنينى .. أحنا بقالنا أسبوع عالحال دا ! هو مافيش حاجة تانية تتعمل ؟ أنا ممكن أبيع اللى ورايا واللى قدامى بس أسمع صوته تانى ..
فكانت مثل هذه التساؤلات أو التوسلات ترددها أم ضياء المرابطة إلى جواره كلما رأت ممرضة أو دكتور أو حتى عمال النظافة حين يمرون بالعنبر، لكن ظلت نفس ردودهم الباهته تتكرر دائماً.
.. والله يا أمى احنا بنعمل اللى علينا وربنا معاه .. ادعيلو إنتى بس وانشاءالله يقوم بالسلامة ..
أو أى إجابات أخرى لا تعبر سوى عن قلة الحيلة أمام وضع إبنها الصحى بل وعجز تام عن التنبوء بأى تطور منتظر لحالته فى المدى القريب أو حتى البعيد !
فمنذ دخوله المستشفى دأبت هى وأخته مع بعض الأصدقاء على التواجد يومياً إلى موعد إنقضاء الزيارة، فلم يكن مسموح بالمبيت فى عنبر الحميات ونظرًا لضيق ذات اليد لم يكن بإستطاعتهم نقله الى القسم الإستثمارى كى يتسنى لهم مرافقته.
فحتى وإن أمكنهم ذلك لم يكن هناك أى مكان شاغر بالمستشفى التى اكتظت أقسامها بالمرضى الوافدين من كل صوب ليتم توزيعهم على الأسرة المتاحة بغض النظر عن طبيعة مرضهم لدرجة أنهم إستعانوا ببعض التروليات الإضافية بين الأسره، فكانت العنابر تشبه الى حد كبير الأسواق الشعبيه حيث إختلط المرضى بالعاملين بالزائرين بهؤلاء الباعة المتجولين فى الأرجاء بل أنها لم تكن تخلوا أيضاً من بعض الكائنات الحيه الحائرة وسط أقدام البشر !
24
25
لتتوالى الأيام عليه مستقراً فى عالمه المجهول إلى تلك اللحظة التى عادت فيها طاقة النور بصحبة تلك الخيالات المشوشة والأصوات المتقطعة وكأن هناك من يتحدث معه او عنه، أما على أرض الواقع فكانت هاتان السيدتان من طاقم التمريض يتشاحنان إلى جواره بصوت خافت خشية أن يسمعهم أحد على ما يبدو !
.. ايه اللى نيلتيه دا يا موكوسه .. .. والله يا ريسه ماعملت حاجة .. انا ماشيه على تعليمات الدكتور نبيل بالحرف ..
.. انتى ملخبطة الأدويه والجرعات ومبدله علاج دا مكان دا وحاجة أخر استهتار .. .. دا الدكتور لو مر دلوقتى مش بعيد يطردنا كلنا .. .. اللاهى يخرب بيوتكو يا بعدا ..
.. دى تلاقيها سميرة اللى عملت كدا فى شيفتها يا ريسه .. ولا يمكن عيل صغير كان بيلعب ولا حاجة ! بس والله مانا يا ريسه .. وبعدين الحمدلله الدكتور بقالو كام يوم مامرش أصلاً !
.. يعنى الموضوع دا بقالو كذا يوم كمان ! وانتى حمارة البعيده مابتعرفيش تقرى .. .. اللاهى تتوكسوا كلكو يا لمامة ..
.. ونبى يا ريسه ما هاعمل كدا تانى .. .. ونبى ماتجيبى سيرة لحد .. مانتى عارفة الدكتور حاطتنى فى دماغه من غير حاجة .. وأنا مش ناقصه خصومات الله يخليكى !
.. أجيب سيرة ايه ! دا هايقطع فيها عيشنا كلنا .. .. اتفضلى بقى راجعى كل العنبر تانى وهاتنزلى الأسبوع دا كله نباطشيات ليلى يا روح ..... وانا بنفسى هاعدى عليكو كل يوم أشوف الهباب اللى بتنيلوه .. .. جاتكو القرف ..
ثم علا صوتها فجأة من وقع الخضة بعد أن لاحظت جسد ضياء الذى بدأ يرتعش بشدة وأخذ لون بشرته يشحب شيئاً فشىء وكأن روحة تنسلت من جسده.
.. ودا ايه اللى جرالو دا ! إللاهى ترقدو ما تقومو .. .. الحقينى بحقنه "..." بسرعة .. .. يا رب إسترها علينا يا رب ..
وفى تلك اللحظة دخلت أمه عليهما بعد عودتها من الصلاة ليتملكها الفزع فور أن رأت إبنها على هذا الوضع.
.. ايه خير ! فيه ايه يا بنات ؟! مالكو متلمين على ضيا كدا ليه ؟! وإيه اللى بيجرالو دا ؟!
.. لأ ماتقلقيش يا أمى دى حقنه كان كاتبها الدكتور علشان حالته .. انشاء الله ربنا يقومهولك بالسلامة ماتقلقيش ..
حيث تتابعت الدقائق التالية كساعات وجميعهم فى حالة ترقب إلى أن توقف جسده عن الإنتفاض وعاد لوضعه السابق، ليتنفس الجميع الصعداء قبل أن ترمق الباشحكيمة الممرضه بتلك النظرة الغاضبه وتسحبها من يدها بعصبية لاحظتها امه التى شعرت بدورها بقلق شديد على ولدها خاص ًة مع عجزها سوى عن التضرع لخالقه عله يستجيب دعائها عاجلاً.
لكن الأيام كانت تمر الواحد تلو الأخر دون أى تغير يذكر فى حالته سوى ذلك الأنين الذى كان يصدر عنه بين الحين والأخر وكأنه يصارع شىء عنيف بداخله إلى جانب هذا التورم الذى بدأ يطول جسده بالكامل فى تسارع مخيف !
حتى ذلك اليوم حين كان يمر الطبيب النوباتجى أخيراً فأستوقفته أمه لتسأله عن تلك الأعراض المستجدة على ولدها خاص ًة مع وجود بضع حالات أخرى بالعنبر تعانى من تورم بدا وكأنه مماثل غير أنه تحول مع الوقت إلى تقيحات قبل أن تزداد حالتهم سو ًءا خلال فترة وجيزة حتى أن أحدهم قد وافته المنية بالأمس !
.. ونبى يابنى تطمنى .. الولد بقالو كدا إسبوعين مرمى زى ما هو ! دا غير إنه من يومين إبتدا جسمه يورم كله ومحدش بيعمله أى حاجة ! انا خايفه عليه اوى يابنى ..
.. أه والله يا أمى عندك حق .. أنا لسا ملاحظ الموضوع دا دلوقتى ! عموماً ماتقلقيش .. انا هافحصه حالاً وهاكتبله على شوية تحليلات تتعمله .. وانشاءالله خير ..
.. خير منين بس يابنى ! دى حالته عماله تتدهور يوم عن يوم .. وبعدين فيه ناس مالعيانين هنا لمؤخذه مورمين هما كمان .. وأهاليهم بيقولو ان عندهم عيا جامد اوى وحالتهم خطر ربنا يشفيهم .. دا غير الراجل اللى إتوفى إمبارح ! هى الناس دى تعبهم معدى يا دكتور ؟! انا خايفه لا يكون الواد لقط حاجة كمان زيادة عاللى هو فيه !
.. والله يا أمى أنا هاكون صريح معاكى .. فيه حالات هنا معدية فعلاً .. بس للأسف معندناش أماكن علشان نعزلهم زى مانتى شايفة .. بس ماتقلقيش احنا واخدين احطياطتنا على قد ما نقدر .. وبعدين المشكلة اننا مش قادرين نحدد ابنك عنده إيه بالظيط علشان كدا حالته متأخره شوية .. .. معلش أعذرينا أصل الإمكانيات هنا عالقد ..
.. ياللهوى يا حبيبى ! طب وايه العمل دلوقتى ؟! ونبى يابنى تقولى ننقله حته تانية ولا نشوفلو دكتور من بره ولا أعمل ايه ؟! الواد كدا هايضيع منى ..
.. طب استنى يا أمى لما نعمله التحليلات اللى انا طالبها دى وانا بنفسى هاقولك ممكن تعملى ايه بعديها .. .. انا مقدر الظروف طبعاً .. بس اصبرى يوم ولا اتنين كمان معلش وانشاءالله يبقى فيه تحسن ..
26
ليتركها الطبيب بعد أن زادها هماً فوق همها بسبب عجزها عن إنقاذ ولدها، ففعلياً لم يكن بمقدورها أن تنقله لمستشفى خاص بكل أعبائها المادية المتوقعة فى ظل حالة الغيبوبة التى كان عليها والتى قد تستمر إلى أن يشاء الله.
ويبدو أنها كانت محقة فى تخوفاتها ففى اليوم التالى وبينما كانت جالسة مع أخته الى جواره لا يملكان سوا دموعهما بعد أن إزدادت حالة التورم لدرجة صعب معها تحديد ملامحه ! فإذا بجسده ينتفض فجأة ويعلو معه أنينه إلى ما يشبه الصراخ ثم بدأت تسيل تلك الرغاوى البيضاء من فمه مجدداً.
فخرجت أمه مهرولة بين أروقة المستشفى مستغية بأى شخص أمامها حتى إستجاب لندائها ذلك الطبيب ورافقته مسرعة إحدى الممرضات للحاق بولدها فى العنبر حيث وجدوا هذا التجمع بجواره، فقد إلتف بعض الزائرين حول أخته لمواساتها لكنها إنهارت تماماً فور أن رأت أمها فأخذ الطبيب يهدىء من روعهما وسط حالة الإرتباك التى عمت المكان.
.. أرجوكى يا أمى تهدى شوية إنتى والأمورة .. .. ما هو كدا مش هاينفع أرجوكو .. .. لوسمحتو إنتو كمان يا جماعة ابعدو شوية .. .. طب ياريت حد ياخدهم بره يهديهم .. .. شوية هدوء من فضلكو علشان نعرف نشوف شغلنا .. .. ..
فما كان من بعض الزائرات إلا أن إصطحبتهن إلى خارج العنبر ليتمكن الطبيب من فحصه فى هدوء، لكن يبدو ان تلك الأعراض المفاجئة كانت أعقد من أن يتفهم أسبابها حيث بدا عليه الإنزعاج الشديد وهو يوجه أوامره للمرضه فى حزم.
.. ناولينى حقنة "..." بسرعة .. .. هى فين نتيحة التحاليل اللى إتعملته النهاردة .. .. .. إندهيلى دكتور جمال حالاً .. .. ..
ليستمر فى محاولاته بعد أن إنضم إليه زميله المناوب إلى أن وصل رئيس القسم بصحبة مجموعة من الأطباء الأخرين الذين شرعوا فى فحصه على الفور فيما كانوا يتبادلون هذا الحوار المقتضب الملىء بالمطلحات الطبية حتى إنتهوا إلى ضرورة نقله مباشر ًة إلى قسم الفحوصات لإجراء مجموعة من الأشعة والتحاليل على وجه السرعة !
وفى تلك اللحظة ظهر مهيب ومنصور وقد بدا عليهما القلق الشديد بعد ما شاهدا ذلك الكونسلتو المنعقد حول صديقهم
.. مالو ضيا يافندم ؟! طمنونا ونبى .. دى مامته وأخته مغم عليهم تقريب ًا بره !
.. احنا لسا مش عارفين ايه اللى عنده فى الوقت الحالى .. بس ماخبيش عليكو الحالة ماطمنش .. .. يا ريت تخلو أهله يروحو .. وجودهم بالحالة دى مش مفيد ليه ولا ليهم .. ممكن واحد فيكو بس يفضل معانا وإحنا هانبلغو بالتطورات ..
27
.. طب لو فيه أى حاجة ممكن نساعد بيها قولنا يا دكتور.. .. يعنى لو عايزينا نجيب اى حاجة من بره احنا جاهزين ..
.. تمام .. لو محتاجين حاجة هانبلغكم ..
فكانت هذه الكلمات المبهمة هى أخر ما قاله الطبيب قبل أن ينصرف فى عجالة مع النقاله الممدد عليها ضياء وتبعهم الصديقان إلى خارج العنبر ليواسيا أمه وأخته المنهكتان من البكاء حيث نجحا فى إقناعهما بالإنصراف من المستشفى على ان يصطحبهما منصور للمنزل ويبقى مهيب مرابط ًا بجوار صديقه كما اتفقا.
لكن الساعات كانت تمر متثاقلة الواحدة تلو الأخرى فى ظل فشل كل محاولات طاقم الأطباء لإيقاف هذه الأعراض الغريبة حتى تملكهم اليأس على ما يبدو ! فقد كان يعانى من تضخم ملحوظ فى أغلب أعضاء جسده مصاحباً لإضطرابات غير مفهومة فى معظم معدلاته الحيوية إلى جانب ضعف شديد فى ضربات القلب.
.. إحنا خلاص تعبنا ! تفتكر عنده ايه يا فندم ؟! إحنا جربنا كل حاجة ولسا مش عارفين نحدد المشكلة فين باظبط !! دا غير إن جسمه مش راضى يستجيب لأى حاجة !!
.. أنا عمر ما صادفنى حالة زى كدا ! نتايج الأشعة والتحاليل أغرب من إنها تبقى عند حد عايش أصلا !
وبينما هم يتناقشون فى حالته إذ يطن فجأة صفير جهاز قياس نبضات القلب معلنا توقفه التام فى تلك اللحظة !
.. صدمات كهربا بسرعة .. .. الصدمات حالاً .. .. يلا هات بسرعة .. .. ..
لتسود حالة من الفز ع وهم يحاولون إفاقته مرار ًا وتكراراً بشتى الطرق دون أى إستجابة حتى تأكد الجميع أنها النهاية !
لكن يبدو أن القدر لم يكن قد أعلن كلمته بعد حين فاجأهم هذا الطنين المتقطع الذى عاد ليصدر من الجهاز مجدد ًا معلناً تمسك قلبه بالحياة، للتوالى المفاجآت تباعاً فما هى الا دقائق حتى بدأت نبضاته تنضبط الى حد ما قبل أن يتوقف جسده المتورم عن الإرتعاش ويستكين تماماً أمامهم !
وأخيراً خرج ذلك الطبيب الذى عرفه مهيب من ملامحه فهرع إليه مسرعاً كى يطمئن على صديقه.
.. طمنى يا دكتور .. ضيا عامل ايه دلوقتى ؟؟ انتو غبتو اوى كدا ليه ؟!
28
.. صاحبك تعبنا أوى يا أستاذ .. بس الحمدلله حالته دلوقتى ابتدت تستقر .. لكن هانخليه تحت الملاحظة ال 84 ساعة الجايين علشان لسه مش عارفين اللى بيحصله دا سببه ايه .. إحنا أول مرة تعدى علينا حالة زى كدا !
.. يعنى إيه يا دكتور؟! يعنى حالته لسا خطيرة ؟؟
.. أنا ماقولتش كدا .. كل ما هنالك إننا هانتابع الحالة اليومين الجايين وانشاءالله خير .. طمن انت بس أهله وبلغهم ان الزيارة ممنوعة تماماً لغاية مايخرج من العناية .. ربنا يعلم إحنا هانعمل ايه علشان نلاقيله سرير هناك فمش عايزين أى شوشرة لغايه مالأوضاع تستقر .. وحضرتك كمان ياريت تتفضل دلوقتى علشان ماتعملناش مشاكل ..
.. حاضر يا دكتور .. بس ممكن تليفونك حتى علشان نعرف نطمن عليه لحد مايخرج .. وماتقلقش مش هانزعجك ..
.. ماشى يا سيدى .. ادى الكارت بتاعى اهو عليه نمرى كلها .. .. ممكن بقى تتفضل علشان أكمل شغلى ..
.. ألف شكر يا دكتور .. ربنا يوفقكو ويقوملنا بالسلامه انشاءالله ..
فما أن أنهى مهيب حديثه مع الطبيب حتى إتصل بأهل صديقه ليطمئنهم عليه ثم إنصرف عائداً بعد هذا اليوم العصيب.
وها هو اليوم الأول يمر بصعوبة على ضياء الراقد بلا حول ولا قوة فى غرفة العناية المركزة فمازالت تلك التشنجات الجسدية وإضطرابات القلب تنتابه كل حين وإن خفت حدتها عن ذى قبل، غير أن ذلك التورم الذى يعانى منه قد بدأ يتحسن بشكل ملحوظ.
لكن ظل طاقم الأطباء المتابعين له فى حيرة من أمرهم بعد عجزهم عن تشخيص حالتة بشكل دقيق، إلا أنهم أجمعوا على احتماليه أن يكون شيئاً ما عضال لم يستطيعوا تحديد ماهيته قد هاجم جسده بضراوة مما جعل جهازه المناعى يهاجم بدورة أغلب أعضائه الداخليه، ثم لسب ٍب غير مفهوم أيضاً عادت كافة وظائفه الحيوية للعمل بإنتظام بعد أن توقفت بشكل كامل ! حتى أنهم قرروا الإكتفاء بالمسكنات فقط خشية أن يكون ما حدث له نتيجة لتضارب العقاقير التى يتعاطاها.
أما على الجانب الأخر كانت أم ضياء فى تلك الأثناء طريحة الفراش هى الأخرى بعد أن إنهار جسدها المسن تماماً ربما بفعل الحزن إلى جانب شدة الإنهاك بعد أن طالت موالاتها لولدها على هذا النحو، فكانت مريم الصغيرة هى من ترعاها وجدها المريض فى حين كان أصدقاؤه يوالوهم يومياً للإطمئنان عليهم ولإخبارهم بأى مستجدات عن ولدهم.
29
لتتتابع الأيام على نفس المنوال حيث بقى ضياء فاقداً للوعى بالعناية المركزة كما هو الحال منذ دخوله المستشفى، إلا أن حالته كانت تتحسن بشكل لافت للإنتباه فقد اختفى التورم تماماً وإنتظمت كافة وظائفه الحيويه بل إن كل فحوصاته كانت تأتى بنتائج غريبة لا تدل سوى على تمتع صاحبها بصحة ممتازة !
مما زاد من حيرة جميع من يتابعون حالته بعد أن أصبحوا غير قادرين على تفسير السبب وراء إستمرار فقدانه للوعى، حتى أنهم فى نهاية الأمر قرروا عودته لعنابر القسم مرة أخرى فلم يكن هناك مبرر قوى يستدعى بقاؤه تحت الملاحظة كما بدا أن أولويات حاجتهم لمكانه بغرف العنايه قد رجحت خروجه.
كى يعود على وضعه بعنبر الحميات كما كان حيث بدا كل شىء مستقر تماماً فى أولى لياليه هناك إلى بذوغ الفجر حين عادت طاقة النور العجيبة تلك للسطوع من جديد بعد أن إنقطعت طوال الفترة السابقة !
لكنها بدت مختلفه هذه المره فتلك الوجوه والنداءات التى تظهر وتختفى تبدوا إلى حد ما مألوفة كملامح وأصوات أهله وأصدقائه فيما علت وجوههم هذه الإبتسامه المريحه، إلى ان شعر بمن يجذبه من ذراعه بقوة دون أن يميز هويته لكنه بدا شعوراً واقعياً إلى ح ٍد كبير خاصة وهو يهمس له بتلك الكلمات التى لم يفهم المغزى منها بل وعجز عن تذكرها رغم تكرارها، قبل أن يختفى كل شىء ويعم الظلام ثانياً !
لتتزامن تلك اللحظة فى الواقع مع دخول هذه الممرضة التى وجدت ذلك العجوز المنحنى بجوار سريره فتباغته بالسؤال.
.. بتعمل ايه عندك يا عم الحج ؟!
.. مافيش يا بنتى والله .. أنا بس حسيته زى مايكون بيهمس مع نفسه .. فقولت أقراله حاجة يمكن ربنا يعينو ويقومه لأهله بالسلامة .. .. أصل الواد دا لسا صغير عاللى فيه دا .. وبعدين دا لسا ياما هايشوف لما يفوق بعون الله..
.. يسمع من بؤك ربنا يا راجل يا بركه .. روح انت بس ريح على سريرك شويه دلوقتى قبل ما الزيارة تبتدى وماتعرفش تنام وتفضل مأريف زى كل يوم ..
.. هوا أنا باعرف انام أصلاً يا بنتى ! بس والله على قد ما ببقى مأريف وحيلى مهدود على قد ما بتونس بالناس .. مانتى عارفه انى ماليش حد فى الدنيا دى من زمان ..
.. ربنا يشفيك وتقوم بالسلامه يا حج .. ولا انت عايز تفضل قاعد معانا كدا علاطول ؟
قالتها الممرضه بإبتسامه وهى تسحب الغطاء المهترىء فوق ذلك العجوز الغريب بعد أن آوى الى فراشه.
30
إلى أن حدث ما لم يتوقعه أحد ! فبعد مرور سويعات قليلة بدأ جسد ضياء يتحرك فجأه !
حيث بدا وكأنه يحاول جاهداً تحريك ذراعيه ببطء إلى حد غير ملحوظ، وها هو ينجح أخيراً فى رفع كفه ليطول وجهه وكأنما يحمى عينيه من ضوء الشمس الذى بدأ ينعكس فى أرجاء العنبر من خلال نوافذه المكسوره.
.. ااه ايه .. إه داا ؟! أن اا ف ين ؟! د مش .. بيت .. ولا إه ؟! هي ف ين ؟! أنا مش .. أااه .. أءنا .. تء .. مش ع عا رف .. يا ما ما .. .. مر ريم .. .. إه .. .. أنا ف ين .. .. مش .. .. مش ش يف ليه .. .. ..
ثم أخذ يردد تلك الكلمات المتقطعة فى تلعثم كما لو كان يستعيد قدرته على الكلام لكن بدا من تأوهاته أنه لازال يعانى من بعض الآلام أو ربما شىء من التشويش، ليستمر على هذا الحال لبرهة من الوقت فيما كان يحاول بصعوبة الإعتدال فى جلسته حتى نجح فى رفع جسده مستنداً على تلك الوسادة من خلفه.
إلا أن أياً من المتواجدين بالعنبر لم يلاحظ ما كان يحدث سوى ذلك الصبى الذى وقف محدقاً فيه بتلك الإبتسامته البريئه على وجهه، وما إن إنتبه ضياء إلى وجوده حتى مد الصغير يده ممسكاً بنظارة طبية يبدو أنه إستلها من على رأس الحقيبة المفتوحة الملقاه إلى جوار سريره وكأنه قد فهم شىء من كلامه المبهم.
فما كان من ضياء إلا أن إبتسم إليه وأخذها منه ممتناً فى الوقت الذى بدا من سلاسة حركته وسهولة الكلمات على لسانه وهو يحدثه أنه قد بدأ يستعيد قدراته الطبيعية إلى حد ما !
.. تسلم يا حبيبى .. .. معلش انا مصدع شويه .. .. إنت اسمك ايه ؟
لكن يبدو أن هذا المخلوق الصغير قد وجد شيئاً أخر يشغله فهرع من أمامه دون رد ليتركه على حاله ساكناً لدقائق يتأمل جنبات العنبر بإستغراب شديد فى محاولة منه لإستيعاب هذا المكان من حوله، فربما يكون قد أدرك أنه بمستشفى ما لكنه ظل عاجزاً عن أن يتذكر أى شىء وراء وجوده هنا مما أصابه بشىء من الضيق.
وزاد من حنقه هذه الغمامة التى تشوب نظره حتى أنه أخذ يخلع نظارته ليمسحها أكتر من مره دون فائده، إلى جانب ذلك التشويش بسمعه وكأن اناساً كثيرون يتحدثون فى رأسه !
حتى قرر أن ينهض عن فراشه عله يجد من يساعده على الأقل فى فهم سبب وجوده بالمستشفى وإذ به يشعر بذلك الخرطوم المتدلى من الجلباب الذى يرتديه ليدرك انه فى الأغلب قد لبث فتره طويله دون حراك كى يتم تركيب هذه القسطرة بجسده، فلم يبقى أمامه سوى أن ينادى على من حوله مستغيثاً بصوته الهزيل.
31
.. يا استاااذ .. يا أستااذ .. .. حضرتك .. .. ياخوناا .. .. طب أى حد .. .. ياخونااا .. .. ..
وأخيراً شعر به المتواجدين بالعنبر لتعمهم الدهشة وتسود الهمهمات للحظات قبل أن يتوجه أغلبهم نحوه منفرجى الأسارير وقد تعالت تهانيهم من كل صوب.
.. حمدلله عالسلامة يا أستاذ ضيا .. .. حمدالله عالسلامه يابنى .. .. ربنا يتم شفاك على خير .. .. ربنا يخليك لأهلك .. .. لازم تفرح الست الوالدة بقى .. .. ياااه أخيراً سمعنا صوتك .. .. يا رب تتم شفاه على خير .. .. ..
حيث إستمرت فقرة التهانى والدعوات من كل الأهالى والمرضى لبرهة من الوقت فيما كان ضياء يبادلهم الإبتسام والشكر من دون ان يفهم الداعى وراء كل هذه الفرحة !
.. هو أنا فين يا جماعه .. .. هو إيه اللى حصلى بالظبط .. .. حد يفهمنى أرجوكم .. .. ..
وفى تلك اللحظة دخلت إحدى الممرضات إلى العنبر لتصيح مبتهجه هى الأخرى ما أن رأته على هذا الوضع
.. أستااذ ضيا .. ألف حمدالله على سلامتك .. .. أخيراً نورتنا وفوقت .. .. دا باينه يوم جميل علينا كلنا النهاردة ..
.. طب دا شىء جميل جداً .. بس أنا فوقت من إيه حضرتك ؟َ!
.. لو سمحتو يا جماعة تدولو فرصه بس .. شكراً ليكو كلكو .. .. ماتقلقش يا أستاذ ضيا انا هافهمك كل حاجة ..
.. ياريت ونبى حضرتك ..
.. بص يا سيدى انت جتلنا هنا من يجيى شهر كدا وكانت حالتك صعبه أوى وفى غيبوبة كامله .. وفضلنا نحاول معاك كل حاجة طول المده دى لحد ماربنا قومك بالسلامة أهو .. ربنا يديك الصحة ويتمم شفاه على خير إنشاءالله ..
.. أنا بقالى هنا شهر !! هو أنا عندى ايه بالظبط ؟!
.. لو على عندك ايه فدى الدكتور اللى متابع حالتك هو الوحيد اللى هايفهمهالك .. عموماً هو قدامه ساعة بالكتير ويوصل وأنا هاسيبله خبر يدخلك علاطول .. .. أنا هاروح دلوقتى أدور على نمرة أهلك علشان أكلمهم أفرحهم .. هو أنت مش حافظ نمره والدتك ؟ دى هاتنبسط أوى .. أصلك ما شوفتش حالتها وهى سهرانه جنبك هنا كل يوم ..
.. لا والله مش قادر أفتكر حاجة .. هو مافيش دكتور موجود دلوقتى يفهمنى .. .. طب أنا معايا أى حاجة بتاعتى هنا ؟
32
.. حاضر .. هاشوفلك الدكتور النباتشى لو صاحى .. ولا أقولك دانا هاصحيهولك مخصوص .. وحاجتك كلها يا سيدى فالشنطة اللى جنب سريرك دى .. بس انت ريح كدا وماتتعبش نفسك لغاية ماجيبلك الدكتور وأجى ..
.. ربنا يخليكى .. ألف شكر ..
فظل منتظراً فى فراشه غير أن الوقت كان يمر بتثاقل شديد خاص ًة مع هذه الجلبة فى رأسه والتى كانت تزداد أكثر فأكثر كلما إزدحم العنبر وكأن جميع من حوله يصيحون رغم كونهم يتحدثون بشكل طبيعى أمام عينيه !
إلى أن حدث ما هو أكثر غرابة من ذلك ففى أثناء إحدى محاولاته المتكررة لتنظيف نظارته عله يتخلص من تلك الغمامة التى ضاق بها ذرعاً إذ ينفلت المسمار الدقيق المثبت للعدسات ويسقط على الأرض، لكن العجيب أنه ما أن نظر إلى حيث سقط إستطاع أن يرصده بوضوح بعينه المجردة ! بل أنه ما أن رفع رأسه وبدأ يجول ببصره بين أرجاء العنبر حتى إكتشف أنه يرى كل شىء حوله بأدق تفاصيله دون الحاجة لنظارته اللعينة !
فلم يجد تفسيراً لذلك فى نفسه سوى أنه ربما يكون هذا التحسن فى نظره مجرد عرض مؤقت لحالته مثله مثل هذه الأصوات التى تطارده أو كشعوره الحالى بهذ الكم من النشاط الذى يواتيه كما لو كان بكامل صحته !
لكن ما كان يشغله حقاً هو محاولة إسترجاعه لماضيه القريب عله يتذكر أى شىء عن سبب سقوطه فى تلك الغيبوبه المزعومة، فعلى الرغم من تذكره لتفاصيل دقيقة أخرها جلسته على المقهى وحواره مع أصدقائه لكن ظل ما حدث بعد ذلك منطقة مظلمة لم يتمكن أن يذكر منها شىء !
حتى بلغ منه التوتر مبلغه ربما بسبب أحاديث من حوله التى تخترق مسامعه إلى جانب أصوات أخرى لم يكن يعرف مصدرها، فما كان منه إلا أن قام حاملاً هذا الخرطوم المتدلى عن جسده بعد ما قرر أن يذهب بنفسه للبحث عن الطبيب لكن فى تلك اللحظ إستوقفه هذا الرجل المسن الذى لم يتضح من مظهره إن كان زائراً أو مريضاً بالعنبر.
.. ايه يابنى مالك رايح على فين ؟!
.. والله يا والدى رايح أسأل عالدكتور .. أنا عايز افهم إيه اللى حصلى ومش قادر استناهم أكتر من كدا ..
.. يابنى ريح وماتجهدش نفسك لحد مالدكتور يجيلك .. انت ماتعرفش انت عندك ايه ولا مسموحلك بالحركة ولا لأ .. ارجع يا حبيبى على سريرك .. هما صحيح بيتأخروأ بس شوية وهاتلاقيهم داخلين علينا ..
33
فرغماً عن شعوره بالضيق من حديث الرجل إلا أنه كان محرجاً أن يرده فى ظل طريقته الودودة معه لينتهى به المطاف بسؤاله عن مكان دورة المياه كوسيلة للهروب من هذا الموقف.
ثم إستكمل مشهد التهرب بعد أن دله العجوز بأن سحب تلك الحقيبه الملقاه إلى جواره وتوجه بالفعل إلى المرحاض القابع فى أخر العنبر حيث دخل واغلق الباب من خلفه فى محاولة منه للإنفراد بنفسه على الأقل، وإذا بهذه الهواجس التى تعصف بذهنه تخفت إلى ح ٍد كبير حتى انه ظل ماكثاً بلا حراك وكأنما يستمتع بذلك الصمت النسبى.
لكن المدهش حقاً كان عدم شعوره بأدنى آلم أو أى ثقل فى حركته كما هو متوقع لشخص أفاق من غيبوبه إستمرت لأسابيع مثلما أخبروه، بل أنه لم يكن ليتفهم الداعى من وجوده هنا بالأساس خاص ًة مع ذلك الإحساس بالنشاط الذى ينتابه.
فبعد أن إختلس عدة دقائق من السكون أخذ ضياء يتفحص محتوى حقيبته ليجد هاتفه النقال فارغاً تماماً من الشحن لكنه وجد ملابسه وبعض النقود بمحفظته أيضاً، وبدون أدنى تفكير وجد نفسه يبدل ملابسة فى سرعة بعد ما نزع القسطرة وإبرة الكانيولا عن جسده بتلقائية شديدة وكأنه يغير قطع من لباسه ليس أكثر !
وها هو يخرج حاملاً حقيبته على كتفه وكأنه شخص طبيعى تماماً لم يكن راقداً بذلك العنبر طوال تلك المده !
حيث مضى فى طريقه إلى خارج العنبر ليبحث عن أى طبيب يسأله عن حالته أو حتى عن السبيل ليبلغ أهله كى يأتوا إليه، فأخذ يتجول شارداً بين أروقة المستشفى المزدحمة بشدة فى الوقت الذى عادت تلك الهواجس المزعجة لملاحقته، إلى أن وجد منصة إستقبال وقد تجمع العديد حول هذه الممرضة الواقفة خلفها فشق سبيله بينهم محاولاً سؤالها.
.. لو سمحتى حضرتك .. .. لو سمحتى .. .. أيوا .. أنا عايز بس أسأل حضرتك حاجة معلش .. .. إتفضل حضرتك .. أى خدمه .. خير ؟
.. بعد إذنك بس أنا بدور على الدكتور المسئول عن حالتى .. أو أى دكتور تانى ممكن يفيدنى ..
.. حالتك ؟! هو حضرتك عيان عندنا هنا ولا جى تزور حد ؟! .. لا حضرتك انا عيان عندكو هنا وبقالى شهر راقد فى غيبوبه زى ما فهمت ..
فيعلو إحدى حاجبيها عن نظيره وتأخذ شفتاها وضع الإستهجان مما يدعيه قبل أن تباغته فى تعجب !
34
.. فى غيبوبه بقالك شهر ! وواقف قدامى كدا عادى ! انت تبع انهى قسم ؟! واسمك ايه بالظبط ؟!
.. حضرتك ان اسمى ضياء وكنت قاعد فالعنبر اللى فالأخر عالشمال دا .. تقريباً كدا تبع قسم الحميات ..
كى تتحول لهجتها من الإستهجان إلى الريبه فلم يكن ما يقوله متسق أبد ًا مع الحاله الصحيه التى بدا عليها !
.. انت حضرتك متاكد ماللى بتقولو دا ؟! يا أسماء .. يا أسماااء .. .. يا أبله .. .. فيه حد يعرف الأستاذ دا أو مريض اسمه ضياء بقاله عندنا شهر فالحميات زى البيه دا ما بيقول ؟!
لكنها لم تجد أى إجابة مفيدة بل أن أحداً لم يرد عليها من الأساس !
.. والله يا فندم أنا ضياء وبقالى هنا شهر زى ما زميلتك قاليتلى من شويه .. بس للأسف ماعرفش إسمها إيه ..
.. طب بص بقى .. إنت يا ترجع مطرحك وهما هايجولك .. يا تستنانى شوية لحد ماسأل وأقولك تعمل ايه بالظبط ..
.. شويه أد ايه طيب .. أنا مستنى فالعنبر بقالى كتير أوى حضرتك ..
.. والله يا أستاذ أنا قولتك شويه وخلاص .. ويلا بقى ماتعطلنيش خلينى أشوف الناس اللى واقفه دى كلها ..
.. حقك على راسى يا ستى ! بس ونبى حاولى تخليهم شويه صغيرين ..
ثم تركها وتراجع بضع خطوات مستنداً على الحائط من خلفه وهى لازالت ترمقه بتلك النظرات المريبه، لكن ما هى إلا دقائق حتى إختفت لسب ٍب ما غابت معه لفترة وهو فى إنتظارها، فكان بين أن يعيد الكره فيسأل ممرضه أخرى أو أن يبحث بنفسه عن اى طبيب أو ربما كان عليه العودة الى العنبر لعل أحدهم يمر كما أبلغوه.
كى تستدرجه خطاه الهائمة فى نهاية الأمر إلى خارج أسوار المستشفى بأسرها ! ليجد نفسه واقفاً وسط كل هذا الزحام لبشر يسعون تحت أشعة الشمس الحامية التى تضربهم بدفئها، فعلى ما يبدو أن غيابه قد طال بالفعل عن هذه الدنيا !
35
36
”إكتشاف“
ظل ضياء يتجول بلا هدف بين شوارعها وكأنه يستكشف هذا العالم الجديد الذى خرج إليه للتو، فكان يسير متمعناً فى وجوه المارة وواجهات المحلات من حوله بل وحتى فى السيارات التى تتحرك ببطء إلى جانبه فى الوقت الذى إستمرت هذه الحاله من الإرتباك تلازمه، فلم يكن يستوعب كيف تنطبع الكثير من التفاصيل فى ذهنه بهذا الشكل كما لو كان يلتقط صوراً ويختزنها بذاكرته الواحده تلو الأخرى !
إلى أن ساقته أقدامه فى أحد الشوارع الجانبية الهادئة ليتوقف فجأة وكأن هذا السكون من حوله قد صدمه فبدأ يستعيد معه تركيزه أو ربما يصفى ذهنه مما بدا كطنين انتهاء البث، غير أنه بقى محدقاً فى ساعته لثوانى بعد أن وجد نفسه قد سار لساعات دون توقف بل ومن دون أى إجهاد يذكر على الرغم من حرارة الجو ! فما كان منه إلا أنه توجه لذلك الكشك أمامه ليشترى ما يشربه ليس لعطشه إنما خشية ان يصاب بشىء بعد كل هذا المشى تحت اشعتها الحارقة.
.. سلامو عليكو يا حج .. ممكن إزازة ميه بس متلجة وحياتك .. .. من عينيه يابنى .. .. إتفضل .. .. بقولك ايه يا حج.. هو احنا فين هنا بالظبط ؟ هو إحنا بعيد عن المستشفى العمومى ؟ .. بعيد ايه يابنى .. دانت عايزلك يجيى مواصلتين لحد هناك ! خير يابنى انت تايه ؟! .. لا يا حج مش تايه أوى .. أنا بس كنت عاوز أروح هناك ومش عارف أعمل ايه .. .. بص انت تطلع على الشارع الرئيسى فيه محطة اتوبيس هناك أو ممكن تاخد المترو
وبعد كدا خدلك اى حاجة لهناك .. .. ألف شكر يا حج .. .. إتفضل تسلم ايدك ..
حيث تجرع نصف الزجاجة على رشفة واحدة ثم سكب المتبقى على رأسه عله يخف من وطأة الجو، ليتوجه بعد ذلك كما دله الرجل بحث ًا عن أى مواصلة إلى منزله فكم كان يشتاق لرؤية عائلته والإرتماء فى حضن أمه بعد كل هذا الغياب.
لكن هاهى تعاوده تلك الأصوات التى ضج منها خاص ًة مع إرتفاعها كلما غاص فى الزحام وكأنما كان يدنو من مكبرات الصوت بأحد الأفراح الشعبية، ثم زاد الطين بله بهذه الروائح النفاذه التى بدأت تختلط بأنفاسه ما بين مأكولات شهية ونفايات مقززه حتى أنه كان يميز رائحة من يسيرون من حوله أيضاً !
فما كان لينتظر حتى يصل لتلك المحطة المزعومة بعد ما أصابه خليط الأصوات والروائح بحالة من فقدان الإتزان لدرجة أنه بدأ يفكر جدياً فى العودة للمستشفى حين ركب سيارة الأجرة التى توقفت مصادفة أمامه للتو لتنزل أحد الزبائن.
37
.. على فين يا استاذ ؟ الإشارة هاتفتح وانا مش عارف اخش يمين ولا علاطول ولا اعمل ايه بالظبط ؟!
.. أنا اسف معلش .. .. ممكن تتطلع بينا نواحى الكورنيش كدا وأنا هادلك من هناك .. .. بس دا مشوار يا عمونا .. مش كنت تقول قبل ما تركب ! .. إطلع بس ومش هانختلف .. .. مش القصد .. بس انا كنت خلاص مروح .. وكدا هاتأخر .. .. هو انت تعبان ولا حاجة ؟
شكلك مش متظبط !
.. لا ياسطى كله تمام الحمدلله .. .. هى العربيه بتسرب بنزين ولا حاجة ؟ وايه ريحة الكاوتش دى ؟!
.. لمؤخذه أصل العجل تعبان حبتين ولازم يتغير .. غير كدا كله زى الفل .. .. ولا جايز علشان لسا مفول .. بس أنا مش شامم اى حاجة .. انت هاتقلقنا ليه يا عمونا !
.. لا ياسطى ماتخدش فى بالك .. الظاهر من كتر البلاوى اللى بنشمها الواحد مناخيره باظت .. .. هو انت جايب سندوتشات سجق وبدجان ؟!
.. ايه يابا انت جاى تتمم علينا ولا ايه ! لا يا سيدى أنا خلصت أكل بس يمكن الكيسه المرمية دى لسا عملا ريحه ولا حاجة .. .. بقولك ايه ماتفكك منى وقولى انت رايح فين أدينا داخلين عالكورنيش أهو ..
.. طب يا عم ماتزوقش .. خليك طوالى بس ..
ليتوقف على مضض عن الحديث سوى من بعض الإرشادات فرغم شوقه للكلام فى العموم إلا أن كان يأمل أن ينشغل بأى شىء عن سيل الروائح والأصوات التى ظلت تطارده طوال الطريق، إلى أن وصل عند مطلع الحى حيث نزل تاركاً السائق فى تأففه من المشوار والأجرة بل ومجمل حياته بينما كان هو فى أوج فرحته وقدمه تطأ أرض منطقتهم أخيراً.
.. ياااه يا منطقة .. والله زمان .. .. حتى الكلاب البلدى وحشانى .. .. هااو هااو هااو .. يااه لسا بيجروا زى الهبل .. .. يا سلام على ريحة كبدة الحمير بتاعتك يا عم سيد .. .. هو مافيش حد مالعيال بيتسنكح ليه .. .. ..
فظل يسير محدثاً نفسه فى سعادة كما لو كان عائداً لوطنه بعد طول غربة حتى أنه تناسى ضجره من كل هواجسه، بل إنه ولسبب غير مفهوم بدأ يميز بعض الأصوات التى بدت معتادة إليه وإن ظل فى حيرته لعدم وجود أ ٍى منهم حوله !
38
لكن من يلق بالاً لشىء الأن وقد أصبح على بعد خطوات من منزله حين فوجىء بمن يربط على كتفه بقوة من الخلف.
.. لاااء ... مييين دا ؟؟!! مش مصدق نفسى .. .. ضو رجع يا جدعاااان .. ضو رجع يا منطقة .. طب إزااى !! دانا كنت لسا رايحلك المستشفىى حالاً ! إزااااى !! الحمدلله يا رب .. .. الحمدلله يا رب .. .. ..
فكان ذلك مهيب الذى إحتضنه بقوة وأخذ يقبل رأسه من فرط فرحتة برجوع صديقه قبل أن يلتف حوله العديد من الأصدقاء والجيران وقد عمتهم البهجة بعد أن بات جميعهم فى إنتظار سماع خبر مشئوم بين اليوم والأخر، فكانوا وكأنهم يحتفون بعودته للحياه مرة أخرى.
وبعد سيل التهانى الذى إستمر لبرهة تركهم ضياء معتذراً ليتوجه مسرع ًا إلى منزلهم حيث وقف يقرع الباب فى لهفة منادياً على أخته بالداخل، فلم تكن مريم لتصدق أن هذا الصوت لأخيها حتى فتحت الباب لتتسمر فى مكانها للحظة غير مستوعبة المفاجأة قبل أن ترتمى بين ذراعيه وسط الصيحات والقبلات ودموع الفرحة التى إنهمرت من كليهما.
وياله من لقاء حين هرعت أمه عليه ما أن سمعت صوته كى يجمعهما عناق ممتد
إختلطت فيه مشاعر اللهفة والإشتياق مع حلاوة المنال بعد طول صبر ورجاء لتلك الحظة ٍ
التى بدت أبعد بكثير من أن تتحقق فى ظل الحالة التى كان عليها، فلم يكن ليترآى لأحد أن تسير المقادير على هذا النحو.
فها هم قد إجتمع شملهم من جديد تحت سق ٍف واحد حيث جمعهم حديث ًا مطولاً عن تلك الفتره المظلمة من حياتهم، فكان همه الأكبر أن يطمئن عليهم بعد طول غيابه كما كان يغمره الفضول لمعرفه ما حدث له بالتحديد قبل وأثناء مرضه العضال، فى حين كان كل ما يشغل أمه هو الإطمئنان على حالته الصحية خاص ًة مع خروجه بهذا الشكل المفاجىء.
.. ياااه .. يا امى .. مش عارف أقولوكو انتو واحشنى أد ايه .. مع انى ماكنتش دارى بحاجة زى ماكون غيبت يوم ولا إتنين .. بس أول ما عرفت انى بقالى شهر كنت هاتجنن .. حاسيت أكنى كنت ميت وصحيت ..
.. ربنا يخليك ويعافيك يا حبيبى .. داحنا اللى ماكوناش عارفين نعمل ايه من غيرك .. زى مانكون اتيتمنا.. .. دانا كل مافتكر حرقة قلبى عليك .. يا ساتر يا رب .. ربنا مايعدها أيام وتفضل وسطنا دايماً يا رب ..
.. أنا ما كنتش عارفة إنى بحبك أوى كدا يا عم .. .. متهيألى لو كان بابا عايش ماكنتش حبيته كل الحب دا..
39
قالتها مريم وهى تطبع تلك القبله على وجنته ثم ضمته إليها بقوة مستسلمة برأسها على صدره.
.. ماهى دى المشكلة يا بت إنتى .. أنا عمرى ما حسيت إنك أختى .. .. دانا كنت هاموت مالخوف بعد ما فوقت وقالولى إنى رقدت كل المدة دى بعيد عنكو ..
.. ربنا مايعيد الكرب دا تانى .. بس انت خرجت كدا إزاى ؟! دول قالولنا انك فالعناية وكانو مانعين أى حد يزورك !
.. طب تصدقى بإيه يا أمى انى مش عارف ومش فاكر أى حاجة .. أنا فجأة لقيت نفسى بافوق ومش دريان انا فين وقال إيه ناس كدا ماعرفهاش عمالة تباركلى .. وبعدين لقيت خير اللهم إجعله خير ممرضة بتقولى انى بقالى شهر عندهم وإن حالتى كان ميؤس منها .. .. بس يا ستى فضلت مستنى إن حد يفهمنى أى حاجة .. ولما محدش عبرنى قومت هوووب واخد تاكسى وجيت على هنا .. قولت أشوفكو وبالمرة تقولولى عاللى حصلى ..
.. هههه .. يابنى انت مش هاتبطل هزار كدا فى كل حاجة .. واحشنى الكلام والضحك معاك يا حبيبى .. بس ونبى قولى بجد انت كتبولك على خروج كدا ازاى .. طمنى يابنى ونبى ..
.. طب وعزته وجلاله هو دا اللى حصل ! ولا عرفت ايه اللى جرالى ولا المفروض أعمل ايه ! انا لقيت نفسى باتحرك وبامشى عادى روحت قايم وجرى عليك يا جميل .. .. طب أقولكو على حاجة مش هاتصدقوها .. أنا قومت لاقيت نفسى بشوف أحسن من غير نضاره مش عارف إزاى ! الظاهر صحيتى جت عالوكسة ..
.. ههه .. كفاية هزار ونبى .. ماتوغوشنين عليك أكتر من كدا يا حبيبى ..
.. طب أحلفلك بإيه تانى يا حجة ! أقسملك دا اللى حصل .. وبعدين هو أنا دخلت المستشفى ليه وإزاى أصلاً ؟؟
.. يابنى انت كانت حالتك تقطع القلب .. داحنا نقلناك عالمستشفى وانت عمال تتنفض بين إيدينا ومابتنطقش .. وفضلت عالحال دا أسابيع وحالتك عمالة تتدحدر لحد ماتنفخت زى البالونة كدا .. وبعديها نقلوك عالعناية وفضلو حاجزينك هناك ومحدش عارفلك حالة !
.. إيه دا ؟! هما بجد ما عرفوش أنا عندى إيه !
.. أه والله زى ما بقولك كدا يا حبيبى .. .. بس لو الكلام اللى بتقولهولى دا بجد يبقى لازم نرجع المستشفى حالاً .. أو حتى نروح لأى دكتور تانى علشان نطمن عليك .. ماهو مش معقول تيجى كدا من غير مانعرف عندك ايه .. أو أقله يكتبولك على علاج تمشى عليه !
40
.. حالاً إيه بس يا أمى .. دانا ما صدقت انى شوفتوكو على خير حتى لو دى أخر حاجة هاعملها فى حياتى ..
.. ماتقولش كدا يا ضيا .. ربنا يحفظك ويديك طولة العمر انت واختك يا رب ..
.. طب طمنينى بس .. انتو كنتو عاملين ايه طول الفترة اللى فاتت دى ؟ وإنتى يا ميرو عملتى ايه فى إمتحاناتك ؟
.. ماتقلقش أنا عملت كويس أوى الحمدلله مع إنى كنت مرعوبة إنك مش معايا زى كل سنة .. .. ماما هى اللى تعبت أوى الأيام اللى فاتت .. بس واضح إن صحيتها بتيجى على حبيبها البكرى وبقت زى الفل أهى أول ما دخلت علينا يا سيدى ..
.. تعبت ؟! تعبت إزاى ؟! مالك يا حجوجة هاتقلقينى عليكى ليه !
.. هو إنتى مسحوبة من لسانك كدا علاطول ! دول كانو شوية تعب بسيط وراحو لحالهم أو ما شوفتك يا حبيبى ..
.. لا بجد مالك يا ست الكل .. ومين كان بياخد بالو منك ومن جدى .. .. هو أنا مش ماليا عينك ولا إيه ! ميرو أجدع ناس طبعاً يا أستاذ .. .. هههه .. وحشتنى لماضتك يا بنت الإيه ..
.. ربنا مايحرمنى من لمتكو ابداً .. بس والله يابنى انت ربنا حباك بشوية صحاب ربنا يحفظهم ماسابوناش ولا لحظة .. حتى لما تعبتلى شوية من قهرتى عليك فضلو معانا طول الوقت وكانو بيطمنونا عليك كل يوم .. ربنا يخليكو لبعض ..
.. أمين يا رب .. .. طب إيه .. مش هاتقومى تجيبيلنا الفاصوليا والرز اللى ريحتهم ماليا مناخيرى من ساعة ما دخلت لما خلاص هاموت وأكل صوابعى وراهم ..
.. من عينيه يا حبيبى .. هاقوم أسخنهملك .. بس انت عرفت منين ؟! دول فالتلاجة من امبارح ! ولا تكنش التلاجة باظت تانى والاكل ريحته فاحت !
.. ممم ! لا ماتقلقيش يا أمى .. أنا اللى بقيت باشم حاجات غريبة من ساعت مافوقت .. هو إنتو متأكدين أنكو نقلتونى مستشفى من بتاعت البنى أدمين دى .. ولا ودتونى فين يا حجة إعترفى !
لتتعالى ضحكاتهم وسط هذا الحديث الأسرى الحميم الذى طال غيابه ربما لما قبل دخوله المستشفى، إلى أن قامت أمه وأخته ليعدا له الطعام تاركينه إلى جوار جده الراقد على سريره يحدثه كما تعود، فرغم عجزه عن التواصل مع حفيده إلا أنه ظل على إبتسامته وقد إغرورقت عيناه بالدموع فى أبلغ تعبير عن فرحته بعودته بعد طول فراق.
41
حتى دخلت عليه مريم وسحبته من يده محتضناه كى يرافقها بعد أن أعدوا له المأدبة كما طلب، فكم كان يشتاق لطعام أمه أو ربما لجلستهم سوياً حول تلك المنضدة التى طالما جمعتهم مثلما كان ينتظر تلك اللحظة التى دخل فيها غرفته ليستلقى على سريره ليس بداعى النوم إنما ليستعيد شعور أفتقده بشده بأنه بين جنبات بيته.
حيث ظل يحملق فى سقف غرفته طويلاً وسط وابل الذكريات التى تلاحقت عليه منذ طفولته بينما إستمرت تلك الأصوات والروائح تطارده لكنه الأن بدأ يميزها بوضوح، فربما كان السبب فى ذلك هو قدرته على إستنتاج مصدرها من حوله فهذا هو الأستاذ يسرى يوبخ أولاده وهذه هى مدام أمينه جارتهم تتحدث عبر الهاتف وتلك هى أمه تطلب من أخته المساعدة فى المطبخ وغيرهم وغيرهم ... !
لكنه لاحظ شىء مختلف هذه المرة ألا وهى قدرته على السيطرة والتركيز فى أصوا ٍت أو روائح بعينها من دون حالة التشويش التى سيطرت عليه مسبقاً ! فقد أصبح قادرا على عزل كل شىء تماماً فى ذهنه كما لو كان يستخدم جهاز للتحكم عن بعد يستطيع من خلاله التغيير بين قنوات مختلفة بل وفصل اى مؤثرات خارجية كما يشاء !
فبدا وكأنه يلهو محاولاً استكشاف أبعاد تلك المستجدات المريبة التى لم يدرك أسبابها ولا ماهيتها بعد، ورغم أحاسيس الإندهاش والسعاده التى خالجته إلا أنه بدأ يشعر بشىء من الخوف ربما لعدم إدراكه حقيقة ما يحدث حتى أنه بدأ يشك فى كونها مجرد هواجس من صنع خياله أو ربما هو مس أصابه ! إلى تلك اللحظة حين شعر بحركة أمه قبل أن تطرق الباب وتناديه لإستقبال هؤلاء من كان يميز صوتهم بوضوح بالخارج.
ليمر اليوم على ضياء وسط الجيران والأصدقاء الذين تتباعوا فى زيارتهم فيما كانت الأحاديث تدور متشابهة فى مجملها حول مرضه ونجاته إلى جانب هذا الكم من الشكر والإمتنان الذى أظهره لكل من ساندهم خلال تلك الفترة العصيبة، حتى ودعت الأسرة أخر الزوار بعد أن أوشك الليل على الإنتصاف.
.. يلا يابنى بقى خش ناملك شوية .. انت أكيد تعبان وعلى أخرك بس نعمل ايه بقى الناس فرحانه بيك يا حبيبى .. والله كان هاين عليا أمشيهم من بدرى علشان تريح بقى ..
.. لا يا أمى ماتقلقيش أنا تمام الحمدلله .. انتى ماتعرفيش أنا اد ايه مبسوط باللمة دى ربنا يجمعنا دايماً على خير .. .. إنتو بقى اللى يلا خشو نامو علشان انتو إتهلكتو النهاردة فعلاً .. ربنا يخليكو ليا ..
وها هو يحتضن أمه وأخته ويقبلهما ممسياً ثم ذهب إلى غرفته بعد هذا اليوم الطويل لكن الغريب فى الأمر كان عدم شعوره بأى إرهاق يذكر أو حتى بالنعاس بل إنتابته حالة عجيبة من النشاط أرجعها لكونه ظل فاقداً للوعى على مدار أسابيع فربما إختلت ساعته البيولوجية أو ما شابه مثلما يحدث مع العائدين من السفر من بقاع زمنية مختلفة !
42
غير أن ما أدهشه حقاً كانت تلك التفاصيل التى بدأت تتواتر على ذاكرته فى تسلسل دقيق كما لو كان عرض تسجيلى رصد خلاله كل شىء منذ أن افاق بما فى ذلك أحاسيسه ! وبين تواترها وتوتره بسبب حالة الإنتباه التى كان عليها أخذ يلهى نفسه بمحاولة إستراق السمع لما حوله أو بأن يلقى بأشياء دقيقة بين جنبات الغرفه مستمعاً برصدها بعينه المجردة وهو مستلقى فى مكانه لعل النوم يراوده.
إلى أن صدى نداء الفجر من كل صوب ليقرر معه النزول للصلاة فقد كان فى أشد الحاجة إلى شكر خالقه على نجاته من محنته ولربما يجد السبيل فى مناجاته فيطمئن عما أصابه منذ ذلك الحين، أهى أعراض بسبب مرض ما وستزول مع الوقت ؟ أم تراها ستلازمه لبقيه حياته ؟ أم أنها السكرات التى تسبق النهاية وليس فى الحياة بقيه على هذا النحو ؟!
حيث بقى بعد إنقضاء الصلاه يتمتم داعياً المجيب أن يهديه سبل الرشاد حتى إنصرف الجميع عدا الحاج رمضان إمام المسجد الذى تقدم نحوه مبتسماً على غير عادته.
.. حمدالله على سلامتك يا ضيا يابنى .. والله أنا كنت بدعيلك مع كل صلاة .. الحمدلله انك رجعتلنا بالسلامة يا حبيبى ..
.. يا بركة دعاك يا حج .. ربنا يخليك .. .. والله واحشنى ووحشانى وقفت الدكان أوى ..
.. والدكان مستنيك تنوره من تانى يابنى .. إنت عزيز عليا وغلاوتك عندى زى ولادى بالظبط ..
.. أكيد يا حج مانا عارف .. .. يومين كدا وهاتلاقينى ناطتلك مع مهيب فالدكان انشاءالله .. .. مطرحك يا حبيبى .. .. بس معلش أعذرنى .. مانا أصلى لازم أقفل المسجد ورايا .. .. حاضر يا حج هاقوم حالاً .. ربنا يتقبل منا جميعاً ..
إلا أنه لم يرغب فى العودة الى منزله فلم يكن يشعر بالنعاس بعد وأراد أن يلهى نفسه بعيداً عن تلك الأفكار المخيفة التى تسيطر عليه فلم يجد شىء يفعله سوى أن يهيم مترجلاً حتى يتملكه الإرهاق لعل ذلك يدفعه للنوم.
فأخذ يسير وسط السكون التام الذى عم المنطقة إلى أن بلغ الطريق الرئيسى الخالى بدوره إلا من بعض السيارات التى تمر أحياناً إلى جواره، فكان الوقت يمضى على نفس المنوال بكل تلك التفاصيل المرئية والمسموعة والمشمومة التى تلتصق بذهنه كذاكرة الحاسوب لكنه ظل يفتقد أى إحساس بالتعب أو النعاس !
فما كان منه إلا أن بدأ يسرع فى خطوات رياضية عل ذلك يصيبه بالإجهاد قبل أن يفقد عقله بسبب تلك الحالة من التنبه المستمر ! ثم تحولت خطاه المتسارعة إلى ركوض بلا
43
توقف حتى وصل إلى ذلك الميدان الواسع الذى إعتاد ان يرتاده يومياً وهو صغير فى طريقه إلى مدرسته التى تقع على مشارف إحدى الطرق المؤدية إليه.
وها هو يتوقف كى يسترد أنفاسه متأملاً المكان الملىء بذكرياته لكنه هذه المرة بدا
مختلفاً بعض الشىء فقد كان الميدان الأكثر إزدحاماً بالمنطقة هادئاً تماماً سوى من زقزقه العصافير التى بدت وكأنها صادرة عن مكبرات للصوت، وما أن نظر فى ساعته حتى تملكته الدهشة فأخذ يهز رسغه ليتأكد من أنها لازالت تعمل بإنتظام، فلم يكن التوقيت المبكر ما فاجأه إنما الوقت الذى استغرقه ليبلغ هذا الميدان الذى عاد ًة ما كان يستقل المواصلات العامة للوصول إليه !
كى يزيد ذلك من حيرته فلم يكن ليستوعب كيف تسنى له ان يقطع هذه المسافة فى مثل هذا الزمن حتى أنه قرر أن يعيد الكرة أثناء عودته، فأخذ يجرى بأقصى طاقته لدرجة أن تسارع الأشياء من حوله بدأ يثير خوفه فكان يبطىء من سرعته كل حين إلى ان وصل عند مدخل الحى، لكنه ما أن نظر فى ساعته مجدداً حتى ركن إلى الحائط لبرهة فلم يكن ليصدق وصوله فى مثل هذا الزمن القياسى الذى فاق توقيت الذهاب بكثير !
بل إن الأغرب حقيق ًة كانت حالته البدنيه التى لا تتناسب نهائياً مع كل هذا المجهود حيث بدا قادراً على مواصلة الجرى من جديد لولا حركة المارة التى بدأت تدب من حوله، كما أنه فى مثل هذا التوقيت ستكون أمه قد أوشكت على الإستيقاظ وبالتأكيد لن يرغب فى خوض أى نقاشات حول اسباب نزوله فى أولى لياليه بعد خروجه من المستشفى.
ليعود أدراجه دالفاً إلى غرفته مباشرة وبالفعل ما هى الا دقائق حتى إستيقظت أمه لتبدأ يومها باكراً كالمعتاد، فيتبعها ضياء متظاهراً بإستيقاظه للتو فلربما يجد فى حديثهم الصباحى مع كوب الشاى الذى إفتقده كثيراً بعض الطمأنينه.
.. صباح الخير يا حجوجة .. .. صباح الفل يا حبيبى .. ايه اللى مصحيك بدرى كدا ؟
.. مافيش والله يا أمى .. عندى شوية أرق إبن لذينه .. يمكن إكمنى بقالى شهر ميت تقريباً ..
.. يا حبيبى ريح نفسك شوية .. وعلى فكرة إنت لازم تروح لأى دكتور علشان يشوف حالتك ويقولنا تعمل ايه الفترة اللى جاية .. مانا أصلى مش حمل حاجة تانية تحصلك ..
.. حاضر يا أمى .. هابقى أشوف الواد مهيب ونروح سوا .. ماتقلقيش إنتى بس .. .. وأهى مريم صحيت كمان اهيه ..
.. صحيت فين يابنى ! دى من ساعت ما خدت الأجازة ومابتصحاش غير وش الضهر ..
44
لكن فى خلال ثوان كانت مريم تفتح باب الغرفة بالفعل لتطل عليهم بإبتسامتها البريئه ثم جرت لترتمى بين ذراعى أخيها الذى لاحظ نظره التعجب تلك فى عين أمه !
.. صباح الهنا والسرور عليكى يا ميرو يا حبيبتى .. إيه .. كنتى بتكركبى فى ايه فالأوضة قبل ما تطلعى ؟!
.. أكركب فى ايه بس ! انا معرفتش انام أصلاً من كتر فرحتى .. وأول ما سمعت صوتك قومت فاطيط علاطول ..
ليطبع قبله على جبينها قبل أن يرافقا أمهما أثناء إعدادها للطعام فكم كانوا يفتقدون جلستهم سوياً على مائدة الإفطار.
وها هو اليوم يمر متشابهاً تلو الأخر منذ خروجه من المستشفى حيث كان يقضى أوقاته ما بين الأهل والأصدقاء محاولاً قدر الإمكان أن يتناسا تلك الهواجس التى تطارده وسط رفقتهم، إلا أن هذا الشعور الملىء بالحيرة والخوف وربما بع ٍض من السعادة ظل يعتريه كلما كان يكتشف قدرة جديدة فى نفسه كل حين !
فكانت هذه القدرات فى مجملها تتشكل حول مضاعفة إمكاناته البشرية مثل السرعة والدقه البالغة التى أصبح عليها حتى فى أبسط الأشياء ربما بسبب تعاظم حواسه الطبيعية كالنظر والسمع والشم، كما أنه إكتشف مع مرور الوقت قدرته العجيبة على التحكم فى تلك المكتسبات بشكل تلقائى وكأنه قد ولد بها !
لكن يبدو أن كل شىء يآتى بثمنه فمنذ أن أفاق ضياء من غيبوبته لم يتسنى له أن يغفو ولو لدقيقة !
حيث بقى على نشاطه الدائم بهذا الشكل المبالغ فيه من دون أى إجهاد يذكر وكأنما
أصيب بخلل ما فى إفرازات جسده من هرمون الأدرينالين أو ما شابه كى يصبح على هذا ٍ
الوضع من التأهب المستمر دون أن ينهار على الأقل إلى الآن !
إلا أن معاناته اليومية كانت تبدأ حين ينتهى اليوم ويعم السكون كى يقبع وحيداً وسط هواجسه فلم يكن يهون عليه فى ذلك سوى أن يتسلل للتمشية بين أرجاء الجوار الصامت عله يستنفذ تلك الفترة باى شكل، غير أن ما زاد من همومه كان هذا الكم الهائل من الإهمال الذى بدأ يسترعى إنتباهه عما حوله فى المنطقه من أكوام القمامة المتراكمة فى كل مكان وهذه البيوت المترهله وغيرها من المشاكل التى تحتاج الى حلول جذرية أقلها الترميم والتجديد.
إلى تلك الليلة حين كان يسير وحده قبيل الفجر وما أن بلغ هذا الطريق المظلم بذكراه المشئومة لديه حتى تداعى إلى مسامعه ما يشبه نحيب إستغاثة مختلط بصوت بدا له مألوفاً وكأنه يتوعد أو ينهر أحدهم !
45
كى يتقدم فى حذر نحو مصدر الصوت ليجد عصابه المدعو حموده وقد استوقفوا احد السيارات لضحية جديدة فى نفس المكان الذى سبق وهددوه فيه حين سرقوا سيارة الرجل العجوز وزوجته ! فكان حمودة يقف بجوار أحد الأشقياء فيما كان يهدد هذه الشابه بعد أن ثبتها خارج سيارتها الفارهه !
.. بقولك إيه يا حلوة العربية دى تلزمنا .. وعلشان إحنا ولاد حلال برضه هانسيبك تنفدى بجلدك .. بس من غير ماسمعلك حس .. فاهمة .. ولا تحبى نخلص عليكى من سكات ..
إلا أنها حاولت الصراخ مستغيثة فإذ بحمودة يهجم عليها كاتماً صوتها بعد أن أحكم ذراعيه حول جسدها.
.. إيه دا إيه دا .. ليه كدا بس .. وبعدين ايه الريحة الحلوة دى يا مزه .. .. شكلنا كدا مش هاناخذ العربيه بس يا....
فأخذ يتحسس جسدها بوحشيه وهو يضحك فى هيستيريا مع ذلك الشقى إلى جواره فيما كانت الفتاه تقاومه بكل نا أوتيت من قوة حتى دفعها بعصبية لترتطم رأسها بجسم السيارة وتسقط على الأرض فاقدة النطق !
.. الله يخرب بيتك .. ايه يا الهباب اللى نيلتو دا ! البت شكلها ماتت يا.... .. لا ياعم دى تلاقيها توهت بس ولا بتستهبل بنت ال....
.. يلعن .... مانت عارف الحج منبه علينا مالناش فى السكة دى يا .... كان لازمتو إيه الدم بس .. دا هايطلع .... لو عرف اللى بنعملو هنا يابن....
.. يا عم إهبط بقى ماتخلنيش أفوق عليك .. .. إحنا هانشحنها معانا فالشنطة لحد ما نبقى نتصرف فيها من سكات ..
أما على الجانب الأخر من الطريق فقد كان ضياء جاثياً متوارى وسط الأشجار يراقب ما يحدث فى ذهول أعجزه عن الحركة أو النطق ! فمع خطورة الموقف لم يكن أمامه متسع من الوقت سوى لخيارين فإما أن يقدم على مساعدة الفتاة ويجازف بحياته وربما حياة أهله كما توعدوه من قبل أو أن يستسلم هارباً وكأن شيئاً لم يحدث !
كى يهب من مخبأه فجأه وينطلق راكضاً نحوهم ! فلم يكن ليسامح نفسه أبداً على عدم مساعدته لشخص فى مثل هذه المحنه مهما كانت العواقب حتى لو كان هذا أخر ما سيفعله فى حياته.
وإذ به يقفز مندفعاً على هذا الشقى ليطيح به بشكل سينمائى لمسافة أمتار يرتطم فى نهايتها بأحد الحواجز الخرسانية فيسقط بلا حراك ! فكان وقع المفاجأه مفجع على حمودة
46
بل وعلى ضياء نفسه الذى لم يستوعب كيف أطاح برجل بهذا الحجم كل هذه البعد ! ليصبح الخصمان فى المواجهة وجهاً لوجه الأن.
.. ايه دااا ! انت تانى يابن ال.... بس المرة دى جيت لقضاك يا....
.. صدقنى يا معلم حمودة أنا مش عايز مشاكل .. كل اللى طلبو منك إنك تسيب البنت دى فى حالها وتتكل من هنا ..
.. اتكل مين يا ... اتشاهد على روحك بقى يا روح ..... بسم الله الله أكبر ..
فلم يعرف ضياء كيف واتته هذه الجرءة فهو فى العادة لا يميل إلى المواجهة أو العراك مع اى أخر فما باله بهؤلاء من معتادى الإجرام خاص ًة أن تهديدات حمودة لم تكن مجرد مناوشات فقد إستل مطواته بالفعل وإنقض عليه مباشر ًة !
لكن على الرغم من عدم إجادة ضياء لآ ٍى من فنون القتال أو الدفاع عن النفس إلا انه لسبب لم يدركه إستطاع ان يتفادى النصل الذى كاد ان يخترق جسده بشكل تلقائى أو ربما غريزى ! ليهوى حموده على الأرض بفعل اندفاعه قبل أن تنتابه حالة من الهياج ويقوم سريعاً مكرراً محاولته الشرسة فى الهجوم عليه !
غير أن ضياء هذه المرة أمسك بذراعه مقاوماً إياه فى ثبات ! فلم يكن يدرك كيف استطاع أن يفعل ذلك لكنه شعر بقدره غريبة على تقدير حركة غريمه بدقة متناهية بل وكان رد فعله عجيباً فى سرعته ! لكنه شعر بمن يهجم عليه من الخلف فما كان منه إلا أن دفع حمودة بقوة فيصطدم بالسيارة ويسقط هو الأخر تاركاً هذا الإنبعاج على جانبها !
ثم إلتفت ليجد رفيقهم الثالث الذى عاجله بضربة قوية على مقدمة رأسه بتلك العصا الحديدية الفتاكه بين يديه، فلم يستطع ضياء تفاديها إلا أن المذهل أنه لم يتأثر بشىء كما لو كانت بوصة خشبية على أقصى تقدير ! ليدب الرعب فى قلب الرجل الذى لم يدرك ما حدث للتو ومن فرط خوفه حاول ضربه ثانياً لكن يبدو أنه إستعاد تركيزه فقد أمسك بالعصا فى رد فعل سريع للغاية قبل أن يستلها من يده بمنتهى السهولة !
كى يهرع الرجل مذعوراً بإتجاه رفيقاه ليعاونهما على النهوض بعد أن أفاقا بعض الشىء وبدلاً من أن يكرروا الهجوم عليه لاذوا جميعاً بالفرار إلى سيارتهم فيما كانوا يكيلون له الشتائم والوعيد بأنه لن يبيت يوماً حياً وسط أهله، فى حين وقف ضياء مشدوهاً من هول ما حدث فلم يكن ليصدق أنه إستطاع بمفرده أن يتغلب على ثلاثتهم بهذا الشكل ودون أن يتعرض لأى إصابة تذكر سوى هذا الدوار الخفيف الذى شعر به !
حتى بدأت الفتاة الملقاة على الأرض تفيق شيئاً فشىء متمتمة ببعض الكلمات الغير مفهومة ليوتجه إليها ضياء مسرعاً كى يعاونها على النهوض وفتح لها باب السيارة
47
لتجلس حتى تستعيد وعيها، ثم سحب بضع مناديل وزجاجة مياه وجدها ملقاه بسيارتها فبللهم وناولهم لها كى تمسح وجهها الملطخ بالدماء من جراء ذلك الجرح فى رأسها.
.. انتى كويسة يا أنسة ؟ إنتى شايفانى كويس طيب ؟! .. مممم... انت مين ؟ انا دايخة أوى .. .. إنت معاهم .. ولا .. .. .. أنا مش فاهمة حاجة !
حيث أخذ ضياء يتحدث معها ليتطمئنها لكنها كانت تستجيب ببطء شديد وبدا أنها لازالت تعانى من أثار الصدمة.
.. هااا يا أنسة .. الدوخة راحت ولا لسا ؟ يا أنسة .. .. يا أستاذة .. .. .. .. أيوا .. أيوا .. .. أنا سمعاك .. بس مش قادرة أتكلم .. .. طب تحبى أطلبلك الإسعاف ولا حاجة ؟؟ ولا أطلبلك حد من أهلك ؟؟ .. هممم .. أممم .. لا .. انا ابتديت أفوق أهو .. .. انا بس مش مركزه شويه .. .. اااه .. .. .. وبدون أى مقدمات أجهشت الفتاه فى البكاء فجأة فيما ظل هو واقفاً إلى جوارها عاجزاً
عن تهدئتها أو فعل أى شىء !
.. يادى الوقعة !! يا أنسة .. .. يا ستى .. .. أنا ممكن أجيب الإسعاف أو أطلبك حد طيب .. .. طب قوليلى أى رقم .. طب هاتى موبايلك لو مش فاكرة أرقام .. .. يا أنسة .. .. طب أعمل ايه أنا دلوقتى .. يا مدام .. .. ..
.. لأ لأ .. انت عايز موبايلى ليه .. .. انت مين .. وعايز ايه .. .. ااه ..
.. هى دى اللى خلتك تبطلى عياط يعنى ! يا ستى أنا مش عايز حاجة .. ولا ناوى أقلب موبايلك ولا نيلة .. .. طب بصى اطلبى انتى اى حد .. او نجيب الإسعاف أو اى حاجة .. بس إهدى الاول ..
.. انا اسفة .. بس مين حضرتك .. وايه اللى حصل .. .. هما فين المتوحشين اللى كانوا هايموتونى دول ؟!
.. ياااه .. حمدالله عالسلامة يا ستى .. .. انا كنت معدى من هنا بالصدفة .. ويظهر كدا ان المتوحشين اللى بتقولى عليهم دول أول ما حسو بحد بيقرب هربوا تقريباً .. .. سيبك بس ماللى حصل .. المهم انتى كويسة دلوقتى ؟؟
.. الحمدلله يارب .. الحمدلله يارب .. ميرسى ليك جداً .. .. انا مش عارفة أشكرك ازاى .. انت أنقذت حياتى .. .. مش عارفة أقولك ايه بجد .. .. ..
48
.. يا ستى ماتقوليش حاجة .. اشكرى ربنا انه نجدك .. .. بس قوليلى أساعدك ازاى لحسن احنا بقينا الفجر ..
.. والله انا كنت مروحة من فرح ناس صحابى وتوهت بعد ما نزلت نزلة غلط .. لغايه ما لقيت الناس دى قطعت عليا الطريق وكانو عايزين ياخدو العربيه ويخطفونى .. .. الحمدلله يا رب .. الحمدلله ..
ثم إنهمرت دموعها وأجهشت فى البكاء الشديد مجدداً !
.. يا حوستى السودة ياما .. .. يا أنسة .. يا أستاذة .. .. والله أنا ما عايز أعرف حاجة .. المهم انك بخير والسلام ..
.. طب ممكن بس حضرتك تستنا هنا شوية لغاية بس مالدوخة تروح وأعرف أسوق .. أو أكلم حد يجيلى ..
.. حضرتك خدى راحتك .. ماتقلقيش أنا هافضل معاكى ..
إلى أن هدأت بعض الشىء وسحبت هاتفها لتجد العديد من المكالمات المفقودة من شخص ما بدا أنه والدها حين إتصلت به، حيث روت له سريعاً ما حدث وعن هذا الشخص الذى أنقذها فبدا من حديثها أنه قد طلب منها أن تنتظره بعيداً عن مكان الواقعة حتى يأتى لإصطحابها وانه سيبلغ الشرطة وهو فى طريقه إليها.
.. بجد شكراً ليك جداً .. أنا مش عارفة أردلك الجميل دا إزاى .. .. أنا محرجة أوى بجد .. بس لو حضرتك حابب أساعدك باى حاجة قول انا تحت أمرك ..
.. ايه الكلام دا يا انسة ! أكيد انا ماساعدتكيش علشان تقوليلى كدا !!
.. والله أنا أسفة .. بس حضرتك أنقذت حياتى وأنا فعلاً مش عارفة أعملك ايه بجد ..
.. هو حضرتك مش فاكرانى خالص .. ولا حتى بتشبهى عليا ؟!
ليفاجئها ضياء بهذا السؤال الغريب الذى تبدلت معه ملامح وجهها إلى شىء من الريبة، لكن المفاجأة الفعلية كانت حين تعرف هو على ملامحها منذ أن أفاقت !
فتلك الفتاه الرقيقة هى فريده التى كانت تأتى أحياناً لزيارة شلة أصدقاء كان يرافقهم أيام الدراسة الجامعية حيث إلتقى بها بضع مرات فى تلك الفتره، لكنه لم يكن لينساها على الإطلاق ربما بسبب شخصيتها الجذابة فى حينها وبالتأكيد لم تكن صداقتهم العابرة أو أى شىء أخر يسمح باكثر من أن تصبح مجرد ذكرى لطيفة فى حياته.
.. إيه دا ! هو حضرتك تعرفنى ولا إيه !! .. الغريب إنه اه .. مش حضرتك الأنسه فريده برضه ؟
49
.. لأ .. بس حضرتك تعرفنى منين ؟!
.. بصى هو لأ وتعرفنى منين مايمشوش مع بعض ! طب مش فاكرة أمينه وحسام والشلة بتاعة الجامعة دى ؟
.. استنا كدا .. .. لأ ماتقولش .. ضو .. اه طبعاً فكراك .. .. يااااه.. ايه الصدفة دى ! بقى معقولة .. يااا ربى ..
.. شوفتى بقى .. أهو ربنا مقدرلنا نتقابل تانى فى الموقف الهباب دا .. ههه ..
.. هو هباب بعقل ! بقى يوم مانتقابل بعد كل السنين دى .. أبقى مخطوفة ومنكوشة وغرقانة فى دمى كدا .. ههههه ..
.. ياااه .. ضحكتك زى ماهى .. .. بس تصدقى عندك حق كان لازم أوصل بدرى شوية علشان يخطافونا سوا .. ههه .. ولا كانوا هايخطفونى على إيه يا حسرة .. دول لو طلعوا محترمين كان أخرهم هايسحلونى ورا العربيه ..
.. ههههه .. لسا مسخرة زى مانت يا ضو .. والله وحشتنى أيام الجامعة دى أوى ..
ويبدو أن تلك الذكريات الخاطفة قد أنستهم الوضع المذرى الذى هم فيه وشجعت فريدة التى لم يفارقها التوتر بعد فى أن تطلب منه أن يرافقها إلى أى مكان أخر كما إتفقت مع والدها، وبالفعل ركب معها ضياء وإصطحبها إلى تلك المنطقة الحية بعض الشىء حيث توقفا على جانب الطريق فى إنتظار والدها.
وفى تلك الأثناء أخذ كلاهما يسترجع المواقف الطريفة التى جمعتهم فى الماضى ثم بدأت فريدة تخبره عن تجربتها فى العمل بالمؤسسات التنموية منذ ذلك الحين وما تشهده من أوضاع موجعة بإستمرار حتى انها كرست الجزء الأكبر من حياتها للمساهمة فى حل بعض هذه المعضلات الإجتماعية، حيث ظل ضياء منصتاً إليها فى شغف مر معه الوقت كلحظات بدت مختلفة تماماً عن رتابة حياته اليومية منذ خروجه من المستشقى أو ربما منذ تخرجه.
إلى ان دوت سرينة النجدة وتبعتها هذه السياره الفارهه التى توقفت على بعد أمتار منهم من خلفها سيارة الشرطة.
.. دا بابا جه أهو .. الحمدلله .. .. بجد يا ضو مش عارفة أشكرك إزاى .. بجد ميرسى أوى .. انت أنقذت حياتى ..
.. ميرسى على إيه بس .. دانا كان زمانى مصطح فالمشرحة دلوقتى لولا بس ربك اللى ستر ..
50
.. ههه .. لا بجد يا ضو ميرسى أوى .. بس احنا لازم نتقابل تانى انشاءالله .. .. إستنا لما أعرفك على بابا ..
فما أن نزلا من السيارة حتى توجهت فريدة مسرعة إلى والدها الذى إحتضنها ثم أخذ يتفحص هذه الجروح والسحجات فى وجهها وجسدها بينما أحاط بهما هؤلاء الظباط الذين إنهالوا عليها بأسئلتهم عن ملابسات الحادث، فروت لهم ما حدث ولم تنسى بالطبع أن تذكر كيف ساعدها ظهور ضياء صدفة فى المكان قبل أن تلتفت لتناديه فى تلك اللحظة إلا أنها لم تجده حولها ! ويبدو أن ذلك قد آثار حفيظة رجال الأمن فأخذوا يبحثون عنه معها سريعاً بالجوار لكن دون جدوى !
إلى أن أخذ والدها بيدها طالباً منها أن تركب سيارتها كى يرحلوا بعد هذه الليلة المرعبة. .. يلا يا حبيبتى بقى خلينا نتحرك من هنا .. أنا لسا عايز أطمن عالجروح اللى عندك دى .. .. بس هو راح فين دا ! دا كان واقف جنب العربيه بعد ما نزلنا منها سوا ! .. خلاص يا بنتى المهم انك بخير .. .. إنتى قولتى كل حاجة للبوليس وهما أكيد هايعرفو
يجيبو الكلاب دول ..
.. خلاص يافندم اتفضلو انتو وحمدلله على سلامة الانسة .. احنا هانفضل وراهم لما نجيبهم بعون الله .. بس لو الراجل اللى بتقولى عليه دا يا انسة ظهر تانى خليه يجيلنا علشان ناخد أقواله ..
أما ضياء فكان قد اختفى بالفعل بعد أن إطمأن على فريده فلطالما كان يوتره التعامل مع أفراد الأمن أو الذهاب إلى أقسام الشرطة حتى وإن لم يكن هناك سبب مقنع لذلك ! إلا أنه هذه المرة تحديد ًا لم يرد أن يزج بنفسه ولو على سبيل الشهادة كى لا يصعد المواجهة مع عصابه حمودة أكثر من ذلك فلازال وعيدهم له يرن بأذنه إلى الأن.
لكنه عاد إلى منزله وقد غمره هذا الإحساس بالسعادة بعد ما حدث فى تلك الليله، فلم يكن يدرك إن كانت تلك الطاقة الإيجابية التى تملأه بسبب مواجهته لهؤلاء الأشقياء أو ربما لمخاوفه كوصف أدق، أم أنها كانت بسبب لقاؤه بفريدة وإستعادته لتلك الذكريات اللطيفة التى كاد أن ينساها وسط دوامة الحياه الطاحنه له ولأغلب أبناء جيله.
كى يستمر اليوم على منواله لكنه لم يستطع أن يخفى هذا القلق الذى إنتابه من جراء ما حدث لدرجة جعلته يشدد على أمه ألا تترك أخته تنزل من البيت وحدها خلال هذه الفتره متحججاً بأن الشوارع لم تعد أمنة كسابق عهدها، لكنه فى حقيقة الأمر كان مرعوباً من أن يدفع أحد من أهله ثمن شجاعته.
فلم يفارق منزلهم إلى أن شارفت الشمس على الغروب وظل يطل من الشرفة كل حين خشي ًة أن يكون أحدهم متربصاً به فى الجوار، فكان الوقت يمر فى تثاقل إلى أن مر عليه
51
صديقه مهيب وأخذ يقنعه أن يرافقه مع الأصدقاء على القهوة عله يخرج من حالة الإنعزال التى لازمته منذ خروجه من المستشفى.
.. يا عم انجز بقى يلا .. احنا بقالنا كتير ماقعدناش مع بعض ..
.. والله يا مهيب مش قادر .. دا غير إنى مش فالمود خالص النهاردة .. .. خليها وقت تانى معلش ..
.. وقت تانى ايه بس .. أنا ما صدقت أفك النهارده مالدكان .. يلا بقى ماتبقاش رخم ..
.. يا عم فكك منى بقى .. وبعدين فيه حوار كدا مقلقنى عايز أبقى أحكيلك عليه على راوقة .. .. ربنا يستر ..
.. حوار ايه ياسطى انت لحقت ! طب تعالى نقعد مع العيال عالقهوة حبه وبعدين ناخدلنا جنب كدا وتحكيلى ..
.. يا عم بطل غتاته .. أنا لما أروق كدا هابقى أنزل أقعد معاكو .. .. مانتو متلقحين هاتروحو فين يعنى ..
.. بقولك ايه أنا مش ماشى من هنا غير وانت معايا .. وبعدين الواد منص والعيال شكلهم عايزنا فى حوار كدا ..
.. يييه .. دانت قراضة .. طب بص أنا هاجى معاك بس مش هاتأخر .. ومش هاروح فى أى حته بعيد عن البيت ..
وأخيراً أقتنع ضياء بأن ينزل لمقابلة أصدقائه على قهوة الإشتراكيين حيث إحتفى بظهوره كافة رواد المكان وعلى رأسهم المعلم نصحى صاحب المقهى، هذا الرجل الكبير فى السن والمقام فهو من أقدم سكان الحى بجذور ممتده إلى أسلافه ويعد أحد أعيان
ٍ
المنطقة، فبحكم عمله فى المقاولات منذ زمن كان يمتلك بعض العقارات والمحلات إلى جانب عدد لا بأس به من التكاتك المنتشرة فى الجوار، لكن ظل هذا المقهى هو المقر المحبب لديه حتى أنه أطلق عليه هذا الإسم المتناقض مع توجهاته الرأسمالية بسبب غرامه بعبد الناصر كغيره من أبناء جيله ولم يكتفى بذلك فسمى ولديه جمال وناصر.
وها هو الصبى بوليكة يمر بزجاجات المياه الغازية الباردة على جميع الحضور كما أمره المعلم إحتفالاً بعودة ضياء الذى جلس مع أصدقاؤه يتجاذبون أطراف الحديث لتملأ ضحكاتهم المكان كسابق عهدعم، ثم بدأ منصور يخبرهم فى شغف عن مشروع توريد الأغذيه بعد أن شرعوا فى تنفيذه وعن حاجتهم لبعض المساعدة فى مواجهة عقبات البداية علها تكون نقطة إنطلاق لهم، فبدا من حماسة ضياء وتفاعله معهم أنه قد إنشغل أخيراً عن إحساسه بالقلق.
52
ليفاجأ بعد قليل بمريم واقفه أمامه فى المقهى وعلى وجهها هذه الإبتسامة الخبيثة التى يحبها، فقد نفذ دواء جده وعندما حاولت أمه الإتصال به لتطلب منه أن يشتريه فى طريق عودته إكتشفت أنه قد نسى هاتفه فى البيت، كى تستغل مريم الفرصة وتعرض على أمها أن تنزل لتناوله لأخيها وتخبره بشأن الدواء.
.. إمسك يا عم المسطول .. .. ماتبقوش تنسو حاجتكو وتمرمطو بنات الناس معاكم ..
.. أه يا لمضة .. انتى ايه اللى نزلك أصلاً .. أنا مش قايل لماما ماتنزليش لوحدك اليومين دول ..
.. يا عم بطلو أوشاعات بقى .. مش ناقصة حبسة .. إنت معندكش إخوات بنات .. .. لأ يا لماضة وهشش من هنا بسرعة عالبيت يلا .. جرررر ..
.. طب ماتنساش تجيب الدوا بتاع جدك علشان خلص .. وإياك تسرح كدا ولا كدا انت كمان لالبعو ياكلك ..
.. ههههه .. طب يلا من هنا بقى بدل ماكلك أنا ..
ثم تركته مريم عائدة إلى منزلهم الملاصق تقريباً للقهوة لكن فى نفس اللحظة إقتحم الحارة فجأة هذا الميكروباص المسرع ليتوقف بالكاد قبل أن يطيح بها فسقطت على الأرض صارخة من هول الخضة ! ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقد نزل من العربة عصبة من ثمانى رجال مدججين بالأسلحة البيضاء وأخذوا ينعقون بأقذع الشتائم مهددين كل من حولهم !
فهاهو حمودة وقد آتى بعصبته للنيل من ضياء كما توعده حيث وقف ينادى عليه صائحاً وسط دهشة الجميع.
.. هو فين المحروس اللى اسمه ضيا يا غجر .. .. إنزل ياض يا ..... بدل مانتطلع نجيبك من بيتك انت وأهلك ..
لينتفض ضياء مهرولاً فى ذعر نحو أخته وهو يصيح عليها كى تفر إلى منزلهم لكن يبدو أن نداؤه قد لفت إنتباه حمودة الذى أسرع بإلتقطها ثم إلتف إليه مهدداً بعد أن شل حركتها !
.. انتى بقى اخت الننوس .. .. تعالالى بقى يا روح .... بدل مادبحهالك هنا ..
كى يتصلب ضياء فى موضعه وكأن الدماء قد تجمدت فى عروقه من هول المشهد فلم يكن هو أو غيره يتصور أن يصل بحمودة من الإجرام والدناءة أن يروع فتاة صغيرة بهذا الشكل، حتى أن أحد أهالى الحى ممن تصادف وجوده على مقربة من حمودة حاول إستعطافه كى يتركها فكان جزاؤه هذه العصا الغليظة من خلفه ليسقط صارخاً على الأرض !
53
ويبدو أن هذا الرد الفورى كان لإرهاب باقى المتواجدين خاصة أنهم يعرفون هؤلاء البطجية جيداً وطالما عانوا من بطشهم، لكن ذلك لم يثنى مهيب الذى لم يتمالك أعصابه فسحب منضدة المقهى الحديدية وتقدم متأهباً فى حذر مما شجع باق الأصدقاء وتبعوه فى محاولة منهم لمساندة صديقهم.
إلى أن شق الصمت صيحة ضياء التى دوت فى المكان بعد أن أشار فى حزم لأصدقائه بالتوقف حتى لا يتصاعد الموقف أكثر من ذلك فقد كان يعلم جيداً ما سيؤول إليه الوضع إذا حدث أى إشتباك.
.. حموووده .. سيب أختى حالاً .. انت جاى علشانى ماتتحماش فى بنت صغيره ..
.. حمودة حاف كدا يا روح ..... ومالو حقك تعمل فيها راجل قبل ماخلص عليك يا .. ولا عيب عشان البت الصغيرة ..
.. بقولك سيبها حالاً .. أنا هاجى معاك زى مانت عايز ومن غير الشويتين دول ..
فكان يحدثه وهو يتقدم بثبات نحوه إلا أنه فعلياً لم يكن يدرى ماذا يفعل فبالتأكيد هو ذاهب الى حتفه لكن ما كان يعنيه الأن هو خلاص أخته من براثن هذا البلطجى، ويبدو أن هذه الثقة المفتعلة آتت أثرها فقد بدا القلق واضحاً عليه حتى ترك مريم أخيراً فركضت مفزوعة بإتجاه أمها التى ظهرت للتو هى الأخرى بعد أن هالها ما سمعت من صراخ وصياح ابنائها !
وفى غضون لحظات كانت العصابة قد أحكمت قبضتها على ضياء بعد أن زجوا به داخل الميكروباص وإنطلقوا بأقصى سرعة تاركين أمه تتحسر مقهورة على ولدها خاص ًة أن حمودة قد تعمد أن ينعيها فيه فى أخر كلماته قبل رحيلهم !
حيث تجمع أهل الحى حولها وأخته محاولين تهدئتهما فلم يكن أحد منهم يمتلك الجرأة لأكثر من ذلك سوى هذه المحاولة اليائسة من مهيب الذى قفز على الفور مع هيما فى التوك توك الذى يعمل عليه وبتلقائية شديدة لحق بهم فتحى المراقب للحدث منذ بدايته كى ينطلق ثلاثتهم مسرعين على آثر الميكروباص علهم يلحقون به.
أما على الجانب الأخر فقد كان وضع ضياء داخل العربة فى غاية الخطورة حيث تكتلوا
عليه مانعينه من الحركة وأخذوا يكيلون له الضربات من كل صوب بل أن بعضهم كان يحاول جرحه بأنصال بمدياتهم، لكن يبدو أنهم لم يبتعدوا كثيراً فقد بدأت السيارة تخف من سرعتها مترجرجة فى سيرها قبل أن يتوقفوا وسط هذه المنطقة المقطوعة.
.. يلا يا رجاله نزلو ابن ..... دا ..
.. بس فالإنجاز يا معلم حمودة .. إنت عارف عندنا عملية الليلة ومش لازم الحج يشم خبر باللى بنعملو هنا ..
54
.. ماتقلقش إحنا هاندلعو فالقوام قوام وبعدين سيبونى اخلص على ابن ..... دا بنفسى ..
وعلى الفور فتح الرجل بالأمام بابه لينزل وسط تلك الخرابه المحاطة بمسطحات من الأراضى المجرفة وأجوا ٍء معتمة سوى من أضواء مصابيح السيارة وكشافات الطريق العمومى عن بعد، ليتبع ذلك صوت إنزلاق الباب المزلاج للميكروباص قبل أن يدفعوا ضياء بعنف نحوه فيتلقفه من تلابيب ملابسه ساحباً إياه لخارج العربة.
لكن ما أن هم حمودة وباقى الأشقياء فى النزول حتى كانت المفاجأة التى لم يتوقعها أياً منهم !
فقد ازاح ضياء ذراع الرجل عنه دافعاً إياه بعصبيه فأطاح به بعيداً ليرتطم بأحد هياكل السيارات المكهنه ويسقط فاقد النطق ! ثم إلتفت مسرعاً وأغلق الباب المزلاج بقوة ليمنعهم من النزول وإذ بصوت تهشيم عظام مع صرخة مكتومة فقد إرتطم الباب الفولاذى بجسد أحدهم أثناء نزوله ليسقط ثانى الأشقياء عاجزاً عن الحركة !
لكنه بعد أن نجح أخيراً فى أن يحكم الباب هم ذلك الرجل بمقعد السائق فى الخروج من الباب العكسى فأخذ ضياء يدفع العربة فى ذعر بكلتا يديه ليفاجأ بإرتجاجها يمينا ويساراً بشكل مبالغ حتى أنهم كانوا ينتفضون بشدة بداخلها، إلى أن حدث مالم يكن يتصوره فمع تكرار الدفع إنقلبت السيارة على جانبها بغتة وسط هذا الدوى والغبار الذى غمر الأجواء !
ويبدو أن أثر المفاجأة كان ملجماً له أيضاً فقد إنحنى مستنداً على ركبتيه ليظل على هذا الوضع صامتاً لبرهة فلم يكن ليتخيل أن تلك التغييرات التى طرأت عليه قد جعلته بهذه القوة الفتاكة !
حتى أخرجته من تلك الحالة أصوات الأنين والصياح التى بدأت تعلوا من داخل السيارة المنقلبة قبل أن تبرز رأس حموده من أحد النوافذ ساعياً فى الخروج، فما كان من ضياء إلا أن قفز مندفعاً أعلاها وركله إلى داخلها ثانياً ثم مجدداً مع كل محاولة منه فى حين كان باقى الأشقياء يهشمون النوافذ الاخرى من أجل الخروج ليزيذ ذلك من ربكته، فلم يكن يعرف ما يمكن أن يفعله تحديداً أيفر هارباً منهم أم يحسم تلك المواجهة تماماً مهما كانت عواقبها !
وتزداد سخونة الموقف حين وجد مهيب وفتحى متسمران أمامه دون حراك وقد علا وجهيهما مزيج غريب من ملامح الذعر والإندهاش !
.. مهيييب .. فتحيى .. .. الحقوونى بأى حاجة بسرعة .. .. ..
فلم يكن هناك أى صدى لندآته وكأنه وسط لعبة محاكاة التماثيل حتى أنه أخذ يكرر إستغاثته أكثر من مرة.
55
.. يا جدعااان بسرعة .. .. هايموتونا .. .. بسرعااا .. هانمووت .. .. ناولونى البتاعة اللى هناك دى .. .. ..
إلى أن أفاقا من صدمتهم مسرعين نحو ذلك الشىء الذى أشار إليه ليجدا هذا اللوح
الخشبى العملاق من بقايا سقالات البناء، فحمله كل من طرف فى صمت ثم ناولاه لضياء ٍ
الذى ما أن أمسكه ومن دون أى مقدمات أخذ يحطم ما تبقى من زجاج العربة وهو يصرخ ويلوح باللوح الغليظ داخلها بشكل عشوائى وهو فى حالة هياج شديد !
.. عايزيين تموتوونا ليه .. هاا .. .. عايزين تموتونا ليييه .. .. أد كدا احنا رخااص ودمنا سهل عندكو .. .. بتسرقو وتموتو فالناس لييه .. .. ليييه .. .. عملنالكوو ايه .. .. عايشين فى غابه لييه .. .. داحنا غلابه أوى أوييىى .. مش عايزين غير انكو تسيبوناا فى حالنا .. .. وأختى عملتك ايه علشان تموتها .. عملتلك ايه .. .. والبنت اللى اتهجمت عليها عملتك ايه .. .. والراجل الكبير ومراته عملولك ايييه .. .. ربنا يخلصنا منكو .. جاتكو القرف .. جاتكووو القرف .. .. ..
فكأنما كان ينفث عن غضب تراكم ليتوحش على مدار زمن حتى أنه إستمر فى ما يفعله إلى أن إنقطع الصراخ تماماً من داخل العربة ! ليتوقف معه هو الآخر ويطيح باللوح بطول ذراعه ثم قفز على الأرض جاثياً على ركبته وقد ظهر عليه آثر المعركة من ملامح منهكة وملابس ممزقة تلطخها بقع حمراء ربما نتيجة خدوش أو ماشابه فى جسده.
حيث بقى صامتاً على وضعه هذا لبرهة من الوقت فيما كان صديقاه يحدقان به مشدوهان حتى تقدم فتحى بعفوية شديدة نحوه ثم تبعه مهيب بشىء من الحذر ليجلسا على الأرض إلى جواره علهم يستطيعون تهدئته.
.. أنا أسف يا جماعة .. .. بجد أسف .. أنا مش عارف ايه اللى بيحصلى دا .. .. أنا مش فاهم أى حاجة .. .. ..
ثم أخذ ضياء يتمتم ببعض الكلمات الغير مفهومة دون رد من صديقيه فلم يكن أى منهما يستوعب ما حدث للتو !
فقد لحق ثلاثتهم بالميكروباص وهو على مشارف الخرابة فتوقفوا بعيداً حتى لا يلحظهم أحد ثم تسلل مهيب وفتحى تاركين هيما على أهبة الإستعداد لينطلق بهم إذا ما نجحا فى تخليص صديقهم، لكنهم دخلا على دوى السيارة المنقلبة فلم يفهما كيف حدث ذلك خاص ًة بعد ما توالت الأحداث أمامهم بهذا الشكل !
وصولاً لهذه اللحظة التى تشجع فيها مهيب أخيراً وبدأ يحدث صديقه
.. قوم بقى يا ضو يلا بينا .. .. الحمدلله ان ربنا نجاك .. .. الحمدلله .. .. خلينا نمشى بقى من هنا .. .. ..
56
.. معلش بس فيه حاجة مهمه لازم أعملها قبل مانمشى ..
وإذ به ينتفض قافزاً أعلى الميكروباص لينحنى داخله ويسحب حموده المضرج فى دمائه رافعاً إياه عبر نوافذه المهشمة.
.. عارف يا ..... إنت .. أنا لو لمحتك انت ولا أى حد مالرمم دول فى سكتى ولو صدفة هاعمل فيكو ايه .. ابقى اتشاهد انت بقى ساعتها على روحك يا روح .... فاهم ولا لأ يا رمة .. .. هااا .. ما ترد يا جزمة ..
.. نبقى عيال ولاد ..... لو شوفت وشنا تانى يا كبير..
.. بقولك ايه كمان يا عويل إنت .. فاكر الأنبوبة اللى سلكتها منى .. عايز أصحى الصبح ألاقيها قدامى ومليانه يا عفش ..
.. إحنا بتوعك يا كبيير .. أؤمرنى أطيع ..
وكما لو كان مقطع من ملحمة صراع الفتوات ترك غريمه يسقط داخل العربة وسط تآوهات الهزيمة المنكرة ثم نزل البطل الجديد بين أنصاره من الحرافيش مزهواً بنشوة النصر، غير أنهم لم يحتفوا به مثل الروايات فقد زادهم ما حدث إندهاش خاص ًة هيما الذى وصل للتو ليفاجأ بهذا المشهد الختامى العجيب !
.. إيه دا ! إزاى ! بس عفارم عليكم يا رجاله .. .. هو إنتو عملتو كدا إزاى ؟! هااا ؟! هو إيه اللى حصل بالظبط ؟!
فلم يجد أى رد على تساؤلاته التى إستمر يرددها أثناء عودتهم سوى هذه الإبتسامة اللامعة على وجه فى مقابل تلك التعبيرات المبهمة على وجهين، وصولاً إلى الحى حيث وجدوا باقى الأصدقاء برفقة بعض الأهالى فى إنتظارهم بجوار منزل ضياء الذى قطع صمته أخيراً محدثاً رفقائه قبل أن يتوقفوا بالتوك توك.
.. بقولكو ايه يا رجالة .. أنا مش عايز حد يعرف حاجة ماللى حصل .. .. انتو هاتعملو نفسكو مسندنى وهانقول ان ولاد الحلال خلصونا من حمودة ورجالته .. أنا مش ناقص أسئلة كتير ولبش الله لا يسيئكم ..
.. ماتقلقش محدش هايقول حاجة .. .. وبعدين إحنا بتوعك يا كبير .. يعنى تؤمرنا نطيع .. هههه ...
.. مانا عارف .. مش هاسلم منك ! بقولك إيه يا فتحى مش وقت طيبة أرجوك .. ونبى ما تخر بأى حاجة ..
.. مم مشش ههاا قول ححاجة واللله يا ضو .. إإ نت ماا تعررفش أنا ببحبك أد اييه ..
57
.. أنا مش فاهم أى حاجة يا جدعان ! هو ايه دى اللى حصل ومش عايزين نقولو !! بس ماشى أنا معاكم ..
.. والله يا هيما أنا نفسى مش فاهم أى حاجة .. عموماً ألف شكر يا رجالة .. وربنا مايحرمنا من بعض ..
وبالفعل نزل الأصدقاء وقد أحاطوه كما طلب منهم فيما إلتف حولهم الجميع مبادرين بالتهانى والحمد على نجاتهم، فلم يكونوا بحاجة إلى الخوض فى تفاصيل ما حدث فى ظل مظهرهم وحالة الإعياء التى حبكها صديقهم قبل أن يتركهم فى عجالة كى يطمئن
على أمه وأخته بعد تلك الحالة التى تركهم عليها.
وكما جرت العادة فى الهم والسعادة إستقبلته كلتاهما بالبكاء والأحضان شاكرين المولى على عودته للحياه للمره الثانيه فى غضون أيام، ليكرر عليهما نفس روايته المختلقة مؤكداً أن هؤلاء من ساعدوه قد لقنوا حمودة ورجاله درساً سيمنعهم من التعرض له مجدداً ثم تحجج لهما بإنهاكه وحاجته الماسة للراحة عله يتجنب أسئلة مريم التى لا تنتهى.
وها هو ينفرد بنفسه اخيراً فى دورة المياه ليغتسل ويضمد ما بدا أنها جروح من آثارها على ملابسة المهلهلة، لكن الغريب فى الأمر أنه لم يجد سوى خدوش دقيقة لا تذكر أو كأنها سحجات غير ملحوظة، فلم يتفهم من أين له بهذه البقع الحمراء على قميصه سوى أن تكون دماء غيره وقد لطخته أثناء إشتبكاه مع العصابه بالعربة !
لكن من ذا الذى يكترث الآن وقد تدفقت المياه بسلاسة على غير العادة فور أن فتح الصنبور وكأن الأقدار قد إكتفت منه وتكافئه بهذه الفقرة المنعشة بعد كل ما حدث، حتى إنتهى فدلف إلى غرفته على الفور ليرتمى بكل ما حمله اليوم من تفاصيل مريعة على سريره بصحبة هذا الصداع وتلك الدوخة البسيطة التى عاودته.
إلى أن تلاشت هذه الأعراض لتتركه وسط العديد من الأفكار والأسئلة التى ظلت تعصف بذهنه بشكل متلاحق لساعات، فما باله بكل هذه القدرات الفوق بشرية ! أهى مرض أم منحة أم إبتلاء ؟! ولماذا هو ؟! ولماذا الأن ؟! بل وكيف سيتعايش بكل ذلك مع نفسه ومع المحيطين به ؟! ... ؟! ... ؟! ... ؟!
ليستمر بين هواجسه حتى بدأ يشوش مسامعه حوارات الصباح المعتادة لجيرانه الذين إستيقظوا الواحد تلو الأخر، وها هى أمه تطرق باب غرفته وتدخل لتطمئن عليه حيث جلست بجواره على السرير تحدثه بصوتها الحنون ثم إنفرجت أساريرها فجأة وهى تخبره بشأن هذه الأنبوبة التى وجدتها على باب شقتهم مكتوباً عليها إسمه دون أن تعرف من الذى تركها !
58
59
”ض“
بقى ضياء عاكفاً فى منزلة لبضع أيام بعد هذه الحادثة حتى أنه لم يكن يتسلل للخروج متأخراً كما إعتاد أن يفعل فى الفترة السابقة، فكان يتردد عليه أصدقاؤه ليقضوا معه بعض الوقت كما ظل مهيب وفتحى يزورانه بشكل يومى وإن لم يحاول أياً منهما أن يتحدث معه فيما حدث تلك الليلة.
ففى الأغلب كان محور حديث الأصدقاء يدور حول تشجيعهم له أن يستأنف حياته وأن يعود للعمل خاص ًة أنه حتى مع عمله المتقطع كان ذلك يمثل مصدر مهم لدخل أسرته الصغيرة فلم يكن معاش والديه يكفى إحتياجاتهم بالطبع.
بينما ظل هو طوال هذه الأيام وبشكل متواصل حبيس غرفته يبحث فى العديد من صفحات الإنترنت التى تتناول أى معلومات عن القدرات الخارقة، بل وكان يتابع عشرات الساعات من أفلام الأبطال الخارقين التى طلبها من مهيب ! فقد كان صديقه من عشاق تلك النوعية من الأعمال وكان دائماً ما يقوم بتحميلها وحفظها بشكل منظم على حاسوبه الخاص.
فبدا وكأنما كان يحاول أن يدرس الشخصيات والظروف المختلفة لهؤلاء الأبطال الخياليين إذ ربما يجد لنفسه هوية بينهم أو هكذا كان يظن، فلم يكن يعرف ماذا يفعل ومن يسأل خلاف ما يفعله هذا !
حتى أنه بدأ يستغل موهبته فى الرسم فى تصميم العديد من الأزياء والأشكال العجيبة لأسلحة ودروع لشخصيته الخيالية الخارقة، بل وأخذ يرسم نفسه فى مشاهد مختلفة وهو يقاتل شخصيات تخيلية لأشرار ربما يكون إستوحاهم من عصابة حمودة والأفلام التى يشاهدها !
ثم تطور الأمر ليشمل تجسيده لأحوال إجتماعية محبطة كالفقر والمرض والجهل على هيئة أشرار يحاربهم هو وأصدقاؤه بعد أن وضع لهم تصور هم الأخرين كأبطال مساندين له فى تلك الحلقات التخيلية !
حيث ظل تائها فى خيالاته ظناً منه أنه قد يجد ضالته وسط هذا العالم الإفتراضى لكن دائماً ما كان ينتهى به المطاف على أرض الواقع، حيث بيته المتواضع فى هذا الحى الشعبى بمشاكله المزمنه وأسرته التى تحتاج إلى مساندته بشكل فورى، بل وظروفه الشخصية كشاب فى هذا العمر ولم يحقق أى شىء لمستقبله الذى أوشك أن يصبح
ماضيه !
لتبقى نفس هذه التساؤلات تطارده محاوطة إياه من كل جانب بينما هو أعزل من أى إجابات منطقية أو تخيلية عن هذا الوضع الذى أصبح عليه، فهل يكون سبيله فى أن يتناسا تلك القدرات ويتركها خلف ظهره كما فعل سابقاً مع موهبته وأحلامه فى الرسم !
60
حتى مساء هذا اليوم، فبينما هو تائه بين خيالاته وتساؤلاته إذ بهاتفه يرن ليظهر هذا الرقم الملىء بالأصفار على شاشته، فكان بين أن يستمر فيما يفعل خاصة أنه لم يكن لديه الرغبة فى الحديث مع أحد أو أن يرد ليعرف صاحب هذا الرقم الغريب، لكن يدفعه فضوله فى النهاية للرد كى يأتى هذا الصوت الأنثوى المميز على الطرف الأخر.
.. آلو .. ممكن أكلم ضياء .. .. آلو .. أيوا يا فندم .. مين معايا ؟ .. يااه .. أخيراً .. ضو .. انت مش عارفنى ولا إيه ؟! .. إيه ده .. استنى كدا .. مش ممكن .. فرييده .. .. جبتينى إزاى يا بنتى ؟! وإيه الأرقام
الجامدة دى ..
.. اسكت دانا دوخت عقبال ما عرفت أجيب نمرتك .. لفيت على كل صحابنا القدام لما صوابعى ورمت .. هههه ..
.. ههه .. طب كويس .. أنا أصلاً ماكنتش هاديهالك غير لما تلفى عليهم واحد واحد .. .. هى نمرتى بالساهل كدا ..
.. إنت مش فاهم .. دانا قعدت أبعت لناس عالفيسبوك وناس تدينى نمر مش شغالة وبلاد تشيلنى وبلاد تحطنى لحد ما لقيت النمرة دى .. ماكنتش عارفه انه صعب أوصلك كدا يا عم الغامض ..
.. أومال .. دا كويس إنى رديت عليكى بنفسى مش السكرتارية .. .. بس ليه كل دا .. .. هو إيه اللى ليه كل دا !! يابنى أنا مش عارفه أردلك جميلك دا إزاى ! .. جميل إيه بس .. .. المهم طمنينى عليكى دلوقتى ..
.. أطمنك إيه بس .. انت جننتنى ! روحت فين يا أستاذ بعد الحادثة ؟! خلتنى عامله زى الهبله فى وسط الظباط .. وبابا لغاية دلوقتى فاكرنى باهلوس وان مافيش حد كان معايا ولا حاجة .. ومن ساعتها وهو بياخدنى على أد عقلى وخلاص ..
.. حادثة إيه ؟! هههههه ..
.. انت هاتشتغلنى انت كمان .. هههه .. بقولك إيه أنا لازم أشوفك علشان أشكرك وانا مش منكوشة وكلى دم .. ههه .. بص يا سيدى انا بكره عندى حفلة صغيرة كدا فى مدرسة ابتدائى بمناسبة تجديدها .. عايزاك تيجى معانا علشان تعلم الولاد الرسم .. أنا فاكرا انت اد ايه كان رسمك هايل .. .. تصدق انى لسا محتفظة بالبورتريه اللى رسمتهولى ..
61
.. ياااه .. فكرتينى بالذى مضى .. .. بصى مش عارف .. .. طب هاشوف ظروفى كدا وأقولك ..
.. مافيش الكلام دا يا عم التقيل .. وبعدين إنت مش قولتلى إنك ساكن ناحية السكة المشئومة دى .. أهى المدرسة قريبة من هناك .. يعنى مالكش حجة .. .. يلا خش نام بدرى علشان هاكلمك الصبح وأنا رايحة أقابلك فى سكتى ونروح سوا انشاءالله .. سلام بقى لحسن لسا عندى مليون حاجة أعملها ..
.. ماشى يا ستى .. ربنا يسهل .. سلام ..
لينهى ضياء المكالمة وقد إعتراه هذا المزيج من النشوى والإبتهاج فما كان منه إلا أنه خرج من غرفته على الفور كى يشارك أمه وأخته مشاهدة تلك الحلقات المملة التى يكرهها غير أنه أراد أن يستأنس بمن يحب فى تلك اللحظة، حتى أن جلستهم الأسرية إمتدت وسط قفشاته وضحكاتهم لساعة متأخرة من الليل.
إلى أن دخلت كلتاهما للنوم فيما مكث هو فى غرفته يرسم العديد من الشخصيات الكارتونية بأشكالها الطريفة على عشرات الأوراق التى قرر أن يوزعها على أطفال المدرسة فى الغد، حتى بذغت الشمس وهو على هذا الوضع بينما كان يتفقد تليفونه بين الحينة والأخرى منتظراً مكالمة فريدة بفارغ الصبر.
فلم يكن يدرى هل لهفته تلك كانت لرؤية صديقة قديمة أوقعها القدر فى طريقه فى هذا التوقيت كى يستعيد ذكريات لطيفة من ماضيه ربما كان فى أشد الحاجة لإسترجاعها، أم أن هذه اللهفة بسبب شغفه بهوايته الفنية وإحساسه أنه من الممكن أن يستغلها فى شىء إيجابى طالما كان فى إنتظاره.
وها هى فريدة تتصل به أخيراً فينزل مسرعاً للقائها على مقربة من الطريق الرئيسى كى يذهبا سوياً، حيث إستقبلته بالكثير من الشكر والإمتنان على ما فعل معها فى تلك الليلة بينما استمر ضياء يناوشها بطريقته الساخره لينتزع منها هذه الضحكات التى ينتظر سماعها إلى أن وصلا إلى المدرسة القابعة بالفعل بمنطقه مجاورة.
ليجد هذه الأجواء الإحتفالية المبهجة قد بدأت فى المكان حيث تجمع العديد من أطفال الحى بالإضافة إلى بعض المدرسين والمتطوعين، فعلى الرغم من كونها الأجازة الصيفية إلا أن المدرسة كانت تعج بالصغار وسط إيقاعات الموسيقى المدرسية المفعمة بالذكريات والأغانى الطفولية التى صدعت عبر مكبرات الصوت.
وعلى ما يبدو كانت فريدة تمثل بالفعل أحد الأسباب الرئيسية فيما حدث بالمدرسة من تطوير واضح حيث تجمع العديد من الكبار والأطفال فى إستقبالها بإهتمام، وهاهى تتركه لتنشغل بالعمل مع منظمى الإحتفالية ومشاركة الأطفال هنا وهناك وقد بدا جلياً شغفها بما تعمل والذى إنعكس فى هذا الكم من الطاقة التى يبثها تواجدها بالمكان.
62
فى الوقت الذى وقف ضياء وحيداً يتابع فريدة ونشاطها بإعجاب شديد، فلم يكن يعرف ماذا يفعل فى بادىء الأمر حتى أخرج تلك الرسومات التى أعدها من حقيبته وشرع فى توزيعها على الأطفال الذين تجمعوا حوله الواحد تلو الأخر وهم يسألونه بإنبهار إن كان هو من رسمها وعن كيفية رسمها، ثم بدأ بعضهم فى إحضار أوراق فارغة طالبين منه أن يرسم لهم أو أن يعلمهم الرسم كما يفعل.
وفى غضون دقائق كان قد تجمع حوله عشرات الأطفال بالعديد من الطلبات وهم يضحكون ويلهون معه فما كان منه إلا أن جلس وسطهم محاولاً أن يلبى رغباتهم، فكم كانت تسعده همساتهم عن إعجابهم بما يفعل وعن تلك الشخصيات الخياليه التى يحبونها، فكان بمثابة ساحر أرض العجائب حين يعطيهم هذه الرسومات دون أن يطلبوها منه.
بينما كانت فريدة تتابعه من بعيد بشى ٍء من الإندهاش بسبب تجمع كل هؤلاء الأطفال من حوله بهذه السرعة ومع هذا الكم من البهجة التى بدت عليهم جميعاً، فيما كان هو الأخر يسترق السمع لحديثها كل حين فيزداد معه سعادته ونشاطه خاص ًة عندما تطرى
على موهبته مع من حولها.
إلى أن لاحظ مجموعة كبيرة من عبوات الدهان القابعة فى أخر الحوش عند السور كبقايا أعمال التحديث بالمدرسة، ليقف فجأة منادياً على الأطفال إلى كل من يريد تعلم الرسم أن يتبعه، فيسرع أغلبهم خلفه مجتمعين بجوار السور حيث قام بتوزيع أدوات الدهان التى وجدها على الأطفال وبدأ سريعاً فى رسم هياكل وأشكال عديدة طالباً منهم تلوينها.
حيث بدا ضياء فى تلك اللحظه وكأنه قد وجد أخيراً هذا الشىء الذى إفتقده منذ سنوات !
فهاهو يقف وسط الأطفال كى يرسم معهم على جدران السور العديد من الشخصيات الكرتونية لأبطال ولحيوانات يحبونها وكأنها تلهو معهم، بل وبدأ يرسم وجوه الأطفال من حوله وهم يضحكون ويشاركونه الرسم بشغف شديد.
ويمر الوقت سريعاً وهم مستمتعين بهذه التجربة الشيقة إلى أن توقفت الموسيقى بعد أن أوشك الإحتفال على الإنتهاء، ليلفت إنتباهه فجأة وجود فريدة مع هؤلاء المدرسين والمتطوعين وقد تجمعوا حولهم هم الأخرين بعد أن لاحظوا إنتشار أغلب الحضور من الأطفال حول سور المدرسة !
.. ضو .. إيه دا !! أنا مش مصدقة نفسى .. أنتو لحقتو عملتو كل دا إزاى وإمتى !! .. عملنا ايه بالظبط ؟! أنا لقيت شوية علب دهانات قولت ألعب أنا والعيال شوية ؟!
63
لتنظر له فريدة ومن حولها بإندهاش ! فقد غطوا بالفعل أغلب جدران السور برسوماتهم المختلفة ! بل أن المدرسة قد بدت بتلك الألوان المبهجة مختلفه تمام ًا عما أتوا عليه فى الصباح !
كى تعلو وجهه تلك النظرة البريئة لطفل مذنب فى مقابل هذا الوجوم الذى عم أغلب الواقفين ! إلى أن كسرت فريدة تلك الحالة بتصفيقها ليتبعه تصفيق حاد من الجميع له وللأطفال المجتمعين حوله.
.. طب إزاى !! ولا أقولك مش مهم .. بس انت معانا بعد كدا فى حاجات كتير .. ومش بمزاجك على فكرة ..
.. يا ستى أنتو تؤمرو .. بس المرة الجاية هاترسمو معايا .. .. والله عفاريت الأطفال دول .. عملو كل دا إمتى ؟!
.. الأطفال برضو ! المهم إحنا ماشيين دلوقتى .. هاتيجى معانا ولا إيه يا فنان ؟
.. مش عارف .. أنا بقول أقعد شوية لما أخلص حبة الألوان اللى فاضلين على بقيت السور .. هههه ..
.. ماشى يا سيدى .. والله لولا إنى عندى حاجات تانية كنت قعدت فننت معاكم .. .. بس ملحوقة .. هابقى أكلمك ..
.. فل .. أنا موجود لو عندك أى سور تانى .. باصيلى بس الألون والعيال وسيبينا عليه .. هههه ..
.. والله أنا مابقتش عارفة أشكرك إزاى ولا على إيه ولا إيه .. .. سلام يا صديقى ..
لتتركه فريدة بتلك الإبتسامة الغامضة على وجهها ويبقى هو مع بعض الأطفال حتى أنهوا بالفعل كافة عبوات الدهان على أغلب أجزاء السور الذى تحول إلى جدارية كبيرة من الرسومات والألوان التى تبعث الفرحة فى النفس.
حتى أنه ظل واقفاً وسط الحوش لبرهة يتأمل أركان المدرسة من حوله وقد إنتابه إحساس عجيب لم يدرك ماهيته سوى أنه قد يكون ما يصفونه بالشعور بالنجاح أو ربما ما يطلقون عليه تحقيق الذات !
وما أن خرج من المدرسة حتى إتصل بمهيب كى يقابله فى أسرع وقت وكأنما أراد ان يتحدث مع أى شخص عما فعله ليشاركه تلك الطاقة الإيجابية التى ملأته، وبالفعل إلتقى بصديقه فور وصوله فقد كان فى إنتظاره بدكان الحاج رمضان وقد غمرته هو أيضاً طاقة
لكن من نوع أخر مليء بالملل والقهر وشكوى الحال عل فرجه يكون قريب !
.. هوبااا .. مش هاتصدق أنا كنت فين وعملت إيه .. .. ياااه .. كان فين الكلام دا من زمان ..
64
.. أيوا يا عم .. رايح تظأطط إنت وسايبنى يطلع براديعى هنا مع الحاج شوال .. المهم .. فرحنا معاك يا سيدى ..
.. روحت يا معلم مع فريدة مدرسة جنبينا هنا بيجددوها وعملت عمايل بقى .. ياااه .. ايه الحلاوة دى .. .. انما انت ايه اللى جايبك الدكان فى ساعة زى دى ؟!
.. يا عم الله يجازيه بقى قعد يزن عليا علشان أجى النهاردة مالصبح علشان عنده مشاوير .. وابن اللذينه بعد ما وافقت راح رازعنى التقيلة وقالى عايزك بقى توضبلى الدكان فالبدرى لحد مارجع ! إلا مين فريدة دى ياض ؟!
.. يا عم فريدة .. هو أنا ماحكتلكش عليها ؟! مش مهم هابقى أقولك عالحوار دا بعدين .. ماتبوظليش المود اللى أنا فيه بقى وخلينى أكملك اللى حصل .. .. بس إنت بتعمل إيه مالصبح .. دا الدكان عامل زى مايكون خارج من غزوة !
.. ياعم مش قادر ومش فاهم أوضبلو إيه فالحوق دا ؟! دا جايب بضاعة زى ما يكون فاتح هايبر ؟! المهم إحكيلى أنت ..
.. طب نزل باب الدكان شوية وخلينى أساعدك فالتوضيب وإحنا بندردش بدل ما يجيى يطلع زرابينو علينا ..
حيث إندمج الصديقان فى رواية ضياء عما فعله مع هؤلاء الأطفل وقد لمعت عيناه بهذا البريق وهو يروى تفاصيل اليوم فى سعادة لم يعهدها مهيب عنه منذ فترة، حتى أنه ظل منصتاً يتابعه دون مقاطعة لكن على ما يبدو أن ما ألجمه عن التعبير فى الحقيقة كان ما يفعله صديقه فى تنظيم للدكان.
فقد كان ضياء يقوم بترتيب الأشياء من حوله دون أن يلاحظ مدى السرعة التى يعمل بها ولا حجم وأوزان البضائع التى يحملها لترتيبها على الأرفف بسهولة بالغة ! حتى أنه إنتهى من تنظيم كامل الدكان فى الوقت الذى أنهى فيه قصته !
ليلفت إنتباهه أخيراً صديقه الواقف مشدوهاً أمامه كما لو كان قد نزل عليه صاعقة ! .. إبه ياض مالك واقف مسنتح كدا ليه ! ولا يا هوبا .. مالك يابنى ! .. ضو .. انت مش شايف انت عملت إيه فالدكان ؟! .. مالو يا عم ؟! ماهو متوضب وزى الفل قدامك أهو ! .. ضو .. انت ايه اللى جرالك ؟! انت مش شايف نفسك ولا إيه ؟!
65
فيرفع ضياء الباب ويخرج ليقف أمام الدكان ليلجمه الصمت هو الأخر فقد بدا هذا الدكان الصغير وكأنه مينى ماركت فى أحد الأحياء الراقية ! كى ينظر لصديقة هذه النظرة المنكسرة وكأنه يسأله أن يتستر عليه !
.. والله يا مهيب أنا مابقتش عارف إيه اللى بيجرالى .. وبصراحة كدا أنا خايف أوى ..
.. خايف بس ! انت لازم تعمل حاجة يا معلم .. ممكن نشوف دكتور ولا حاجة .. ماهو لازم نعرف ايه اللى بيحصلك ..
.. مش عارف ومش عايز ومرعوب ..
.. طب سيبك مالكلام دا دلوقتى يا صاحبى .. إنت عارف القصة اللى حاكيتها دى فكرتنى بالحوار اللى كان فى دماغك من زمان .. فاكره ؟؟
.. فاكر إيه يا عم .. هو انت قولت حاجة تتفهم .. ماتلخص يا عم وبلاش ألغاز .. .. يا عم الفكرة اللى كنت قولتهالى من فترة .. بتاعت السور الكبير اللى فى أول الحى دا .. .. أه .. مالها .. مش فاهمك برضه .. .. ماتيجى نجرب .. أنا هادبرلك كافة شىء على بليل فالخن بتاعنا .. والباقى عليك بقى يا
بطل .. .. والله فكرة .. .. بس تفتكر بليل مش هايبقى لبش برضه ؟
.. ماتحورش عليا ياض ! بص أنا يمكن أكون مش عارف أساعدك إزاى .. بس كل اللى أقدر أقولهولك سيب نفسك وشوف أخرها إيه يا صاحبى ..
.. ههه .. يعنى رأيك كدا .. نشوف أخرتها إيه .. .. ومالو !
.. يلا أنطر انت من هنا دلوقتى وخلينى أتنطط شوية عالحاج بيتنجان باللى أنت عملته .. ههه .. حار ونار فى جتته ..
.. ماشى يا صاحبى .. بس إتوصا .. هههه ..
إلى أن عم سكون الليل وتسلل ضياء كعادته لكنه هذه المرة ذهب إلى ذلك المنزل المهجور فى أول الحى والذى إعتاد هو وأصدقاؤه منذ زمن أن يمضوا أوقاتاً لطيفة على سطحه المتهدم بعيداً عن أعين الجميع، حيث وجد فى مدخله عربه جراره محمله بعبوات وأدوات الدهان كما وعده صديقه، فقد كان مهيب يعمل بالنقاشة أحيان ًا كما هو حاله هذه الأيام فكان بمقدوره تدبير هذه الأشياء من بقايا الموقع الذى يعمل به.
66
فأخذ ضياء العربة وتوجه مسرعاً وسط الظلام إلى ذلك السور الممتد حول هذا المصنع القديم فى مطلع الحى والمتوقف عن العمل منذ سنوات، إلا أن حماسته تلك إصتدمت بأولى العقبات أو واحدة من المشاكل المزمنة فى المنطقة المتجسدة فى هذا الكم المتراكم من القمامة التى إعتاد القاطنين وبشكل مؤسف إلقائها هناك، وبالطبع لم يكن هناك أى إهتمام يذكر من مسؤلى الحى سوى بتلك المنشورات الإنتخابية المتهالكة على السور !
ولوهله وقف ضياء لا يدرى ماذا يفعل أمام هذه الأكوام الملقاه والتى يستلزم إزاحتها كى يبدأ ! فى الوقت الذى ظلت تلح على ذهنه تلك التساؤلات فأى تجميل هذا الذى ينشده فى ظل كل هذا الإهمال وعدم الإكتراث السائد بين الجميع ؟! وهل يستحق هؤلاء الناس أى عناء منه فى محاولة تحسين الوضع أم سيظل الواقع المظلم ينتصر دائماً ؟!
ليقرر بعد قليل من التفكير أن يعود أدراجه إلا أنه فى تلك اللحظة لمح فجأة هذا الظل العملاق لشخص يأتى من خلفه فيلتفت مسرعاً ليجد أمامه فتحى بإبتسامتة الودوده وهو يحمل بعض المجاريف بيده !
.. ممهييب ببيقولك االبتتوع دول هاهااينففعوونا ععششان نششتغل عل على ننضاففة .. هههه ..
.. ههه .. ماشى يا صاحبى .. .. يلا بينا بقى علشان مافيش وقت ..
فكان حضور فتحى فى هذا التوقيت وكأنه رسالة بأن منحته الحقيقية قد تكون فى هؤلاء من حوله، ليشرع بمنتهى الحمية مع صديقه الذى فاقه حماساً فى تنفيذ هذه المهمة الشاقة ! إلا أنه لم يكن يدرى من أين يبدأ حيث ظل لدقائق يتفحص الوضع أمامه إلى أن بدأ سريعاً فى توزيع المهام بينهما مستغلاً بعض الصناديق وأشياء أخرى ملقاه كحاويات ليجمع عليها القمامة كى ينقلونها إلى الجزء المتهدم من السور ليواروها خلفه على الأقل فى الوقت الحالى.
وإستمر الصديقان على هذا الحال دون كلل إلى أن تمكنا فى قت قياسى من إزاحة القمامة عن الجانب الأطول من السور معتمدين فى ذلك على قوة ضياء وسرعته بالإضافة إلى أقصى مساعدة ممكنة من فتحى الذى فاجأه بقوه وجلد لم يكن يتوقعها، حتى أصبح المكان جاهز ًا للخطوة التالية.
لكن على ما يبدو كان فتحى قد إستنفذ طاقته ليستسلم مستلقياً على الأرض من شدة الإنهاك بينما شرع ضياء فى تجهيز الحائط سريعاً فلم يكن أمامهم متسع من الوقت حتى تبدأ حركة الناس، ثم بدأ يرسم أشكال إرشادية متعددة تدعو للحفاظ على نظافة الحى وتجميله مع إضافة هذا المزيج المتداخل من الألوان الزاهية لتكون عنوان للمنطقة كما يتمناها.
67
وهاهو ينهى عمله بتذييل تلك الجدارية الممتدة بطول السور بما يشبه حر ٍف مطموس من إسمه وكأنما أراد أن يترك مجرد بصمه له دون أن يكشف عن هويته.
ثم أخذ ينادى على فتحى كى يستيقظ بعد أن غالبه النعاس تماماً فما أن فتح عيناه ووجد هذا المنظر أمامه حتى إنتفض واقفاً ثم إحتضن ضياء وأخذ يقفز معه وهو يضحك بعفوية شديده، فقد كان ضوء الشمس الذى بدأ فى البذوغ قد إنعكس على تلك الجدارية كأضواء كشافات على خشبة أحد المسارح الفنية العريقة، حيث وقف كلاهما يتأملان هذا التحول البديع للحظات قبل أن يختفيا سريعاً بعد أن بدأت الحركة تدب فى المنطقة.
ليعود ضياء إلى منزله وقد ملأته النشوة من أحداث هذا اليوم العجيب التى لن ينساها ربما طيلة عمره وإنعكس ذلك فى حالة من البهجة التى أشاعتها تصرفاته فى البيت قبل أن ينفرد بجده لفتره أخذ يروى له فيها كافة تفاصيل ما أصابه منذ أن أفاق وكأنما أراد أن يفرغ كل أحاسيسه وأسئلته مثلما كان يفعل معه منذ الصغر، فحتى وإن لم يكن جده يستطيع الرد عليه إلا أن مشاعره ظهرت جلياً فى إبتسامته المشرقة على وجهه ودموعه التى ظل يمسحها عنه كل حين.
إلى أن دخلت عليهم أخته وهى تشاكله كعادتها لكن هذه المرة بسبب رنين هاتفه المزعج بعد أن تركه بالخارج، ليفاجأ بعدد من المكالمات المفقودة من صديقه مهيب بالإضافة إلى محاولة فريده الإتصال به أيضاً، فما كان منه إلا أن طلب مهيب سريعاً بعد أن أقلقه كل هذا الكم من الإتصالات.
.. إيوا يابنى .. ايه كل المكالمات دى .. .. خير !!
.. إيه اللى حصل دا يا معلم ! وإيه الحلاوة والجمال دا يا الفنان .. الناس مالهاش سيرة مالصبح غير عالحصل عالسور .. .. ولا الواد فتحى واللى بيعملو ! الواد مرابط هناك وعمال يصور كل اللى يعدى جنب السور .. هههه ..
.. يخرب بيتو .. هى الناس عرفت إن إحنا اللى عملنا كدا ؟!
.. لا يا معلم سرك فى بير .. والشهادة لله الواد فتحى طلع مالوش قرار .. .. بس كله عمال يفتى بقى يا معلم .. اللى يقولك أصل رئيس الحى جى زيارة .. واللى يقولك تلاقيهم بيحضروا للإنتخابات .. واللى يقول تلاقيها جمعية خيرية من بتوع الأسرة والطفل .. وأى هتش ماللى قلبك يحبو ..
.. ههههه .. يا ولاد اللذينه .. .. دانا فاتنى كتير على كدا .. .. بس تصدق موضوع الجمعيات دا خلانى أفكر فى حوار كدا لو مشى تبقى حلاوة حلاوة ..
.. حوار إيه بالظبط ؟! حواراتك كترت يا عم السوبر ..
68
.. بص إقفل إنت دلوقتى .. هاعمل تليفون كدا وخلينا نتقابل عالقهوة بليل وأنا هاراسيك عالتيته ..
فقد قفزت فى ذهنه فجأة هذه الفكرة البراقة فى تحويل ما فعله بالسور إلى مشروع لتطوير وتجميل شامل للحى بأكمله، فيبدو أن ما يفكر به ليس مستحيلاً خاص ًة إذا تمكنوا من الإستعانة بدعم من المؤسسات التنموية كالتى تعمل معها فريدة، كما أنه بهذا الشكل سيحصل على الغطاء الأمثل لما يمكن أن يساعد به خلف الكواليس دون أن ينكشف أمره، كى يتصل بفريدة على الفور فمن المؤكد أن تلك الفكرة تستحق محاولته على أقل تقدير.
.. ضو .. إيه مابتردش على تليفونك ليه يا أستاذ .. .. طب مفيش إزيك عايش ولا طسك الترماى .. أى حاجة طه .. .. هههههه .. تصدق أحرجتنى .. .. طب عامل إيه يا ضياء أفندى .. .. أفندى .. الله .. حلو أوى جو التلاتينات دا .. .. نهارك سعيد يا هانم .. أنا ممنون إنى
سمعت صوتك .. أهأ هأ هأ .. .. هههه .. مانا عارفه مش هاخلص منك ..
.. يا ستى أنا ماقدرش ماردش عليكى أساساً .. بس والله كنت قاعد مع جدى وسايب التليفون بره ..
.. ماشى يا سيدى .. أنا قولت بعد اللى حصل إمبارح مش هاتبقى عايزه تسمع منى أى تدبيسه تانيه ..
.. ليه بس كدا .. انتى مش متخيلة أنا إنبسط أد إيه ماللى حصل فالمدرسة ..
.. وإنت مش عارف الولاد إنبسطو إزاى .. ولا الناس اللى معايا قالولى عليك إيه .. ربنا يباركلك .. .. بس بصراحة بقى أنا كلمتك علشان أدبسك فى حاجة تانية لو تقدر بس مستعجلين عليها أوى ..
.. إيه دا .. دانا كمان كنت عايز إستشارتك فى حوار كدا .. بس خير .. أؤمرى .. مانا مابقاش ورايا غيرك .. هههه ..
.. إخص .. ماكنش العشم .. بس هادبسك برضه .. ههه .. .. بص يا أستاذ .. عندنا بكرة حملة توزيع ملابس أطفال فى كذا حته علشان العيد قرب كل سنة وأنت طيب ..
.. إنتى كل شوية بتبهرينى أكتر .. طب أقدر أساعد إزاى .. .. بس أنا عندى سؤال .. هو إنتى بتنامى إمتى ؟!
69
.. ههه .. اسكت دانا فعلا نفسى أنام موت .. .. المهم يا سيدى .. اللبس جه متأخر والناس اللى كنت متفقه معاهم علشان نطبق ونعبى الهدوم ماينفعش ييجوا دلوقتى .. وأنا قاعدة وسط هدوم متلتله فى كل حته ومش عارفه أعمل إيه لوحدى ! فقلت أكلمك يمكن يكون عندك صحاب يقدرو يساعدو .. بس محتاجين ناس كتير علشان الحاجات بالهبل والعربيات جاية تاخدهم من هنا الصبح بدرى ..
.. ولا يهمك .. مع إنى مابحبش تطبيق الهدوم .. بس إعتبريهم إتعبو وجاهزين .. .. هاكون عندك مسافة السكة ..
.. يااه .. شكراً شكراً شكر ًا .. انت إزاى كدا ! بص أنا هابعتلك اللوكيشن حالاً .. بس هات ناس كتير زى ماقولتلك .. .. هو انت كنت عايزنى فى إيه صحيح .. إيه الندالة اللى أنا فيها دى .. صباح الإستغلال ..
.. لا خلاص لما أشوفك بقى هاقولك .. يا مستغلة .. هههه ..
.. حقك يا سيدى .. يلا مستنياكو بسرعة .. سلام يا صديقى ..
حيث أنهى ضياء المكالمة وذهب سريعاً ليغير ملابسه كى يلحق بصديقته، ليصيبه نفس الشعور من جديد فلم يكن يدرى هل حماسته تلك لمساعدتها بسبب إيمانه بما تفعله، أم أنه يبادر فى ذلك كى يتشجع ويطلب مساعدتها فى فكرته بخصوص الحى، أم أنها رغبة
مطلقة فى رؤيتها أياً كانت ظروف اللقاء، لكنه فى جميع الأحوال ذاهب بالفعل للقائها مجدد ًا.
وفى غضون الساعة كان قد وصل أمام هذه الشقة القابعة بأحد الأحياء الراقية وما أن طرق الباب حتى فتحت له فريدة ليجدها وسط هذا المشهد المفجع من أكوام الملابس المنتشرة على الأرض فى كل مكان، أما هى فإستقبلته إستقبال المنجد وقد علا وجهها ملامح مشابها لحالتها وقت حادثة الإختطاف !
.. يا نهار مش فايت .. هو مين فين ليه .. طب إزاى ! .. مش بقولك .. هم ما يتلم .. وبعدين إنت جاى لوحدك مش قولتلك هات ناس معاك ..
.. لا ماتقلقيش ماهم جايين ورايا فالسكة .. بس إحنا كدا غالباً محتاجين القاهرة وضواحيها علشان يساعدونا ..
.. هههه .. يابنى كفاية هزار بقى .. تشرب ايه بس فالأول علشان دى أخر حاجة هاعملهالك .. .. وبعدين ماقولتليش انت عايزنى فى إيه بقى يا سيدى .. خلينا ندردش وإحنا شغالين لحد ما صحابك ييجو ..
.. لا أنا تمام كدا .. .. بصى يا ست المستغلة .. أنا عايز أستغلك ..
70
.. يا سلام .. أكيد مش هاتأخر عليك يا صديقى .. علشان حتى أردلك جزء من جمايلك ..
.. يادى جمايلى دى .. يا ستى أنا ماليش جمايل صدقينى .. .. المهم .. الحكاية وما فيها إنتى عارفة المناطق زى اللى أنا ساكن فيها دى أد إيه مهملة والزمن واكلها وكويس إن الناس لسا ماقلبوش زموبيز .. قوم يا ستى أنا جاتلى فكره مع شوية شباب صحابى إننا ننضف ونجمل المكان علشان نحس إننا لسا عايشين على الأقل .. بس المشكلة إننا أكيد محتاجين شوية مساعدات بخامات وحاجات كدا علشان نعرف نعمل الكلام دا .. فقولت فى عقل بالى ليه مؤسسات زى اللى بتشتغلى معاها ماتتبناش حاجة زى كدا .. وأهى تبقى حاجة لطيفة وممكن تكرروها بعد كدا فى حتت تانية مفحوتة زينا ..
.. يا سلام يا سيدى .. وهو دا بقى إسمه إستغلال .. .. أممم .. واضح إنى عكيت .. طب يا ستى أنا أسف بجد وأعتبرينى ماقولتش حاجة ..
.. ماقولتش حاجة إزاى .. ومالك قلبت أمينة رزق كدا ليه .. ههه .. الحكاية يا سيدى إن انا كدا اللى هاستغلك ! إنت مش متخيل إنى كنت لسا باحضر لمبادرة زى دى بالظبط وماكنتش عارفة أبتدى منين .. وكان نفسى أوى ألاقى ناس متحمسة كدا علشان نقدم نموذج للى ممكن نعمله .. .. يالا بينا نبتدى بسرعة يا أستاذ .. .. مش بقولك أنا اللى هاستغلك ..
.. وجوول وجوول وجوول .. أهو دا الكلام .. يلا بينا .. .. بس إحنا ممكن نبتدى إزاى ؟! دا الزبالة اللى فالحى لوحديها ممكن تملا الإستاد .. .. يا نهار إسوش .. دا غير المياه اللى قاطعة طول اليوم .. وأشكال البيوت الكئيب .. وشوية عيال صحابى معفنين كمان محتاجين ننضفهم شوية .. .. بقولك إيه كبرى المبادرة دى فاشلة وأنا مش موافق ..
.. هههههه .. يابنى كل حاجة ليها حل ماتقلقش .. أنا أقدر أجيبلك عربيات تلملكو الزبالة .. ونبدر صناديق علشان محدش يرمى فالشارع تانى .. وأعرف كمان ناس شغالين فى شركات التجميع ممكن يعدو عالحى علشان يفضوها .. ولو على الدهانات والخامات
ماتقلقش .. والمايه كمان أكيد هانلاقيلها حل علشان صحابك يستحمو يا سيدى ..
.. لا دول مافيش منهم رجا .. ههه .. .. بجد مش مصدق إن لسا فيه ناس جميلة زيك كدا .. هو إنتى حقيقية بجد ..
لتسود لحظات من الصمت وقد علا وجهها حمرة الخجل قبل أن تقاطعه وهى تنظر إليه فى جدية.
.. بقولك إيه شوف إمتى ممكن نعمل سوا الخطة دى وأنا معاكم فى كل اللى إنتو عايزينه .. بس خلينا نبتدى تظبيط الهدوم بسرعة على الأقل نخلص أى حاجة .. وبعدين صحابك لسا ماجوش يا أستاذ .. دا لسا فيه بلاوى جوة كمان ..
71
.. هو لسا فيه جوه ! بقولك إيه إنتى كدا تمام أوى .. إتفضلى بقى دلوقتى وأنا هاتصرف مع العيال اللى جاية ماتقلقيش ..
.. أمشى إزاى يعنى ! يابنى إحنا هانحتاج كل مجهود معانا ..
.. بقولك إيه دا أخر كلام عندى .. إنتى هاتإزحى فوراً .. العيال اللى جاية دى ديابة وأنا بشكلى دا كدا العيل القطقوط اللى فيهم .. .. ماتقلقليش إنتى بس وأنا عند كلمتى هاتيجى الصبح تلاقى كل حاجة متعبية وجاهزة عالباب ..
.. هو أنا هافضل أشكرك كدا لإمتى .. قطعت نفسى .. ههه .. .. ماشى يا سيدى أنا هأزح زى مابتقول بس هاتبعك بالتليفون ولو إحتاجتو أى حاجة قولى بس وأنا هابعتلك السواق مش هاجى بنفسى يا سيدى فى وسط الديابة بتوعك..
.. ماشى يا صديقتى .. هاكلمك لما أخلص ..
كى يبقى ضياء وحده وسط هذ الكم الهائل من الملابس فربما لن تكون المهمة بصعوبة أكوام القمامة التى أزاحها بالأمس لكن التحدى الحقيقى كان فى تجهيزها بشكل لائق لتبدو كالجديدة، ليبدأ فى تنظيم خطة العمل كما فعل بالأمس حيث قام بتجميع المراحل المختلفة كل على حدى وكأنه خط إنتاج بمصنع تعبئة ملابس.
ٍ
وها هو يعمل بكامل طاقته بعد أن تحرر من أى رقيب حوله ليقوم فى خلال سويعات بتطبيق وتغليف المئات أو ربما الألاف من قطع الملابس ثم وضعها مجمعة بعشرات الصناديق التى قام برصها فوق بعضها متجاورة حتى بدت الشقة كمخزن لأحد المحال التجارية الكبيرة !
ليستلقى على الأرض منهكاً بعد أن أنهى كل شىء أو ربما بفعل هذا الدوار البسيط الذى واتاه مجدداً، لكن ما هى إلا دقائق معدودة حتى إستعاد نشاطه وهم بالخروج ليجد فريدة تتصل به لتطمئن على مجريات الأمور فأخبرها بأنه مستمر مع أصدقائه فى عملهم حتى لو إستلزم الأمر أن يمكثوا للصباح وألا تقلق فسيرسل لها فور أن ينتهوا كما وعدها، ثم أغلق الباب خلفه وخرج فى هدوء.
وفى أثناء عودته إتصل بمهيب كى يقابله فورعودته فقد ملأه الحماس بعد ما سمعه من فريدة عن إمكانية تبنى المؤسسات التى تعمل معها لأعمال التطوير بالحى فأراد أن يتشاور معه عما يمكن أن يقوموا به من أجل تفعيل هذه المبادرة على وجه السرعة، وهاهم الصديقان يلتقيان ثانياً على ملاذهم مقهى الإشتراكيين.
..هوباا .. إيه اللى أخرك كدا يا برنس ..
.. يا عم دانا طلعان تكاتيكى مالصبح .. يادوب خلصت سبوبة النقاشة اللى قولتك عليها .. بس حتت فيلا ياض ربنا يوعدنا .. وبعد كدا طلعت عالدكان ولسا واخد إفراج مالحج ..
72
الراجل يا معلم مش مصدق اللى إنت عملتو فالمحل وبقى فاكر نفسو صاحب سوبر ماركت بجد .. وقال عايز يجيب عيل صغير يساعدنا كمان .. دا غير بقى معاملته اللى إتغيرت معايا زى ماكون شريكه .. ههههه .. .. يا خوفى لا يطلب منى أوضبهوله كدا تانى ..
.. ماشى يا عم مكتوبالك .. ههه .. .. بس ما قولتليش رأيك فالسور ..
.. يخرب بيت الحلاوة .. تسلم إيدك بجد .. دانا لسا سايب الواد فتحى شابط مع ناس هناك علشان عايزين يرمو زبالة تانى .. ياخى عالم ..... مالهاش فالنضافة ..
.. ماهو دا الحوار اللى أنا عايزك فيه .. .. بص يا معلم أنا كنت لسا مع فريدة وممكن تساعدنا فى حاجات كتير ..
.. فريدة تانى ! مين فريدة دى ياض اللى إنت فالقنى بيها كل شوية ؟! ولا هو فيه نظام مع المزة ولا إيه .. هع هع ..
.. بقولك إيه مش عايز إستظراف فالموضوع دا بالذات .. .. ماشى يا عمنا .. ماتتقمصش أوى كدا .. .. طب ماترسينى عالحوار طه يا شقيق ..
.. مالكش دعوة يا رزل .. .. المهم فريدة دى تبقى صديقتى من أيام الجامعة وبتشتغل دلوقتى مع مؤسسات خيرية كتير وبتعمل حاجات محترمة أوى مع الغلابة والأيتام وغيره .. بس واصله أوى وبنت ناس أوى ..
.. أيوا حضرتك إتفضل .. تحب أكلملك الحجة ونيجى نطلبلك إيدها إمتى ..
.. مش بقولك رزل .. يا عم الحكاية ومافيها إنى إتكلمت معاها على فكرة مشروع نطور بيه الحى علشان نبقى بنيأدمين شوية .. وهى عندها إستعداد تتبنى الكلام دا فى مبادرة بتعملها هاتساعدنا بالخامات وصناديق الزبالة وغيره .. دى حتى قالتلى إنها ممكن تساعدنا فى موضوع المياه اللى بتتنيل تقطع كل شوية علشان إنت واللى زيك تتهببو تنضفو بقى ..
.. حلو أوى الكلام دا .. يعنى هانطلعلنا بسبوبة حلوة على كدا ..
.. يا عم سبوبة إيه .. أنا باتكلم جد .. إحنا لازم كلنا نساهم على الأقل بالشغل .. داحنا يمكن ندفع من جيوبنا كمان ..
.. يا عم باقولك دى عالم ..... ولو خرجتهم مالزبالة اللى عايشين فيها دى يموتو .. وبعدين مين يابنى اللى هايشتغل معاك ولا مين دا اللى هايدفع ومنين ؟!
73
.. أما إنك عيل محبط وكئيب صحيح .. .. يا عم اللى بيحصل دا من قلت .. ناس عايشة منسية عالهامش والإيد قصيرة عايزهم يعملو إيه يعنى ؟! الناس دى يا هوبا لو شافو النضافة والتغيير أكيد هما كمان هايتغيرو .. أصلك ماشوفتش العيال الصغيرة وهى مكمله معايا علشان نجمل المدرسة .. وبعدين الناس دى يابنى هى أمى وأمك وصحابنا وغيرهم ماللى مستنيين إنهم بس يحسو إن فيه حد حاسس بيهم .. وأدينا هانحاول .. مش يمكن تصيب المرة دى ؟!
.. والله يا صاحبى إنت بتنفخ فى قربة مقطوعة .. بس أنا معاك فى أى حاجة .. وخلينا نحاول يا عم السوبر ..
.. مش هاينفع لوحدينا .. أنا صحيح ممكن أزق وأساعد جامد .. بس لازم الناس كلها تبقى معانا .. أنا وأنت وفتحى وهيما ومنص والعيال والحج رمضان والمعلم نصحى وكل الناس اللى متلقحة عالقهوة دى .. الكل لازم يشتغل .. الكل لازم يفهم إن الكلام دا علشانه وعلشان ولاده ..
.. سعد سعد يحيا سعد .. تصدق شعر إيدى وقع .. .. ماشى يا سيدى خلينا نمخمخلها طه ..
.. سخيييف .. .. المشكلة بقى إن الموضوع دا أكيد هايحتاج فلوس ومجهود غير المساعدات .. دا غير إنى دلوقتى عالحميد المجيد ومش هاينفع أكمل كدا .. الحجة خلاص بتكاكى وأنا قاعد زى اللطخ كدا لا شغلة ولا مشغلة ..
.. ماتقلقش .. دى بقى عندى دى بعون الله .. .. أنا فى دماغى حوار كدا لو مشيت معايا فيه هاتتنغنغ ..
.. حوار إيه فرحنى ..
.. لأ هارسيك عليه بعدين .. هههه .. .. المهم بمناسبة الواد منص والعيال .. شكل موضوع التوريدات دا إبتدا يبشبش معاهم .. حتى الواد هيما بقى شغالهم خصوصى بالتوك توك وشكلو كدا شوية كمان وهايتفرغلهم .. أنا بقى إتفقت معاهم يجولنا عالقهوة دلوقتى علشان عايزينا نساعدهم فى حوار باين عليه كبير وأهى يمكن ترزق إنشاء الله ..
وما أن أنهى مهيب جملته حتى دخل منصور والأصدقاء القهوة ليتبادلوا السلام قبل أن يجلسوا سوياً وسط هذا التلاسن والتهريج المعتاد بينهم، إلى أن بدأت المناقشات حول تلك المساعدات المنشودة لمشروعهم الذى بدأ يخطو خطواته الأولى نحو النجاح كما إتضح من حديثهم.
.. طب إيه النظام يا رجالة .. هوبا بيقولى أنكم عايزين مساعدة فى حوار كبير .. إنشاء الله يبقى فتحة خير علينا كلنا ..
74
.. علالله يا ضو .. .. بص يا معلم إحنا بقالنا حبة صغيرين شغالين أه بس الحمدلله الناس إبتدت تثق فينا جداً .. ودلوقتى قدامنا تلت أربع عمليات كبار حبتين بس لو قدرنا ننفذهم هانبقى المورد الأساسى للأماكن دى .. وساعتها بقى هاتفتح معانا هبل ولفترة طويلة .. يعنى بعون الله هانقدر نكبر الشغل بقلب جامد ونجيب معانا ناس أكتر وأكتر ..
.. ميه ميه .. ربنا يوفقكو يا رجالة .. أنا أكيد أساعدكو بعنية .. ويلا بينا من دلوقتى ..
.. لا ماهى مش سهلة أوى كدا يا برنس .. عندنا مشكلة .. الكام عملية دول لازم يتسلمو اليومين الجايين والخميرة اللى معانا يادوب ندبر بيها شوية خامات وأهو الموردين ممكن يصبروا معانا .. بس الطقم اللى هايغسل وينضف ويعبى وخلافه دول كانو إحنا وساعات كنا بنجيب معانا حد باليومية .. المشكلة بقى إننا مش هانقدر نوفر ناس عالشغل دا كله ..
.. بس كدا .. تاهت ولقيناها .. الناس دى عندى .. وبعون الله نخلصلك الشغلانة فالمعاد وقبله كمان ..
.. يا عم ماتفتحش صدرك أوى كدا .. إحنا محتاجين يجيى عشرين نفر لأجل ما نلحق .. منين بس وهاندفعلهم إزاى ؟!
.. ياسطى ماهو بيقولك عندنا الناس دى .. خش إنت بس بقلب جامد ومايهمكش ..
.. زى ما بيقولك هوبا كدا يا منص .. إحنا هانظبطهالك وماتقلقش من موضوع الفلوس .. الناس دى هاتصبر معانا لحد ماتورد وتاخد فلوسك وأنا الضامن بعد ربنا .. بس إنت ناوى على إيه بعد كدا .. يعنى هاتعمل إيه فى عمليات زيها ؟
.. لا دى ماتقلقش منها .. مجرد مانلم فلوسنا هايبقى معانا خميره حلوة أوى نكبر وممكن نجيب مكن بالقسط كمان ونركب المجرى بقى يا شقيق ..
.. فل .. وحط فوق خميرتك دى يا سيدى نفحة كمان قيمة أجرة الرجالة اللى هاتظبطلك الكام عملية دول ودخلنا معاك شركا فراس المال بالنسبة اللى تحددها .. وإبقو حاسبونا كل ما تلمو الغلة يا معلم .. .. إيه رأيك بقى ..
.. اللى إنتو عايزينو يا معلم .. أنا أساساً كنت جايلكو تساعدونا بأى حاجة وكنا ناويين نعرض عليكم تخشو معانا فعلاً .. والله يا ضو لو صدقت انت ومهيب فاللى بتقولوه تبقى جميلة العمر ..
.. يا دينى عالجمايل ! يا عم بقولك هانخش شركا .. يعنى لا جميل ولايحزنون داحنا بنستغلك يابا .. ههه .. بس حاجة أخيرة كدا علشان نبقى متفقين .. إنتو هاتجيبو الحاجة وتسيبونا نشتغل لوحدينا علشان الناس اللى هاجبهم مزجنجية ومابيحبوش أى حد فوق دماغهم .. ماشى ..
75
.. دا اللى هو إزاى يعنى ! عموماً لو هانخلص فالمواعيد مش هاتفرق معانا .. حتى لو جبت فضائيين يا سيدى ..
.. إتفقنا يا معلم .. والله الموفق والمستعان ..
لتعلو تلك الإبتسامة الماكرة على وجه الصديقان فقد بدا هذا الإتفاق كبداية الغوث كما كانا يتحدثان للتو.
كى يبدأ الأصدقاء بالفعل خلال الأيام التالية حيث قام الشركاء بتوفير المواد الغذائية والخامات المطلوبة حتى يتسنى لطقم المزجنجية المزعوم أن يبدأوا عملهم ويتموا التسليم فى المواعيد المحددة، إلا أن ضياء فوجىء بكميات مهولة جعلته يشك فى قدرته على تنفيذ تلك المهمة وحده بكل ما تتطلبه من تنظيف وتقطيع وتغليف وخلافه فى هذا الوقت المحدود !
فلم يكن من مهيب سوى أن توقف عن أعماله الجانبية ليساند صديقه بل وإستدعيا فتحى أيضاً ليساعدهم فى هذه المهمة الشاقة، فكانوا جميعاً يبذلون أقصى طاقاتهم وإنعكس ذلك فى معدلات عالية فى التنفيذ خاص ًة بعد أن توصلوا مع الوقت لأفضل تنظيم لخطوات العمل بينهم حتى بدا أنهم سينجحون فى تحقيق المطلوب ربما قبل مواعيد التسليم !
لكن ظل ما يثير ريبة منصور والأصدقاء هو عدم ملاحظتهم لأى شخص بالمكان بإستثناء ثلاثتهم ! إلا أن مهيب وضياء كانا عندهم من الحيلة ما يمكنهم من إستدعاء حجج مختلفة كل مرة كى ينفيا أى شك عند أصدقائهم.
حتى إنتهى الأصدقاء من تنفيذ المهمة بنجاح شديد على الرغم من إضافة منصور لعمليتين أخريين مستغلاً وجود طاقم العمل المزعوم وقدرتهم أياَ من كانوا على إنجازها بهذا الشكل ! فقد كانت هذه فرصتهم بعد أن بدأ عملهم بإتقانه يثير إعجاب عملائهم الذين بدأوا يطلبون زيادة فى الكميات بل والتوسع فى توريد أشياء أخرى.
وهاهو منصور يقيم هذه المأدبة الشهية بمنزلهم ليحتفل مع أصدقاؤه بهذا الإنجاز الذى كان بمثابة نقلة نوعية لمشروعهم.
.. بجد يا رجالة إحنا مش عارفين نردلكو وقفتكو معانا دى إزاى .. ربنا يديم المحبة ويوفقنا دايماً مع بعض ..
.. شدوا حيلكو إنتو بس ووسعو الشغل بقى .. .. يلا يا هوبا معايا عالطبلة .. وروونا القواا يا واد إنت وهواا ..
76
.. هههه .. ماتقلقش بيحصل .. إحنا الحمدلله إتفقنا على إيجار المخزن الكبير اللى عند السور الملون .. دا غير إنى نازل بكرة مع هيما نتفق على مكنتين تغليف وشوية أحواض لزوم الشغل .. مش بقولكو وقفتكو معانا دى على راسنا ..
.. أوبااا بقى .. منص وهيما بقو رجال أعمال وبيتفقو كمان يا ضو .. ههههه ..
.. لأ وخدتلى بالك ياض يا هوبا من موضوع المخزن اللى بقى عند السور الملون .. ههه .. .. عموماً ربنا يوفقنا كلنا وأدينا مستنين الغلة معاكو أهو .. بس بسرعة ونبى لحسن الحالة مأشفرة والرجالة هاتكلنى لو طولت عليهم ..
.. طب بمناسبة الرجالة .. محدش منهم عايز يكمل شغل معانا .. أصلهم هايلين وإحنا محتاجين ناس شهلة كدا زيهم ..
.. رجالة مين يابا ! إنت فكرك إحنا نعرف نقنعهم بالهلك دا تانى ! وبعدين مالهم شوية العواطلية اللى ماليين المنطقة ..
.. يا عم العيال دى مخاوية أساساً .. يعنى اللى طلعهم من حمودة ورجالته مش هايخليهم يقطعو شوية خضار وفاكهة ..
.. هههه .. والله عندك حق يا هيما .. أنا مالأول بقول كدا برضه .. .. إنتو بتقولو فيها .. طب وريهم رجليك المعيزى ياض يا هوبا .. حابس كابس قالع لابس .. .. ههههه .. طب وأما أتشاهد عليك دلوقتى أحرقك .. .. ..
ليستمر الأصدقاء فى تبادل القفشات والضحك طوال تلك الأمسية اللطيفة وقد ملأهم التفائل بمستقبل بات يتشكل بل ويؤتى بنتائج ملموسة لهذا المشروع الذى جمعهم س و ي ًا .
إلى أن إنصرف الجميع ليعود ضياء مباشر ًة إلى منزلهم كما كان يفعل خلال الأيام السابقة بمجرد أن ينهى عمله مع الأصدقاء فى إنتظار شحنة اليوم التالى، فكان يحاول قدر المستطاع أن يقضى ولو أقل القليل من الوقت مع أسرته خاص ًة أن غيابه المستمر كان يثير قلق أمه التى لم تعهد علية ذلك فيما سبق.
فلم يكن حتى يتسلل خلسة من البيت كعادته إنما كان يستغل الوقت المتاح فى رسم العديد من صور الأطفال التى طلبته منه فريدة فى إطار تجهيزها لفاعلية كبيرة للمرضى من الأطفال، فكانت تلك الفقرة من حياته التى يتراسل فيها معها عبر مواقع التواصل بمثابة وقت الراحة اليومى أو ربما الشحن المعنوى كى يستأنف نشاطه.
أما الأن وقد فرغ من عملية التوريدات التى إستحوذت على أغلب وقته وبعد أن أنهى الرسومات المطلوبة منه حتى تواعد مع فريدة أن يقابلها بمقر عملها بتلك المؤسسة
77
التنموية الشهيرة التى تشغل بها هذا المنصب الرفيع، فكان هذا اللقاء المنشود من أجل التنسيق لمبادرة تطوير الحى كما جرى الإتفاق بينهما.
حيث إصطحب مهيب وذهبا سوياً فى هذا الموعد المبكر ليلتقى ثلاثتهم بمكتبها.
.. صباح الخير .. إزيك يا فنان .. .. إزيك يا هوبا .. أنا سعيدة أوى إنى قابلتك .. ضو حكالى عنك كتير ..
.. يا صباح الفل .. أنا كمان ضو محكاليش عنك أى حاجة وكل شوية يقولى هاقولك بعدين .. هههه ..
.. أهو شوفتى .. زى ما قولتلك بالظبط .. أرزل كائن ممكن تقابليه عالأرض .. .. ههههه .. بس ما كنتش متخيلاه للدرجة دى .. هههه ... .. أوبااا .. دانتو هاتتسلو عليا بقى ..
.. ههه .. لا والله .. ضو ما قاليش عليك غير كل خير بجد .. .. يا سيدى أنا فريدة عاصم الشبراوى .. أعرف ضو من واحنا فالجامعة وبعدين جمعتنى الظروف تانى بالفنان ومن ساعتها وأنا مستغلاه أخر حاجة .. وبشتغل فى مؤسسات تنموية والكلام الكبير دا .. ودلوقتى عايزه أستغلكو فى مبادرة تطوير الحى .. الباقى بقى هاسيبك تعرفو مع الوقت ..
.. إيه دا .. هو إنتى بنت الدكتور عاصم الشبراوى ؟! .. أه يا سيدى .. هو بابايا بشحمه ولحمه.. .. وإنت تعرفو منين يا عم الحج .. دانا اللى أعرفها من زمان مش عارف .. .. يابنى الدكتور عاصم دا أشهر مالنار عالعلم .. يا عم الجراح الكبير اللى بيطلع على
قنوات كتير فالتلفزيون دا ..
.. يابن اللذينه .. تصدق عرفتو .. بس عمرى ما ربط بين أساميهم .. أما إنك عيل حويط صحيح ..
.. كفاياكو رغى بقى على بابا .. ويلا بينا نبتدى علشان عندى ميتنج بعديكو .. ها .. قولولى إيه اللى فى دماغكو ؟
.. إحمم .. إيه الدخلة دى .. طب بصى بقى .. إعتبرينا صفحة بيضا وإمليها بقى بمعرفتك ..
.. ماشى يا سيدى .. أول حاجة خلينا نحط سوا برنامج تنفيذ سريع علشان فيه فرصة كويسة أوى إننا نتقدم بالمبادرة دى فى برنامج تطوير قومى لسا معلنين عنه .. ودا بقى
78
هايدينا تسهيلات لحاجات تانية كتير بعد كدا .. بس لازم نلحق لحسن معاد التقديم والتقييم قريب أوى ..
.. دا كلام فاخر جداً .. بس اللى هو نعمل إيه يعنى ؟! إحنا كل اللى عايزينو بالبلدى كدا إننا ننضف ونشطب الحى .. .. إحنا حالياً فى وضع المافيش زى ماقولتلك .. مافيش نضافة مافيش شكل مافيش مياه مافيش شغل .. مافيش حاجة تفتح النفس .. دا غير إننا محتاجين كل الناس تشارك معانا علشان يحسو بالمافيش دا لما يتغير ..
.. الله ينور عليك .. متهيألى دى أهم نقطة لازم نشتغل عليها .. بصراحة كدا لو كل الناس ماشركتش ولو بحاجات بسيطة والموضوع خلص عالجاهز كل اللى هانعملو هايتدهور بشكل سريع بعد كدا .. .. لازم الناس تحس إنها صاحبة الحاجة وإنها هى اللى غيرت .. ودا عن تجربة ..
.. طب ما تقوللنا ممكن نبتدى إزاى .. وليكى علينا نجمعلك الناس وكل اللى إنتى عايزاه ..
.. طيب أنا هاشرحلكم بسرعة إحنا ممكن نبتدى إزاى من شغل عملناه قبل كدا وجاب نتايج هايله .. .. أول حاجة إحنا هانعلن عن المبادرة اللى هانخترلها إسم لطيف كدا ومشجع .. والإعلان دا هايبقى فى صورة حملة بسيطة حضارتكو مع مجموعة تانية من الحى هاتقنعو بيها الناس عندكم .. .. يعنى هايبقى فيه مسؤلين منكم عن المبادرة علشان الناس تعرف تشارك مع مين وبإيه وإيه النتايج اللى هايلاقوها قصاد مشاركتهم دى ..
.. أيوا يعنى إيه المطلوب مننا بالظبط ونساعدك إزاى علشان نعمل كدا ..
.. هانعمل إيه دى عليا ماتقلقوش .. أما هانعمله إزاى فدى بقى عليكم .. .. يعنى أنا هابعت ناس متخصصة من عندنا يعملو مسح سريع للحى ويحددو البنود اللى عايزينها علشان نطوره .. فى نفس الوقت إنتو هاتبتدو تعملو لجنة من الحى وحاولو تخلو أغلبها شباب بس لازم تدخلو معاكم ناس كبار ماللى أهل الحى بيثقو فيهم علشان ماحدش يقفلكم فاللى هاتعملوه .. دا غير إن دا هايسهل عليكم الدعاية اللى هاتعملوها للمبادرة وفى تكوين قايمة بالناس اللى هاتساهم بمجهودها أو بفلوس حتى لو مبالغ رمزية علشان يحسو إن الحاجة دى بتاعتهم ..
.. ميه ميه .. إعتبرى اللجنة إتعملت .. وأنا عليا كل اليفط والإعلانات اللى هانعملها علشان الناس تعرف عن المبادرة ..
.. وأنا عليا الليستة وتجميع الأسامى باللى هايعملوه أو هايتبرعو بيه .. وهاخلى كل الناس يا تشارك يا تدفع .. .. وهنا بقى تبان فايدة الرزالة .. هههه ..
79
.. أهو دا الكلام .. وأنا بمجرد مالناس بتوعنا يجيبولى البنود وأنتو تعلنو عن المبادرة وتعملو قايمة المشاركات أنا هابتدى علاطول فى توفير الخامات والمساعدات اللى إنتو عايزينها علشان ننفذ وكله يشارك ويغير ..
.. كله يشارك ويغير .. حلوة دى .. .. يبقى نسمى المبادرة "شارك .. غير" .. إيه رأيكم ؟
.. "شارك .. غير" .. إسم حلو أوى .. .. هايل يا فنان .. يبقى يلا نبتدى مالنهاردة .. وأنتو ورونى بقى يلا عرض كتافكو علشان عندى حاجات كتيرة أوى ويادوب ألحق أقعد مع الناس اللى هابعتهم الحى ..
.. إستبينا يا ست المديرة .. بس ماتزقيش كدا .. هههه .. .. طب ممكن أطلب منك طلب أخير لو مافيهاش إحراج ؟ .. إحراج إيه بس .. أؤمر يا هوبا .. إحنا بقينا صحاب خلاص ..
.. طب حيس كدا .. عايزك تزنى على ضو إنه يروح يزور باباكى أو أى دكتور كويس تعرفيه علشان ساعات بيجيلو دوخة كدا وصداع .. ومش راضى يقول لحد لولا إنى لاحظت الموضوع دا .. وبصراحة أنا قلقان عليه أوى ..
فقد لاحظ مهيب بالفعل تلك النوبات التى تنتاب صديقه وتكررت بضع مرات خلال عملهم سوياً بمهام التوريدات.
.. دانت مش رزل بس .. لأ وفضحى كمان .. .. يا عم ماتهولش الدنيا .. أنا كويس مافيش حاجة ..
.. دوخة ! دوخة إيه ؟! وإنت إزاى ماتقلش حاجة زى كدا .. أنا هاخدلك معاد مع بابا فى أقرب وقت .. يإما والله مانا عامله المبادرة دى معاكم ..
.. شوفت أخرت ثقالتك .. والنعمة الواد دا هجاص وبيفتى .. أنا بمب الحمدلله ..
.. مافيش الكلام دا .. أنا هاكلمو النهاردة علاطول وهابقى أقولك على أى تحاليل أو أشعة عايزها قبل ما تجيلو علشان تبقى جاهز .. .. الموضوع دا بالأمر ومافيهوش هزار ..
.. ماشى يا ستى حاضر .. .. هاننكشح إحنا بقى يا ست المديرة .. سلام بقى ..
.. سلام يا أساتذة .. وأنا بجد سعيدة إنى إتعرفت عليك يا هوبا .. .. خلى بالك من صاحبك بقى ..
ليمضى الصديقان فى طريقهم للعودة فيما أخذ ضياء يوبخ صديقه على ما قاله بخصوص حالته الصحية لكنه فى نفس الوقت كان مدركاً ومقدراً تماماً لمدى حبه وخوفه
80
عليه فقد كان بمثابة الأخ الحقيقى له، كى يمر عتاب الأصدقاء سريعاً ثم بدآ يتناقشان فى كيفيه تفعيل تلك المبادرة بشكل فورى بعد دفعة الحماس التى أعطتها لهم فريدة.
.. بس فريدة دى يا أخى طلعت نمرة .. إيه الثقة والنشاط دا كله .. ربنا يباركلها بجد .. .. بس مش ناوى برضه ترسينى عاللى فيها يا نمس ..
.. ياخى إتوكس .. إنت مش شايف هيا فين وإحنا فين .. .. يابنى إحنا رايحين نشحت منها ولا مش واخدلى بالك ..
.. لا مش واخدلى حاجة .. بنشحت دى لما نكون عايزين حاجة لنفسينا .. إحنا عايزين نغير الوضع اللى حوالينا وأظن دى أبسط حقوقنا .. وإبقى إسألها وهى هاتقولك نفس الكلام .. .. وبعدين داخلة هى فين وإنت فين دى قديمة ورخيصة أوى يا شقيق .. إنت بقالك أد إيه ماشوفتش أفلام .. هههه ..
.. ماشى يا فيلسوف السماجة .. .. المهم دلوقتى فيه حاجات كتير قدامنا نعملها .. وبصراحة كدا أنا محتاج فلوس بأى شكل .. علشان المبادرة وعلشان أصرف عالبيت وغيره وغيره .. دا غير الأشعة والتحاليل اللى باليتنى بيها يا نطع ولا هاشحتها دى كمان ..
.. مش إنت اللى إتشمللت وقولت لمنص والعيال نخش معاهم شركا بفلوس الشغل اللى عملناهلهم .. داحنا لو كنا ضربنا اليوميات اللى قطعت نفسنا بيهم دول كان زمانها زهزهت وبقيت أخر دندشة يا فقرى ..
.. تفهم إنت إيه فالتفكير الإستراتيجى يا عرة جيلك على رأى الحج رمضان .. هههه .. وبعدين العيال دى ربنا يكرمهم شكلهم فاهمين هما بيعملو إيه وإنشاء الله هايئبو ويأببونا معاهم .. .. المهم بس الفلوس لحسن أمى خلاص بتجيب جاز ..
.. طب أنا عندى ليك حتت فكرة نستغل فيها مواهبك يا عم السوبر .. هاتنغنك وهاتدعيلى يا فنان ..
.. ماتقولش ! أنا كمان فكرت فى موضوع البلطجى دا .. وإبن الناجى إسملله عليه .. وإتاوات وسيطرة بقى ..
.. يخرب بيت الأفلام القديمة اللى فسدتلك مخك ! .. طب إشجينى يا عبقرى زمانك ..
.. بص يا سيدى .. إنت عارف إنى شغال فالنقاشة اليومين دول مع طقم عيال كدا أجارك الله .. وساعات بتظهر قدامى شوية سبابيب لوز اللوز لدرجة إنى فكرت أعمل الدولاب بتاعى وناخد الحاجات دى لحسابنا .. .. أهو إنت بقى هاتبقى لمؤخذة الدولاب دا يا معلم ..
81
هههه .. واللى بنكسبو فى أسابيع هانعمله فى يومين ولا من شاف ولا من درى .. حاجة كدا زى الشغلانة بتاعت الواد منص بس على أوسع ..
.. يابن الإيه ! جامدة الفكرة دى ! يلا بينا من دلوقتى يا معلم .. وأنا هافركلك أى شغلانه هوا وخش فاللى بعده ..
.. لأ إهدا كدا الموضوع محتاج تكتكة علشان ماتتكشفش يا عم السوبر ولا إيه .. وبعدين اللى هايساعدنا فالموضوع دا بجد المعلم نصحى .. مانت عارف إنه بياخد مقاولات باطن كتير بس عنده طقم عيال رمم مطلعين عينه .. إحنا بقى هانفاتحه فالموضوع ونفهمه إننا عندنا الدولاب بتاعنا وإننا أولا مالغريب .. وإنشاءالله هايوافق وتبشبش بقى من وسع ..
.. إيه الدماغ الصايعة دى ياض .. .. بص أنا هارجع أمخمخ فى موضوع الحملة دا وأضربلى فكرة كدا بتلعب فى دماغى وخلينا نتقابل بليل عالقهوة علشان نقول للعيال ونشوف مين معانا .. خلينا نبتدى بقى .. وأهو بالمرة ممكن نكلم المعلم نصحى على موضوع التشطيبات دا ..
.. إستبينا يا برنس ..
فما أن عاد الصديقان حتى عكف ضياء فى غرفته يفكر فى تصور لهذه الحملة الدعائية وقد غمره هذا الحلم فى التغيير فأخذ يرسم أركان عديدة من الحى كما تخيلها بعد أن تطولها النظافة أو التجديد أو التنظيم أو... أو...، حتى إنتهى من مجموعة لوحات ترويجية تحت عنوان "شارك .. غير" تعتمد فى مجملها على مقارنه الوضع القائم الذى قرر أن يعبر عنه بصور فوتوغرافية سيلتلقطها للوضع القائم فى مقابل هذه الرسومات لنفس الأماكن بعد التغيير.
وبينما هو يستعد للنزول لمقابلة مهيب كما تواعدا إذا بفريدة تتصل به ليدور بينهم حوار سريع أكدت فيه على حماسها الشديد لتنفيذ المبادرة فى أسرع وقت حتى أنها إتفقت بالفعل مع مجموعة المتخصصين الذين سيأتون لزيارتهم بالغد لإعداد تقرير شامل عن وضع الحى وكافة إحتياجاته كى يبدأوا العمل على الفور، ولم تنسى بالطبع أن تطلب منه فى حزم أن يعجل بعمل التحاليل التى سترسلها له بناءاً على طلب والدها الذى أبدى إستعداده التام لمقابلته فى أقرب وقت.
لينزل ضياء بعد هذه المكالمة التى زادت من حماسته هو الأخر كى يجد مهيب وقد جمع بالفعل كافة الجالسين بالقهوة حوله، ويبدو أنه قد بدأ معهم بذكاء فى حدي ٍث عام حول وضع الحى حيث طلب منهم أن يرصدوا أهم المشاكل التى تواجههم على أن يطرحوا من وجهة نظرهم أيضاً الحلول الممكنه إذا كان القرار بيدهم.
فلم يختلف الجميع فى تحديد نفس نوعية المشاكل وإن غلبت نبرة الإحباط والتشكيك فى أ ٍىمنالحلولالمقترحةأوحتىفىجدوىمشاركتهمفىأىحل!بينماأظهربعض
82
الشباب من أصدقائهم شىء من الحماس فى إمكانية وجود حلول حقيقية وفعالة لمشاكلهم، لكن الغريب حقاً كان هذا الحماس المبالغ فيه للمعلم نصحى على عكس المتوقع.
إلى أن أدار مهيب دفة الحوار إلى ضياء الواقف بجواره وقد بدت عليه علامات الإعجاب بالطريقة التى بدأت بها المناقشات وكيف تمكن صديقه من تشجيع الناس بهذه السرعة لتحديد المشاكل وإبداء ولو شىء من الإستعداد للمشاركة، فبدا له أن أفضل طريقة هى أن يطرق على الحديد وهو ساخن بعرض التصور الجديد للحى كما تخيله على الجالسين،
حيث قام برص اللوحات الواحدة تلو الأخرى مستنده على الحائط فى مقدمة القهوة. .. هاا .. إيه رأيكم ؟؟
كى تنفرج أسارير أغلب الحاضرين إلا أن تلك الإبتسامات تحولت فجأة لضحكات ثم إنهالوا عليه بتعليقاتهم الساخرة !
.. يا عم صلى عاللى يشفع فيك .. .. دا هنا الكلام دا ياسطى .. .. الحاجات دى عملتها ناس عايشين معانا ولا فضائيين .. .. يابنى لو المنطقة قلبت كدا أقسم بالله هانتوه .. .. طب ماترمى شوية زبالة حواليهم كدا علشان نفهمهم .. .. يا عم الكلام دا عايزلو يجيى ميت سنة وناس غير الناس .. .. وهى الحكومة بتحدف كتاكيت دول فاكرينا بالعافية يابا .. .. ..
فبقى ضياء واقفاً وتلك الإبتسامة على وجهه فى مواجهة هذه الموجة العاتية من السخرية فيما كان يتبادل النظرات مع صديقه الذى ظهر عليه الإستياء من رد فعلهم حتى أنه كان يحاول التدخل لإيقافهم، إلا أن ضياء ظل يشير له بالهدوء حتى بدأ الزخم من حولهم فى الهبوط وساد بعض السكون النسبى.
.. تصدقو أنا قولت كدا للناس اللى كنا قاعدين معاهم .. .. أصل أنا ومهيب كنا بنفكر فى موضوع تظبيط الحى دا بقالنا فترة وقعدنا مع مسؤلين فى جهات مهتمة بالنضافة والتجميل والكلام دا .. ولما روحنالهم النهاردة وقالولنا إنهم ممكن يساعدونا فوراً بحاجات كتير بصراحة إتفائلنا أوى .. بس لما ورولنا الرسومات دى وقال إيه دا هايبقى شكل الحى بعد التطوير بصراحة قعدنا نضحك زيكم كدا وأكتر .. لدرجة إن الناس إتضايقت مننا وراحو شايلين الحاجة علشان يرموها بس قلناههم لأ عنكم إنتو .. إحنا هانرميها بمعرفتنا جنب إخواتها فى الخرابة اللى عايشين فيها .. على الأقل علشان تحرم تحلم تانى لما تشوفنا كل يوم وإحنا عمالين نزود الزبالة حواليها ..
ليعلو الوجوم وجوه الجميع ويسود الصمت المكان سوى من حشرجة مهيب وهو يحاول أن يكتم ضحكاته من رد صديقه المفاجىء إلى أن قاطعهم المعلم نصحى.
.. تصدق عندك حق يابنى .. إحنا مش وش نضافة .. والعالم دى ماتستهلش غير اللى هما عايشين فيه دا ..
83
.. ماتقولش كدا يا معلم .. على الأقل أنا وإنت والواد مهيب نستحق أحسن من كدا .. ههههه ..
كى ينفجر الجميع فى الضحك من جديد قبل أن تبدأ سلسلة أخرى من التعليقات الساخرة لكن هذه المرة كانت على أنفسهم وأحوالهم ! فيبدو أن مجرد فكرة الأمل فى التغيير قد فاجأتهم بعد أن رضخوا لمنطق ليس بالإمكان أفضل مما كان حتى نسيوا أو ربما تناسوا
أبسط حقوقهم فى معيشة إنسانية !
.. يا جدعان أقسم بالله إحنا بنتكلم جد المرة دى .. .. سيبك بقى يا ضو مالهزار وخش عليهم بالمفيد .. دانا ما صدقت رجلشتهم وبقو جاهزين .. تروح إنت جاى مكهربهم بالمستقبل والأحلام .. أهم ساحو مننا أهو ..
.. هههه .. ماشى يا سيدى هادخلهم واحدة واحدة علشان مايفرطوش مننا تانى .. .. ياخونا الموضع بجد فعلاً .. إحنا إتفقنا مع مؤسسة خيرية عاملة مبادرة قومية لتطوير الأحياء اللى زى حالتنا .. وإحنا أول منطقة هايبتدو بيها لما لقونا متحمسين كدا .. وهايساعدونا فعلاً بالخبرات وكافة شىء لزوم التطوير .. بس الناس دى عندها شرط واحد علشان يبتدو وقصاد كدا مستعدين يبعتولنا ناس متخصصة من بكرة علشان يحددو لوازم المشروع ونبدأ علاطول ..
.. شرط إيه يابنى ؟؟ أقسم بالله أنا وغيرى كتير هنا مستعدين لأى حاجة لو الكلام دا جد ..
.. ربنا يكرمك يا معلم .. .. هما كل اللى عايزينو إن الناس كلها تشارك فى المشروع دا .. يعنى الناس كلها تشتغل معاهم ومعانا واللى مايقدرش ممكن يساهم إنشالله بأى مبلغ يقدر عليه ..
.. عين العقل .. الناس دى شكلها بتفهم فى شغلها يابنى .. ماهو اللى مايعرقش فالحاجة مش هايحس بيها وعمره مايحافظ عليها .. .. إعتبرنى أول واحد معاكم .. بالفلوس والمجهود وكل اللى تعوزوه ..
.. الله عليك يا كبير .. أهو دا الكلام .. أيد عندك يابنى فالليستة المعلم نصحى بذات نفسه معانا يا ريس .. .. يلا يا جدعان كل واحد عايز يشارك بحاجة يكتب إسمه مع مهيب .. وهمتكم معانا بقى عايزين الحى كله يشارك ..
.. بالمناسبة .. ضو لسا ما قالكوش اننا هانعمل لجنة من كام واحد مننا علشان يبقو مسؤلين عن المشروع ويشتغلو مع الجمعية .. .. المعلم نصحى طبعاً أول واحد فى اللجنة دى .. فتحى وهيما ومنص إنتو معانا فى اللجنة بالغصب .. وإنت ياض منك له أنا هاقيدكم معانا مشاركة شغل وفلوس وإياك أسمع حس حد معترض .. هههه ..
84
.. بصو يا جدعان الناس هاتيجى من بكرة علشان يعاينو المنطقة ويسمعو منكم مشاكل الحى .. وأنا ومهيب هانطبعلكم لوح زى دى تبدروها فى الحى علشان الكل يعرف ويشارك .. .. عايزين نبتدى فى أسرع وقت يا جدعان ..
فكانت ليلة مختلفة بالفعل على القهوة كما لو أن الصديقان قد ألقيا أكثر من حجر بالماء الراكد حتى أخذت موجاتها تنتشر وتتداخل لتطول الجميع، حيث تحولت جلستهم على القهوة لما يشبه ندوة حوارية وكل منهم يطرح أفكاراً مختلفة لتطوير الحى بل ويتناقشون فى سبل المشاركة بشكل فعال.
وفى تلك الأثناء كان المعلم نصحى قد إنفرد بالصديقين فقد كانت فرحته بتلك المبادرة أكبر بكثير مما توقعا.
.. عفارم عليكو يا ولاد .. .. كان نفسى الواد جمال وناصر يبقو معانا دلوقتى .. بس إنتو الخير والبركة برضه ..
.. ربنا يطمنك عليهم ويرجعهملك بالسلامة يا معلم ..
.. أنا عايزكو تعتبرو القهوة دى مقر اللجنة بتاعتكم من النهاردة .. وكافة المشاريب عليا لما تجتمعو هنا .. وأنا من ناحيتى معاكم فى أى حاجة زى ماقولتلكو .. دا غير إنى هاسخن عواجيز الطاولة اللى زييى عشان يشاركو ويزوقو عيالهم معاكم كمان .. .. إنتو ماتتصوروش أنا فرحان بيكو أد إيه يا رجالة ..
.. ربنا يخليك يا معلم .. إحنا اللى مش مصدقين إنك سخنت معانا كدا .. حقيقى إنتو الخير والبركة .. .. بس نقدر نعتبر مشاريب النهاردة كمان عليك من ضمن الإجتماعات .. هههه ..
.. إنت بتقول فيها .. ولااا يا بوليكة .. مشاريب القهوة كلها عالليستة عندى النهاردة ..
.. مش للدرجة دى يا معلم .. أنا كنت باهزر والله .. إنت كدا هاتطمع الناس فاللجنة من أولها .. ههه ..
.. وأنا مابهزرش فالحاجات دى .. يابنى أنا إتربيت وكبرت هنا بس الأحوال كانت غير الأحوال .. يعنى أنا أعرف كل اللى فالحى من كبيره لصغيره وصدقونى لما أقولكو الناس دى من جواها حلوة وعايزه تعيش بس مستنيين اللى يبردهم ويلمعهم مالبلا الأزرق اللى كسا جتتهم .. وساعتها هاتشوف معادن تانية خالص .. .. أنا عارف إن جيلكو إتظلم وركبو الهم بدرى .. بس ربنا يكرمنا بيكو ونرجع الأيام الحلوة بتاعت زمان ..
.. طب بقولك إيه يا معلم بقى .. بمناسبة الهم وجيلنا اللى وشو بقى زى قفاه دا .. كنا عايزينك فى خدمة كدا ..
.. أؤمر يا مهيب يابنى ..
85
.. بصراحة كدا .. إنت عارف المعايش صعبة إزاى .. فانا وضو عمالنا دولاب نقاشة كدا بس عيال عالفرازة وعايزينك تباصيلنا شوية شغل معاك .. .. يعنى جربنا كدا وصدقنى هانبيض وشك ..
.. أوى أوى .. دانا لسا حتى واحد مكلمنى على شغلانة كبيرة فالحتت الجديدة دى وكنت بادور على عيال تورى بدل التعبانين اللى معايا .. وقال إيه عاملين فيها أسطوات وبيتشرطو كمان ولاد ال.... .. بس هاتقدرو تشيلو ؟؟
.. جربنا إنت بس يا معلم .. واللى العيال دى بتعملهولك فى أسبوع هانفركهولك إحنا فى كام يوم .. وهاناخد الشغل أقل منهم بنفحة كمان .. .. قولت إيه ؟
.. كلام حلو .. بس ماتأخذنيش لسا كلام .. والشغل علمنى ماديش ودنى لحد .. بس أنا بعون الله واثق فيكم ولو إنتو جاهزين أنزلكو علاطول من أول الأسبوع ..
.. جاهزين طبعاً يا معلم .. بس أنا ومهيب مابنحبش حد فوق راسنا أه .. يعنى هانتفق ونشتغل ونسلم عالإتفاق .. من غير بقى ما تقلى مشرف ولا مهندس ولا الكلام دا .. إنت ليك إن الشغل يطلع عالفرازة وأى حاجة ماتعجبش فالإستلام هانعيدهالك كلها على حسابنا .. تمام كدا ..
.. تمام وعداكو العيب .. إنتو أصلا رجالة وأستأمنكو على نفسى .. مانتو عارفين دى بيوت ناس وأنا أحب اللى يشتغل معايا يحافظ عالحاجة زى عنيه .. .. عموماً أدينى هاجربكو ولو عملتو شغل حلو هاظبتكو وربنا يفتحها علينا ..
.. أمين يا رب .. .. نستأذنك إحنا بقى يا معلم .. وبكرة إنشاء الله عندك هنا فالقهوة علشان نقابل الناس بتوع المبادرة ..
حيث غادر الصديقان ولحق بهما فتحى وهيما ومنصور ليتوجهوا جميعاً إلى سطح هذا البيت المهجور الذى طالما جمعهم أو الخن كما كانوا يطلقون عليه، وهاهم يستلقوا متراصين فى هذه الحلقة مجدداً بعد طول غياب منذ أخر مرة إلتقوا هناك، ليستهلوا جلستهم ببعض المناوشات اللطيفة مع فتحى العضو الجديد الذى بدا فى قمة سعادته ربما لشعوره أنه محاط بأصدقاء من حوله فلم يكن يعهد هذا الإحساس من قبل.
ثم صار بينهم هذا الحديث المطول والملىء بالتفاؤل من جراء هذا التطور السريع الذى تشهده حياتهم بعد سنوات من الإنتظار المبهم، بدءاً بمشروع التعبئة الذى بدأ يخطو للأمام ثم مبادرة تطوير الحى بكل ما تحمله من أمال فى تحسين واقعهم اليومى، كما أخبرهم ضياء ومهيب بشأن فكرة التشطيبات وأحلامهم بأن تأخذهم لما هو أكبر من ذلك، فبداأنأ ٍىمنهملايريدلتلكالليلةأنتنقضىوكأنهمكانواينتظرونهذااليومالذى يتحدثون فيه أخيراً عن مستقبل ينتظرهم.
86
كى يبدأ العمل الجدى فى صبيحة اليوم التالى حين حضر مجموعة المتخصصين كما كان الإتفاق، حيث قام المعلم نصحى والأصدقاء بمعاونتهم على مدار أيام فى عمل حصر شامل وتحديد لكافة الإحتياجات الأساسية لتطوير الحى فى إنتظار الخطوة التالية التى تشتمل على إعداد المخطط العام للمنطقة مصحوباً بالتصميمات اللازمة لبدء التنفيذ.
وفى خلال تلك الأيام كان العديد من شباب وأطفال الحى قد شرعوا بالفعل فى الترويج للمبادرة ونشر تلك الملصقات التى صممها ضياء على جدران البيوت وواجهات الدكاكين بل وحتى على عربات الباعة الجائلين الذين أبدوا حماستهم هم الأخرين، فقد شملت المقتراحت على فكرة تجميعهم فى تلك الساحة التى سيتم تحويلها من خرابة إلى ما يشبه السوق على أن يتم تحصيل أجر بسيط منهم يتناسب مع مبيعاتهم فى مقابل توجيه هذه الأموال لصيانة ونظافة الحى.
كما تم تشكيل لجنة إدارة المبادرة التى تكونت من بعض الأصدقاء مع المعلم نصحى وأخرين ممن يحظون بثقة الأهالى، فكانت مهمتهم الأساسية فى هذه المرحلة هى التنسيق مع فريق إدراة المشروع من جهة المؤسسة الراعية، بالإضافة إلى تنظيم ورصد المساهمات التى شرع شباب الحى فى تجميعها بعد أن قسموا أنفسهم إلى مجموعات عمل من أجل تسجيل أسماء الراغبين فى المشاركة بالمجهود أو من خلال التبرع بمبالغ نقدية كل حسب طاقته.
ٍ
حيث لاقت المبادرة بالفعل إستحسان معظم أهل الحى، فعلى الرغم من ضيق الحال إلا أن أغلبهم قرر المشاركة على الفور ربما لشعورهم بأن ما يستقطعونه من دخلهم المحدود سيعود عليهم بشكل مباشر، حتى أن بعضهم عرض أن تكون هذه المساهمات بشكل دورى لضمان الإستمرارية بل وبلغ حماس البعض الأخر إلى حد المساهمة بجزء من مدخراتهم مثل الأستاذ يسرى الذى تبرع بهذا المبلغ الذى جمعه على مدار سنوات على أمل تجهيز فصل تعليمى لمساعدة طلبة الحى بالمجان، إلا أنه وغيره ربما إختاروا أن يراهنوا على تلك المبادرة أملين فى تحسين حياتهم بشكل عام.
فلم يكن الهدف من المشروع هو نظافة وتطوير الحى فقط بل كان يقدم نموذج متكامل من خلال توفير بعض فرص العمل الممثلة فى تكوين مجموعات عمل دائمة أشبه بالشركات الصغيرة لتنفيذ أعمال النظافة والصيانة وتدوير المخلفات وخدمات أخرى للحى، على أن يكون القوام الأساسى لتلك الكيانات الناشئة من شباب المنطقة.
وحتى من رفض المشاركة كان ذلك فى الأغلب بسبب يأسهم من نوعية هذه الوعود التى طالما سمعوها من جهات مختلفة فما بالهم وقد جاءت من سكان مثلهم لا حول لهم ولا قوى ! إلا أن هؤلاء لم يمثلوا أدنى مشكلة للمضى فى المشروع لا لقلة عددهم بل لأنهم بالتأكيد سيسارعون بالمشاركة هم الأخرين ما أن يشهدوا التغيير بأنفسهم.
87
إلى أن إنتهى الفريق الهندسى المتخصص من وضع التصميم النهائى المنتظر للحى بعد التطوير وتم تدشينه على هذه اللوحة الكبيرة فى مدخل الحى، كى يبدأ تنفيذ المشروع على أرض الواقع حيث نصبت العديد من السقالات للبدء فى تحديث المبانى وتتابعت حركة عربات جمع ونقل المخلفات بشكل مكثف على المنطقة.
حتى أصبح الحى بأكمله يشغى كخلية النحل بهؤلاء المتطوعين المتحمسين من الشباب والكبار من الجنسين وهم يشاركون بدأب ونشاط فى تلك الأعمال مستغلين فترة الأجازات لإنجاز أكبر قدر ممكن من العمل المطلوب.
وهاهى فريدة قد بدأت تتوافد على الحى بشكل منتظم مع مجموعة من القائمين على المبادرة لمتابعة سير العمل، إلا أن إهتمامها بهذا المشروع كان مختلفاً بعد أن إعتبرته مشروعها الخاص فكانت تأتى لتجلس وتتحدث مع قاطنى المنطقة عن مشاكلهم وما
يواجهونه من مصاعب حياتيه بحكم خبرتها فى هذا المجال، حتى أنها بدأت بالفعل فى تقديم بعض المساعدات المباشرة لهؤلاء الناس عن طريق إدراجهم فى بعض البرامج التنموية التى تعمل بها.
بل أنه فى خلال فترة وجيزة كانت علاقتها قد توطدت مع العديد من أهل الحى وبالأخص أصدقاء ضياء والمعلم نصحى ربما لأنها وجدت فيهم هذا النموذج الذى طالما تخيلته عن أهالى المناطق البسيطة فى كفاحهم وعزة نفسهم بل وطموحهم فى تحسين الظروف المحيطة بهم وبغيرهم، فلولاهم ما كانت تلك المبادرة لتشهد النور.
وعلى جانب أخر،،
كان ضياء فى تلك الأثناء قد بدأ العمل مع مهيب وإنضم إليهم فتحى كى يتشارك الأصدقاء الثلاثة فى تنفيد مقاولات التشطيب التى بدأ يوكلها لهم المعلم نصحى، فبعد نجاحهم بإمتياز فى مهمتهم الأولى معه وتسليمهم الأعمال المطلوبة فى وقت قياسى وبأسعار أقل قرر المعلم إسناد مقاولة فيلات هى الأكبر له منذ فترة لدولابهم الوهمى هذا.
وكما جرى الإتفاق بينهم كانوا يعملون منفردين تماماً مستغلين فى ذلك طبيعة أعمال التشطيبات التى تعتبر أحد البنود الداخلية والنهائية قبل التسليم، فكان المهندس المسؤل أو صاحب العمل يتمم الإتفاق على المطلوب مع الأسطى قائد الدولاب حيث كان مهيب يقوم بهذا الدور نظراً لخبرته فى هذا العمل بالإضافة إلى موهبته فى التواصل والتفاوض، ليأتى من يأتى بعد ذلك لإستلام العمل فى المواعيد المتفق عليها بينما يكون الأصدقاء مستعدين لذلك.
فقد كانوا حريصين كل الحرص على ألا ينكشف أمرهم حتى أنهم كانوا يذهبون إلى عملهم فى وقت لاحق لبداية العمل بالموقع كى تكون الحركة قد دبت بالفعل ولا
88
يلحظهم أحد وسط هذا الكم من العمال، ليبدأ مهيب وفتحى فى معاونة صديقهم بأقصى طاقتهم إلا أنه كان بالطبع ينجز أضعاف ما يقومون به بمراحل.
فقد توصل الأصدقاء مع الوقت إلى أفضل طريقة لتنظيم العمل بينهم ولتغطية ما يفعله ضياء حتى تمكنوا من التوسع فى أعمالهم بتنفيذ أكثر من موقع فى نفس الوقت مستغلين فى ذلك قدراته المهولة فى إنجاز المطلوب، غير أنهم كانوا حذرين للغاية فى
تحديد مواعيد التسليم لتبدو واقعية إلى ح ٍد ما لمشرفى العمل كى لا ينفضح سرهم.
لتبقى معضلة "الوقت المناسب" لتسليم العمل دون أن يثيروا الريبة حولهم هى العقبة الأساسية أمام توسعهم بعمليات أخرى خاص ًة بعد أن بدأ يذيع صيت دولاب العمل الخاص بهم، لدرجة أن بعض مسؤلى العمل الأخرين بالمواقع بدأوا يطلبونهم بشكل مباشر نظراً لجودة عملهم.
إلا أن الأصدقاء ظلوا على حيطتهم تلك عند قبول أى عمل إضافى مفضلين أن يكتفوا بذكاء بما يبدو منطقى لمن حولهم وبما قدر لثلاثتهم من ربح خاص ًة أنه لم يكن بالقليل، ومن ناحي ٍة أخرى كان ذلك مفيداً لهم لتحقيق بعض التوازن فى حياتهم بشكل عام.
فقد كان ضياء حريصاً على توزيع مجهوده ووقته بين عمله وأهله ومشروع الحى الذى بدأ العمل فيه يتقدم بشكل ملحوظ، ليصبح محور إهتمام أغلب سكان المنطقة الذين كانوا يعتبرون ضياء وأصدقائه بمثابة الوقود المحرك لكل ما يحدث ويعقدون عليهم أمالاً عريضة لتحقيق هذه الطفرة المنتظرة.
فكان دائم الظهور بين أهل الحى كل صباح قبل أن يذهب إلى عمله أو فى أوقات الأجازات الأسبوعية ليشارك الجميع العمل بشكل إعتيادى، غير أنه كان يتسلل فى أوقات متأخرة كلما سنحت له الفرصة كى يضيف لمسته الجمالية مستغلاً فى ذلك السقالات المنصوبة والخامات المتاحه ليترك لخياله وقدراته العنان فى تحويل الحى إلى هذه الصورة الذهنية التى طالما تخيلها وتمناها.
كى يستيقظ أهل الحى كل حين على تلك الجداريات المبهرة التى تزين جوانب المنازل والأسوار القديمة وقد حولت أركان المنطقة إلى شىء مختلف تماماً بعد أن أضافت إليها مزيج عجيب من التفاؤل والبهجة بألوانها الرائعة !
فلم يكن أحد يعرف من أين لهم بهذه الأشياء ! حيث كان يرجعها البعض إلى أنها ربما تكون بفعل بعض الفنانين المتطوعين بالمبادرة، بينما ذهب البعض الأخر فى تفسيره إلى العوالم الغيبية بإشاعة أن الجن الصالح هم من يقومون بتلك الأفعال لمجازاتهم على نيتهم الطيبة فى إصلاح المنطقة !
89
90
فكان الكثير من الأهالى وبالأخص من كبار السن يميلون إلى هذا المنطق الغيبى خاص ًة أن تلك الأعمال لم تقتصر على مجرد رسومات جدارية بل إمتدت إلى تشكيل نماذج من المخلفات المعدنية والخشبية على هيئة نصب جمالية بدأت تنتشر فى أركان الحى !
وبين إنتشار هذه الإشاعات وتلك ظلت الحقيقة غائبة إلا عن ضياء وصديقيه الذين كانوا يسايرون أهل الحى فى رواياتهم بمنتهى الحماس طالما أنهم بعيدين عن الأنظار، وطالما بقى جميع من بالحى سعداء بما يحدث حتى وإن كان بفعل شياطين الجن السفلى !
لكن فيما بينهم ظل مهيب يطالب صديقه كعادته أن يكف قليلاً من شطحاته كى لا يثير التساؤلات من حوله.
.. إيه يا عم الجنى .. البتاعة اللى انت عملتها إمبارح دى جامدة تنين .. الناس مابقتش مصدقة اللى بيحصل حواليها .. بس ماتخف شوية كدا ياسطى بدل ما نتفضح ..
.. مش قادر يا هوبا .. نفسى الحى بتاعنا دا يبقى أجمل حتة فالمحروسة كلها .. .. وبعدين موضوع الشغل اللى لازم نسلمو بمواعيد دا محددنى أوى .. والفراغ وحش أوى ياخويا .. هههه ..
.. يابنى ريح نفسك شوية .. مش كله هلك هلك كدا .. .. وبعدين عملت التحاليل اللى طلبتها منك فريدة ؟ البنت عمالة تزن عليا .. دا غير إن الحالات اللى إنت عمال تداريها دى مقلقانى حبتين .. .. عايزين نطمن عليك يا كبير ..
.. ماهى عمالة تزن عليا كمان .. بس انت عارف إحنا مشغولين أد إيه على يدك .. .. دانا حتى ماعارفتش أقابلها فالكام مرة اللى جت فيهم الحى الفترة اللى فاتت ..
.. يا عم إن لبدنك عليك حق .. وبصراحة اللى بتعملو دا بزيادة أوى .. كفاية علينا الشغل اللى بيحصل .. الناس مش طمعانة فى أكتر من حتة نضيفة يعيشو فيها .. .. إنت كدا هاتمرعهم علينا .. هههه ..
.. يا معلم أنا نفسى الناس تتغير ومايرضوش غير بكل حاجة حلوة من حواليهم .. مش أهى حتة نضيفة والسلام ..
.. يعنى بترفع الذوق العام يا خى ! أهى دى بقى اللى محتاجة سنين علشان تغيرهم .. علالله بس هما يحافظو عالمنطقة بعد مالشغل يخلص ومايزبلوهاش تانى ..
.. هايتغيرو يا كئيب بس إطلع إنت منها .. .. المهم دلوقتى أنا لسا محتاج فلوس كتير أوى يابا .. جدى تعبان أوى وأخر دكتور شافو قال لازملو عملية علشان حالته ماتدهورش أكتر من كدا .. دا غير البيت اللى عايز تنكيس بدل ما يتهد علينا .. ومريم اللى أكيد هاتعوزلها مصاريف دروس أد كدا الكام سنة الجايين .. نفسى أوى تدخل الكلية اللى عايزاها بدل وكستى دى .. .. يعنى مالأخر كدا لازم أكل النجيلة بإيدى وسنانى الفترة اللى جاية ..
.. إنت مالك قلبتها حزاينى كدا ليه ! عموماً أنا معاك فى أى حاجة يا كبير .. بس دا ما يمنعشى إنى هاسحبك من إيدك نروح نعمل التحاليل وإبقى روح للدكتور يا سيدى وقت ما تفضى ..
.. ربنا يسهل .. على حسب الشغل .. .. بقولك إيه .. ماتدخل موضوع التنكيس دا فى مشروع الحى .. وأهو دا يشيل دا ..
.. لااا .. كله إلا بيتنا .. إنت عايزنى أطلب من فريدة تساعدنى فى حاجة زى كدا ! على جثتى ..
.. اااه .. على جثتك .. ومالو مانت لازم تبقى ملو هدومك قدامها برضه .. ههههه .. .. إنت تانى ! يابنى بكفاياك أتامة بقى .. ولا عايزنى أملصلك ودانك .. هع هع هع .. .. أوبااا .. هى خلاص بقت كدا يا عم السوبر !
.. ههه .. وأنا أقدر برضه يا شقيق .. .. سيبك بقى مالكلام دا .. أنا كنت عايزك فى حوار كدا .. أصلى بفكر أستلقطلى مكنة حلوة كدا بس يكون سعرها حنين .. بدل المشوار اللى هايقصف عمرنا كل يوم دا ..
.. تشترى مكنة ! أومال إيه جو التبرعات اللى عايشتنا فيه دا ! وبعدين إنت مابتعرفش تسوق .. ولا ناوى ترشقنا !
.. ههههه .. لا مانا معتمد عليك إنت أو الواد هيما تعلمونى ..
.. ماشى يا سيدى .. سيب موضوع المكنة دا عليا .. .. إنت سهران معانا النهاردة مش كدا ؟
.. لأ يا عم أنا هازوق بدرى .. أصل فريدة هاتعدى علينا وأهو بالمرة أشوف إيه أخر أخبار المشروع ..
.. طب أمانة عليك توصلها سلامى عالمشروع يا حنين .. هههههه .. .. لا دانا هاملصلك لباليبك مش ودانك بس يا نطع !
فيفر مهيب من أمامه مسرعاً بعد أن كشر صديقه عن أنيابه وتقدم نحوه متوعداً لكن فاجأه فتحى الذى دخل للتو وثبته من الخلف لتنتابه حالة من الهلع وبدأ يصرخ مصدراً هذه الأصوات الغريبة ليسقط ثلاثتهم منفجرين فى الضحك !
إلى أن تركهما ضياء ليلحق بموعده مع فريدة التى أرادت أن تطلعه بالفعل على بعض المستجدات بالمشروع، فعلى الرغم من إنشغالهما المستمر خلال الفترة السابقة إلا أنهما
91
صارا على إتصال دائم سواء هاتفياً أو عبر مواقع التواصل فيما بدأ يجمعهما حوارات الأصدقاء أكثر من مجرد أحاديث عابرة حول أعمال مشتركة يقومون بها سوي ًا.
وبدا أن مناوشات مهيب مع صديقه قد أصابت بعض الشىء فقد بدأت تخالج علاقتهم تلك المشاعر التى لم يدركا ماهيتها لحينها إلا أنها بقت فى إطار الصداقة دون أن يحاول أ ٍىمنهماأنيجذبهالإتجاهأخر،فربمايكونذلكلقصرالمدةمنذأنجمعتهماالأقدارثانياً أو عله بداعى هذا الخوف التقليدى من أى فوارق إجتماعية قد تعصف بالعلاقة من جذورها وهو ما لم يكن يرغب فية على الأقل ضياء.
كما ظهر بعد أخر لصداقتهم فقد توطدت علاقة فريدة بأسرته بشكل كبير خلال الفترة الماضية خاص ًة بأخته مريم التى إرتبطت بها سريعاً، فيبدو أنها فى هذا السن كانت فى حاجة لصديقة أو أخت كبرى تشاركها شئونها الشخصية، حتى أنهما تواعدا على المقابلة فى هذا اليوم أثناء زيارتها.
وهاهى طرقات الباب لتجرى مريم مسرعة فى سعادة كى تفتح لفريدة. .. دودووو .. إزيك .. وحشتينى أوى أوى .. .. ميروو .. إنتى كمان وحشانى جداً .. .. إزيك يا طنط .. .. إزيك يا ضو .. .. عامله إيه يا حبيبة قلبى .. إتفضلى .. إتفضلى .. والله بقيت أستنا اليوم اللى بتزورينا
فيه يا بنتى ..
.. دودو وميرو وحبيبة قلبى .. لا دانا كدا أنزل طقم لمون وأنكشح من هنا علشان تاخدو راحتكو بقى ..
.. أه ونبى يا ضيا ياخويا .. بس ماتنساش تجيبو ساقع .. .. لا يا ميرو مش للدرجة دى .. أنا مش عايزاه ساقع أوى .. هههه .. .. الله ليه كدا يا بنات .. دا ضيا هو الخير والبركة .. .. انزل بس ماتتأخرش يا حبيبى ..
.. ههههه .. حتى إنتى يا حجة هاتحفلى عليا .. هما بوظوكى أوى كدا .. .. ماشى يا ست دودو .. إبقى شوفى مين هايشتغل بقى معاكى فالمبادرة ولا أى حاجة تانية .. وإبقى خلى المفعوصة دى تنفعك ..
.. هاتنفعنى طبعاً مريومة حبيبتى .. بس برضو مانستغناش يا أستاذ ضو .. .. بص أنا هاقعد معاهم شوية وبعدين أفضالك .. عندى أخبار حلوة أوى ..
.. ماشى يا ست المديرة .. أنا هادخل لجدى شوية عقبال ما تخلصو هرى ..
92
.. لأ إستنا .. أنا عايز أشهد طنط عليك .. فين التحاليل يا أستاذ ؟ ولا هافضل أطاردك كدا كتير ..
كى يرمقها ضياء بتلك النظرة فلم يكن قد أخبر أمه بأمر التحاليل أو عن تلك الإضطرابات البسيطة التى تصيبه !
.. تحاليل إيه يا بنتى .. هو فيه حد عيان ولا إيه ؟! ضيا انت تعبان يا حبيبى ومخبى عليا ؟َ!
.. احممم .. لا يا أمى تعبان إيه بس .. مافيش حاجة كله تمام .. .. دى تحاليل كانت طالباها منى علشان الكشف الطبى لشغلانة كدا جايبهالى .. بس أنا بصراحة ماليش فى شغل المكاتب دا فمكسل أعملها ..
.. وليه بس كدا يابنى .. ماتقفلش أى باب رزق جايلك .. .. ربنا يوفقك يا حبيبى .. .. ولا شكلك كدا بتضحك عليا !
.. لا يا طنط مابيضكش عليكى ولا حاجة .. بس ونبى توصيه يعملها .. أصل التحاليل دى مهمة أوى والناس مستعجلين عليها جداً .. وأهو بالمرة يطمن على صحته ..
.. ونبى يا بنتى ؟! لا مالكش حق يا ضيا .. .. دانا غلبت معاه من ساعة ما خرج مالمستشفى إنه يروح للدكتور علشان نطمن عليه وهو تاعب قلبى ومطنش عالأخر مش عارفة ليه !
.. خلاص يا طنط أنا مش هاسيبو إلا لما يعملها .. وهاخدو كمان للدكتور .. .. سيبيهولى إنتى بس ..
.. وأنا كمان مش هابطل زن عليه لحد مايروح .. ربنا يخليكو ويحفظكو كلكو يا حبايبى .. .. أوبا .. دى كومبينة بقى ! طب أنا مضطر أسيبكو بجد قبل ما تطلبولى عربية الإسعاف ..
لينجح بلباقة فى الهروب من هذا الإستجواب ويتركهم ليدخل إلى جده لحين إنتهاء مجلسهم النسائى مستغل ُا الوقت فى جلسات الفضفضة التى إعتاد عليها، فقد أصبح جده الشخص الوحيد الذى يعرف عنه كل شى ِء فعلياً حتى مشاعره ومخاوفه وأحلامه من خلال هذا التقليد الشبيه بجلسات العلاج النفسى أو بتدوينه لمذكراته وخواطره الشخصية.
حتى جاءت مريم لتقطع عليه خلوته كالمعتاد وتخبره أن فريده بإنتظاره بعد أن وبخته لأنه لم يترك لها الوقت الكافى لتجلس معها بداعى هذا الموعد بينهما !
.. عاجبك كدا .. أهى مريم هزأتنى ! آل مالحقتش تقعد معاكى ! إنتى كدا هاتمرعيها علينا أكتر ماهى مروقانا ..
93
94
.. لا مانا إتفقت معاها إنى هاجيلها مرة تانية .. إنت مش متخيل إحنا بقينا صحاب أد إيه .. .. بعدين يا سيدى أنا أسفة إنى عكيت قدام طنط .. مش كنت ترسينى طيب !
.. أرسيكى على إيه ؟! مش محتاجة فتاكه أصلها .. الأمهات محدش يتكلم قدامهم على الصحة ولا الأكل ولا المذاكره .. المواضيع دى بتجيبلهم إلتهاب فالمشاعر وإنفجار فالماسورة الأم ..
.. ههههه .. طب أنا أسفة كمان مرة .. .. المهم دلوقتى أنا عندى خبر حلو أوى .. إحنا قدمنا ملف كامل عن الحى مع شوية صور للشغل اللى بيحصل للجنة المبادرات القومية اللى كنت حكيتلك عليها .. والناس إنبهرت وإتحمست أوى لدرجة إنهم قررو يدخلونا معاهم فالمعرض الدولى اللى هايتعمل أول السنة ..
.. ودى حاجة حلوة يعنى ؟! أصل بصراحة الكلام بتاع قومى ودولى دا ما باسمعوش غير عالتلفزيون وأنا قاعد لابس البيجاما الكاستور عالشراب المقطع مع كوباية شاى تموين فالخمسينة كدا..
.. هههه .. بصراحة عندك حق .. .. بس أنا المرة دى متفائله وعندى أمل كبير خصوصاً بعد اللى شوفتو معاكم هنا والناس كلها بتشتغل .. وأهى الحاجات دى أقله هاتحطنا تحت الضوء وهاتسهلنا موافقات كتيرة علشان المياه والمشاكل الكبيرة اللى عايزين نخلصها بسرعة .. دا غير إن معرض زى دا هايدخلنا فى برامج تنموية أكبر بكتييير وهايخلينا نعرف نكرر التجربة بشكل أوسع إنشاء الله .. تفاءل إنت بس ..
.. من بوئك لباب السما يا ستى .. .. هاقولك على حاجة .. إحنا من ساعة ماتقابلنا تانى وحياتى .. .. أقصد حياتنا كلها إتشقلبت .. .. إنتى خلتينى أعمل حاجات بصراحة عمرى ماتخيلت إن أقدر أعملها .. بجد شكراً ..
فتدير وجهها عنه بعد أن إحمر خجلاً حتى قطعت تلك اللحظات الصامتة بينهما عن عمد.
.. خليك إنت كدا ماشى ورايا لحد ماغرقك .. .. إنما إيه الحاجات الجامدة دى يا فنان .. إنت عملت كل دا إزاى وإمتى ؟! ومين شغال معاك من ورايا يا أستاذ ؟!
.. دى أقل حاجة عندى .. ههه .. .. لأ دول جماعة فناين أرزقية صحابى باجيبهم يساعدونى بعشوة حلوة وكوباية شاى مع حجرين عند المعلم نصحى .. إنتى ماتعرفيش إنه الراعى الرسمى للمبادرة ولا إيه .. دا متبرع بكل مشاريب إئتلاف شباب المبادرة على حسابه ..
.. يووه فكرتنى .. دا قاعد مستنينا عالقهوة من ساعة ما جيتلكو .. .. الراجل دا يجنن .. هو إزاى جميل كدا .. .. يلا بقى ننزله علشان ألحق أقعد معاه وبالمرة أشربلى واحد شاى بحليب منه فيه قبل مامشى ..
.. حليب منه فيه ! انتى بقيتى بيئة كدا من إمتى ؟! مش ناقصك غير واحد سكلانس عند سيد كلاوى ونرقيكى لوا ..
.. ضربتو قبل كدا يا خفيف .. وبقيت باجيب منه لبابا كمان .. ههههه ..
.. بابا ! طب يلا بينا بقى قبل ماتطلعيلى سيجارتين لف علشان نحبس الفشنكاح اللى ضربناه ..
كى ينزل الصديقان لمقابلة المعلم نصحى الذى كان فى إنتظارهم مع بعض أعضاء لجنة إدارة المشروع على القهوة، فتخبرهم فريدة بشأن تلك المبادرة القومية وما قد يترتب على ذلك من متابعة عن كثب لأعمال الحى من جهات رسمية أخرى، وعن أهمية ذلك لمساعدتهم فى الحصول على موافقات بشأن مشاكل أخرى معقدة كالصرف والمياه وغيرها.
فما كان من المعلم نصحى إلا أن أخبرهم بمفاجأة سعيدة هو الأخر فقد قرر التبرع بأرض الخرابة الكبيرة التى ورثها عن جدوده، فتلك هى قطعة الأرض التى شهدت واقعة ضياء مع حمودة بعد أن تحولت إلى معقل للخارجين عن القانون وأطفال الشوارع، ويبدو أنه قد أراد أن يستغلها أخير ًا لمنفعة أهل الحى بعد أن أيقن صعوبة عودة ولديه وتبخر أمانيه فى أن يقيما عليها مشروع ليستقرا بجواره بعد سنوات الغربة.
إلا أنه طلب أن يقام عليها مركز رياضى للشباب بالإضافة إلى دار ضيافة لأطفال الشوارع عوضاً عن حالة الضياع التى يعانون منها، كما إقترح البعض أن يتم تخصيص مكان لبناء فصول تقوية لطلبة المنطقة كى يصبح حلم الأستاذ يسرى الذى إنضم مؤخراً للجنة الإدارة أقرب ما يكون من التحقيق.
فكانت مبادرة المعلم نصحى بمثابة التتويج لجهود الجميع من أجل تحسين المنطقة بل وحياتهم فى المجمل، فلم يكن إنشاء هذا المركز ينطوى فقط على أنشطة وخدمات ستتوفر لأهل الحى بل سينعكس أيضاً فى خلق فرص عمل إضافية لإدارته وتشغيله، كما أنه سيوفر مصدر تمويل ذاتى من إشتركات ورسوم للأنشطة المنتظرة ليعم مردودها على هذا الصندوق المالى الذى تم تدشينه لضمان إستمرارية ما تم إنجازه بنهاية مشروع التطو ير.
ففى تلك اللحظة ومع كل هذه التطورات السريعة تأكد ضياء وفريدة من صحة حدثهم عن إمكانية نجاح تجربة الحى، وأنه مهما بلغت الاوضاع من تردى سيظل هناك دائماً من يؤمن ويسعى لتغير واقعه ما أن يجد الفرصة لتحقيق ذلك.
وهاهم جميعاً يستأنفون العمل على قد ٍم وساق خاص ًة بعد أن أضافت مبادرة مركز الشباب تحدى جديد على الجدول الزمنى للمشروع وأصبح اللحاق بهذا المعرض الدولى فى بداية العام هدفاً لكل من بالحى.
95
فى الوقت الذى إستمر ضياء فى مباشرة عمله مع صديقيه بعد أن شرعوا فى تكوين طاقم عمل حقيقى من بعض العماله المنتقاه كى يتمكنوا من التوسع فى الأعمال التى تعرض عليهم دون أن يشك أحد فى أمرهم، وحتى يتسنى لضياء توزيع مجهودة بين عمله بالموقع وما يقوم به من أعمال الجن السفلى فى تجميل الحى كما أشيع.
كما عاونه مهيب فى شراء هذه الدراجة النارية التى أكسبته المزيد من وقت كان يقضيه فى التنقل بين أكثر من مواصلة ذهاباً وإياباً، حيث ساعده صديقه على تجديدها كلياً بعد الحالة التى كانت عليها إلى أن إستعادت مظهرها الرياضى الأنيق، ليجد نفسه بعد قليل من المحاولات يقودها ببراعة فاجأته هو شخصي ًا.
فيبدو أن قدراته على تمييز الحركة والأصوات من حولة بدقة بالغة مع سرعة رد فعله قد أكسبوه هذه الجرأة المخيفة فى قيادتها، حتى أن مهيب وهيما كانا يخشيان الركوب معه فى محاولاتهم الأولى لتعليمه بسبب سرعة إنطلاقاته وتلك المناورات المتهورة التى كان يبدو خلالها فى منتهى الثبات والسيطرة التامة على الوضع !
إلا أن مهيب كان دائما ما يشدد عليه أن يتأنى فى قيادته على الأقل حين يرافقه وكأنه كان يشعر بما سيحدث لاحقاً.
ففى هذا اليوم وبينما كان ضياء مصطحباً صديقه على ذلك الطريق المفتوح متوجهين إلى عملهم وإذ بالدراجة تهتز أسفلهم فجأة فى حركة عشوائية وكأنه فقد السيطرة على القيادة لوهلة ! ليعاود سريعاً محاولته للتحكم بها حتى نجح فى خفض سرعتهم بعض الشىء قبل أن تسقط وتزحف بهم عدة أمتار إلى أن توقفت.
ليتبع ذلك فجأة صوتاً مدوياً لصرير فرامل هذه المقطورة القادمة من خلفهم بسرعة فى طريقها لدهسهم إلا أن قائد الحافلة تمكن من إيقافها فى اللحظات الأخيرة على بعد سنتيمترات منهم !
فما كان منهما إلا أن قفزا مبتعدين عن الدراجة فى فزع من هول الخضة وفى غضون لحظات كان قد تجمع حولهم بعض المارة الذين توقفوا على جانب الطريق للإطمئنان عليهما بعد أن كانا قاب قوسين من الهلاك فى ذلك الحادث المروع !
حتى إنصرف الجميع بعد أن تأكدوا من سلامتهم لكن بقى الصديقان على صمتهم وسط حوار النظرات من دون أن ينبث أ ٍى منهما بكلمة لبرهة من الوقت، إلى أن قطع مهيب هذا الصمت.
.. إيه يا معلم ؟! إنت كويس طيب ؟ هو إيه اللى حصل ؟! .. أنا تمام .. المهم إنت .. فيك أى حاجة ؟ .. الحمدلله .. ربنا ستر .. .. إحنا كنا هانتفرتك .. .. هى المكنة فلتت منك كدا إزاى ؟!
96
.. مش عارف ! إحنا كان زمانا مفرومين دلوقتى وبنتباع سجق عند سيد كلاوى .. هههه ..
.. إنت فيك نفس تهرج ! وبعدين أنا إيش درانى مايمكن كنت عملتلك حركة سوبر من بتوعك وأروح أنا فيها فاشوش لوحدى ! بقولك إيه ماتحورش عليا ورد .. المكنة فلتت إزاى ؟!
.. مانت حلو وبتهرج إنت كمان أهو .. .. مافيش يا عم الثقة الزايدة تعمل أكتر من كدا .. أنا أسف يا سيدى ومن هنا ورايح هاخلى بالى زى ما نصحتنى .. العمر مش بعزقة يا عم ..
.. برضو مصر تحور ! ولااا .. إنت أكيد جرالك حاجة .. إحنا ماكوناش بنجرى ولا قدامنا حد علشان يحصل كدا !
.. بص .. .. أنا بصراحة كدا الدنيا إسودت فجأة قدامى وهربت منى خالص لمدة فانية ! أنا أسف بجد يا معلم ..
.. طب إركب بقى ورايا وهانطلع حالاً نعملك التحاليل اللى طلبتها أبو فريدة .. الموضوع كدا مايتسكتش عليه ..
.. يا عم إيه الفيلم دا بس .. أنا تمام دلوقتى صدقنى .. .. وبعدين إحنا قدامنا شغل كتير النهاردة ..
.. يندعىء الشغل ! إنت هاتعمل اللى بقولك عليه حالاً .. يائما ودينى لأقول أمك وأسيبها بقى هى عليك ..
.. كدا بتهددنى بالغالية يا هوبا .. .. ماشى يا عم يلا بينا .. بس إفتكرها دى ..
ليذهب الصديقان على الفور إلى أحد المراكز الطبية لإجراء الأشعة والتحاليل المطلوبة حيث حددوا له اليوم التالى لإستلام نتائجها، ثم عاد ضياء بعد ذلك مباشرة إلى منزلهم ليستريح إستجاب ًة لإصرار صديقه الذى طلب منه أن يستمر فى عطلته بضعة أيام مهدداً إياه ثانياً بإفشاء سر تلك النوبات لأمه إذا ما حاول النزول للعمل.
لكن إلى جانب هذا القلق الذى إنتاب صديقه بشأنه لم يكن ضياء لينكر عن نفسه هذا الشعور بالتوتر الذى إجتاحه منذ حينها بعد ما كاد أن يفقد حياته أو حياة صديقه على أقل تقدير، حتى أنه بدأ يقتنع أخيراً بحاجته إلى شىء من السكينة أو لهدنه مع جسده ولو مؤقتاً بل وقرر أن يتصل بفريدة ليطلب منها موعداً مع والدها فور حصوله على نتائج التحاليل، وما أن أمسك بهاتفه كى يطلبها حتى فوجىء بمكالمة فريدة له فى نفس اللحظة.
.. يا نهاار ! الست دودو .. يا أهلاً يا أهلاً .. .. إزيك يا صديقى .. عامل إيه ؟ وميرو وطنط أخبارهم إيه ؟
97
.. كله تمام الحمدلله .. إنما إيه السحر دا .. دانا كنت لسا هاكلمك حالاً ..
.. أصلى كنت لسا فى سيرتك مع بابا دلوقتى وسألنى هاتجيلو إمتى .. هااا فين التحاليل يا أستاذ ؟
.. مش ممكن بقى .. انتى مراقبانى ولا مخاويا ولا إيه نظامك ! دانا لسا كمان جاى مالمركز حالاً !
.. لا وإنت الصادق .. دى الحاسة السادسة .. عمرك ماتعرف تخبى حاجة على واحدة ست أبداً ..
.. إنتى هاتقوليلى .. الحجة هنا عندها الحاسة التامنة كمان .. دى بتشم خبر الحاجة قبل ماعملها أساساَ ..
.. لا الأمهات دول ليفل الوحش .. .. المهم .. هاخدلك ميعاد من بابا بقى علشان تروحلو بكرة ولا بعده ..
.. الله الله .. بابا كدا علاطول .. إحنا ماتفقناش على كدا .. وبعدين أنا لسا باكون نفسى ..
.. ههههه .. يابنى بطل بقى .. .. بص إنت يا هاتروح يا هاتدينى النتايج أوريهالو لحد ماتروح برضه ..
.. أهو دا كلام ظريف .. أنا هاديكى الحاجة يبص عليها الاول .. وأكيد هايقولك الواد دا بمب ومش محتاج أشوفو ..
.. ماشى يا سيدى تقبالنى النهاردة .. .. ولا أقولك بكرة أحسن .. أنا فاضية طول اليوم .. يعنى عدى فى أى وقت ..
.. أنا أصلاً هاستلمها بكرة .. .. إنما فاضية دى جديدة عليا يا ست المديرة المشغولة .. إيه الغلابة خلصو مالبلد ؟!
.. لا أخيراً يوم من غير مواعيد .. أهو ألحق أخلص الشغل المتلتل اللى ورايا .. .. أنا تعبت أوى والله ..
.. طب ماتخديه أجازة كدا وتعملى حاجة تكسرى بيها ملل الشغل .. بصراحة إنتى بتصعبى عليا من كتر الهلك ..
.. شوف مين بيتكلم .. .. بصراحة فكرت أعمل كدا .. بس ورايا حاجات بالهبل .. إنت عارف أنا أخر مرة أخدت أجازة كان إمتى .. .. تصدق مش فاكره والله ..
.. طب أقولك على حاجة بس ماتضحكيش عليا .. أصل هوبا قررلى إنى أخد بكرة أجازة من كل حاجة .. وأنا بصراحة ماصدقت .. وبعدين وأنا خارج مالمركز لقيت نفسى قدام جنينة
98
الحيوانات فقررت إنى هأقضى اليوم معاهم .. وأهو يوم وسط الأسبوع والجنينة هاتبقى فاضية ونعيش أنا وهما بقى ..
.. إيه دا بجد .. الله .. أصل أنا بحب الحيوانات أوى .. دانا بقالى سنين ماروحتش هناك .. وحشانى الذكريات دى أوى ..
ليصمت ضياء لثوانى ثم يتشجع ويبادر فريدة بشىء طالما كان يتمنى أن يطلبه منها .. طب ماتيجى نقضى اليوم مع الحيوانات سوا .. وأهو بالمرة أديكى نتايج التحاليل .. .. أمممم .. .. بس الشغل .. .. والحاجات اللى ورايا .. .. مش عارفة ..
.. يندعىء الشغل على رأى الواد هوبا .. وبعدين مش هايجرا حاجة من يوم .. .. بقولك غزالة وزرافة ونتنطط مع القرد ونسحف مع الزواحف ونشم ريحة قفص الأسود .. حاجة كدا بعطر الذكريات .. وتقوليلى شغل !
.. هههه .. ماشى يا سيدى خلينا نسحف ونتنطط .. ياااه .. نفسى أوى آكل سيد قشطة زى زمان ..
.. ومالو نأكله وناخد معاه سيلفى كمان .. وأنا نفسى أحدف قشر عالقرود زى زمان .. يااه .. دانا كنت عيل سو ..
.. ههه .. هو انت كمان كنت بتعمل كدا ! .. إيه دا فريدة بنت الناس الكويسة كانت بتحدف القرود ! وأنا اللى كنت فاكرك كتكوتة ..
.. كتكوتة مين يا بابا .. خاف على نفسك .. ههه .. .. يلا معادنا بكرة فالجنينة .. سلام يا صديقى ..
كى ينهى ضياء المكالمة وهو على هذه الحالة من السعادة المشوبة بالذهول فمازال لم يصدق بعد أنها إستجابت لدعوته، فربما تكون تلك هى المرة الأولى التى يدعو فيها فتاه للخروج منذ أن كان بالجامعة على ما يتذكر، إلا أن الأمر مع فريدة مختلف بالتأكيد خاص ًة
مع كل تلك الأحاسيس المختلطة التى تعتريه كلما قابلها ما بين متعة الرفقة وخجل الإنجذاب وبهجة الأمل الذى تبعثه فى نفسه دائماً على خلاف أى علاقة عابرة مضت.
فما كان منه إلا أن قام بتشغيل قائمة الأغانى التى يحبها وأخذ يتراقص معها فى حركات عشوائية غير مفهومة حتى دخلت عليه مريم فجأة من جراء هذا الصوت العالى المنبعث من غرفته، كى تنفجر فى الضحك بسبب أداؤه العجيب غير أنه أمسك بيديها فور أن رآها ليندمج كلاهما فى الرقص مطلقين لتلقائيتهما العنان.
99
حتى إرتمت مريم على سريره من الإنهاك بينما ظل هو ينظر إليها وقد علت هذه الإبتسامة الودودة وجهه، ولسبب لا يعرفه تذكر فجأة هذه العلبة المليئة بالأسلاك والدبابيس المكتبية الراقدة أسفلها تحت السرير، فيخرجها فى التو ويبدأ فى مشاطرة أخته هوايته القديمة التى إبتعد عنها منذ زمن فى تشكيل هذه الأشياء على هيئة نماذج معدنية.
فكان أول ما جال بخاطره بالطبع هو أن يعلمها تشكيل تلك الأسلاك على هيئة حيوانات مختلفة بينما كانت مريم فى أوج سعادتها وهى تشارك أخيها ربما للمرة الأولى شغفه فى هواياته الخاصة، ليمر الوقت بينهما دون أن يشعرا حتى أصبح بين أيديهم حديقة حيوانات مكتمله بكل هذه النماذج المعدنية المتعددة الأشكال.
وما أن أنهى تجربتة المشوقة مع أخته حتى أتبعها بإحدى جلسات الفضفضة مع جده ليشاركه مخاوفه من حادث اليوم ولهفته للقاء الغد، ثم إنغمس بعد ذلك فى حوارات أسرية من الشرق للغرب مع أمه وأخته فعلى ما يبدو كان يريد أن يشغل وقته حتى ينقضى اليوم ويأتى موعده، لكن هذا لم ينسيه بالطبع أن يتصل كل حين بمهيب كى يطمئن على أحوال العمل إلا أن صديقه كان يوبخه فى كل مرة يطلبه فيها راجياً إياه أن يستريح حتى من التفكير.
لكن هيهات ! فما أن نام الجميع وعم السكون حتى تسلل خلسة ليمارس هوايته الخفية فى تجميل الحى بجدارياته البديعة، فلم يكن غريباً هذه المرة أن يرسم أجوا ٍء لغابة تتوسطها بحيرة وحيوانات شتى مجتمعة حولها وكأنما أراد أن يخلد ذكرى هذا القاء الذى سيجمعه بصديقته، إلى أن دبت الحركة بالجوار ليعود سريعاً فى إنتظار السويعات الباقية على موعده.
وها هو يقف أخيراً أمام موظف الإستقبال بالمركز الطبى كى يستلم ملف النتائج بعد أن أعطاه الإيصال.
.. هو حضرتك صاحب التحاليل والأشعة دى ولا بتستلمها بدل حد ؟ .. أيوا أنا اللى عملتها هنا إمبارح عندكو .. خير فيه حاجة ؟!
.. لا يا فندم خير إنشاء الله .. بس الدكتور اللى كتب التقرير الطبى بتاعك كان عايز يقابلك شخصياً ..
.. يقابلنى .. ليه ؟! هو مش المفروض إنى باخد النتايج دى للدكتور بتاعى .. ولا هو لقا حاجة وعايز يقولهالى ؟!
100
.. إنشاءالله مافيش حاجة .. هو طلب كدا مش عارف ليه الصراحة بس عموماً هو مش موجود دلوقتى .. إتفضل الملف بتاعك أهو وياريت تجيلو وقت تانى أو تكلمو عالنمرة دى ضرورى زى ما بلغ .. وشكراً لحضرتك ..
.. حاضر حضرتك .. هابقى أجيلو أو أكلمو إنشاءالله .. ألف شكر ..
وبدافع الفضول أخرج ضياء التقرير الطبى الخاص به محاولاً قرأته ليكتشف أنه لم ولن يفهم أى شىء من هذه الطلاسم الطبية المدونة، لكن من يلق بالاً وفريدة تتصل به الأن لتخبره أنها بإنتظاره أمام المركز كما تواعدا.
حيث ذهب الصديقان إلى حديقة الحيوان لتبدأ جولتهم التى تحولت إلى رحلة ممتعة لكليهما مع الوقت خاص ًة بعد أن إقترحت فريده مشاركته هذه اللعبة التى كانت تمارسها مع أصدقائها فى صغرها، فكانا يتخيلان فرضياً أنهما من نفس فصيلة الحيوان الذى يشاهدانه على أن يقوم كل منهما بسرد تصور لحياته إذا قدر له أن يكون هذا المخلوق.
ٍ
ليطلق الصديقان لخيالهما العنان فى قص ٍص جمعت بين البطولة والفكاهه حتى أن ضياء جلب هذه الورقة الكبيرة ليخط سريعاً وجه فريده وسطها ثم أخذ يرسم وجوهاً كاريكاتورية للحيوانات من حولها ويدون أسفلها تلك الأسماء الإعتبارية التى تختارها
لنفسها فى سياق قصصهم.
فبلغ منهما الإندماج مع كل تلك الخيالات والرسومات أنهما كانا ينسجان الرواية تلو الأخرى بشكل متشابك فيما يشبه سرديات الحلقات الكارتونية، ليمر الوقت وهما عالقين فى هذا العالم الخيالى إلى أن أوشكت الحديقة على الإغلاق حيث ترددت النداءات للزوار كى يستعدوا للخروج وكأن موعد الإستيقاظ والرجوع لأرض الواقع قد حان !
.. إيه دا ! ليه كدا بس ! داحنا لسا مالحقناش باقى الحيوانات ..
.. ومين سمعك .. دانا كان فى دماغى حتت قصة للتماسيح .. .. هى الزواحف كدا دايماً حظها قليل ..
.. لأ إحنا لازم نيجى تانى .. أنا مانبسطش كدا من زمااان .. .. وبعدين كان نفسى تكملى الرسمة .. دى تحفة بجد .. أنا هابروزها وأعلقها عندى فالأوضة ..
.. مانبسطيش كدا من زمان ! أنا أول مرة فى حياتى أنبسط كدا أساساً .. .. وبعدين أنا لازم أستغل الهذيان اللى عملناه دا كله .. دانا حتى بافكر أعمل قصص أطفال لدودو فى الغابة وكان يا مكان والجو دا ..
.. الله .. دى تبقى حلوة أوى .. .. تصدق لو عملتها لأنشرها ونعملها فيلم كرتون كمان .. بس انت تبقى البطل معايا ..
101
ليرمقها بتلك النظرة التى تحمل الكثير من المعانى فأدارت وجهها عنه كالمعتاد قبل أن تقاطعه مباغته.
.. أنا جعانة أوى .. مانفسكش تاكل ؟ .. هاموت مالجوع يا ست المفترسة ..
.. طب ماتيجى نروح نصطاد يا عم المتوحش .. ههه .. لا بجد أنا عزماك عالغدا .. هاخدك حتت مكان باموت فيه وبقالى كتير أوى نفسى أروحو .. .. بس ماتفتكرش إنى خطفاك ولا حاجة علشان هو فى دهاليز كدا ..
.. إنتى .. وخطفانى ! يا ريييت .. .. طب هلم بنا بقى لنلتهم فريستنا سوياً أيتها الملكة دودو ..
فيبدو أنهما لم يرغبا أن تنتهى نزهتهم بعد كل هذا المرح الذى تخللها ليستأنفا قصصهم الخيالية طوال الطريق إلى هذا المطعم الفاخر القابع بتفريعة من تفريعة من تفريعة وصولاً لذلك المربع الهادىء بهذا الحى الراقى.
وبالفعل كان إختيار المكان أكثر من موفق ليكتمل إستمتاعهم باليوم بهذا الطعام الشهى وسط تلك الأجواء المريحة، إلى أن حان وقت العودة بعد هذا اللقاء الذى بدا أنهما قد إتفقا ضمنياً على تكراره أو ربما أن يكون البداية لمنحى مختلف فى علاقتهم وإن خانت ضياء الشجاعه فى أن يلمح ولو من بعيد لهذا الأمر.
فلم يكن لشى ٍء أن يعكر صفو هذا اليوم سوى عربة النقل تلك التى خرجا ليجداها متوقفة بمحازاة سيارة فريدة مانعة إياها من الخروج، لكن لحسن الحظ أو هكذا ظنا كان يجلس بداخلها أحدهم إلا أنه كان يغض فى نو ٍم عميق، فأخذ ضياء يطرق باب الكابينة حتى إستيقظ الرجل ثم فتح نافذة بابه وقد علا وجهه علامات الإستهجان.
.. مساء الخير يا برنس .. معلش صحيناك ! ممكن بس تحرك العربية علشان نعرف نطلع .. .. أيوا أيوا .. الأسطى بيجيب حاجة من هنا بس .. خمسة كدا وراجع طوالى ..
.. أيوا حضرتك ممكن تطلع بالعربية قدام شوية بس علشان نخرج .. مش لازم نستنى الأسطى لو فيها مضايقة ..
.. يابا قولتك الأسطى زمانو جاى .. ماتدوشناش بقى وسيبنا ننام ..
.. ماتدوشناش ! هو أنا خبط عليك لمؤخذة فى الحمام ! يا عم بقولك إنت سادد علينا وعايزين نطلع .. خلصنا ..
إلا أن الرجل أغلق نافذته بلا مبالاه ليعاود النوم وكأن شيئاً لم يكن !
102
.. إيه يا ضو .. فيه حاجة ؟ هو مش راضى يطلع ولا إيه ؟! .. دا عيل قليل الأدب .. الباشا نايم وعايزنا نتلطع جنب جنابو لحد مالأسطى ييجى ..
.. طب إهدا بس كدا .. مش مشكلة خلينا نستنا شوية حصل خير .. وأدينا بندردش يا سيدى ..
لينتظر الصديقان عودة السائق لفترة بدت أطول بسبب شعور الإنتظار حتى إستشاط ضياء غضباً بينما كانت فريدة تحاول أن تشغله بالحديث لكن دون جدوى، فما كان منها إلا أن طلبت منه أن ينتظرها بالسيارة على أن تذهب هى للبحث عنه فقد خشيت أن يشتبك معه بعد أن تملكته العصبية بهذا الشكل.
لكنها ما أن إبتعدت حتى قرر ضياء معاودة المحاولة مع هذا الرزيل فظل يطرق مجدداً على باب الكابينة لكن بلا أى نتيجة تذكر، ليتحول غضبه إلى رغبة شديده فى الإنتقام !
حيث إلتف حول السيارة ثم حاول دفعها من الخلف ليجدها تتحرك معه بسهولة رغم مكابحها المشدودة ! كى تطرأ فى ذهنه هذه الفكرة الشيطانية خاص ًة بعد أن تأكد من خلو الشارع تماماً من حوله، فتوجه سريعاً ناحية الركن الخلفى للسيارة قبل أن يدفعها بقوة من جانبها ليديرها مائة وثمانون درجة حول محورها عاكساً إتجاهها !
ففى خلال ثوانى كان قد نجح فى تغيير إتجاهها بعيداً عن سيارة فريدة فيما كان يستمتع بهذا الصياح الهيستيرى للرجل بداخلها، لكن ما أن توقفت العربة حتى نزل منها ذلك الرجل محاولاً الإشتباك معه بعد أن صوابه فلم يكن يدرك كيف حدث ذلك ! إلا أن ضياء ظل صامتاً بتلك الإبتسامة الخبيثة على وجهه مما زاد من إستفزازه.
وما هى إلا ثوان حتى ظهرت فريدة بصحبة السائق الذى وقف مشدوهاً بدوره بعد أن ٍ
وجد العربة على هذا الوضع، فلم يكن ليخطر بباله أى سبب مقنع لما حدث خاص ًة وهو يحتفظ بمفتاحها معه ! كى يزداد الموقف توتراً بعد أن جرى السائق نحو ضياء للإشتباك معه هو الأخر، لكن فى تلك اللحظة تظهر فجأة سيارة دورية كانت تمر مصادف ًة فى المكان !
.. إيه .. فى إيه منك له ؟! بتتخانقو ليه ؟! .. يا باشا الراجل دا شكله زق العربية وقلب وشها فى ضهرها ..
.. يا راااجل .. بقى الأستاذ دا زق النقل دى وقلب وشها فى ضهرها كمان ! إنت شارب إيه ياض منك له ؟!
.. فيه حاجة حضرتك يا فندم ؟ إحنا كنا واقفين هنا والعربية دى كانت سدة علينا فروحت أنده السواق مش أكتر ..
103
.. لا يا أنسة مافيش حاجة .. حضرتك إتفضلى إنتى والأستاذ وسيبيلنا الجماعة دول .. إحنا هانتصرف معاهم ..
.. رخصك بقى ياسطى .. يعنى داخل عكسى وضاربين بلا أزرق كمان ! شكلكو هاتستنو معانا حبه حلوين ..
وأخيراً إنصرف الصديقان وسط سباب السائق للتباع ومحاولاته المضنية للتراضى مع ظباط الدورية، فى الوقت الذى إنتابت فيه ضياء حالة من الضحك المتواصل خاص ًة كلما كانت تسأله فريدة عما حدث أو عن كيفية أقناعه للرجل بتحريك السيارة بهذا الشكل ! لينتهى بها الأمر منفجرة فى الضحك هى الأخرى وكأنها عدوى أصابتها بسبب حالته تلك.
إلى أن وصلا بالقرب من مدخل الحى حيث توقفت بسيارتها لدقائق سادها الكثير من الصمت وسط بعض كلمات الوداع قبل أن يبادرها هو بطلبه فى لقائها ثانياً فتبتسم هى مومئة بالإيجاب فى خجل.
وهاهو ضياء جالساً فى غرفته يخط بعض الرسومات وقد إنتابه هذا الإحساس الغريب وكأنه يشهد ميلاداً جديداً لشخصه، فكل شىء قد بدأ يتغير من حوله بالفعل كما لو كان قد بدأ يجنى ثمار تلك الهبه التى أصابته مؤخراً، ولأول مرة يشعر بأن الطريق أمامه أصبح واضحاً بصحبة هؤلاء الذين حباه بهم القدر من حوله ليشاركوه ما هو آت.
104
105
”إختيار“
إنه أول أيام الأسبوع حين وصل مهيب وفتحى إلى موقع العمل فى الصباح الباكر كالمعتاد ليجدا ضياء جالساً يتناول إفطاره بعد أن أنهى الأعمال المطلوبة بالمكان بشكل كامل تقريباً ! وماهى إلا دقائق حتى دخل عليهم باقى العمال وهم فى حالة إستغراب بعد أن وجدوا الفيلا الأخرى التى يعملون عليها وقد إستكملت كافة الأعمال بها أيضاً !
فما كان من مهيب الذى أدرك ما حدث على الفور إلا أن تعلل لهم بأنهم لجأوا للعمل خلال العطلة الأسبوعية لتسليم هذه المواقع على وجه السرعة بعد أن أصر صاحبها على ذلك، حيث طلب من فتحى أن يصطحبهم إلى موقع جديد كانوا ينوون العمل به بعد أيام ثم جلس مع صديقه يحدثه وهما يتشاركان الطعام.
.. إيه يا كبير .. إيه اللى نزلك الشغل ؟! إحنا مش إتفقنا تريحلك كام يوم ..
.. بصراحة ماقدرتش .. أعدت أفرك كتير .. وهووب لاقيتنى هنا والدنيا هادية فمعرفتش أمسك نفسى ..
.. الله ينور عليك يا كبير .. .. بس إحنا كدا هانقعض نهوى كام يوم عالأقل ..
.. نهوى ليه بس ! ماحنا لسا معانا فيلا كمان دا غير الشغل اللى لسا متفقين عليه يا عم الكوماندا ..
.. يا عم الشغل دا فى المرحلة الجديدة يعنى مش هايبتدى دلوقتى .. وأدينى بعت الرجالة عالفيلا اللى بتقول عليها .. وبعدين إنت عارف كمية الحوارات اللى باعملها عشان نشتغل من غير ما حد ياخد باله ..
.. عارف والله يا هوبا .. وجميلك إنت وفتحى على راسى من فوق .. بس موضوع المواعيد دا فاكس أخر حاجة .. عايزين نوسع ونشتغل فى حاجة سالكة بقى ..
.. جميل إيه يا كبير .. أنا اللى هافضل مديونلك طول عمرى .. .. إنت مش حاسس بالإنت عملتو معانا ووقفتك مع كل واحد فينا .. دا غير أهل المنطقة اللى لازم يضربولك تعظيم سلام بعد اللى بيحصل دا .. .. والله لولا إنك مش عايز حد يعرف حاجة كان لازم نسمى المنطقة بإسمك ..
.. إيه يابنى الكلام المجعلص دا .. أنا مكانش ينفع أعمل حاجة من غيركم .. وبعدين اللى بيحصلى دا خلانى أشوف الدنيا والناس اللى حواليا بشكل تانى .. .. بص .. مافيش حاجة بتحصل صدفة فى حياتنا .. زى مانتو كنتو محتاجين زقة أنا كنت محتاجلكو ويمكن أكتر كمان .. يعنى أكيد أنا كنت محتاج أخ فى ضهرى زيك كدا يا شقيق ..
.. أنا برضه اللى كلامى مجعلص ! المهم سيبك إنت .. أدينا هانريحلنا كام يوم عقبال مانبتدى الشغل الجديد وربنا يسهل وتفتح معانا عشان تهرس فاللى إنت عايزو يا عم السوبر .. .. طمنى عليك بقى .. إيه نظام الفحص اللى عملتو ؟
106
.. مافيش يا معلم إديت النتيجة لفريدة توريها للسيد الدكتور أبوها وتحددلى معاد معاه .. دا لو القصة تستاهل يعنى ..
.. أنا متفائل خير إنشاءالله .. ما هو عمرنا ما سمعنا إن سوبرمان ولا باتمان جالهم برد ولا قولونهم نئح عليهم مثلاً ..
.. هههه .. يا عم صلى عاللى يشفع فيك .. إحنا أخرنا هنا يطلعلنا سوبر مضروب مالصين .. يعنى يومين تلاته وتلاقيه صدع وداخ وكان هايلبسك فى لورى زيى كدا ..
.. ههه .. ماتفكرنيش .. .. بص أنا هاروح أظبط المسائل مع الرجالة وأرجعلك نكت سوا .. وأهى جت مصلحة برضه .. أصلهم إبتدو شغل فى مركز الشباب .. فخلينا نعدى عليهم بالمرة بدل ما العواجيز يفتو ويقلبوهولنا دار مسنين ..
ليترك مهيب صديقه وسط تأملاته بعد هذه الكلمات بينهم، فقد كان على يقين بأن كل شىء يحدث فى إطار منظم وأن ما هى إلا أسباب تسايرهم فى أقدارهم للوصول لغايات محددة، لكن يبقى دائماً هذا السؤال الذى لم يجد إجابته بعد فهل ما يسعى إليه هو غايته بعد ما أصابه أم أنه لازال لم يجد غايته بعد ؟!
حتى رن هاتفه وهاهى فريدة تتصل به لتخبره أن والدها قد أبلغها أن يوافيه غداً صباحاً بالمستشفى، لكن بدا من صوتها وإصرارها أن يذهب فى الموعد المحدد بعد محاولاته فى التنصل أن إنطباعات الدكتور عاصم حين إتطلع على ملفه لم تكن كما توقع ضياء، لينتابه بعض القلق رغم تأكيدها له بأنه لم يبلغها بأكثر من ذلك.
إلا أنه ظل منشغلاً بهذه المكالمة التى أثارت حفيظته طوال عودته وحتى أثناء عمله مع الباقون بأرض المركز المنشود، ليعود إلى منزله فى نهاية اليوم وينفرد بنفسه فى غرفته وسط تلك التركيبات العشوائية التى ظل يرسمها لكنها إفتقدت إلى التنسيق أوالزهو المعتاد فى رسوماته، إلى أن أشرقت الشمس وحل موعد ذهابه إلى المستشفى.
وفى الوقت المحدد كان ضياء يقف أمام مستشفى الدكتور عاصم الشبراوى العملاقة كى يصطحبه أحد موظفى الإستقبال إلى هذا المكتب الفاخر حيث إستقبله الدكتور بترحاب شديد.
.. صباح الخير يا ضياء .. كنت عايز أتعرف عليك من فترة خصوصاً بعد الكلام الجميل اللى قاليتهولى فريدة عنك ..
.. صباح النور يا فندم .. والله وأنا كمان كان نفسى أتشرف بمعرفتك ..
.. أولاً أنا عايز أشكرك على الموقف اللى عملتو مع بنتى وإنقاذك ليها .. بس مهما قولت مش هاوافيك حقك أبداً ..
107
.. تشكرنى على إيه حضرتك .. أى حد فى مكانى كان عمل كدا وأكتر .. وأهو الحمدلله ربنا سلم ..
.. لا يا ضياء مش أى حد كان هايعمل كدا .. الدنيا بقت صعبة أوى من حوالينا والناس مابقتش زى زمان .. وبعدين اللى حصل دا كان عايز حد مختلف .. وأنت حقيقى مختلف .. شكراً ليك بجد ..
.. العفو يا فندم .. أنا فعلاً معملتش حاجة .. .. بس ممكن حضرتك توضحلى إنت شايفنى مختلف إزاى ؟!
.. واضح إنك لماح زى ما فريدة قالتلى .. علشان كدا أن هادخل معاك فى الموضوع علاطول .. .. أنا بصيت عالفحص بتاعك وبصراحة فيها حاجات كتير مش واضحة بالنسبالى .. ودا كان نفس إنطباع فريق الأبحاث عندنا هنا فالمركز ..
.. مش واضحة إزاى ؟! وفريق أبحاث إيه بالظبط حضرتك ؟!
.. واضح أنك ماتعرفش .. إحنا عندنا هنا يا سيدى مركز أبحاث ضخم وفيه خبراء وتجهيزات على أعلى مستوى .. ويعتبر حالياً واحد من أهم مراكز الأبحاث الطبية فى المنطقة .. .. المهم حضرتك هاتشرفنا النهاردة فى المركز ومعلش هاتتعب معانا فى شوية فحوصات تانية علشان نقدر نفهم ونحدد حالتك بالظبط ..
.. هو أنا حالتى صعبة أوى كدا يا دكتور عاصم ؟!
.. لا لا ماتتسرعش وتقلق كدا يا بطل .. كل اللى أقدر أقولهولك دلوقتى إن لو النتايج اللى معانا دى مظبوطة فانت حالتك مش نمطية مش أكتر .. إحنا محتاجين بس نتأكد من شوية حاجات تانية علشان نقدرنقولك الأعراض اللى بتجيلك دى سببها إيه ونحدد علاجها .. .. بس عموماً مش عايزك تقلق خالص .. أنا هاروح معاك بنفسى للمركز دلوقتى وهانتقابل تانى بعديها علشان أبلغك باللى وصلنالو وإنشاءالله خير ..
ليصطحبه دكتور عاصم إلى الدور السفلى من المستشفى حيث يقبع هذا المركز الذى بدا بتلك البوابات الزجاجية المحكمة بأقفال إليكترونية ومن خلفها هذه المساحه الشاسعة الممتلئة بالأجهزة الغريبة مع كل هذه المعاطف البيضاء لأشخاص منتشرين بين أرجائه كما لو كان أحد مراكز الفضاء فى أفلام الخيال العلمى !
حتى أن ضياء بدأ ينتابه بعض التوتر الذى إزداد بعد أن تركه الدكتور مع مجموعة أشخاص من جنسيات مختلفة لكنهم بدو كفريق عمل واحد كما بدا أيضاً أنهم بالفعل كانوا فى إنتظار مجيئه.
فبدأ بعضهم فى تبادل أحاديث التعارف الودوده معه ربما ليخفوا من حده رهبته، ثم أخذوا يسألونه عما حدث له أثناء مرضه بالإضافة إلى أسئلة روتينية أخرى عن أى أمراض
108
مزمنه أو وراثية فى عائلته، ليتبعوا ذلك بشرح موجز عن طبيعة الفحوصات التى ستجرى له منوهين بأنها قد تستغرق بعض الوقت لإزالة أى مدعاة لتخوفاته.
لكن يبدو أن محاولات طمأنته لم تنجح كلياً حتى أنه أخذ يسترق السمع لحواراتهم الجانبية لكنه لم يفهم أى شىء بالطبع من الإنجليزية التى يتحدثون بها والتى كان يجتازها مصادف ًة طوال دراسته، ليستسلم فى نهاية الأمر فقد كان كل ما يريده هو معرفة حقيقة حالته وبالتأكيد لم تكن هناك فرصة أفضل من كل تلك التجهيزات ليعرفها.
ثم شرع طاقم الخبراء فى إجراء العديد من الفحوصات والإختبارات التى إمتدت لساعات طويلة، فضلاً عن أن بعضها بدا غير تقليدى بالمرة وكأنهم يحاولون قياس ردود أفعال مختلفة لجسده، حيث كانوا يحقنونه بمواد وجرعات متغيرة مع تكرار تلك القياسات لدرجه جعلته يشعر وكأنه أحد فئران التجارب !
إلى أن فرغوا منه بعد هذا اليوم المرهق ولأول مرة منذ فترة طويلة يشعر بحاجتة الماسة إلى الراحة فيستسلم مسترخياً بجسده على أحد الأسرة بتلك الغرفة التى تركوه فيها، إلى أن عاودته هذه الطبيبة الشابة من فريق العمل لتطمئنه ببعض العبارات المقتضبه عن حالته ثم أخبرته بأن الدكتور عاصم سيأتى بدوره كى يطلعه على كافة التفاصيل الخاصة به.
كى يسمع بعد دقائق من خروجها صوت الدكتور بأحد الغرف المجاورة خلال حديثه المطول مع فريق العمل عن حالته، فلم يتمكن من فهم أى شىء مجدد ًا بسبب عائق اللغة اللعين، حتى سمع أزيز الباب بعد أن أنهى إجتماعه بهم قبل أن يدخل عليه حاملاً بعض الأوراق وقد بدا عليه الجدية خلف إبتسامتة المتكلفة.
.. معلش تعبناك معانا يا بطل .. اليوم كان طويل أنا عارف .. المهم انت عامل إيه دلوقتى؟
.. أنا تمام يا دكتور الحمدالله .. والدكاترة الصراحة كانو لطاف معايا جداً .. بس هى حالتى كانت محتاجة كل دا ؟!
.. إنت عارف يا ضياء احنا كأطباء وباحثين بنبقى محسوكين حبتين علشان نتأكد من كل الإحتمالات قبل ما نقول رأينا ونحدد مسار علاجى للمريض علشان يمشى عليه ونضمن نتايج إيجابية ..
.. مريض ! هو أنا عندى إيه بالظبط حضرتك ؟!
.. طيب .. خلينى أتكلم معاك بصراحة زى ماتفقنا.. بس عايزك تركز معايا كويس علشان الموضوع معقد شوية .. .. الحالة بتاعتك دى يا ضياء وبعد الفحص الدقيق حالة نادرة لدرجة إنها يمكن تكون الأولى من نوعها .. أو على الأقل مافيش أى مرجعية طبية أو
109
علمية مؤكدة عن حالات مشابهه ولو جزئياً .. وعموماً دا اللى هانتأكد منه الفترة اللى جاية ..
.. يعنى إيه أول مرة ومالهاش مرجعية ؟! يعنى حالتى خطر ولا إيه يا دكتور ؟! .. طيب ممكن تصبر شوية وأنا هاشرحلك كل حاجة بهدوء .. .. أنا أسف .. إتفضل يا فندم ..
.. اللى عندك مانقدرش فى الوقت الحالى نصنفه على أنه مرض .. وكإجابه مباشرة لسؤالك ماقدرش برضه أقولك حالتك خطيرة أو لأ لغاية دلوقتى .. .. اللى وصلو زمالأنا فى المركز مالوش أى توصيف علمى معروف غير إنه ممكن يكون حاجة كدا زى طفرة ..
.. طفرة ! دى اللى هى إيه حضرتك ؟!
.. طفرة يعنى حاجة كدا زى تغيير أو تحول بشكل أو بأخر فى أداء أغلب وظايف جسمك .. .. يعنى المعدلات والكميات والكثافات وغيره من الحاجات اللى نقدر نقيسها فاقت عندك كل المستويات المعروفة للشخص الطبيعى ! والغريب فى حالتك إن جسمك مارفضش التغير دا .. بالعكس تفاعل بشكل طبيعى وإبتدت أغلب الأعضاء بشكل غير متوقع تستجيب للتغيير هى كمان ! علشان كدا مانقدرش نقول إن اللى عندك دا مرض بالمعنى العلمى ..
.. يا دكتور عاصم أنا مش قادر أفهم كلامك برضه ! لو أنا مش عيان أومال إيه اللى عندى ؟! يعنى أنا هاتعالج هاعيش هاموت ولا إيه اللى ممكن يحصلى ؟!
.. الموضوع زى ما قولتلك مش بالبساطة دى .. بس خلينى أفهمهولك بشكل مختلف .. ودا طبعاً بغض النظر عن إجاباتك المتحفظة عن أسئلتنا وقت الفحص .. .. إنت نتايج أغلب الإختبارات بتاعتك إديتنا قياسات أعلى من المستويات الطبيعية بمراحل .. بمعنى إن حضرتك مثلاً قدرتك على تحمل ضغط أو أوزان أكيد أعلى بكتير من أى حد ! قدراتك العصبية أو الحسية فى مجملها بقت أسرع وأكثر حساسية من الحد الطبيعى ! قدرة جسمك على تجديد الخلايا وإستجابتة للتعافى بقت أعلى بكتير ! وإنت أكيد حاسس بدا حتى لو ماقولتش .. مش كدا ولا إيه ؟!
إلا أن ضياء لم يعلق على ذلك فقد كان يعيش بالفعل كل تلك التغيرات التى تم ذكرها للتو رغم إنكاره لبعضها فى إجاباته على طاقم الخبراء أثناء عملية الفحص، ليستطرد الطبيب.
.. طب خلينى أوريك حاجة بسيطة هاتوضحلك اللى حصل .. إنت وزنت نفسك قريب ؟
110
.. والله يا فندم مش فاكر أخر مرة وزنت إمتى .. بس زى مانت شايف كدا وزنى عادى وأقل مالعادى كمان ..
.. أوك .. ممكن تقوم توزن نفسك عالميزان اللى هناك دا ..
فيتوجه ضياء ليقف على الميزان وما أن فعل حتى إعترت ملامحه الدهشه أو ربما الإنزعاج فقد فوجىء بقراءته التى فاقت بكثير الوزن الذى كان يتذكره أو يظنه عن نفسه !
.. أهو دا مثال للى بقولهولك بالظبط .. إنت يمكن تكون ماتخنتش لكن ببساطة كثافة عضمك وأنسجة جسمك وحاجات تانية هى اللى إتغيرت ووصلتك للوزن اللى إنت شايفو دا .. فهمت أنا قصدى إيه دلوقتى ؟
.. يمكن أكون فهمتك شوية .. بس مش قادر أفهم برضه إيه المشكلة اللى عندى خصوصاً إنك بتقول إنى مش عيان ؟!
.. المشكلة يا ضياء إن الأعراض اللى بتجيلك مع نتايج بعض النسب الحيوية اللى قيسناها بتؤكد إن فيه تراجع أو عدم إستجابة بتحصل بشكل عشوائى وغير مفهوم خصوصاً لعضلة القلب وفى بعض قياسات المخ كمان .. يعنى للأسف مش شرط كل وظايف جسمك تقدر تكمل بالكفاءة دى طول الوقت .. بس محدش يقدر يجزم برضه الوقت دا أد إيه !
كى تنزل تلك الكلمات عليه كالصاعقة حيث شحب وجهه وإبيضت شفتاه فجأة فلم تكن تحمل سوى معنى واحد ! إلا أنه بادره بالسؤال الذى عرف إجابته مسبقاً كما لو كان يتمنى أن يكذب عليه.
.. يعنى أنا ممكن أموت فى أى وقت يا دكتور ؟!
.. مافيش حاجة بتقول كدا .. كل الواضح قدامنا لغاية دلوقتى إن عضلة القلب على الرغم من إرتفاع كفائتها بشكل كبير عن المعدلات الطبيعية إلا إنه واضح برضه وبشكل مبدئى إن إستجابتها مش ثابته دايماً .. .. يعنى بالبلدى كدا ومن غير كلام معقد .. قلبك كأنه بيطفى فجأة ويفصل معاه بقيت الجسم ودا فالأغلب بيكون سبب النوبات اللى بتحس بيها .. لكن فجأة برضه بيرجع يشتغل تانى زى مايكون إتعرض لصدمات إنعاش كهربية مش مفهوم مصدرها وبتروح النوبة ..
.. وعلشان كدا حضراتكم متوقعين إنه ممكن فى مرة يطفى ومايرجعش يشتغل تانى .. مش كدا ؟!
.. زى ماقولتلك ماحدش يقدر يأكد إن كان دا هايحصل أو إمتى .. دا مجرد تشخيص أو إستنتاج مبدئى .. وأنا بنفسى مع طقم الخبرا اللى فحصوك هانتشتغل بشكل مكثف على حالتك الفترة اللى جاية علشان نفهمها أكتر .. وبعدين اللى حصلك دا وإستجابة جسمك
111
الغريبة ليه مخليانا كلنا متفائلين ومتحمسين جداً إن بإذن الله هانقدر نلاقى حلول .. .. بس معلش هاتتعب معانا شوية وتشرفنا كل فترة علشان نتابع تطور حالتك ..
ثم سادت حالة من الصمت المتعمد حيث كان ضياء يحاول جمع شتات نفسه بعد أن أدرك تداعيات حالته التى قد تودى بحياته فى أى لحظة، فيبدو أن ما ظنه منحة لتغيير واقعه ما هو إلا لعنه ستجهز على مستقبله ! إلى أن إستعاد رباطة جأشه ليستأنف حديثه مع الدكتور عاصم الذى بدا مقدراً تماماً لصدمة الموقف.
.. ألف شكر يا دكتور .. .. أنا ممنون جداً لكل اللى عملتوه معايا .. وعلى صراحة حضرتك معايا طبعاً ..
.. انك تعرف حالتك دا نص العلاج يا بطل .. .. كل المطلوب منك الفترة اللى جاية إنك أول ماتحس بالنوبات دى تاخد فوراً الدوا اللى هاديهولك دا .. المفروض إنه يهدى عضلة القلب علشان ماتوصلش لدرجة خطرة من الإنهاك ..
.. أنا بكرر شكرى لحضرتك ولكل الدكاترة .. .. بس عندى رجاء .. ياريت الكلام دا يفضل بينا من فضلك ..
.. بالتأكيد .. حالات المرضى أسرار وإستحالة تخرج بره أوضة الكشف .. دا ميثاق المهنه زى مابيقولو ..
غير أنه فى تلك اللحظة إعتدل فى جلسته ناظر ًا لضياء مباشرة ثم إستطرد بنبرة بدت مختلفة بعض الشىء.
.. وبعدين أنا ماحبش أى حاجة تضايق بنتى فريدة أبداً .. ليرد عليه ضياء على الفور من دون أدنى تردد. .. مفهوم طبعاً حضرتك يا دكتور .. .. إسمحلى أمشى أنا بقى دلوقتى يا فندم .. .. أنا سعيد جداً إنى إتعرفت عليك .. .. لو سمحت تتابع معانا بقى زى ماتفقنا .. وإنشاءالله
خير ..
وهاهو ضياء يخرج من بوابة المستشفى إلى هذه الدنيا بعد أن إنقلب واقعه فيها رأساً على عقب، فما كان منه إلا أن إستقل دراجته النارية وإنطلق بها مبتعداً بأقصى سرعة دون أن يحدد وجهته حتى أنه ظل يسير هائماً بلا هدف لساعات طويلة إلى أن وجد نفسه يتجول بشوارع هذه المدينة الساحلية !
ليستمر على حاله يتنقل بين أرجائها حتى أوشكت شمس اليوم التالى على الشروق، إلى أن توقف ونزل عن دراجته مترجلاً على رصيف الكورنيش بينما كان يتأمل البحر الممتد
112
أمامه فى سكون لا يشوبه إلا صوت الأمواج وقلة قليلة من المارة الذين قرروا أن يرتادوا الشاطىء فى هذا الوقت المبكر.
وفى تلك اللحظة إخترق رنين هاتفهه الهدوء من حوله ليجد أمه فى واحدة من محاولاتها المتكررة للإتصال به لكنه لم يرد هذه المرة أيضاً، كما لم يرد على عشرات المكالمات المفقوده من فريدة وأصدقائه بعد أن أثار غيابه من صبيحة اليوم السابق قلق الجميع، إلا أنه لم يمتلك الرغبة أو ربما القدرة على الحديث مع أى شخص وبالأخص أقرب الناس إليه.
حتى بدأت الحركة تدب من حوله ثم ظهر هذا الرجل الذى بدا مرور الدهر على ملامحه وهو يحاول رفع تلك العربة التى يجرها كى يستقر بها على الرصيف، فيتوجه إليه ضياء فى هدوء ويساعده فيبتسم له الرجل شاكراً إياه على معاونته.
.. ألف شكر يابنى .. ربنا يباركلك فى صحتك وعافيتك ..
ليومىء له ضياء برأسه مبتسماً فلم يشأ أن يصدمه بحقيقة أن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه أو هكذا كان شعوره بسخرية هذا الرجاء فى هذه اللحظة تحديد ًا.
.. تفطر إيه يا حبيبى .. أؤمرنى .. اللى إنت عايزه .. .. ألف شكر يا حج .. بس ماليش نفس معلش ..
.. لأ .. ماهو أنت لازم تاكل حاجة من عندى .. وماتخفش أنا عازمك .. .. أصل أنا لازم أستفتح يومى بعزومة علشان ربنا يفتحها عليا بقيت اليوم ..
وعلى الرغم من فقدان ضياء الرغبة فى أى شىء بما فى ذلك الحديث مع ذلك العجوز إلا أنه لم يشأ أن يحرجه أو ربما يكون إستجاب ًة منه لتلك العادة الودوة التى يبدأ بها الرجل يومه.
.. لأ لو كدا يبقى روقنا أى سندوتشين على مزاجك كدا يا بركة .. وربنا يفتحها فى وشك إنشاءالله ..
.. ربنا يفتحها فى وشنا كلنا يابنى .. .. وبعدين النهاردة يوم عيد .. ماهو البت بتى ربنا كرمها من وسع وقبلت فالكلية اللى عايزاها الحمد لله ..
.. ياه .. ألف مبروك يا حج .. ربنا يباركلك فيها وفى أولادك كلهم .. .. إنما إنت بتقف هنا دايماً ..
.. لأ دى أول مرة .. أصلى تعبان النهاردة شوية ومش قادر أخد المشوار بتاع كل يوم .. وأهو رب هنا رب هناك ..
113
.. أهو نصيبى بقى علشان أفطر أحلى فطار من إيدك يا بركة .. .. إنت تخلص بقى وترجع تريح مدام تعبان كدا ..
.. أريح مين يابنى .. داحنا لسا بنقول يا هادى .. أدعيلى إنت بس ربنا يتملى رزقى بشغلانة هنا ولا هناك علشان نلاحق عالأيام الصعبه دى ..
.. هو إنت بتشتغل حاجة تانية غير العربية دى ؟!
.. لا ماهى العربية دى مش بتاعتى .. أنا باسرح بيها كل يوم مالمستوقد وبعد كدا باشوف حالى فى أى حاجة تانية وأهو ربك بيرزق .. .. محدش ضامن عمره يابنى .. وأدينى بحاول أسيبلهم أى حاجة تسندهم قبل ماسيب الدنيا بهمها ..
لتتمم هذه الكلمات التى علقت بذهنه حوارهم ففى تلك الأثناء كانت الزبائن قد بدأت تتزاحم على عربة الرجل الذى ظل على إبتسامته وهو يلبى طلبات الجميع بعد أن أدركه رزقه فى مكانه الجديد كما كان يقينه، لكن الغريب حقاً كان هذا الشعور الذى إنتابه فيما
يخص هذا العجوز بملامحه وصوته المألوفين لديه إلا أنه لم يتذكر أين أو متى رآه !
كى ينصرف ضياء بعد ذلك مباشر ًة عائداً أدراجة خاص ًة بعد أن نفذ شحن هاتفهه بالتزامن مع إتصال أمه الأخير ومن المؤكد أنها قد أطلقت لهواجس مخاوفها العنان فى تلك اللحظة.
وبالفعل ما أن وصل إلى منزلهم حتى وجد أمه وأخته فى إنتظاره وقد إنهمرا فى البكاء بعد كم القلق الذى تسبب فيه بإنقطاعة عن الرد منذ البارحة، فلم يكن منه بعد هذه الحالة التى كانا عليها سوى أن حاول تهدئتهما ببعض الحجج الواهية كمبرر لغيابه قبل أن يتركهما ويدخل غرفته ليختلى بنفسه.
فمنذ تلك اللحظة ظل أمراً واحداً مسيطراً على تفكيره ألا وهو إنتظار الموت ! فلم يكن يعنيه فقدان الحياة بقدر حال أسرته إذا تركهم هكذا فجأة، فكيف لأمه التى أرهقها الكبر أن تتدبر شئون أخته بمتطلبات المستقبل أو جده فى تداعيات الخاتمة، وعلى الرغم من يقينه بقدرة المدبر على تيسير سبل الرزق إلا أنه كان مدركاً أيضاً أنه قدر لكل شى ٍء سبباً.
وظلت كلمات العجوز "أسيبلهم حاجة تسندهم قبل ماسيب الدنيا بهمها" تتواتر على ذهنه وكأنها تستكمل الأجزاء الناقصة فى تشكيل حياته، فربما كان مصابه ماهو إلا سبب كى تتمكن أسرته من ملاحقة هموم الدنيا من بعده ولما لا وقد أستطاع خلال فترة وجيزة
أن يجد له طريقاً فى تحسين ظروفهم المعيشيه بعض الشىء.
لكنه فى نفس الوقت لم يستطيع أن يقاوم هذا الظلام المغلف بفكرة إنتظار الموت حتى سيطر عليه فإنعزل مكتئباً فى بيته لبضعة أيام، فلم يكن يرد على هاتفه سوى ببعض الكلمات المقتضبة للتهرب من أصدقائه الذين كانوا يحاولون الإطمئنان عليه بعد
114
إنقطاعه التام، وبالطبع كان يفعل نفس الشىء مع فريدة مكتفياً ببعض الرسايل البسيطة المتبادلة بينهما.
ففى خلال تلك الفترة كانت أفكاراً عديدة تتعاصف على ذهنه مابين سوا ٍد محبط كلما شعر ببوادر لنوبات تواتيه وبين بصيص لأمل وهو جالس بين أسرته، فقد كان على يقين أنه فى سباق غير متكافىء مع الزمن بحتمية غلبته مهما طال إنتظاره حتى تبلورت قناعته فى النهاية أن غايتة الأولى والوحيدة ستكون فى توفير أكبر قدر من المال لأسرته من بعده لحين إنتهاء هذا الماراثون القدرى وقتما يشاء مقدره.
ليقرر أخيراً الخروج من عزلته لكن هذا المرة لمقابلة المعلم نصحى منفرداً كما تواعدا. .. سلامو عليكو .. إزيك يا معلم ..
.. الحمدلله .. كله تمام يا ضيا يابنى .. المهم إنت طمنى عليك .. بقالك فترة مش باين يعنى ..
.. معلش يا معلم أنا مقصر معاكم حبتين .. بس الدنيا عمالة تخبط فينا ومش سايبانا فى حالنا ..
.. ماتركزش معاها يابنى .. ركز فاللى إنت عايزو منها وحاول فيه .. وصدقنى اللى خلقها مش هايسيبك ..
.. مانا جايلك علشان كدا بالظبط يا معلم .. أصلى قررت أركز فاللى أنا عايزو وبس .. وماخبيش عليك أنا عايز أعملى قرشين كدا على قد مأقدر علشان ماسيبش أمى وأختى فالطل من بعدى .. مانت عارف الدنيا صعبة إزاى ..
.. إيه يابنى الكلام دا ! مالك أنا مش متعود عليك جد كدا ! وبعدين إنت لسا قدامك الدنيا بطولها وعرضها يا حبيبى ..
.. والله يا معلم أنا كنت فاكر كدا برضه .. لكن بعد رقديتى فالمستشفى إكتشفت إن العمر ممكن يبقى ورايا بس .. وأمى وأختى مالأخر مش حمل البهدلة اللى شافوها .. .. المهم أنا جايلك علشان تساعدنى ..
.. إنت مال كلامك النهاردة يخوف كدا ليه ! بس أؤمرنى يابنى .. عينيه ليك ..
.. مبدئياً أنا مش عارف أشكرك إزاى عالشغل اللى إديتهولنا وأدينا بنتوسع أهو والأحوال بتتحسن الحمدلله .. بس أنا يعنى كنت عايز أفتح فالشغل أكتر من كدا .. .. بصريح العبارة عايز شغل مفتوح من غير مشرفين بقى فوق راسك ومواعيد تسليم والكلام دا .. وبعون الله هاسد فيه ماتقلقش ..
115
.. كلامك دا معناه إنك عايز شغل بلدى من بتاع إقلب وخش عالبعده .. طب وليه كدا ؟! حرام يابنى ! دانت والطقم اللى معاك صنايعية على حق وإيدكو تتلف فى حرير .. يعنى لمؤخذه خسارة تهينو نفسكو فى شغل زى دا .. .. أنا رأيى تصبروا شوية والشغل هايجيب شغل وهاتفتح معاكو بعد كدا حلاوة فالنضيف .. خدها منى كلمة ..
.. لأ ما شغل المشاريع دا هايمشى زى ماهو ماتقلقش .. البركة بقى فى مهيب وفتحى .. وأنا أكيد مش هاسيبهم بس أنا محتاج الشغل دا ليا .. دلنى إنت بس .. وأنا معايا الطقم البلدى اللى هايقلب ويخش عالبعده زى مابتقول ..
.. يابنى لو محتاج فلوس ماتقلقش .. اللى إنت عايزو إحنا أهل .. هو حد ينسى اللى بتعملوه إنت والرجالة فالحى ..
.. خيرك سابق يا معلم .. وأنا لايمكن برضه أنسا وقفتك معانا وأنا عيان ولا وقفتك فى مشروع الحى .. .. بس معلش ريحنى لو ليك سكة الله يخليك ..
.. حاضر يابنى اللى تشوفو .. .. بس الشغل اللى هادلك عليه دا سكته لبش حبتين .. يعنى محتاج رجالة تفوت فالحديد ولمؤخذه تجيب حقها من بوء السبع زى مابيقولو ..
.. ماتقلقش يا معلم .. حطنى إنت بس على أول الطريق وأنا هافوت فى أى حاجة ..
.. ماشى يبقى تصبر عليا لحد ماخدلك معاد مع الحج بدوى الأول .. عارفة ولا ماسمعتش عنه قبل كدا ؟!
.. لأ ماسمعتش .. بس ممكن ترسينى ..
.. الحج بدوى دا بقى يا سيدى هو اللى مسيطر عالعزبة ومنطقة غرب كلها .. إنت عارف الحتة دى لمؤخذه عشوائيات حبتين بس بتشغى شغل مساكن ومصانع وخلافه .. يعنى شغل مفتوح للى يقدر عليه ومحدش هايقولك جاى منين ورايح فين لو هاتعرف تسلك أمورك مع الحج والعيال اللبش اللى مشغلها ..
.. والعيال دى لبش لحد فين لمؤخذة ؟
.. يعنى أولهم الواد حمودة النجس والرمم اللى معاه .. عرفت بقى اللبش لفين ! المهم إن محدش يعرف يدق مسمار هناك غير لما يستأذن من الحج بدوى .. بس أنا ليا سككى معاه وهاوصيه عليك كمان علشان محدش يتعرضلك ..
.. تبقى خدمتنى ويزيد فضلك يا معلم .. وإذا كان على حمودة والرمم فقصة الخطف والخناقة اللى حصلت معاهم متهيألى خلصت خلاص ومش هايتعرضولى تانى .. وأهو الحافظ موجود ..
.. يبقى إستبينا .. .. إستنا منى تليفون علشان أقولك هاتقابل الحج بدوى إمتى وفين ..
116
.. فل يا معلم .. هامشى أنا بقى .. .. بس ونبى الكلام دا يفضل بينى وبينك بس .. بالذات حوار الحج بدوى وحمودة دا ..
فبدا أن الأمور تسير بالفعل مثلما أراد وما عليه الأن سوى إنتظار مكالمة المعلم نصحى ليتم هذا الإتفاق الشائك، فلم يكن لينكر القلق الذى إعتراه بعد أن علم بشأن حمودة وعصبته لكن يبدو أن هذا الطريق هو الأمثل إن لم يكن الأوحد لتحقيق غايته فى أقصر وقت، فستساعده إمكانية التوسع من دون رقيب أو مواعيد فى جنى المزيد من المكاسب كما أن الفرصة ستكون سانحة لمزيد من الأعمال الجانبية الأخرى نظراً لوجود العديد من المخازن والورش بتلك المنطقة.
ولم يتبقى له الأن سوى أن يتفق مع شريكيه مهيب وفتحى على طريقة ما لتنظيم العمل بينهم دون أن يتركهما كلياً بعد ما بدأوه سوياً، لكن يتحتم عليه أن يبلغهما بحجة مناسبة يبرر بها إنفصاله فى العمل من دون أن يثير تساؤلات قد تستدرجه لكشف أسباب ما يفعله وكونه أصبح فى إنتظار مقادير الأمور ليس أكثر.
كى يتوجه بعد أن ترك المعلم مباشر ًة إلى الموقع ليجد صديقاه منهمكان فى العمل مع طاقم العمال الجديد الذى كان يزداد يوماً بعد يوم، حيث إستقبله الجميع بترحاب شديد قبل أن يقوم بتغير ملابسة ويشرع فى مشاركتهم العمل حتى إنقضى اليوم وإنصرف الجميع سواهم، ويبدو أن الفرصة أصبحت سانحة الأن ليفاتحهما فيما جاء من أجله.
.. بقولكو إيه يا رجالة .. كان فيه حوار كدا عايز أكلمكو فيه ..
.. أؤمر يا كبير .. .. أقسم بالله فرحتى برجوعك وسطينا النهاردة ماتتوصفش .. بس ونبى تطمنا على مشوار المستشفى بدل مانت عمال تلف وتدور كدا من ساعتها ..
.. أأأه وننبى يا كككبير .. أانا كممان .. عععايز .. أأطمن علييك ..
.. صدقونى يا رجالة المشوار دا ماكان ليه أى تلاته لازمة .. دا حتى الدكتور عاصم بجلاله قدره قالى إنى مش عيان وإدانى دوا خايبان كدا علشان لو حسيت بحاجة أبقى أخده .. .. ونبى إنتو اللى كفاية هرى فالموضوع دا ..
.. ماشى يا عم خلاص إحنا أسفين إننا بنطمن عليك .. .. صحيح قبل مانسا الفيلتين الجداد اللى خدناهم الراجل صاحبهم راجل أخر مزاج ويعجبك أوى .. مدى المهندس رسمتين كدا عايز يعملهم بالكبير واحدة فى كل فيلا .. وطبع ًا أنا قولتهم عندى الفنان اللى يعملهم .. .. دا دول لوحديهم تمن عمايلهم بكل الشغل اللى هانعملو يا فنان ..
.. حاضر يا سيدى هاتهم وأنا هافركهملك النهاردة ولا بكرة بالكتير ..
.. ياسطى بقولك هانقبض عليهم أد كدا .. يعنى يتعملو تاتا تاتا علشان نحلل القرشين يا عم السوبر .. هههه ..
117
.. إنت رغاى كدا ليه ! ماشى يا برم هاعملهمك ريشة ريشة بس سيبنى أكمل البؤين اللى عايز أقولهم قبل ما يحمضو .. يا ساتر عليك وعلى رغيك !
.. خلاص يا عم ماتزوئش بس .. ليتدارك ضياء نفسه بعد إنفلتت أعصابه مع صديقه بلا أى مبرر !
.. أنا أسف يا هوبا .. معلش أنا مش فالمود بس اليومين دول .. ماتزعلش منى أنا ماقصدش والله ..
.. ولا يهمك يا صاحبى .. أنا مقدر .. المهم كنت عايز تقول إيه ..
.. مافيش يا معلم متهيألى بعد حجم الشغل اللى بيفتح دا الوقت بقى مناسب إننا نكبر اللى بنعملو ..
.. والله أنا كنت عايز أكلمك فى نفس الموضوع يا كبير .. .. قولى بتفكر فيها إزاى ؟
.. متهيألى محتاجين نعملنا حاجة كدا زى مكتب ولا شركة مقاولات على أدنا ناخد الشغل بإسمها ونكبر الطقم أكتر كمان من دلوقتى .. وبصراحة كدا يا هوبا إنت أكتر واحد فينا ينفع تمسك الشغل دا .. وأنا أكيد هاسند معاكو بس يا واش يا واش .. يعنى أجيلكو يوم ولا إتنين فالأسبوع علشان أفرك الشغل اللى ناقص أو أى حاجة محتاجانى زى موضوع الجداريات دا .. وأهو بكدا مش هابان والشغل هايكمل حلاوة .. .. ها إيه رأيكو ؟
.. والله فكرة .. بس موضوع إنى أمسك الشغل دا فيه كلام .. بصراحة إنت أولا منى .. إحنا من غيرك يا كبير ماكوناش عملنا أى حاجة ولا الشغل كان هايكبر كدا ..
.. سيبك بس مالكلام المزوق دا .. إنت أشطر منى فالحاجات دى .. ودا شغل يعنى مافهوش صحاب .. وأهو كل واحد هياخد حقه مالشركة دى وبالنسب اللى ترضوها مش هانختلف ..
.. اللى تشوفو يا كبير .. والله وهانبقى أصحاب شركات .. .. بس إنت هاتعمل إيه تانى لو هاتجيلنا يومين بس ؟!
.. وإنت مالك يا غتيت .. يا عم هافضى لنفسى بقى علشان أهتم بجمال بشرتى .. .. ههههههه .. لا صحيح رسينا يا كبير علشان لو نقدر نساعد فى حاجة ..
.. مافيش يا عم هاحاول أقلب رزقى فى أى شغلانه تانية مافيهاش مواعيد تسليم والهلك دا .. وأدينى رميت بياضى مع المعلم نصحى وقالى لو فيه حاجة قدامه هايبلغنى .. وبعدين أنا ممكن أعتزل وأقضيها لم فى الأرباح منك إنت والواد منص وأشهيص نفسى بقى .. هههه .. .. إلا بصحيح العيال دى عاملة إيه ؟ ولا ضربو على حصتنا ؟
118
.. يا عم دى عيال فقر .. عمالين يصرفو كل مليم بيجلهم على تكبير الشغل لما هايبظ من جنابه .. بس الشهادة لله العيال دى طلعت ناصحة وشغالين كويس أوى مشألله لغاية دلوقتى .. وأهو ربنا يفتحها عليهم وعلينا ..
.. تصدق أنا بقول كل دا رزق الواد فتحى .. والله إحنا ربنا كرمنا بيه معانا .. .. لللأ يايايا ضو .. واللله إإنتو إإلللى ربببنا رزقنى بييككم ..
.. ربنا يديمها علينا نعمة كلنا .. .. إحنا مش هانمشى بقى ولا إيه ؟! عايز ألحق الواد هن إبن خالتى .. هو يدوب شهر بعد الجواز ورجع يتلأح تانى عالقهوة زينا الكئيب .. مش عارف جواز إيه بقى اللى عمال يزن عليا بيه .. وقال إيه عايزنى أخد أخت مراته .. اللى خدته القارعة ياخويا ..
.. هههه .. مش باقولك إنتو عيلة رزلة كلكو .. .. يلا إتكلو إنتو علالله وأنا هاتسلى شوية فاللوح اللى بتقول عليها دى ..
وبالفعل إنصرف مهيب وفتحى تاركينه بالموقع لكن يبدو أن كليهما قد شعر بأن صديقهم يحاول إخفاء شى ٍء ما وراء ذلك الإقتراح حتى وإن كان منطقياً فى هذه المرحلة، فقد بدا جلياً أنه لم يكن على طبيعته وإن حاول أن يتظاهر بعكس ذلك أمامهم إلا أنهما فضلا أن يتركاه لشأنه دون أى ضغوط على الأقل فى الوقت الحالى.
فى الوقت الذى ظلت تلك الحالة المزاجية السيئة تطارد ضياء فلم يكن لديه أى رغبة فى العمل حتى أنه إنصرف بعدهم بقليل مقرراً أن يعود إلى عزلته فى المنزل، غير أنه تلقى رسالة من فريدة تطلب فيها مقابلته لتطمئن عليه أثناء زيارتها للحى لكنه لم يرد عليها كحاله خلال الأيام السابقة وظل يتجول بدراجته حتى لا يعود ويقابلها ولو صدفة !
فلم يكن يعرف كيف يبرر لها ضرورة إختفائه من حياتها أو على أقل تقدير التراجع قليلاً بعد هذا الوميض الذى سطع بينهما فى لقائهما الأخير، فلربما يكون إفتقادها له كصديق أهون بكثير من فقدانه إذا توطدت علاقتهم أكثر من ذلك، كما أنه كان مقدراً تماماً لتلك الرغبة الدفينة لوالدها والتى نقلها له فى طيات كلامه.
وها هو المعلم نصحى يتصل به ليخبره أن الحج بدوى قد أبدى ترحيبه بالتعاون مع أى شخص من طرفه بل وطلب منه أن يوافيه عند منتصف الليل فى ذلك المكان الذى وصفه له كى يتفق معه على بعض الأعمال المطلوبة على الفور.
فعلى الرغم من كونه هو من سعى إلى ذلك لكن ظل شيئاً ما بداخله يحاول أن يثنيه عن تلك الخطوة ودخوله إلى عش الدبابير كما يقولون، فحتى وإن كان لا يعرف الحاج بدوى هذا لكنه على معرفة برجاله ممن هم على شاكلة حمودة وما يرتكبونه من أعمال إجرامية كان رافضاً لها تماماً بل وتوسم فى نفسه لوق ٍت قريب أن يكون السبب فى ردع أمثالهم !
119
لكنه فى النهاية ظل يقنع نفسه بعدم أهمية أى شىء الأن فكل ما عليه فعله هو إستغلال هذه الفرصه فى جنى أكبر قدر من المال بغض النظر عن حقيقة هؤلاء أو ما يفعلونه فى الخفاء.
وفى الموعد المحدد وصل ضياء عند هذا السور العملاق والذى بدا ما خلفه وكأنه مصنع مهجور أو ما شابه، ثم وجد نفسه أمام حزمة من الرجال ضخام الجثة الذين ظهروا فور أن توقف فأخبرهم بشأن موعده مع الحاج، ولم يستغرق الأمر ثوان حتى فتحوا له البوابة ليدخل بدراجته طالبين منه أن يستمر فى الممر أمامه لنهايته.
ليفاجأ بنفسه يسير بين زراعات عن يمينه ويساره ثم هذا الذى بدا كإسطبل للخيول من حوله قبل أن ينتهى به المطاف إلى تلك الساحة الواسعة التى بدت مجهزة كأحد المقاهى الكبيرة بكل هؤلاء الجالسين وسط الدخان الذى ملأ الأجواء.
فكان المشهد بكل ما يحمله من تفاصيل مفاجىء ومثير للريبة فقد شعر لوهلة أنه بداخل أحد أفلام الأب الروحى لعصابات المافيا وسط شبيحة الزعيم بإنفعالاتهم وبذاءتهم وضحكاتهم الصاخبة ! إلا أنه إستطاع تمييز هذا الصوت البغيض لحمودة الجالس بينهم والذى إنتفض واقفاً ما أن إلتقت أعينهم كما لو كان قد رأى شبحاً !
وما هى إلا ثوان حتى إستفاق من خضته ثم تقدم بخطى متثاقله مع هذا العملاق الذى أشار إليه أن يصطحبه كى يقطعا الطريق أمام ضياء الذى لم يحرك ساكنه بتلك الإبتسامة الباردة على وجهه وهو ينظر إليه حتى بادره بالسؤال.
.. إيه يا كبير .. إيه اللى حدفك علينا هنا .. إنت تايه ولا إيه ؟!
.. مين .. حمودة ! الله مإنت بقيت زى الفل أهو .. .. عايزك بقى تدلنى على الحج بدوى علشان فيه بينا معاد ..
.. الحج مرة واحدة .. وعايزو فى إيه بقى يا .. يا كبير .. ليأتى ذلك الصوت الرخيم من خلفهم منادياً. .. فيه حاجة يا حمودة ؟ الأخ دا عايز إيه ؟
ليهرع حمودة على الفور نحو ذلك الرجل الذى بدا من هيئته وطبيعة هؤلاء الجالسين معه أنه الحاج بدوى المزعوم، حيث إنحنى على كتفه وأخذ يتمتم بعبارات حرص ضياء على سماعها بالطبع فكانت فى مجملها أشبه بتحذير من شخصه، لكن بدا من حديثه أيضاً أنه لم يبوح للحاج من قبل عن المعركة التى دارت بينهما !
لكن على خلاف الصورة التى رسمها له ضياء فى مخيلته لم يكن الحاج بدوى هذا المعلم الطاعن فى السن ذو الملامح الإجرامية بل كان رجلاً حسن المظهر على مشارف
120
الخمسينات كحد أقصى بل وبدا شكله مألوفاً بتلك الحلة الأنيقة التى يرتديها وكأنه أحد رجال الأعمال أو السياسة الذى يظهرون على صفحات الجرائد !
ثم تقدم ضياء نحوهم فى هدوء بعد أن أشار له الحاج بدوى الذى عدل من جلسته قليلاً بإتجاهه بعد أن إعتذر للجالسين معه لثوان كى يتحدث مع هذا الشخص الواقف أمامه.
.. إنت بقى الواد الفت اللى قالى عليك المعلم نصحى ؟ .. أيوا تمام كدا .. أنا ضيا يا حج ..
.. بص يابنى أنا مش فارق معايا إنت مين ولا أى حاجة تانية .. إحنا ناس بتوع شغل .. واللى قالهولى المعلم عن شغلك كلام حلو .. بس مالأخر كدا هاتشتغل كويس ومن غير مشاكل هاتبقى حبيبنا وتكسب أوى معانا .. شغلك طلع مش ولا بد هانسيبك تسترزق برضه لو حد تانى عايزك .. بس مش فى حاجتنا .. هاتعمل بقى مشاكل حتى لو شغلك ماحصلش يبقى تشوفلك حته تانية بالذوق برضه ودا بس علشان إنت من طرف حبايبنا .. ودا كل اللى عندى ..
.. عداك العيب يا حج .. وأديك هاتجرب وتشوف بنفسك ..
.. ههه .. أنا عندى اللى بيشوف ويخلص ماتقلقش .. أنا جيبتك النهاردة تقابلنى إحتراماً للمعلم اللى كلمنى بنفسه .. .. المهم خلينا نبتدى شغل فى مجموعة العماير الجديدة بتاعتنا .. .. هاا إنت والطقم اللى معاك تقدرو تشيلو ؟
.. لا من الناحية دى إطمن .. نقدر نشيل شغل زى مانت عايز .. .. بس عندى رجاء .. بعد إذنك يعنى إحنا ما بنحبش حد على دماغنا وسط الشغل وهانسلمك زى مانتو عايزين وأحسن كمان .. واللى مايعجبكوش علينا كمان ..
.. دانت شبح بقى .. ومالو .. إستنى تليفون الصبح هايقولولك تبتدى فين والمطلوب منك .. ولما تخلص هاتلاقى فلوسك جاهزه ويا نديك شغل جديد يا تشوف حالك فى حته تانية وربنا يسهلك .. دا نظام شغلنا .. .. تمام كدا ؟
.. تمام يا حج ..
.. حمودة .. تبلغ الرجالة من بكرة إن الناس دى هاتشتغل فى المنطقة براحتهم من غير أى لبش ..
.. أؤمرنى أطيع يا حج .. .. يلا بلغ سلامى للمعلم يا ضيا ..
121
ثم إعتدل الحاج بدوى فى جلسته ليستأنف حواره مع من معه دون أن ينتظر الرد من ضياء الذى إستدار بدوره مغادراً بينما ظل حمودة يراقبه من بعيد حتى إستقل دراجته النارية وإنصرف بعد هذا اللقاء الغريب.
وبالفعل تلقى ضياء مكالمة فى الصباح الباكر من هذا الشخص الذى بدا منظماً ومحدداً للغاية فى طلباته منه، حيث اتفق معه أن يبدأ العمل مع طاقمه المزعوم فى تشطيب أحد البنايات على سبيل التجربه على أن تكون العملية التالية مجموعة من العمارات بشرط أن ينهوا العمل الموكل لهم على خير وجه وفى خلال أيام كما وعد.
ليبدأ ضياء هذه المغامرة دون أى حسابات معقدة لعواقبها فلم يكن يبالى وقد بات يقترب يوماً بعد يوم من هدفه بعد أن نجح فى إتمام أولى عملياته بنجاح ليتم تكليفه بمقاولة أكبر بمراحل كما كان الإتفاق، غير أنه بقى حريصاً كل الحرص ألا ينكشف أمره خاص ًة مع وجود رجال الحاج بدوى فحتى وإن لم يتعرضوا له لكنه ظل تحت طائلة أعينهم طوال الوقت حيث كان يشعر بوجودهم بين الحين والأخر من أصواتهم بالجوار.
فكان يبدأ عمله فى أغلب الأيام قبيل الفجر حين يعم السكون المنطقة وكى يضمن عدم تواجد أ ٍى من رجال الحاج الذين عاد ًة ما يبدأون نشاطهم قرب الظهيرة، كما كان يتفق فى الكثير من الوقت مع بعض عمال اليومية بالمنطقه لمجرد أن يساعدوه فى أعمال التجهيز والنظافة حتى لا يثير الشبهات من حوله.
إلى أن تحولت حياته لصراع لا ينتهى مع الزمن على أمل توفير أكبر قدر من المال كى يتركه لأسرته، فكان على هذا الدوام طيلة أيام الأسبوع إلى أن تأتى نهايته فيقضيها فى إنهاء الأعمال التى يطلبها منه أصدقاؤه فى الموقع الأخر !
بل أنه لم يكتفى بذلك فكان يقوم أحياناً ببعض الأعمال الأخرى بعد أن توسعت شبكة علاقاته بالمنطقة لتشمل أصحاب المصانع والمخازن، فكان يتفق على عمليات إضافية مختلفة مثل تفريغ وتنظيم البضائع والتى كانت بمثابة مصدر سريع لمزيد من المكاسب، حيث كان يتولاها فى أغلب الأحيان منفرداً بعد أن ينصرف الجميع مستغلاً فى ذلك قوته الهائلة وقدرته على تنظيم العمل وفى إرتجال بعض الوسائل لمساعدته فى أداء مهام الجر والرفع والترتيب !
وبلغ به الأمر أنه كان يوصل الليل بالنهار فى كثير من الأيام حتى بدأت أمه تشكى غيابه المستمر بينما كانت حجته فى ذلك أنه إلتحق بالعمل فى أحد المشاريع الكبرى التى تحتاج إلى كامل مجهوده وتواجده المستمر كى يترقى فى عمله ويؤمن مستقبله ومستقبلهم، فلم يكن بيدها شىء أمام هذا الإدعاء سوى أن توارى قلقها على ولدها فى دعائها له لكنها لم تتوقف يوماً عن رجائها منه أن يستريح قليلاً بعد حالة الإنهاك التى تركت أثارها عليه بوضوح خلال تلك الفترة.
122
فقد بدا فعلياً بتلك الهالات وهذه الشعيرات البيضاء التى ظهرت فى رأسه مؤخراً وكأنه قد كبر فى السن فجأة، كما أن فقدانه لبعض الكيلوجرامات مع عدم إكتراثة بمظهره كان يعكس إنطباعاً أكثر تدهوراً، بل وإمتد ذلك عليه إلى حالة من اللا مبالاة بالنوبات التى كانت تواتيه بين الحين والأخر فلم يكن حتى يستعين بالدواء الذى نصحه به الطبيب !
إلا أن الأمر لم يقف عند هذا الحد فقد كانت حالته النفسية تزداد سوء مع الوقت خاص ًة ً
بعد حالة الإنعزال التى فرضها على نفسه مكتفي ًا بسعيه وراء غايته فقط، فلم يكن هناك شيئاً يواسية فى تلك الآونه سوى رصيد الأموال الذى يزداد شيئاً فشىء بدفتر التوفير الذى فتحه بإسم أمه وأخته، بالإضافة إلى تجنيبه لجزء من المال من أجل عملية جده بعد أن نجح فى حجز موعد مع هذا الخبير الأجنبى الذى أعلنت إحدى المستشفيات عن إستقدامه قريباً.
وفى المقابل أصبحت علاقته بأصدقائه تحتل هامشاً غير موجود تقريباً فى حياته حتى أن مهيب وفتحى آثرا تجنبه إلى ح ٍد ما مؤخراً بعد أن حاولا مراراً وتكراراً أن يخرجاه من هذه الحالة التى كان عليها ولاحظها الجميع، لكن ظل لقاؤه البارد وإجاباته الفاترة تزيد من ذلك الحاجز بينه وبين أغلب من يعرفه.
لدرحة أنه إشتبك فى الحوار مع مهيب فى أخر لقاء جمعهم بعد أن علم الأخير بأمر عمله مع الحاج بدوى فأخذ ينصحه بالإبتعاد عن هؤلاء خاصة أنه قد وصل لمسامعه بمحض الصدفة أن حمودة ربما يكون يتربص له، حتى أنه عرض عليه أن يشركه فى عمله كى
يكون على الأقل بجواره إذا حدثت مشكله، فما كان من ضياء إلا أن رده عنه بحده طالباً منه أن يبتعد تماماً عما يفعله وألا يحدثه ثانياً فى أمور تخصه وحده.
وبالطبع طالت هذه التداعيات علاقته بفريدة التى إستمر يتهرب منها بشتى الطرق مكتفياً بالرد على بعض رسائلها الخاصة بمشروع الحى، وحتى حين كان يفعل ذلك كان يطلب منها أن تعود مباشر ًة لأفراد اللجنة بداعى إنشغاله فى العمل بهذا المشروع المزعوم، إلى أن إضطر لمواجهتها فى ذلك اليوم بعد أن ألحت عليه أمه أن يشاركهم الغداء كى يعود ليجد فريدة فى زيارة لهم، وعلى ما يبدو كان وجودها مدبراً عله يستجيب لكلامها.
فما أن دخل عليهم ووجدها حتى إنسحبت أمه وأخته بلباقه ليتركاهما سوياً، إلا أن الحوار بينهما تحول منذ أن بدأ إلى ما يشبه الإستجواب فى ظل إجاباته الباردة حتى عند سؤالها عن أحواله فلم يكن أمام فريدة سوى مواجهته بشكل مباشر.
.. بص أنا مابعرفش أخبى اللى جوايا .. اللى إنت بتعملو معايا ومع صحابك دا مالوش معنى غير إنك بتتهرب مننا .. وبصراحة بقى مش قادرة أفهم ليه ! ولا حتى لاقيه أى سبب لكدا ؟!
123
.. باتهرب ! إيه الكلام الكبير دا ! كل الحكاية إنى مشغول أوى فالمشروع اللى بشتغل فيه دلوقتى زى ما سبق وقولت لكل الناس .. يعنى مهتم بمستقبلى مش أكتر ..
.. يا سيدى ربنا يوفقك فى مستقبلك .. بس على الأقل خد بالك من نفسك .. .. إنت شكلك متغير فعلاً .. ولو مش علشانك يبقى علشان مامتك .. دى قلقانه عليك أوى ..
.. حاضر .. هابقى أهتم بنفسى .. ماتقلقوش كلكو ..
.. أنا أسفة لو حاسستك إنى بادخل فى حياتك .. .. طب على الاقل ممكن أعرف نتيجة الفحص اللى عملتو عند بابا ؟
.. مافيش حاجة مهمة .. كله تمام الحمدلله .. .. ممكن تتأكدى بنفسك من الدكتور عاصم ..
.. ماهو الدكتور عاصم ماقاليش حاجة غير إنك محتاج تتابع معاهم .. دا حتى طلب منى أبلغك إنك لازم تروحلهم زى ماتفقتو علشان مش عارفين يوصلولك من يوميها .. يا ترى أقدر أعرف سبب إنك مابتروحلهمش هما كمان ؟
.. يعنى .. مشغول .. وياريت تبلغى الدكتور إنى باشكره على السؤال وإنى هاتابع معاهم أول ما أفضى إنشاءالله ..
ثم سادت لحظات من الصمت تخللتها هذه النظرات المتبادلة بينهم قبل أن تبادر فريدة بالإنصراف فقد كان فى حديثه الباهت معها أبلغ دليل على إصراره على الإبتعاد سواء لأمر يتعلق بالفحص أو بشى ٍء أخر يخفيه، إلا أن كرامتها كأنثى أو حتى كصديقة لم تسمح لها بالإسترسال أكثر من ذلك وقد بدا واضحاً أنه يصد أى محاولة للتعامل كسابق عهدهم، أو ربما أن ما كان فى مخيلتها عن علاقتهم حتى وإن كان فى إطار الصداقة لم يكن سوى سراباً كشفه واقع الحال.
لتتركه فى نهاية الأمر وإن ظل بداخلها هذا الإحساس بأن ما يحدث ليس طبيعياً وأن الأمر يستوجب شجاعتها فى أن تحاول معه مجدداً لكنها لم تكن لتعرف متى يمكنها ذلك.
فيبدو أن أ ٍى منهم لن يدرك ما أراده ضياء فى أن يتحمل عواقب ما يفعله وحده من دون أن يفصح عن أسبابه فى ذلك لأحد، وبدا أن ثمن إختياره هو أن يبتعد عنهم حتى وإن إقتضى الأمر أن يفتقدهم فى البقية الباقية من حياته.
إلا أن المخيف فى الأمر بعد كل هذه المدة من الإنعزال عمن حوله كانت حالة التغيير التى بدأ يلاحظها فى ذاته كما لو كان ينفصل عنها هى الأخرى ! فقد بدأ إحساسه بعدم الإكتراث يعم كل شى ٍء حوله فلم يعد يهتم بأبسط الأشياء التى كانت تسعده حتى حواراته الودودة مع أمه وأخته أو إعترافاته الخاصة مع جده أو حتى أن يلقى بالاً بالتغييرات المستمرة فى الحى بعد أن بدأت أثار المشروع الذى أوشك على الإنتهاء فى الظهور ورغم كونه أحد الأسباب الرئيسيه فى ذلك.
124
كما بدا أن هذا التحول الغريب لم يكتفى بإهتماماته وما يحب فحسب بل بدأ يطول روحه أيضاً، حتى أنه فى ذلك اليوم أثناء عودته من العمل شهد حمودة ورجاله وهم منهالين على أحدهم ضرباً بينما كان يحاول الرجل الفرار من براثنهم ليسقط على بعد خطوات أمامه مستنجداً به، فلم يكن لينسى نظرة الإستغاثة فى عينه والدماء تملأ وجهه أو حين رمقه حموده ورفاقة بتلك النظرة بكل ما حملته من معانى تهديد وتحد، إلا أن ما أفزعه حقاً هو أنه الأمر لم يستغرق منه سوى لحظات حتى قرر أن يمضى فى طريقه تاركاً الرجل ملقى على الأرض ينتظر مصيره !
ليستمر هذا الشد والجذب بداخله بين غايته وذاته وكى يبقى الزمن الذى يمر بلا توقف
هو المحرك الرئيسى لتسلسل إختيارته فى تلك الفتره الحرجة من حياته أو هكذا كان يراها
ويصر على صياغتها، حتى أن الأيام والأسابيع كانت تمر فى تطابق تلو الأخر ما بين عمل ٍ
مضنى لا ينتهى ورصيد يرتفع فيزداد معه شعوره بقرب النهاية التى إختارها لمشواره فى رحلته القصيرة كما كان يقينه.
إلى تلك الليلة وبينما هو ذاهب إلى أحد مخازن الأخشاب بالجوار بعد أن إتفق مع صاحبه على بعض الأعمال ليجد حمودة يستوقفه فى طريقه فيما بدا أنها صدفة، حيث أخذ يحدثه عما جرى بينهما سابقاً وعن رغبته فى أن يطويا تلك الصفحة فما كان منه إلا أن سايره فى رجائه كى ينهى هذا الحوار بتوقيته الغريب معه.
حتى وصل إلى المخزن وبدأ فى مباشرة مهمته الشاقة فى تفريغ وترتيب حمولة الخشب والتى إستمرت لساعات حتى أوشك على الإنتهاء، إلا أنه شعر فجأة بخطوات غريبه من حوله قبل أن يسمع هذه الهمهمات بين بضع أشخاص بدا أنهم تسللوا إلى داخل المخزن، لكن الأخطر أنه إستشف من حوارهم أنهم بصدد حرق المكان كله !
فكان الموقف شديد الإرباك بالنسبة له حيث كان عليه أن يختار بين أن يتركهم ويخرج فى التو كما لو كان قد أنهى عمله قبل أن تأتى هذه العصابة وبين أن يبقى ليلاقى مصيره فى مواجهتهم ! لكنه خشى أن تكون مكيدة من حمودة كى يزجوا به فى هذه الجريمة كما حذره صديقه مهيب من قبل وبالأخص بعد تلك الصدفة المريبه بينهم !
فما كان منه إلا أن تسلق سريعاً أعلى الخشب المتراص عله يتمكن من رؤية هؤلاء المتسللين، وبالفعل رصد أربع ملثمين متفرقين بين أركان المخزن وقد شرعوا فى سكب الكيروسين الذى فاحت رائحته فى المكان، فلم يكن أمامه متسع من الوقت ليخطط لشىء فأسرع واثباً فى خفة فوق الصفوف المتجاورة إلى أن أصبح على مقربة من أحدهم فقفز دون تفكير مطيحاً إياه بقوة ليرتطم بأكوام الخشب التى إنهارت فوقه فأفقدته الوعى !
لكن بدا أنه بتلك الجلبة قد لفت إنتباه الأخرين الذين هرعوا مسرعين بإتجاه الصوت، غير أنه إرتقى فوق كومة الاخشاب ثانياً ثم بدأ يتتبع أصوات خطواتهم بعد أن حمل هذا اللوح
125
الكبير بين يديه، حتى إقترب من ذلك الملثم الأخر ليعاجله بخبطة قوية باللوح من أعلى ليسقط بدوره !
ثم نجح فى إسقاط ثالثهم بنفس الطريقة قبل أن يراه رابعهم الذى دار من حوله ليبقى بعيداً عن مرمى اللوح فى يده ووقف يهدده ملوحاً بمديته كى ينزل فى مواجهته، إلا أن ضياء ظل ينظر إليه فى ثبات فى الوقت الذى كان يسحب بضع ألواح أخرى ويحملها بين ذراعيه مما زاد من توتر الرجل الذى لم يفهم ما يفعله، لتأتيه الإجابه على الفور بعد أن قام بقذف حزمة الأخشاب بقوة فى إتجاهه كى يرقد على الأرض بلا حراك !
لكنه ما أن نزل بعد أن ظن أنه تخلص منهم جميعاً حتى لاحظ ذلك الملثم الخامس وهو يتسلل فوق السور هارب ًا بعد ما حدث مع رفاقه، إلا أنه لم يحاول مطاردته ربما لكونه لم يعبأ لذلك أو بسبب تلك الدوخة الخفيفة التى بدأ يشعر بها فلم يشأ أن يرهق نفسه أكثر
من ذلك خاص ًة ومازال فى إنتظاره هؤلاء الأربع المغشى عليهم.
حيث قام بسحبهم إلى أحد الأركان وأوثقهم بتلك الحبال الغليظة الموجودة بالمخزن ثم بدأ يسكب عليهم الكيروسين حتى يفيقوا سواء بفعل رائحته النفاذه أو من جراء الألم المبرح لهذا السائل على جروحهم ! ليجدوا أنفسهم فى هذا الوضع المرعب وضياء واقف أمامهم مهدداً بإحراقهم جميعاً إن لم يخبروه عمن دفعهم لحرق المكان.
إلا أن الأمر لم يكن يستدعى التهديد فقد كانوا يرتعدون فزعاً بما يكفى للإعتراف بكل شىء ! فكان أحد منافسى مالك المخزن الذى دبر ذلك كى يكبده خسارة فادحة بحرق بضاعته، غير أن كل ما كان يعنيه هو معرفة إذا كان حمودة ضالعاً فيما حدث لكنهم لم يذكروا إسمه أو الحاج بدوى بأى شىء فى سياق إعترافاتهم.
ليقرر أن يتركهم موثقين على وضعهم لحين مجيء مالك المخزن كى يتصرف معهم كيفما يشاء بعد أن أمن نفسه بتصوير إعترافاتهم على هاتفه، لكنه ما كاد يخطو مبتعداً حتى بدأ يترنح بعد أن تمكنت منه تلك النوبة بشكل لم يعهده من قبل لدرجة أنه كان يسير مستنداً على السور بجواره خشية السقوط.
ولأول مرة يفكر فى هذا الدواء الذى أعطاه له دكتور عاصم لكن دون فائدة فلم يكن معه بالطبع، إلا أنه تذكر فجأة كلماته حين رآى ذلك السلك المتدلى على السور بأن قلبه يعود وكأنه تعرض لصدمة كهربائية، كى تقفز تلك الفكرة الجنونية إلى ذهنه فأمسك به فى اللحظة التى خارت فيها قواه تماماً وسقط على ركبتيه، لكنه لم يستسلم للأمر وحاول قطعه بأسنانه حتى صدمه التيار بعنف لكن يبدو أن تأثيره كان معدوماً أو ربما عكسياً فقد إنتهى به الحال مغشياً على الأرض.
كى تمر الساعة تلو الأخرى وهو ملقى على الأرض دون حراك كالجثه الهامدة !
126
فربما أنه لم يفارق الحياة بعد لكنه على ما يبدو قد عاد لذلك الثقب الأسود الذى مكث فيه لفترة أثناء مرضه، حيث تلك الهوة السحيقة وطاقة النور التى تظهر أحياناً وتخفت طويلاً، بل وبنفس تلاحق الوجوه والأصوات المتكررة لأشخاص يعرفهم يظهرون أمامه
قبل أن يختفوا فجأة من حوله !
لكن هذه المرة كانت تترآى له تلك الأطياف والخيالات بشكل أكثر تفصيلاً ربما لدرجة الواقعية حتى أنه كان يشعر بلمساتهم كما لو كانوا يحاولون مساعدته للنهوض معهم، إلا أن إحساسه بدا مختلفاً عن تجرتبه السابقة فقد ظل عاجزاً عن تلبية نداءاتهم أو كأنه آثر الإستسلام غير عابىء بمحاولة الخروج من هذا الظلام !
حتى ظهر له ذلك الوجه العجوز مجدداً وقد بدت ملامحه أكثر وضوحاً هذه المرة، فكان
مزيج بين جده و شخص أخر ربما هو ذلك البائع المتجول الذى قابله على الشاطىء أم أنه كان مركب عجيب من وجوه عديدة سبق وأن صادفها فى حياته، لكنه فى النهاية ظل يهمس له بنفس كلماته السابقة حتى إختفى كل شىء وبقى وحده فى غياهب الظلام !
إلى أن أشرقت الشمس وبدأ لهيب حرارتها يطول جسده الذى أخذ بدوره ينتفض بشكل متكرر كما لو كان فى طريقه لإستعادة وعيه شيئاً فشىء، حتى فتح عيناه أخيراً ليجد نفسه فى هذا الوضع.
لكن الشىء الغريب كانت هذه الكلمات التى علقت بذهنه منذ أن أفاق وكأنها تسللت لتصحبه من ذلك البعد المظلم، حيث كانت فى مجملها مجرد كلمتين يتكرران "مشوارك إختيارك" لكن ما الغريب فى ذلك ولماذا تلاحقه هكذا ! حتى أنه حاول أن يتناسها ولو عمداً على الأقل ليصفى ذهنه من هذا الطنين المزعج.
وما هى إلا دقائق حتى سمع صرير فتح البوابة بعد أن وصل صاحب المخزن بصحبة بعض العاملين، ليحاول سريعاً أن يجمع شتات نفسه وما أن صلب قامته حتى وجدهم أمامه وقد بدا عليهم علامات الإستعجاب فور رؤيته، فكان كل تفكيره فى تلك اللحظة منحصر فى القصة التى سيختلقها ليبرر وجوده قبل أن يبادره الرجل بالسؤال.
.. إيه ياسطى باشا مالك ؟! إيه اللى مبيتك هنا ؟! وإيه الريحة اللى ماليا المكان دى ؟!
.. لا يا معلم مفيش .. أصل حصل حوار كدا قبل ما نمشى بس الحمدلله كله تمام وتحت السيطرة ..
.. حوار إيه قلقتنى !! ودا جاز دا ولا إيه ؟! .. ماهو أصل فيه شوية عيال كدا نطو عالمخزن قرب الفجر وكانو عايزين يحرقوه ..
.. بتقول إيه !! مين العيال دى وهما فين وعملتو معاهم إيه ؟؟!! إجرى ياض منك له بسرعة إطمنو على كل حاجة ..
127
.. يا معلم إهدا بس .. بقولك كله تمام .. احنا عملنا معاهم السليمة وهاتلاقيهم متربطين هناك فى أخر المخزن .. دانا حتى صورتهملك وهما بيعترفوا عالى وزهم ..
.. ومين إبن ال.... دا ؟! تعالى معايا بسرعة وريهوملى ..
فيرافقه ضياء إلى حيث تركهم موثقين ثم أطلعه على التسجيل المصور بإعترافاتهم، كى تنتابه حالة من الهياج فأخذ يكيل لهم الضرب والسباب هو ورجاله فيما كان يتوعد منافسه هذا بشر إنتقام، وعلى ما يبدو لم يكن الإستعانة بالشرطة أحد الحلول المتبعة بين هؤلاء فقد طلب من الجميع أن يتكتموا على الخبر مؤكداً أنه سيرد حقه بطريقته !
حتى هم ضياء بالرحيل بعد أن تمكن منه الإنهاك إلا أن صاحب المخزن أصر أن يصحبه إلى مكتبه ربما ليشكره على ما فعل كما كان يعتقد لكنه بادره بشى ٍء لم يتوقعه.
.. بص ياسطى ضيا اللى إنت ورجالتك عملتوه دا مايطلعش غير من جدعان على حق .. ناس غيركو كانو قالو يلا نفسى ونفدو بجلدهم أول ما حسو باللبش اللى حصل .. ودى حاجة كبيرة أوى عندى الصراحة ..
.. ماتقولش كدا يا معلم .. أى حد مكانا كان عمل نفس اللى عملناه .. دى فلوس ناس وحرام نسيبها تضيع كدا ..
.. لمؤخذة فى دى الكلمة بس إنت كدا ماتعرفش حاجة .. إنت بتتكلم عالمحترمين اللى زيك .. .. إحنا عايشين وسط أوباش ولاد ..... لو شافوك بتقع هايدوسو عليك كمان .. دا ياما دقت عالراس طبول ..
.. يا معلم إحنا معملناش حاجة .. والحمدلله ربنا ستر ..
.. سيبك بقى مالكلام دا .. ربنا سترها معانا كلنا .. بس الحق حق .. إنتو أنقذتو راس مالى .. وعشان كدا مكافئتكو عندى كبيرة أوى .. ودى أقل حاجة أعملها مع ناس وقفت جنب منى بحياتها ..
فلم يكتفى الرجل بمجرد كلمات الشكر بل حرر له شيك بمبلغ كبير كى يوزعه مناصف ًة مع رجاله المزعومين على سبيل المكافأة، فكان وقع ما حدث على نفسه بمثابة تحقيقه لإنتصار جديد فى صراعه الإعتبارى مع الزمن بما أنه بهذا المبلغ سيؤمن تكاليف تنكيس المنزل مثلما تمنى أن يتركه لأهله.
ليغادر المكان وقد ملأه هذا الشعور بالتفاؤل لأول مرة منذ فترة طويلة حتى أنه قرر أن يكافىء نفسه ويستكمل اليوم من دون عمل فلازال يعانى من أثار الإنهيار الذى أصابه جسده، ولعلها تكون فرصة لقضاء بعض الوقت مع أسرته فى هدوء بعد أن أنهى أغلب المطلوب بمقاولة الحاج بدوى التى حدد ميعاد تسليمها بالغد مع رجاله.
128
إلا أن دخوله الحى اليوم بدا مختلفاً تماماً فكأنها المرة الأولى التى يلحظ فيها هذا التغيير الجذرى الذى طال المكان ليصبح كأحد أحياء المدن الجديدة، حتى أنه نزل عن دارجته وأخذ يتجول وسط هذه التجديدات من حوله ويتأمل تلك الجداريات والنصب من صنعه بعد أن
زينت أركان المنطقة لتعطيها هذا الطابع المبهج.
كما بدأ يلفت إنتباهه هذا الكم من التحيات التى يلقيها المارة عليه كلما تقابلت الوجوه مع تلك النظرات التى حملت بين طياتها الكثير العرفان، ومن دون أن يشعر بدأت هذه الإبتسامة التى غابت عنه منذ فترة تعود لترتسم على وجهه من جديد خاص ًة وهو يتذكر لوحاته الدعائية التى رسمها بعد أن أصبحت واقع يعيشه من حوله.
فقد كانت أغلب أعمال التطوير بالحى قد أوشكت على الإنتهاء وتحول كل شىء تماماً بتلك الألوان الزاهية لواجهات البيوت وهذه الطرق النظيفة التى زينت الأشجار والزروعات جنباتها، إلى جانب حاويات القمامة واليفط الإرشادية المنتشرة فى كل مكان حيث بدا كل شىء حوله مختلف ومبهر بالفعل.
إلى أن وصل إلى تلك الساحة بالقرب من منزله ليجد مجموعة من شباب الحى يشاركون بعض العمال فى نصب ما بدا كشادر للمناسبات بكل هذه التعاليق والإضاءات التى تزين المكان، قبل أن يقع نظره فجأة على مهيب وفريدة وسطهم فى صدفة لم يكن
يتوقعها أو ربما لم يتمنى حدوثها فى هذا التوقيت، فلم يكن هناك من مفر بعد أن إلتقت أعينهم سوى أن يذهب إليهما على الأقل لإلقاء التحية.
.. يااه .. معقولة الأستاذة فريدة والسيد هوبا مرة واحدة .. .. إيه الصدف السعيدة دى !
.. والله كويس إنك لسا فاكرنا يا أستاذ ضياء ..
.. إنما إيه اللى مرجعك بدرى كدا مالمشروع الكبير يا كبير ؟!
.. لأ ماهم تلاقيهم موقفينو لحد ما الأستاذ ضياء يريح شوية ويرجعلهم ..
.. أه .. دانا البونبوناية بتاعتكو بقى عالصبح .. طب على فكرة أنا بايت فالشغل من إمبارح فعلاً .. علشان بس روح الدعابة اللى بتحوم حوالينا دى .. اللهم إحفظنا ..
.. ما داهية لاتكون زعلت منا ولا حاجة .. .. لا مازعلتش يا رخم .. .. إنما إيه اللى مجمعكو كدا .. والناس دى بتعمل إيه هنا ؟
.. ماهو إنت لو متابع معانا أى حاجة كنت عرفت .. بس نقول إيه بقى .. ربنا يقويك يا أستاذ ضياء ..
129
.. إيه أستاذ ضياء دى ! طب أنا لمأ أقولك أستاذة تمشى وإنتى ملو هدومك كدا .. إنما أستاذ وبالمنظر دا تيجى إزاى ! لو سمحتى من هنا ورايح تقوليلى الأسطى الأستاذ ضياء .. وإنت تقولى يا معلم علشان حفظ المقامات بس ..
.. هههه .. طب إنت مش عارف يا أسطى الأستاذ ضياء إننا خلاص بنقفل المشروع الحمدلله .. وإن المعلم نصحى أصر يدبح ويعمل عزومة لأهل الحى بالمناسبة دى بكرة إنشاءالله .. .. دا طبعاً غير الإفتتاح الرسمى اللى هانعمله أخر الشهر فى مركز الشباب بعد ما يخلص .. دا بقى حلو أوى بجد ..
.. مايتهيأليش إن المعلم عارف أصلاً إننا قربنا نخلص مركز الشباب وإننا فتحنا وإبتدينا شغل كمان ..
.. إيه دا هو إبتدا بجد ! يظهر إن فايتنى حاجات كتيرة فعلاً ..
.. المرحلة الأولى خلصت ومن ساعتها وإحنا مش ملاحقين عالإشتراكات وحجز الملاعب يا معلم ..
.. يا نهار .. يعنى إنت لسا ماشوفتش صالة الجيم اللى بإسمك هناك ؟! ماهو مهيب وفتحى يا سيدى أصرو إننا نحط إسمك عليها .. وكل ما قوله حديد إيه بس ! دا ضو يا هوبا ! يفطس على روحه مالضحك ..
.. ههههههههههه .. .. أهو لسا بيضحك لدلوقتى .. مش فاهمة ليه الصراحة ! .. ههه .. يابن اللذينه يا هوبا .. .. عموماً تشكرو .. بس إيه فكرة الأسامى اللوزعية دى ؟
.. لا ماهى دى فكرة فريدة .. هى اللى إقترحت إننا نسمى الأماكن هناك بأسامى الناس اللى ساهمت فى بداية مشروع الحى .. إنت إديناك الجيم وأنا وفتحى والعيال خدنا الملاعب والأستاذ يسرى خد صالة التدريس والمعلم نصحى خد بيت الإيواء .. يعنى إتسيطنا كلنا الحمدلله .. إلا الحج رمضان طبعاً .. بعينو .. ههههه ..
.. ههه .. الله طب والأستاذة فريدة فين ؟!
.. الأستاذة فريدة بقى إسمها هاينور فى يافطة كبيرة بنعملها على مدخل الحى عن المبادرة والرعاة اللى ساهمو فيها ..
.. المهم .. إنت أكيد معانا فالعزومة دى طبعاً .. أنا حاجزالك الكلمة الأولى بكرة ويوم الإفتتاح كمان .. حضر بقى كويس يا عم الأسطى الأستاذ ..
130
.. لأ إحتفال إيه وكلمة إيه ! متهيألى مش هاينفع .. أصل عندى شغل .. وبعدين أنتو أكيد تقدرو تتكلمو عن المشروع أحسن منى بكتير .. البركة فيكو بقى ..
.. دا اللى هو إزاى يعنى يا معلم !! إنت نسيت إنت عملت إيه علشان دا يحصل ! ولو نسيت ما حدش عمره هاينسا ! أقسم بالله ما يحصل الكلام دا حتى لو إضطرينا نجيبك فى شوال !
.. معلش يا جماعة إعذرونى .. بس غالباً مش هاينفع بجد .. .. وبعدين أنا معملتش حاجة .. ومن غيرك إنت وفريدة وأهل الحى كلهم عمر ما كانت حاجة حصلت أصلاً ..
.. يعنى إيه مش هاينفع ! إنت بتعمل كدا ليه ؟! أنا بصراحة مابقتش فاهماك ! ولا حد بقى فاهمك أصلاً !
.. المهم إنى فاهمنى يا ستى .. وإنتو أكيد فى يوم هاتفهمونى برضه .. ولغاية ما دا يحصل من فضلكو فككو منى !
.. خلاص براحتك !
لتتوتر الأجواء للحظات بعد أن خرج ضياء وفريدة عن شعورهما إلى أن تدخل مهيب عله يخفف من وطأة الموقف.
.. إيه يا جدعان فى إيه ؟! ممكن تهدو شوية .. .. طب أقولك على حاجة يا معلم .. فاكر لما كنت بتقولتلى إنك نفسك الناس كمان تتغير مش بس الحى .. صدقنى دا بيحصل وباشوفو بعينى كل يوم .. صدقنى إنت كنت صح .. إنت عملت حاجة كبيرة أوى فينا كلنا .. ولازم تشوفها بعينك علشان تخرج ماللى إنت فيه دا .. .. إنت اللى لازم تختار يا صاحبى .. وإذا كان علينا ماتقلقش .. إحنا معاك مهما كان إختيارك ..
فيبدو أنه قد تأثر بكلام صديقه حيث وقف شلرداً ينظر إليهما فى صمت كما لو كان يتدارك موقفه لكنه فى النهاية إستدار وتركهما دون أن ينبس بكلمة.
إلا أنه فور عودته بقى عاكفاً فى غرفته يسترجع ما حدث فلم يكن بأى حال من الأحوال يرغب فى مصارحتهم بالسبب الحقيقى وراء إبتعاده عنهم، وكيف له أن يبوح بسره ليعيش وسط إحساس الشفقة والتعاطف البقية الباقية من حياته ! لكن كيف له أيضاً أن يتوقع هذه البقية الباقية ؟! أو ليس من الممكن أن يظل لفترة طويلة هكذا حبيس الإنتظار ؟! أو ليس من الممكن أن يكون القدر قد سطر له نهاية مختلفة عن كل تلك الهواجس الطبية ؟! لكن ماذا لو صحت وتغلب عليه الزمن ؟! أو لم يكن على أعتاب النهاية منذ قليل لولا أن قدر له أن يعود للحياة مجدداً ؟!
131
حيث إستمر لساعات بين لولواته القدرية لدرجة جعلته يجسدها فى رسومات لأشكال ٍ
تجريدية يصارعها حتى بدت كما لو كانت ستفقده عقله ! إلى أن توقف عازماً الدخول إلى جده عله يجد الملاذ فى جلسات المصارحة التى إفتقدها منذ فترة.
ورغماً من كونه نائماً كحاله فى أغلب أوقات اليوم خلال الفترة الأخيرة إلا أن ذلك لم يمنع ضياء الذى مكث بجوار سريره ممسكاً بيده وأخذ يحدثه طويلاً مطلقاً العنان لنفسه فى بكا ٍء متواصل إستقطعه بعض الضحكات، فكان يشعر بضمة يده كل حين وكأنه يطيب خاطره حتى إنتهى من تفريغ ما بداخله ثم طبع قبلة على جبينه وتركه فى عالمه.
وهاهى شمس يو ٍم جديد تشرق فيخرج معها ضياء مبكراً فى طريقه لتسليم ماتبقى من مقاولة الحاج بدوى، غير أنه ظل فى حيره بين إستئناف يومه فى أى عمل أخر أو بالأحرى مصدر لمكسب إضافى كما أمست غايته أم ينبغى عليه حضور هذه الإحتفالية مع أهل الحى، ولما لا وقد كان المحرك الأول لذلك المشروع كما أنه كان يشعر بالضيق بسبب الطريقة التى تعامل بها مع أصدقائه بالأمس، فحتى وإن كان يبتغى إبعادهم عن حياته فلابد أن هناك سبيل أفضل من الخلاف.
لكنه ما أن وصل للموقع وشرع فى إضافة بعض اللمسات النهائية ليتم عمله حتى شعر بحركة فى المبنى ليفاجأ بحمودة يلقى عليه تحيته الثقيلة فى هذا التوقيت الغريب كما لو كان فى إنتظار قدومه !
.. صباحو عسل يا كبير .. .. صباحك ملزق يا حمودة .. خير .. إيه اللى حدفك عليا الساعة دى ؟!
.. الله الله .. ليه اللون الغامق دا يا كبير .. إحنا مش إتفقنا ننسا اللى فات ونبتدى على ميه بيضه ..
.. أه إتفقنا يا حمودة .. بس حط نفسك مكانى لما أصطبح بالخلقة الحلوة دى .. أكيد لازم أتنيل أتخض ..
.. هههه .. سلامتك مالخضة يا كبير .. .. أومال فين الرجالة اللى بتشتغل معاك صحيح ؟
.. وإنت مال .. ولا بلاش ! الرجالة خلصو يا سيدى وأنا بأقفل الشغل بس .. هبط .. عايز إيه بقى عالصبح ؟!
.. يا كبير أنا غرضى أطمن بس .. وبعدين أن جايلك مرسال مالحج .. ماهو أصلو عايزك تجيلو وقتى ..
.. والحج بدوى عايزنى فى إيه بقى إنشاءالله ؟! طب قولو هاسلم الشغل وأعدى عليه بعديها ..
132
.. لا ماينفعش يا كبير .. هو قالى تجيبو وتيجى .. وإنت برضك ماترضليش يسمعنى كلمتين مالهومش لازمة ..
.. لأ أرضالك الصراحة .. .. بس ماشى يا حمودة .. إتفضل قدامى..
ليستقل ضياء دراجته النارية خلف سيارة حمودة فى طريقهما إلى الحاج بدوى لكن راوده هذا الشعور بعدم الإرتياح من طلب مقابلته على هذا النحو فى الوقت الذى ملأه الفضول لمعرفة السبب وراء هذا الإستدعاء المريب.
إلى أن وصلا لنفس المكان الذى سبق وقابله فيه حتى أن الحاج بدوى كان جالساً على نفس الطاولة وسط مجموعة من الرجال أيضاً وإن إختلفت الوجوه، لكنه هذه المرة إستقبله بحفاوة ملفته على خلاف أسلوبه معه فى أول لقاء.
.. نورتنا يا ريس ضيا .. تعالا أقعد جنبى تعالا .. ها .. تشرب إيه بقى .. .. أنا مبسوط منك أوى على فكرة ..
.. منورة بيك وبالناس الحلوة دى يا حج .. .. الحمدلله إنى طلعت عند حسن ظنك ..
.. لا .. دانت طلعت واد نمرة بجد .. انا حتى ناوى أكلم المعلم نصحى أشكره عالهدية اللى بعتهالى .. .. يابنى شوف الريس ضيا يشرب إيه ..
.. لا أنا كدا تمام يا حج .. خيرك سابق ..
.. على راحتك .. .. شوف بقى أنا جايبك النهاردة لسببين .. الأول إنى أشكرك عالشغل المية مية اللى بتعملوه فى المجمع السكنى بتاعنا .. الناس بتوعى مبسوطين منكو عالأخر ..
.. لا شكر على واجب يا حج .. دا شغلنا ..
.. أهو دا كلام الرجالة اللى بصحيح .. .. تانى سبب بقى يا ريس إنى أشكرك برضه .. بس عاللى عملتوه مع المعلم سعيد فى مخزن الخشب .. مانت عارف مافيش حاجة تخفا عليا فالمنطقة كلها .. بس حقيقى وقفتكو معاه دى ماتتقدرش بتمن .. ومعندكش فكرة أنا من ساعت ماعرفت وإنت ورجالتك عليتو عندى إزاى .. .. إلا هما فين صحيح ؟
.. هما مين يا حج ؟!
.. الرجالة اللى بتشتغل معاك .. مانا كنت عايز أشكرهم بنفسى وأكافئهم كمان .. أصل أنا أحب أقدر الرجالة أوى ..
.. لأ ماهم أجازة النهاردة .. أصل الشغل اللى فى إيدينا خلص خلاص وواقف عالتسليم ..
.. عموماً ملحوقة .. أنا مسافر النهاردة بس أول مارجع إنشاءالله نعملكو عزومة حلوة كدا ..
133
.. إنشاءالله يا حج .. هاظبط معاهم أول ماتيجى بالسلامة .. .. تؤمرنى بحاجة تانية ؟
.. لا كدا تمام مانستغناش .. .. ما تقعد شوية وأهو تتغدا مع الرجالة .. إنت بقيت واحد مننا خلاص ..
.. يدوم العز يا حج .. أنا يادوب أتكل علشان ورايا كام حاجة أخلصها كدا .. .. شرفتنا يا ريس ..
كى ينصرف ضياء بعد هذا اللقاء السريع الذى حمل بين طياته الكثير من التساؤلات والشكوك فى نفسه !
فلم يكن مقنعاً أن يطلب الحاج بدوى مقابلته لمجرد هذه الترهات ! فهذا الرجل القوى كان من الممكن أن يبلغه ما يشاء عن طريق أحد رجاله أو فى مكالمة هاتفية على أقصى تقدير، كما أنه بالتأكيد تعمد ذكر حادثة المخزن فهل كان ذلك نوعاً من التوبيخ لأنه لم
يطلعه على الأمر فى وقته مثلاً ؟! أم أن الأمر يحوى شيئاً أخر مريب خاص ًة بعد تكراره لطلبه الغريب فى مقابلة طاقم عمله المزعوم !
غير أن تفكيره لم يهديه سوى لمزيد من الحيرة والإرتباك بعد أن شعر بإحتمالية وجود شى ٍء ما يحاك من خلفه، فربما وجب عليه أن يحتاط أو على أقل تقدير أن يهيىء نفسه لما يمكن أن يحدث فى الأيام المقبلة، بل وإذا لزم الأمر أن يعيد النظر فى إمكانية إستمراره بالعمل مع هؤلاء العتاه.
ويبدو أنه كان على حق فى ظنه ! فعلى الناحية الأخرى وما أن إنصرف ضياء حتى إعتدل الحاج بدوى فى جلسته ليستكمل حوار كان قد بدأه مع هؤلاء الجالسين معه.
.. ها .. هو دا ياض ؟؟ .. اه طبعاً هو يا حج .. أنا لايمكن أنسا وشه أبداً .. .. مش قولتلك يا حج .. دا واد إبن ..... بتاع مشاكل .. .. إستنى إنت يا حمودة .. .. طب إنت شايف إيه يا معلم ..
.. كلمتك أكيد على رقبتنا يا حج .. بس إحنا خدنا الإذن قبل مانعمل العملية دى فى منطقتك .. والواد دا جه بوظلنا كل حاجة .. .. بس أرجع وأقول غلطتى إنى إعتمدت على شوية ..... علشان نفر بطوله ي..... كدا ..
.. إنت متأكد إن محدش كان معاه ياض ؟! .. والنعمه يا حج ما كان فيه غيره زى ما قولت للمعلم .. بس إبن ..... دا خدنا على خوانه !
134
.. خوانه دى تبقى ..... يا ..... إنت مش بتقول إنه ماشافكش ! أومال نطيت هربان فالأخر ليه يا جعر !!
فقد كان ذلك الرجل الجالس إلى جوار هذا المعلم هو نفسه الملثم الذى هرب أثناء محاولتهم حرق مخزن الأخشاب !
.. بقولك إيه يا معلم أنا عندى طيارة كمان شوية .. إبقى لمؤخذه ..... رجالتك بعدين ! المهم دلوقتى هاتعمل إيه بعد ما إتأكدت إن هو ؟
.. المشكلة يا حج إن سعيد الكلب دا عرف إن إحنا اللى عملنا كدا .. وداير دلوقتى يقول إن رجالته علمت علينا .. يعنى الضرب هايبقى كله تحت الحزام الفترة الجاية .. وأنا بصراحة عايز أخلص مالواد دا قبل ما حد تانى يشم خبر والموضوع يكبر رسمى .. علشان أفضى بعديها للمعجنة اللى هاتحصل ..
.. خلاص الواد دا بتاعك يا معلم .. أنا مالأول قايلو هاتعمل مشاكل يبقى تستحمل اللى يجرالك .. بس مش عايز أى لبش فى المنطقة هنا .. وأهو الواد حمودة هايدلكو على طريقه ..
.. إنتو بس جهزو معاكو رجالة كتير وسلاح علشان الواد دا لبش أوى .. وخلى الحملة جاهزه على مكالمة منى علشان نغب عليه .. .. بس إعملو حسابكو الناس فالحته عارفنى فمتحسبونيش معاكو فالطلعة دى ..
.. إستبينا .. وإعتبر الرجالة جاهزين من دلوقتى ..
حيث تلاقت المصالح وإتفق مجموعة الأشقياء بمباركة الحاج بدوى على النيل من ضياء فى أقرب فرصة !
لكن بدا من تسلسل الأحداث وحماسة حمودة أنه بشكل أو أخر كان وراء ما حدث، فتلك ٍ
هى الوسيلة المثلى كى ينتقم منه خاص ًة بعد أن تعقدت الأمور بعمله مع الحاج، كما أنه بالفعل كان يخشى مواجهته لكنه بهذه الطريقة سيتمكن من إزاحته دون أن يتدخل ومن ثم يستعيد سطوته بالمنطقة التى إكتسبها بعد سنوات من الخوف الذى زرعه فى النفوس ببطشه.
وفى نفس توقيت هذا الإتفاق الدامى كان ضياء فى طريقه إلى البيت بعد أن طلب من ذلك الرجل الذى ينسق معه العمل أن يتمم الإستلام بدونه على أن يحدد معه العملية التالية لاحقاً، إلا أن هذا الهاجس ظل يراوده بأنها ربما تكون العملية الأخيرة وأن عليه التفكير جدياً فى سبيل للخروج قبل أن يتم إستدراجة لمشاكل لا يحمد عقباها.
135
لكنه ما أن دخل الحى حتى وجد الجميع يهرولون صائحين من كل صوب فيما إمتلأت الأجواء بدخان كثيف، فعلى ما يبدو أن أحد البيوت بالمنطقة قد إشتعل فيه الحريق ولم تكن عربات الإطفاء قد وصلت بعد !
كى يتوجه ضياء مسرعاً نحو مصدر الحريق الذى كان على مقربة من منزلهم حيث وجد أهل الحى متجمهرين فى هذا التوقيت المبكر فلم يكن أغلبهم قد توجه للعمل بعد، كما لاحظ أصدقائه مع العديد من الشباب وهم يحاولون إخلاء البيت والمنازل المحيطة به من سكانها خشية إمتداد الحريق، بينما كان بعضهم يحاول بجسارة السيطرة على الحريق مستخدمين حاويات الماء وبعض الطفايات التى تهافت الجميع على إحضار المتاح منها لديهم.
فيبدو أن الحريق قد شب لوجود بعض المواد القابلة للإشتعال مخزنه على سطح هذا المنزل المكون من أربع طوابق، حيث إلتهم الطابق العلوى بشكل شبه كامل وبدأ يمتد سريعاً إلى ما أسفله، حتى أن محاولات السيطرة عليه أصبحت غاية فى الصعوبه خاص ًة بعد أن طالت النار الدرج الداخلى للبيت وبات من العسير الوصول للشقق التى تحترق.
لكنهم نجحوا على الأقل فى إخلاء كافة السكان أو هكذا ظنوا إلى أن رج الارجاء صراخ هذه الفتاه التى أتت مسرعة من بعيد لتخترق الصفوف محاولة دخول المنزل لولا أن قام الجمع من حولها بمنعها عن ذلك !
فتلك الفتاه المراهقة هى حفيدة أبلة سميحة جارتهم القاطنة فى الدور الثالث والتى على ما يبدو لم يتذكرها أحد وسط هذا الهرج، فقد كانت سيدة مسنة ومن الصعب أن يسمع إستغاثتها بالإضافة إلى ثقل حركتها بسبب مرضها حتى أنها لم تكن تغادر البيت على مدار سنوات معتمدة على حفيدتها التى تعيش معها بعد وفاة إبنتها أم الفتاه.
ليتأزم الموقف بشده وسط دعاء الجميع فى إنتظار ظهور قوات الإنقاذ بينما أحاط بعضهم بالفتاة حفاظاً عليها من محاولتها المستميتة للدخول، فكان المشهد برمته أصعب بكثير من ألا يحرك مشاعر طالما كان يتجنبها ضياء فى نفسه منذ فترة مثلها مثل شعوره بأصدقاؤه المتكاتفين سوياً الأن وهم يحاولون تقديم يد العون مع الجميع.
ففى تلك الأثناء كان هذا الحوار الصامت يدور بينه ومهيب الواقف على مقربة منه كما لو كانا يتشاوران حول إمكانية إنقاذ أبله سميحة ! حيث بدا من نظراته وكأنه يستجدى تشجيع صديقه ليقدم على ذلك بينما كانت إيماءات مهيب توحى بخوفه أن يفقد صديقه، فقد كان كلاهما يعلم أن المحاولة قد تنتهى بفاجعة مثلما كان الإنتظار يزيد من تعقيد الموقف.
136
لكن يبدو أن ضياء قد حسم أمره بالفعل بعد أن إعتمر خوذة دراجته وسحب هذا الغطاء من يد أحدهم ليغمره سريعاً بالماء قبل أن يلتحف به وينطلق كالبرق مخترقاً الحشد إلى داخل المنزل وسط صياح ودهشة أهالى الحى !
إلا أنه بمجرد إقتحامه الدخان الكثيف أمامه حتى فوجىء بكم من الروائح النفاذة تمتزج فى أنفه الحساس ليضطر معها أن يحبس أنفاسة فيما كان يقفز متخطياً درجات السلم فى سرعة، إلى أن وصل للدور الثانى ليجد النيران قد أضرمت فى كل ما حوله وسط الحطام الذى ينهال من كل صوب والسخونة التى تنبعث من كل شىء وكأنها ستذيب جلده !
حتى أنه تصلب فى مكانه لوهله فى محاولة منه لإستعادة تركيزه بعد أن أفقده التوتر قدرته فى السيطرة على التنفس لثوانى شعر معها بالإختناق وكاد يفقد الوعى، فى الوقت الذى بدأ يراوده التفكير فى التراجع خاص ًة مع شكه فى أن هذه السيدة التى يحاول إنقاذها لازالت على قيد الحياة فى ظل هذا الجحيم من حوله !
إلا أن شىء ما بداخله ظل يدفعه للإستمرار بعد كل ما إجتازه فاخذ يتحسس خطاه وسط الرؤية المنعدمة معتمد ًا على تمييزه لصوت طقطقة النيران وإحساسه بلهيبها من حوله كدليل ليتفادها، غير أنه لم يجد أى سبيل للوصول للدور التالى سوى هذا الفراغ الضيق بين درجات السلم حيث كانت ألسنة اللهب أخف وطأة، فما كان منه إلا أن تسلق فيما بينها مرتكزاً على قوائم الدرج المتواجهه حتى وصل أخيراً على بعد خطوات من الشقة المنشودة.
حيث كان الحريق قد أتى بالفعل على كل شىء عند صدفة هذا الدور بما فى ذلك باب الشقة الذى سقط مشتعلاً على الارض، فوثب سريعاً فوقه إلى الداخل ثم أخذ يبحث صائحاً على أبلة سميحة وسط النيران المنتشرة بالمكان، حتى حالفه الحظ ووجدها أخيراً بتلك الغرفة لكنها كانت راقدة بلا حراك فى غيبوبة كاملة ربما من أثر الدخان.
فكانت كسوراً زمنية تفصل بين قراراته المتتالية فى تلك اللحظة بعد أن تصاعد الموقف وتوغلت النيران بشراهة داخل الغرفة ! فلم يكن أمامه خيار سوى تلك الشرفة الصغيرة التى فتحها سريعاً بعد أن حمل السيدة على ظهره، وما أن طل منها حتى تعالت تهاليل الفرحة بين أهالى الحى بعد ظنهم فى فقدانه هو الأخر.
لكنه أخذ يلوح صائحاً فيهم كى يخلوا المكان بالأسفل بينما كان يركل السور المتهالك للشرفة بقوة ! وعلى الرغم من غرابة المشهد لكن يبدو أن مهيب وفتحى قد أدركا تلك الفكرة المفزعة التى عزم عليها صديقهم فأخذا يصرخان بدورهم فى الناس دافعين إياهم للخلف، وما هى إلا ثوان حتى أطاح بالسور ليسقط محدثاً دوياً شديداً وسط دهشة الجميع !
137
فقد كان الموقف أكثر تعقيداً من الإنتظار بين ألسنه النار التى بدأت تطوله بالشرفة وخوفه من تلك النوبات التى بدأ يشعر ببوادرها ربما من شدة الضغط العصبى وهذا الكم من الدخان الذى إستنشقه، إلى أن حدث ما لم يتوقعه أحد حين قفز ضياء من شرفة الدور الثالث حاملاً أبله سميحة على ظهره !
قفز من دون أن يعلم إن كان جسده سيتحمل السقوط من هذا الإرتفاع أو إن كانت هذه السيدة المسنة التى يحملها ستتأثر من صدمة الإرتطام حتى وإن تحملها هو ! لكنه فى النهاية قفز بعد أن أصبح هذا الإحتمال ربما الأوحد لنجاتهما.
قفز وهو محكماً ذراعيه حول جسدها ليهوى كالصاعقة على الأرض ! فما كان من ردة فعل جسده إلا أن إنحنا للأمام ثانياً ركبتيه كى يمتص صدمة السقوط حتى إرتكز بإحداهما مع قدميه التى إستقرت بثبات، قبل أن يحرر أحد ذراعيه مستنداً على قبضتها ليحافظ على توازنه بينما ظل محاوطها بذراعه الاخر إلى أن إستقر تماماً على الأرض !
ليسود الصمت فى المكان بعد أن ألجم الذهول الجميع ! فقد كان ما حدث أشبه لدرجة التطابق بمشاهد أفلام الأبطال الخارقين حين ينقذون أحد البشر الطبيعيين من براثن الموت !
وها هو يضع جسدها الضعيف إلى جواره برفق ثم خلع خوذته لتكشف عن تعبيرات مركبة ما بين الإنهاك والتعجب مع تلك النظرة الغير مفهومة فى عينيه، فى الوقت الذى هرع مهيب وفتحى ليطمئنا على صديقهم قبل أن تعلو صيحات الحفيدة التى ركضت مسرعة نحوهم كى تطمئن هى الأخرى على جدتها.
لكن الغريب فى الأمر كان رد فعل أهل الحى من حوله حيث وقف الجميع يحدقون فيه وكأنهم يخشون الإقتراب منه أو كما لو كانوا لم يستوعبوا بعد ما حدث أمامهم فى واقع أشبه بالخيال ! إلى أن تقدم باقى الأصدقاء ليلتفوا حوله معبرين عن فرحتهم بنجاته ثم تبعهم الجميع وسط صيحات التهنئة وهذا التصفيق الحار الذى ملأ ضجيجه المبهج المكان.
وما هى إلا ثوانى حتى صدحت سرينة عربات الإطفاء والإسعاف التى وصلت أخيراً، حيث قاموا بنقل السيدة المسنة بصحبة حفيدتها متجهين على الفور إلى المستشفى، فى حين بدأ غفير الأهالى ينفض بعيداً عن مسرح الأحداث كى يباشر رجال الإطفاء عملهم إلى أن نجحوا فى السيطرة على الحريق تمام ًا.
أما ضياء فقد رافقه العديد من الأصدقاء والجيران إلى القهوة بالجوار حتى يهدأ قليلاً بعد ما حدث، غير أن ما أثار دهشته حقاً كان إكتفاء الجميع بالتهنئه فقط على عمله البطولى دون أن يسأله أحد عما فعل أو كيف فعله كما كان ينتظر !
138
لكن ظلت تلك النظرات والتعليقات المشوبة بالتحفظ تحيطه وكأنهم يستكشفون طبيعة هذا الشخص الجالس أمامهم، كما بدا من همساتهم وأحاديثهم الجانبية التى وصلت لمسامعه أنهم ربما بدأوا يربطون بينه وبين هذه ال "ض" المطموسة التى أثارت حيرتهم طوال الفترة السابقة حتى أن أغلبهم كاد يصدق أن تلك الأعمال بالحى كانت من فعل الجان.
إلا أن أ ٍى من ذلك لم يشغل باله فكل ما أراده الأن هو أن يعود إلى بيته ليغتسل بعد أن كساه الهباب الأسود وفاحت منه رائحة الحطب المحروق، كما أراد الإطمئنان على أهله خاص ًة وقد توقع أن يجد أخته مريم وسط هذا التجمع ولو بداعى الفضول الذى عاد ًة ما ينتابها على أتفه الأحداث بالشارع فما بالها بهذه الضجة التى حدثت على مقربه منهم !
إلى أن دوت فجأة هذه الصرخة المكتومه التى لم يلحظها أحد لكنها إخترقت أذنه بوضوح لترج قلبه بعد أن ميز هذا الصوت الذى لم يكن ليخطئه أبداً ! كى يهب راكضاً على الفور وسط دهشة من حوله حتى أن أغلبهم قام ليلحق به !
وفى خلال ثوانى كان ضياء واقفاً أمام شقتهم يحاول فتح بابها بصعوبة بعد حالة الهلع التى إنتابته، فقد كانت تلك الصرخة التى سمعها لأمه وهذا البكاء من الداخل بكائها وأخته، فأخذ يطرق الباب بقوة لدرجة كاد معها أن يكسره حتى فتحت له مريم قبل أن تنهار باكية فى حرقة بين ذراعيه !
فلم تكن بحاجة أن تخبره بشىء حيث أدرك فى التو النبأ المشئوم ! ليهرع مسرعاً إلى غرفة جده وكأنما يحاول أن يكذب شعوره لكنه وجده بالفعل فى مرقده الأخير وأمه غارقة فى بكائها إلى جواره !
فكان وقع الصدمة عليه عنيفاً لدرجة إحتبست معها دموعة فى الوقت الذى ضم جثمانه الضعيف إلى صدره وأخذ يهمس له بكل ما حدث خلال يومه وكيف أنه أنقذ أبله سميحة جارتهم وعن خوفه من مواجهه أهل الحى بعد ما بدأ أمره ينكشف وأشيا ًء أخرى عديده ظل يهذى بها كما لو كان لم يستوعب فراقه بعد !
ليستمر على هذا الوضع لبرهة وكأنما ينتظره أن يتفاعل معه كعادته أو ربما كان ينتهز وجوده معه لأخر لحظة ممكنه، فما كان من أمه وأخته إلا أن إحتضناه محاولين تهدئته فقد كانا يدركان حجم المصاب نظراً للعلاقة الخاصة التى جمعتهما منذ صغره، إلى أن أفلت جسده ثم إنهمر فى البكاء وكأنه بدأ يعى أخيراً ما حدث.
وما هى إلا دقائق حتى كان المنزل يعج بالحضور بداعى المواساه والمساعدة فى تكريم جده إلى مثواه الأخير، فلم يكن ضياء أو أهله منتبهين لمن أو لما يحدث من حولهم تاركين الأمور تسير كما قدر لها، كى تتوالى الترتيبات المعتادة فى هذه المواقف إلى أن عادوا بعد أن أودعوا جثمانه ليقابل بارئه.
139
حيث ظل بعض الأصدقاء والجيران ملازمين لهم مثلهم مثل فريدة التى صاحبتهم هى الاخرى فى أعقاب مراسم الدفن لتبقى مع مريم وأمه إلى موعد تلقى العزاء الذى تقرر أن يقام فى نفس الليلة بعد أن تحول هذا الشادر الكبير المنصوب لعزومة اهل الحى إلى سرادق لإستقبال المعزين.
كى تنطفىء الأنوار وترفع التعاليق ويعم الحداد على الحى كله بعد هذا اليوم العصيب !
أما على الجانب الأكثر ظلمة من اليوم،،
كان حمودة فى فى نفس التوقيت يعد العدة للهجوم على المنطقة تنفيذاً لهذا الإتفاق الشيطانى بينهم، فلم تكن هناك فرصه أفضل من تلك بالنسبة له كى ينكل بضياء أمام الجميع ويرهب أهل الحى حتى يتمكن من رد إعتباره وإستعادة سطوته !
فها هو يقف فى الخفاء ليتمم إتصاله برجال المعلم بينما كان يراقب ضياء وسط أهل الحى المتوافدين على سرادق العزاء.
.. ها يا سيد الناس .. جاهزين للمعجنة ؟ .. على إشارة منك زى ماتفقنا .. .. حلو أوى .. ساعة زمن بالظبط وتهبو علينا .. .. عايزن ناخذ عزاه مع المرحوم جده الليلة .. .. إيه دا ! هى الليلة فيها عزا ولا إيه ؟! .. اه يا سيد الناس .. ماهو المحروس جده مات وناصبنلو دلوقتى .. .. بس كدا عوأ أوى .. الناس هاتبقى ملمومة والدم ممكن يطرطش .. .. إنت هاتكش ولا إيه يا سيد الناس ؟! .. لا مش القصد .. بس مش ناقصين دوشة .. .. عموماً أنا هازود الحمولة إحتياطى .. .. تمام كدا .. بس ماتنساش تحمل معاهم كام فردة حى لزوم التهويش .. ولو حكمت كدا
ولا كدا يعنى .. .. ما تقلقش .. ساعة زمن وهانولع الحته كلها .. سلام ..
وها هو ضياء يقف فى مقدمة السرادق بجوار أصدقائه فيما كانت أمه وأخته تجلسان وسط الجيران والمعارف فى الجانب المخصص للسيدات، وكعادة تلك المناطق فى أوقات الحزن والحداد كان الجميع بمختلف أنواع العلاقات الإجتماعية حتى المحدودة منها يأتون من كل صوب لتلبية هذا الواجب فكان الصوان يكتظ بالمعزين.
140
إلى أن ظهر حمودة فجأة وسط صفوف المعزين بهذا الحزن المصطنع على وجهه، ليثير بحضوره حفيظة ضياء بل وكل من لاحظ دخوله فقد إرتبط وجوده دائماً بالمصائب حتى أن بعض المعزين بدأوا يخلون المقاعد بجواره فور جلوسه !
وكأنما كانوا يشعرون بعواقب ظهورة فما هى إلا دقائق حتى إقتحم الساحة ثلاث شاحنات محملة بعشرات الرجال المدججين بالسلاح قبل أن يتدافعوا أمامهم كالسيل محيطين بالسرادق وسط صرخات النساء والأطفال من هول الخضة !
فكان المشهد مربكاً بالفعل لكل الحاضرين الذين لم يدركوا سبب الظهور المفاجىء لهذا العدد من البلطجية وكأنهم ينوون تدمير الحى على أقل تقدير ! إلا أن ضياء بدأ يربط الأحداث سريعاً خاص ًة مع وجود هذا الوجه الذى شاهده صباحاً عند الحاج بدوى بينهم وإكتملت الصورة حين رآى حمودة يتسلل خارجاً وكأنه يستعد لمشاهدة ما سيحدث.
وفى تلك الأثناء كان أغلب الحضور قد تجمعوا عند مدخل السرادق فى ترقب حتى تقدم ذلك الرجل المخيف نحوهم صائحاً بصوته الأجش بينما كان يلوح مهدداً بهذا المسدس المحلى الصنع بين يديه.
.. المحروس اللى اسمو ضيا يطلع من وسطيكو ويجيى معانا من سكات .. ومش عايز أسمع حس أى ..... فيكو ..
لتعلو صرخة الأم التى همت مسرعة نحو ولدها قبل أن يمنعها بعض المحيطين بها، فى الوقت الذى تقدم ضياء فى مواجهة هذا الرجل وتبعه مهيب وفتحى والأصدقاء من خلفه.
.. هاجى معاك يا عم الوحش .. بس تلم رجالتك وتتكل من هنا حالاً .. من غير غلط ولا شوشرة ..
.. عين العقل يا حيليتها .. اول ماتطلع معايا كل دول هايخفو .. ..
فلم يكد الرجل ينهى عبارته حتى سحب مهيب ضياء من ذراعه فجأء مجابهاً هؤلاء البلطجية وهو فى قمه إنفعاله.
.. بقولك إيه يا عفش إنت .. قدامكو دقيقة ومانشوفش وش أى كلب فيكو هنا .. .. إيه دا ! لا راجل ياض ! طب خلو الصوان منصوب بقى على روحك إنت وهو يا روح .....
غير أن ضياء حاول منعه سريعاً قبل أن تشتعل شرارة إشتباك لن يحمد عقباه، فربما لم تكن لتكتب له النجاه إذا ذهب معهم لكن المؤكد أن الفاجعة ستكون أكبر إن لم يفعل مع وجود هذا الكم من السلاح وسط هذا التجمع من الأهالى.
لكن ما حدث بعد ذلك كان مفاجئاً له بل وخارج أى توقعات ممكنه !
141
حيث طوقه المعلم نصحى من خلفه بغت ًة ثم إتلف حوله مجموعة من أهالى الحى فيما يشبه الحلقة، فى حين إحتشد كل المعزين من رجال ونساء خلف مهيب وأصدقائه حتى أن أمه ومريم وفريدة وتلك الفتاة حفيدة أبلة سميحة إنضموا لمقدمة الحشد مشكلين جبهة عددية فى مواجهة هؤلاء الأشقياء !
لتتصاعد وتيرة المواجهه بعد أن أطلق هذا البلطجى عيار نارى فى الهواء آتبعة بضعة أعيرة أخرى من خلفه قبل أن يوجه فوهة مسدسة نحو الحشد مهدداً بأن العيار التالى سيردى به أحدهم إن لم يخرج ضياء فى التو، لكن بدا من ثبات الأهالى أمامهم أن الأمر قد تعدى بالفعل مجرد حماية شخص بينهم وأصبح الطرفين فى إنتظار شرارة الإنفجار !
كى تضج الساحة بغت ًة بهذه الموجات المتكررة من الصفير والصيحات وكأنهم وسط مدرجات الألتراس بأحد المباريات !
حيث فوجىء الجميع بعشرات من رواد مركز الشباب بعد أن آتوا مجتمعين لتقديم واجب العزاء للمدعو ضياء الذى يزين إسمه صالة الحديد، فلم يكن غريباً أن يظهروا إنحيازهم لأهل الحى بتلك الإشارات الداعمة فور رؤيتهم لهذا المشهد المحتدم، وكان ظهورهم بهذا العدد وبما يتميز به أغلبهم من بنية رياضية كفيلاً بأن يثقل كفة المجابهه تماماً.
فقد تم محاصرة البلطجية وأصبح الشروع فى الإشتباك درباً من الجنون بما أن الأمر سينتهى حتماً بغلبتهم وما قد يتبع ذلك من التنكيل بهم وربما تصعيد الموقف رسمياً ليطول من حرضهم، فلم يكن أمامهم سوى محاولة الإنسحاب بأقل خسائر ممكنه حيث رفع هذا الرجل المخيف سلاحه فى إشاره منه للإستسلام ثم نادى فى رجاله بالتراجع.
إلا أن المعلم نصحى تقدم الحشد فى تلك اللحظة ليصيح بحدية فى هؤلاء الأشقياء قبل أن يشرعوا فى الإنسحاب.
.. إنت يا جعر منك له .. كله يسيب سلاحه ويخلع هدمته فى مكانه .. إنتو هاتتشحنو على بره لمؤخذة عالجنط ..
ويبدو أنه بهذا الأمر الغريب لم يهدف لمجرد إهانتهم فحسب إنما أراد أن يضمن خروجهم على الفور من المنطقة دون أن يتربصوا بهم ثانياً على الأقل هذه الليلة كما أن خروجهم بهذا الشكل المهين سيكون رسالة رادعة لم ورائهم.
فلم يكن أمام عصبة الأشقياء سبيل للخروج سالمين سوى الإنصياع لتلك الأوامره خاص ًة بعد أن حاوطهم شباب المركز من الخلف وقام الأصدقاء بتطويق من يتقدمهم، حتى علت فجأة هذه الصيحة الموجهه من خلف الصفوف المحتشدة !
.. حموووده .. معاااهم .. ومالمحش خلقت ..... فى المنطقة كلها تانى ..
142
فهاهو ضياء قد ظهر أخيراً لينزع شوكة طالما عانا منها الجميع وكأنها أخر عمليات التطهير بعد أن تصاعدت الأحداث بهذا الشكل الملحمى، كى يخرج حمودة من هذا الركن المظلم وقد تملكه الذعر خشية إنتقام الأهالى بعد كل سوابقه معهم حتى أنه إنضم للركب المشحون على الفور دون أن يتفوه بكلمة ليرحلوا جميعاً منكسى الرؤوس.
فى الوقت الذى إكتفى الجميع بتلك الإبتسامات وسط تمتمات التهانى المتبادلة إحتراماً لمشاعر الحداد التى يفرضها الموقف، فحتى ضياء رغم أحزانه لم يكن ليتمالك إحساسه بالتفاؤل بعد هذا اليوم الذى لن ينساه أحد منهم مطلق ًا.
هذا اليوم الذى غلف ظاهره الحزن وكسا باطنه صحوة بعد أن توحد الجميع ضد كل خوف وقهر نابع من إنصياعهم، أو هكذا إرتآى ضياء المشهد وكأن هذا التغيير الذى طالما إنتظره قد طال من حوله أخيراً ليبعث فيه الأمل من جديد.
كى تعود تلك الكلمات التى لم يفهمها فى حينها تترد فى ذهنه مجدداً "مشوارك إختيارك"
143
144
”البداية“
يشهد اليوم مرور أسبوع على وفاة الجد وهاهم يودعونه فى مستقره قبل أن يعودوا ليستأنفوا يومهم فى إستقبال المعزين كما جرت العادة.
فمن المؤكد أن للمواساة أثرها الطيب على الأقل فى شعورك أن هناك من حولك ويهتم لأمرك، لكنها لم تكن لتمحى تلك البصمة التى يتركها المصاب فى نفسك بعد أن صار الفراق واقع ولم يتبقى لك سوى ومضات من ما ٍض تتذكرها فتسعدك للحظات وتؤلمك لدقائق قبل أن تحاول تناسيها مجدد ًا.
فتلك هى طبائع الأمور حيث يبقى الزمن هو المتغير الوحيد الثابت فى حياتنا إلى أن يمر بك حاملاً معه كل تفاصيلك إلى ماض ٍى يتذكره من بعدك ليسعده للحظات ويؤلمه لدقائق.
هذا الزمن الذى كان ينتظر مروره قبل أن يمر بمن حوله فلم يأل جهداً لترك أثر ينفعهم مع ٍ
ذكريات تمضى بسعاداتها وآلامها، لكن يبدو أنك مهما بلغت بحساباتك المحدودة يبقى هو الزمن بمجرياته المعقدة، فتارة تأمن جانبه بما تقدم وتار ًة أخرى يصدمك كإعصار أياً كان ما قدمت وتار ًة ثالثة يدهشك بما يقدمه لك.
حيث ظلت تلك الأفكار الوجودية تتواتر على ذهن ضياء منذ أن فقد جده حتى هذه اللحظة التى يلقى فيها السلام على أخر المعزين المغادرين بيتهم فى هذا اليوم.
ليغلق الباب على ثلاثتهم بعد ما فقدوا رابعهم إلا أن ضياء أصر أن يمضوا ليلتهم فى حديث أسرى حاول خلاله أن يخرجهم من حالة الحزن والحداد التى عمتهم، فكان ينتزع بخفة ظله المعتادة تلك الضحكات المتحفظة لتضفى شىء من البهجة على هذه الأمسية التى إستمرت لساعة متأخرة.
لكنه لسب ٍب ما بدا متردداً طوال جلستهم وكأنما يريد أن يبلغهما بشىء حتى غالبهما النعاس ليقبلهما ويذهب بدوره إلى غرفته دون أن يفصح عما بداخله ربما خشية المواجهه.
فقد حسم أمره بالفعل بألا يلتفت ثانياً لصراعه الوهمى مع الزمن فى سباق محسومة ٍ
نتيجته مادام بيده أن يحاول فى أثر حقيقى لمشوار سيغدو ما ٍض مهما طال أو قصر ٍٍ
الأمد.
حيث كانت المفاجأة حين إستيقظت أمه لتجد هذه الرسالة المتروكة بوضوح فور خروجها من غرفتها !
..
” أمى الحبيبه ..
145
حين تقرأين هذه الرسالة سأكون قد غادرت المنزل لا أعلم إلى أين لكنه فى النهاية قرار إتخذته وخشيت أن أواجهك به فكل ما أرجوه منك هو أن يتسع صدرك لرغبتى فى البحث عن ذاتى وأتمنى أن تشملنى دعواتك علنى أجد ضالتى ..
.
.
إيه يا ست الكل إنتى قلقتى ولا إيه ؟!
ماتخافيش أنا ماطفشتش ولا حاجة .. أنا قولت بس أخضك شوية بالداخلة الملطوشة من فيلم قديم دى يا حاجة !
كل الحكاية إنى عملت شوية شغل جامدين الفترة اللى فاتت وعنها يا ستى وقالك الواد دا لازم نلففو كعب داير بين المشاريع .. وبصراحة كدا خفت أقولك علشان عارف إنى كنت فالأخر هاضعف قدام حبك يا ست الكل وهاسيب الشغل وأقعد جنبك .. فقولت مابدهاش
بقى أتكل على الله وأقولك كل اللى فى نفسى فى الكلمتين دول ومتأكد إنك هاتفهمينى ..
بصراحة يا حاجة أنا كمان عايز ألحق زى ما بتقوليلى دايماً .. بس ألحق نفسى .. ما هو ربنا إدانا شوية حاجات أكيد علشان نستغلها وأنا إكتشفت إنه إدانى كتير أوى أكيد لسبب وهلاقيه إنشاءالله .. وماخبيش عليكى موضوع رقدتى لفترة ومن بعديها وفاة جدى خلانى أفكر فى العمر اللى بيعدى والمعاد اللى بييجى من غير معاد عالصغير والكبير .. وعارف إنك هاتزعقيلى دلوقتى وتقوليلى بطل الكلام دا ربنا يديك الصحة والعمر يا حبيبى .. بس هى الدنيا كدا يا حاجة ربنا يخليكى لينا وتملى حياتنا لحد أخر يوم فى عمرى ..
المهم دلوقتى إن مافيش حاجة إتغيرت أنا ما هاجرتش يعنى وهاتلاقينى بانطلك كل شوية إنتى وميرو حبيبتى .. وبعدين يا ستى هاتروح فين تليفوناتك اللى بتطاردينى بيها كل شوية ربنا ما يحرمنى منها .. إحنا أصلاً بقالنا فترة باشوفكو بالعافية وشغالين حب عن بعد يعنى كما كنت يا ست الكل ..
بالمناسبة هاتلاقى على الطرابيزة دفتر توفير بإسمك إنتى ومريم فيه مبلغ كويس لو إحتاجتم أى حاجة وهاتلاقينى بازوده كل شوية إنشاءالله .. مانا أصلى دخلت فى كام سبوبة كدا الفترة اللى فاتت وإترزقت من وسع .. دا غير فلوس تانية هاديها لمهيب علشان تنكيس البيت وهو هايقوم باللازم من غير ما تاخدى حاجة من الجيران .. أنا عارف إنهم متعبين وبيطلعو روحنا على لمبة فى السلم بس الناس تعبانة أوى يا حاجة خصوصاً فى الأيام الصعبة دى ..
146
يلا بقى صباح الفل والورد على عيونك وأنا عارف إنك هاتخلصى الجواب وتكلمينى علاطول .. بس ونبى ما تسألينى إنت فين ولا رايح على فين علشان بجد لسا مش عارف أنا هاعمل إيه ومش عايز أكدب عليكى بأى كلام .. وإنتى عارفة بقى اللى بيكدب بيروح النار وأنا لو روحت أكيد مش هاقبلك هناك دا غير إنى هاقعد حامل هم العيال الرزلة صحابى لما يطبو عليا وأنا باتشوى عالسيخ جنب ابولهب ويبوظولنا الجو ..
سلام يا حبيبتى وماتنسيش تبوسيلى البت ميرو “
..
فقد فعلها ضياء بالفعل وإنطلق أخيراً لكن فى سباق من نوع أخر ! ٍ
حيث كانت السطور الأولى من رسالته هى الحقيقة الوحيدة وراء خروجه عله يكرر ما سبق وحققه مع من حوله أو ربما يسوقه القدر لشى ٍء أخر يجد فيه ضالته أو حتى أن يسبقه الزمن على حين غرة، من يدرى ؟! لكن المؤكد أنه إختار أن يخرج ليسعى وراء غايته مهما كانت كلفتها.
وفى نفس الوقت الذى ترك فيه هذا الخطاب لأمه كان قد أرسل عبر هاتفه مجموعة أخرى من الرسائل لهذه الدائرة الصغيرة من حوله، فما هى إلا كلمات طالما أراد أن يحدثهم بها لكن ربما لم تسمح الظروف بذلك.
..
” واد يا هوبا .. كان ممكن أكلمك أقولك البؤين دول اللى إنت أكيد عارفهم بس حبيت أكتبهملك علشان يفضلو متسجلين بقيت عمرنا ولو إنى عارفك هاتزلنى بيهم بس يلا مش مهم ..
أنا لو ربنا كان إدانى أخ صدقنى عمرى ما كنت أتخيل إنه هايبقى أحسن من كدا .. وصدقنى كمان لما أقولك إن لو ربنا أنعم عليا بحاجة هافضل أحمده عليها فهى صحبتك يا كبير .. وأيوا إنت الكبير ولا هاتحمرق فى السن يا معلم .. بس الحقيقة إنت كبير بكل اللى عملتو معايا بجد .. وسيبك بقى من شوية الصحة اللى باتنطط بيها عليك دلوقتى دى جت على كبر وشكلها كدا هاتخلص عليا من كتر قرك 
بس عمرى ما هانسا مين اللى كان دايماً جنبى طول عمرى واللى من غيره فى ضهرى
للنهاردة ما كنتش هاعمل أى حاجة .. وبجد أنا أسف على طريقتى معاك الفترة الأخيرة بس إنت عامل زى اللبانة فى الهدوم يا جدع .. ثقيلة كدا ولازقة ومابتعرفش تخلص منها

بقولك إيه صحيح أنا خلاص هربت .. أه والنعمة طفشت من خلاقكم .. يعنى ما طفشتش أوى بس تقدر تقول خرجت فى رحلة البحث عن الذات زى ما بيقولو .. مالأخر كدا سيبت
147
الحى وهاروح أدور على حتة تانية وناس تانية يمكن أعرف أغير فيهم زى ما عملنا سوا .. ما هو بقى كيف بعيد عنك .. وإكمنى عارف إنى عمرى ما هلاقى صحبه زيكو فإحتمال أرمى بلايا عليك كل شوية علشان تساعدنى إنت والواد فتحى .. الواد دا إبن حلال أوى وإكتشاف إوعى تزعلو ولا تسيبو ونبى .. مافيش حد زيه كدا تانى فالزمن الأغبر دا ..
المهم إن كل حاجة هاتمشى زى ما هى وهابقى أكلمك علشان نظبط الشغل سوا غير موضوع تنكيس البيت اللى هابقى أقولك عليه .. وونبى عايزك تتابع مع الواد منص والعيال لا ياخدو فلوسنا ويفلأو .. وأكيد طبعاً مش هاوصيك على أمى وأختى علشان مش هابقى موجود دايماً زى الأول ..
على فكرة أنا قولت لأمى إنى رايح حتة تانية تبع المشروع اللى باشتغل فيه ولو حد سأل عليا قوله نفس الكلام .. أنا عارف إن الحكاية مش هاتخش دماغهم بعد اللى حصل بس خلينا نعمل عبيط ..
سلام وربنا يديم المحبة والمعروف يا كبير “
..
” فتحى باشا .. طول عمرى باشوفك حواليا فى الحى بس مش عارف ليه كنت باستجدعك وباعزك جداً جداً ويمكن علشان كدا كنت بحب أنكشك كل شوية .. بس على أد ماحنا قربنا لبعض من مدة قصيرة على أد مانا حاسس دلوقتى إنك أخويا من زمان أوى وبجد مافيش كلام يوفيك حقك ولا أى حاجة ماللى عملتها معايا ..
وعلى فكرة إنت أكتر واحد باحس إنى شبهه فى حاجات كتير علشان كدا عايزك تفضل دايماً جنبى زى ماتعودت .. عايزك تاخد بالك من مهيب والشغل وأهلى والحى يا راجل يا طيب .. أنا يمكن هابعد شوية الفترة اللى جاية بس هاتلاقينى بكلمك كل شوية علشان نتشاقى سوا زى ماتعودنا
سلام يا أجدع أخ “
..
” بصراحة مش عارف أبدأ معاكى إزاى !
بس ممكن أبتدى بأسف .. أسف إنى إتغيرت معاكى فجأة وأسف على طريقتى معاكى حتى وإنتى بتحاولى تساعدينى وأسف إن كنت ضايقتك فى أى حاجة تانية ..
وشكراً .. شكراً على اللى عملتيه ولسا بتعمليه فى الحى بتاعنا وشكراً إنك ساعدتينى أشارك فى حاجة طول عمرى بحلم بيها وشكراً على اللى عملو الدكتور عاصم معايا
148
وشكراً على إهتمامك بمريم كأخت ليكى وشكراً على وقفتك جنبى فى وفاة جدى وفاللى حصل فى العزا .. بس ماكنتش أعرف إن فريدة الكيوت بنت الناس طلعت جامدة كدا
بجد شكراً على كل حاجة عملتيها معايا وصدقينى مهما قولت عمرك ما هاتتخيلى إنتى غيرتينى وغيرتى حياتى إزاى ..
يمكن لو كانت الظروف غير الظروف والوقت غير الوقت كنت قولتلك حاجات كتير جوايا ويمكن كان زمانا قاعدين نرغى سوا وسط الحيوانات فى الغابة يا ست دودو يا متوحشة .. بس صدقينى صعب أوى إنى أشرحلك أى حاجة على الأقل دلوقتى وأكيد هاييجى اليوم اللى تفهمى فيه هو المجنون دا كان بيعمل كدا ليه 
كل اللى طالبه منك دلوقتى إنك تسامحينى ولو إنى متأكد إنك ماينفعش تستغنى عن صديقك الفنان اللى هايفضل جنبك طول الوقت .. إنتى بس إدعكى الفانوس وهاتلاقينى طالعلك شبيك لبيك طوالى .. وحتى لو مش طالبانى معاكى هاتلاقينى حواليكى برضه ..
أيوا هى عافية وغتاته كدا .. ما هو مش ممكن أسيبك تانى فى حالك يا صديقتى ..
وعلشان ما تستغربنيش أكتر من كدا أنا الفترة اللى جاية مش هاتلاقينى كتير فى الحى ودا مش هروب تانى ولا حاجة والله .. أنا بس بحاول ألاقى نفسى بين ربوع المحروسة وأكيد هاحتجلك معايا تانى يا عم الست المديرة ..
أه صحيح عايزك تبقى تقوليلى رأيك فى الأمانة اللى هاتوصلك على مكتبك حالاً .. سلام يا ... دودو “ ..
فما أن إنتهت فريدة من قراءة رسالته حتى وجدت عم رجب الساعى يبلغها أن هذا الأستاذ الذى سبق وزارها بمكتبها قد ترك لها هذا الظرف الكبير، كى تفتحه لتجد ملف من عشرات الأوراق تحت عنوان "مغامرات دودو فى الغابة السعيدة" وقد رسم على غلافه هذه الطفلة الصغيرة التى تحمل الكثير من ملامحها وسط العديد من الحيوانات الغابة !
فقد كانت تلك القصص المصورة هى نافذته الوحيدة ليفرغ أحاسيسه كلما سمح وقته طوال الفترة الماضية، فكان ينطلق بخياله فى سردية الصغيرة دودو التى تذهب بأحلامها لعالم مبهج من المغامرات بصحبة حيوانات الغابة بينما يرافقها هذا الصديق التخيلى الذى يتجسد كل مرة فى شكل كائن مختلف يدعمها فى رحلاتها.
ثم توالت رسائله لمنصور وهيما والمعلم نصحى وبضع أصدقاء أخرين، فكانت فحواها إلى حد ما متماثلة ما بين شكرهم على وقوفهم إلى جواره وعلى كل ما فعلوه بالحى مع توصيتهم بأهله أثناء غيابه فى هذا العمل المزعوم.
149
وها هى الأيام والأسابيع تمر الواحد تلو الأخر،،
حيث تم إفتتاح مشروع الحى الذى تناولته وسائل الإعلام بعد مشاركته فى هذا الحدث الدولى الموعود، فى حين نجحت فريدة فى تأسيس جمعية تنموية جديدة أطلقت عليها "مؤسسة ضى" تهدف إلى دعم مشاريع تطوير مماثلة خاص ًة فى المناطق التى يظهر قاطنيها بوادر جادة لتحسينها كما حدث مع أهل الحى الذى تحول لنموذج مثالى فى نجاح التجربة.
أما فى تلك الأثناء فكان ضياء يظهر بين الحين والأخر وسط أهله وأصدقائه قبل أن يعود ليختفى من جديد، لكن ظل ما شهدته المنطقة من تغيير متلازماً مع ذكرى ما حدث فى هذا اليوم الغريب الذى تحول إلى نسج من حكاوى غامضة يتناولها أهل الحى بعد أن
ٍ
تشابكت فيها الحقيقة بشىء من الخيال !
لكن بقت تباعيات هذه الحكايات تعود لتطفو من جديد كلما عجز منطقهم أمام حد ٍث ما أو عندما يتملكهم هذا شعور الغريب بال "ديجافو" أمام بعض المصادفات المريبة !
كهذا اليوم حين تجمع العديد من أهل الحى أمام هذه الشاشة الكبيرة على قهوة الإشتراكيين فى إنتظار المباراة المرتقبة بين قطبى الكرة حيث طلت عليهم الأستاذة هناء المذيعة الشمطاء فى برنامجها الجديد للتحليل الرياضى.
وها هى تبدأه بمقدمتها اللزجة قبل أن تدعو السادة المشاهدين لمتابعة هذا التقرير المصور الذى لا يمت للمبارة بصلة وما هو إلا محاولة منها للترويج لحلقتها المنتظرة من برنامجها المسائى البائس ! كى تطل عليهم مجدداً فى تسجيل من إحدى المناطق العشوائية وقد تجمع حولها مجموعة من البسطاء بينما كانت تحاورهم بنفس البلاهه المعهودة.
.. عم إبراهيم .. إنت مالناس القديمة هنا .. قولنا بقى إيه اللى بيحصل ..
.. والله يا أوساذة .. محدش فاهم حاجة .. هما قالولنا نيجى نسجل مع حررتك .. وزى مانتى شايفة كدا ..
.. أيوا يعنى إنت جاى تسجل معانا ليه يا عم إبراهيم .. هههه ..
.. والله يا أوساذة .. المية إشموجودة على طول ولمؤخذة المجارى والكلاب ماليين المنطقة حررتك ..
.. بس أنا سمعت إنكو عاملين شوية حاجات حلوة هنا .. ههه .. .. طب قوليلنا إنتى كدا يا حجة إيه اللى بيحصل ؟
150
.. الحمدلله يا بنتى ولادنا شغالين أهم زى مانتى شايفة .. بس المعيشة بقت صعبة أوى وحتى العلاج مابقناش لقيينو .. ونبى نفسك معانا لاجل ما حد مالمسؤلين يبصلنا شوية .. والنيعمة ما بقينا عارفين نلاقيها منين ولا منين يا بنتى ..
.. أنا هاقولك يا أبله عاللى حاصل ..
.. ههه .. طب ثوانى يا حجة .. إتفضل يا أستاذ .. واضح إنك شغال مع الشباب الجميل اللى هنا ..
.. بصى يا أبله إحنا من إيمت مدة كدا لقينا لمؤخذة الزبالة إتلمت حوالين الحتة اللى حضرتيك واقفا فيها دى .. وبعدين لقينا الصفايح الكبيرة اللى كانت مرمية عالعمومى محدش بيستعملها إنتقلت هنا برضك .. مع إننا ياما إشتكينا لطوب الأرض ومحدش عبرنا والنيعمة يا أبله ..
.. دا غير التجديدات اللى بقينا نلاقيها كل شوية فى أماكن كتير يا أستاذة هناء ..
.. واضح إن حضرتك متابعة برامجنا .. ههه .. ثوانى معلش يا أستاذ .. ممكن بقى تحكيلنا يا أنسة عالحاجات دى ..
.. أنا مدرسة إبتدائى فى المدرسة اللى عالعمومى حضرتك .. وتقريباً كل أسبوع بنلاقى عندنا مبنى إدهن وفيه فصول بتتصلح كمان .. دا غير المستوصف اللى كان مهجور وفجأة لقيناه متنضف ومدهون روخر .. بس لسا لا فيه لا أجهزة ولا دكاترة .. .. بصراحة كدا إحنا عايزين نشكر أهل الخير اللى بيساعدونا دول ..
.. أيوا هما مين دول أهل الخير بقى يا باشمدرسة ؟ ههه ..
.. والله يا أستاذة هناء ماحنا عارفين ! بس فيه اللى بيقولو جمعيات وكدا وفيه الى بيقولك دول حطينا على خطة تطوير العشوائيات اللى بقالنا سنين بنسمع عنها بس .. وأهو محدش فاهم حاجة ..
.. أيوالله يا أبله إحنا عايزين نشكر الناس اللى وقفت جنبينا دى .. دا حتى الشباب زى مانتى شايفة كدا حضرتيك مستشكلين حملة ونازلين تظبيط فالمنطقة على قد إيدينا يعنى .. بس ناقصلنا إمكانات كتير أوى يا أبله .. .. ..
.. أعزائى المشاهدين قبل ماسيبكو مع مشاهد حية وبارقة أمل جديدة بقت بتطل علينا كل شوية من منطقة تانية وتالته .. أحب أشكر السادة المسؤلين وكمان أهالى المناطق دى على مشاركتهم الجميلة علشان نبنى وطنا ..
ليستكمل التقرير بمشاهد سريعة مصورة لتلك المستجدات التى تحدثوا عنها، حيث ظهر شباب المنطقة وهم يباشرون أعمال النظافة والدهان بالإضافة إلى بعض المنشآت
151
العامة التى طالتها التجديدات هى الأخرى، لكن الملفت للإنتباه كانت تلك الجداريات المبهجة التى بدأت تنتشر فى المنطقة !
ثم عادت الأستاذة هناء إلى الأستوديو التحليلى لتستأنف حوارها المفرغ من أى مضمون مع ضيوفها قبل المباراة، فى الوقت الذى إنفجرت فيه ضحكات الجميع على القهوة بعد هذا التقرير العجيب !
فقد كانت هذه الألوان المبهجة مع تلك ال "ض" المطموسة لمن لاحظها كفيلة بإقتفاء أثر تغيير قد يحدث من جديد !
تمت ،،،
152

رابط هذا التعليق
شارك

انشئ حساب جديد او قم بتسجيل دخولك لتتمكن من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل؟ سجل دخولك من هنا.

سجل دخولك الان
×
×
  • أضف...