اذهب إلى المحتوى
محاورات المصريين

ثلاثة وتسعون عاماً من قصف العرب بقنابل غربية


Gharib  fi el zolomat
 مشاركة

Recommended Posts

بقلم :غافن غاتينبي

- كاتب استرالي

في العراق لا تمر أيام قليلة من دون ان تقصف قوات الجو الاميركي مواقع مدنية. ومن أفظع الحوادث تلك التي وقعت في أيار (مايو) الماضي, حين اطلقت مجموعة "صبية مجنحين" سعداء بأسلحتهم النيران على عرس, ما ادى الى مقتل 45 شخصاً بينهم أطفال ومطرب محبوب جداً. الا ان هذه الحوادث تقع في شكل يومي في مدن اخرى كالنجف وسامراء والفلوجة, ومناطق ابعد من ان يطاولها الاعلام. والتفسير (اذا اعطي, لأنه نادر) هو دائماً انها ضربات محددة ضد ارهابيين, وهي الكلمة الجديدة التي تطلق على المقاومين. لكن الجرحى الذين نقلوا الى المستشفيات والجثث التي رقدت في مشارح المدينة تعود بغالبيتها الى نساء وأطفال.

ولم تجد التفسيرات الأميركية صدى مقبولاً في الشارع العربي الذي اعتبرها اضافة جديدة الى معاداة الغرب للعرب, وهي نظرة صحيحة في العمق.

قد يرفض الغربيون هذه المقولة, الا انهم قبل ان يقدموا على ذلك, يجدر بهم مراجعة معلوماتهم العامة: فلنطلب منهم تسمية المدينة الاولى في العالم التي تعرض المدنيون فيها لقصف جوّي عشوائي. لا شك في انهم سيسمون غيرنيكا, المدينة الباسكية التي احالها الفيلق الالماني رماداً إبّان الحرب الاهلية الاسبانية. وإذا اسعفتهم ذاكرتهم التاريخية, قد يضيفون ان الحادثة وقعت في العام 1937, مستشهدين بلوحة بيكاسو الشهيرة التي تصور المأساة.

الا ان هذه الاجابة خاطئة, وهي تعكس النظرة الاوروبية للتاريخ المتمحورة حول الذات والتي كانت وراء انتاج طبقة سياسية تستخف بالمشاعر القومية لدى الآخرين, وغياب الثقة المتبادلة مع الغرب, وهو ما أدى الى انزلاق التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الى المستنقع العراقي.

في الواقع الاجابة خاطئة منذ أكثر من ربع قرن. فالقصة بدأت مع الايطاليين الذين رفضوا التخلي عن الامبراطورية الافريقية. وفي العام 1911, عارضت القبائل الليبية العربية الاجتياح الايطالي, وكان مدنيوها أول من قصف جوّاً عندما أمطر سلاح الجو الايطالي طاغورة وعين زارا بالقنابل. تلاهم الفرنسيون العام 1912, بارسالهم 6 طائرات في "مهمة بوليسية" الى المغرب.

وسرعان ما اكتشف الطيارون ان هذا النوع من التقنيات ليس محدداً وانما هو مجرد قصف عشوائي ضد اهداف مدنية ومدن وأسواق وأهراءات. وفي العام 1913, بدأ الاسبان يقصفون المتمردين المغربيين بقنابل - شظايا. وفي السنوات اللاحقة تدرجوا الى الغاز السام.

أما البريطانيون الساعون الى قمع الحركات القومية في امبراطوريتهم الشاسعة, فلم يتأخروا في اللحاق بأقرانهم. ومنذ العام 1915 بدأت القوات الجوية الملكية تقصف قرى اقليم باثان على الحدود الشمالية الغربية للهند. وفي أيار 1919 هاجموا مدناً في افغانستان, وأسقطوا ستة أطنان من القنابل على جلال اباد ونفذوا عملية في دكا استمرت من الفجر الى الغسق وأوقعت 600 قتيل. وقدمت الحكومة البريطانية قنابل الغاز السام الى حاكمها في الهند, الا انه لحسن الحظ, رفض هذا العرض.

وفي مرحلة ما بعد الحرب العالمية الاولى, حين بدت السياسات التقشفية كأنها الضربة القاضية للقوات الملكية البريطانية, اقترح "الصبية المجنحون" اجراء اختبار: اذا تمكنوا من قصف زعيم قبيلة صومالي يلقب بـ"الملا المجنون" وإخضاعه بنصف العتاد الذي كان يستخدم في توغل بري, سينجون بأنفسهم. ونجحت الخطة الى درجة ان وينستون تشرشل طلب والسعادة تغمره من القوات الجوية شن حملة على العراق المتمرد, الذي كانت بريطانيا انتدبت عليه بتوكيل من عصبة الامم (سمي الانتداب في ذلك الوقت "سيطرة من دون احتلال"). وفي عهد آرثر هاريس "المحارب" اخذت القوات الجوية الملكية تنفذ عمليات "القصف البوليسي" ضد عراقيين عرب وأكراد بحماسة ومنهجية. وفي العام 1922 لجأ البريطانيون الى القنابل الفوسفورية والسريعة الانفجار, وهي اشكال بدائية من النابالم, والالغام المضادة للافراد, والقنابل العنقودية التي تقتل وتشوه, والمحرقة لإضرام النار في الاهراءات. حتى انهم استعملوا الالغام التي تحمل راصداً للظلمة لمنع المزارعين من الحصاد ليلاً. ولكن, عندما وقعت ضحيتها مجموعة من النساء والاطفال اختبأوا في بحيرة, أثار ذلك اعتراض تشرشل المولع بالحرب. وفي مناسبات اخرى, استخدم القصف الجوي لمعاقبة فلاحين معدمين على تغيبهم عن جلسة تبرير عدم دفعهم الضرائب.

وفي العام 1924 في مشروع قانون رفع الى البرلمان (مع ملحق بصور لما كان يسمى قرية كوشان الاجازة), برهن هاريس ان القوات الجوية الملكية قادرة على محو قرية عراقية بكاملها وثلث سكانها في 45 دقيقة.

وكان العام 1925 عاماً مميزاً, اذ قصفت فرنسا قرى سورية واجزاء من دمشق. ولعل اسوأ ما حصل قبل حادثة غيرنيكا, هو حادثة شيشاون, البلدة المقدسة في المغرب الاسباني, حين قامت طائرات أميركية "مرتزقة" لسلاح الجو الفرنسي بقصف المدينة انتقاماً لهزيمة نكراء لحقت بالاسبان وأجبرتهم على الانسحاب. ووصفت صحيفة "لندن تايمز" في ذلك الوقت الحدث بأنه "الاشنع والاكثر وحشية وعشوائية في الحرب كلها", وكتبت في خبرها ان الضحايا "نساء وأطفال عزل ذبحوا فيما تم تشويه آخرين ببتر اعضائهم وإعمائهم".

لكن الوضع استمر, حتى جاءت الحرب العالمية الثانية, ثم حرب الثمان سنوات بين فرنسا والجزائر, واحتلال اسرائيل الاراضي الفلسطينية, وقصف العراق بعد فرض عقوبات. التكنولوجيا تطورت من دون شك, الا ان النيات السياسية ونتائجها في ما يخص الضحايا المدنيين ما زالت على ما كانت عليه. لماذا اذاً, تظن غالبيتنا ان غيرنيكا هي الحادثة الاولى للاعتداء على مدنيين؟ لأن الباسك واقعة على الطرف الشمالي للبحر المتوسط, وسكانها اوروبيون. أما كل ما هو خارج القارة الاوروبية الشاحبة, فهو في نظر الرأي العام الاوروبي والقانون الدولي, قبلي ومثير للشغب وغير حضاري, يستحق القصف.

هم لم يعلّموا هذا في مدارسهم, ولم تظهره شاشاتهم خلال حرب العراق, الا ان العرب والافغان لم ينسوا ما حل بهم.

نقلا عن الحياة

رابط هذا التعليق
شارك

انشئ حساب جديد او قم بتسجيل دخولك لتتمكن من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل؟ سجل دخولك من هنا.

سجل دخولك الان
 مشاركة

  • المتواجدون الآن   0 أعضاء متواجدين الان

    • لايوجد أعضاء مسجلون يتصفحون هذه الصفحة
×
×
  • أضف...